الثّورات… من إقطاع الخمس إلى إقطاع العسكر والفقهاء 2/1

تمهيد:

جحيم الأسئلة الخفيّة

قد يبدو اليوم أنّ ما نعيشه أقرب في جذوره وصيرورته إلى مرحلة الإقطاع العسكري، التي ولدت مع غنائم الفتح أو الغزو الإسلامي، ونمت وتطوّرت وتبلورت عبر تاريخ الإسلام في الشّرق الإسلامي والغرب الإسلامي، إلى أن وصلت في تحوّلاتها إلى مرحلة ما يسمّى بالإقطاع العسكري، بعيدا عن التّراث الدّيني ككتب الخراج والأحكام السّلطانيّة ولهذا فلا مندوحة عن رفض ما يراه البعض من أن الإقطاع الإسلامي خضع للقواعد الشّرعيّة حسب أحكام الماوردي، فالفقه لم يكن سوى مبرّر لسياسة الأمر الواقع ويفهم ذلك عند الماوردي نفسه حين رأى أنّ الجند أحق النّاس بالإقطاع، وهي محاولة تبريريّة لسطوة الجند البويهي على الأراضي إبّان الفترة التي عاش فيها.

وقد فطن القلقشندي إلى انفصام الفقه عن الواقع فذكر أنّه “في زماننا فسدت الحال وتغيّرت القوانين وخرجت الأمور عن القواعد الشرعيّة وصارت الاقطاعات ترد من جهة الملوك على سائر الأموال حتّى عمّت البلوى” وفي ذلك أكبر حجة على ابتعاد الأحكام الفقهيّة عن الواقع، وتأكيدا لعدم جدوى الارتكاز على الفقه في دراسة الإقطاع الإسلامي وخطورة إطلاق الأحكام معزولة عن معرفة التطوّر التّاريخي وطبيعة الواقع الاقتصادي الاجتماعي”1

وما تمخّض عن ذلك من تحوّلات كان لها أثر في البنية السياسيّة والنّشاط العسكري وفي البنى الاقتصاديّة والاجتماعية إلى جانب اثر الإقطاع في اندلاع الثورات الاجتماعيّة، ممّا أدّى إلى ضعف نظام الإقطاع العسكري، “وإعادة بناء الدولة المركزية وإنقاذها من التمزق الناجم عن سيادة الإقطاع . “2 لكن سرعان ما عرف الإقطاع نشأته المستأنفة، لان الدولة في العالم الإسلامي كانت دولة المغازي التي أساسها عسكري، وقد امتدت بشكل ما إلى وقتنا الراهن بتطور وتبدل في عواملها الداخلية والخارجية. “إن الإقطاعية ظاهرة ثابتة في العالم الإسلامي الوسيط اتخذت صورا شتى ما لبثت أن تبلورت وتحددت ملامحها وخصائصها المميزة لتسود العالم الإسلامي برمته منذ القرن الخامس الهجري.”3

إن الكثير من سوء الفهم وصعوبته، الذي نعانيه تجاه الثورات والتحوّلات التي تعرفها المنطقة العربيّة والإسلاميّة يكمن بنسبة كبيرة في الفقر التّاريخي، والغياب شبه الكامل للمقاربات النقديّة التاريخيّة لماضينا، الذي سيطرت عليه موضوعا ومنهجا ورؤية الكتابات الأسطوريّة الغيبية أو الإيديولوجيّة عند نخبة حديثة ومعاصرة من المؤرّخين والمفكّرين بمختلف اختصاصاتهم وتوجّهاتهم الفكريّة، حيث سعوا إلى خلق وهم التّجانس الطبيعي والتّطابق الجوهري بين الفكر الدّيني المتأسلم وواقع المسلم المجتمعي والتّاريخي – وشتّان ما بين مسلم / إسلامي من مفارقات واختلافات وصراعات وتناقضات – الشّيء الذي حال دون تأسيس معرفة تاريخيّة لما حصل من سيرورة وصيرورة الواقع الاجتماعي التّاريخي لمجتمعاتنا.

وجزء كبير من هذا الالتباس والتّغليط السياسي في الوعي والفكر التّاريخي كان وراء فشل تحقّق قطائع ابستمولوجيّة واجتماعيّة تاريخيّة حقيقيّة. تلك الكتابات الأسطوريّة اللاتاريخيّة لم ترق إلى مستوى القراءة النقديّة للكتابات التاريخيّة القديمة التي كان وراءها فقهاء ومحدثون “حيث كل مؤرخي الإسلام إمّا كانوا فقهاء وإمّا محدثين”4 كما لم تكلف نفسها الكتابات الحديثة والمعاصرة عناء البحث والجهد والتّنقيب والفحص والتّحليل والنّقد. وفي هذا السّياق النّقدي نودّ أن نقدّم قراءة أوليّة لكتاب الدّكتور إبراهيم القادري بوتشيش تحت عنوان “أثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي من منتصف القرن الثالث الهجري حتّى ظهور الخلافة (250-316)”.

أوّلا سحر الموضوع وعلميّة المنهج وشموليّة الرّؤية

كم هو جميل وشائق أن يتصفّح القارئ أحد كتب د. إبراهيم القادري بوتشيش. فأنت تدرك من البداية أنّك أمام مؤرّخ نقدي لا يستسلم أو يقبل بالمعطيات الجاهزة والسّهلة والأحاديّة الرّؤية. كما لا يقبل باستحالة الحصول على أقصى ما يمكن من المعطيات التي تهمّ موضوع دراسته، كإشكاليّة الإقطاع في العالم الإسلامي التي تشح فيها المصادر والنّصوص التّاريخيّة، ممّا سبّب تعثّرا في منهج بعض الذين سبقوه وضاقت رؤيتهم في الإلمام بكل العناصر والعلاقات الديناميّة، التي يمكن أن تحقّق نوعا من الشّمول في التّناول النّقدي لظاهرة الإقطاع. فهو يعرف أن الإشكاليّة ليست واضحة ولا سهلة أو في متناول اليد بل يكتنفها الكثير من الغموض والالتباس والتعقد، لذلك لجأ إلى البحث والحفر في الكثير من المظان قصد تجميع النّصوص، التي يمكن أن تؤسّس علميا لوجهة نظره من زاوية منظور متعدد الأبعاد في المقاربة والفحص والنقد.

“تطرح دراسة الإقطاع الإسلامي عدّة صعوبات تتمحور حول إشكاليتين أساسيتين: إحداهما صعوبة تحديد مفهوم دقيق للإقطاع كمرحلة تاريخيّة عرفها العالم الإسلامي ببنياته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وأغطيته الإيديولوجيّة والثقافيّة. والأخرى صعوبة الرّبط بين ما ورد في كتب الفقه وما حدث على صعيد الواقع التاريخي”5 وانطلاقا من رؤيته الطموحة لتأسيس قواعد ابستمولوجيّة للدّراسات النقديّة التاريخيّة، بذل مجهودا جبّارا مكّنه من تجاوز الكثير من الصّعوبات، والتغلّب على إحباط شح المصادر، “عن طريق لم شتات النّصوص المبعثرة في الحوليات التاريخية وكتب السير والتّراجم والطّبقات والأنساب والنّوازل وكتب الحسبة والأحكام لما لها من صلة بالتّاريخ السوسيو-اقتصادي…”6

فالأستاذ إبراهيم يضع أمام القارئ الحوليات التاريخيّة الأندلسيّة، فيحلل ويناقش ويؤسّس بشكل عقلاني نقدي وعلمي المعلومات التي يستخلصها من قراءاته للنّصوص. وهو لا يبخل منهجيّا في إشراك القارئ في التّحليل والتقصّي الفكري والاستنتاج حول الأوضاع الاقتصاديّة، ومناقشة نصوص أخبار الفتح الإسلامي، لتكوين أفكار وبناء رؤية موضوعيّة حول الوضعيّة القانونيّة للأرض، وكيفيّة تملكها وطريقة استغلالها. ويبحث أيضا في أسباب وعوامل كساد الأسواق وأثر كلّ هذا في التّاريخ السّياسي. كما يحدّد البناء الاجتماعي الذي يتصدره العسكر والفقهاء وارستقراطيّة الأمراء والأشراف. ويتناول أيضا التّحالف المصلحي المادي بين العسكر والفقهاء، حيث كان الدّين مطيّة للغلبة والثراء ونشر التفكّك والخراب العمراني.

“فقد زودنا ابن خلدون بنصوص هامّة عن خراب العمران واندراس المدن في هذه الفترة”7 كما تدهور النّشاط الفلاحي والصّناعي إلى درجة التّلاشي الكلي، وضعفت أيضا التّجارة التي اقتصرت على السّلع الكماليّة المناسبة لترف العسكر والفقهاء والأمراء، إذ عرفت الفترة ازدهار تجارة العبيد والجواري والغلمان. وأدى هذا التّحالف الرّهيب بين العسكر والفقهاء إلى أزمات ومجاعات وحروب أساسها الغلبة والغزو والاغتصاب، واستباحة الأرض والمال والعرض والإنسان حتّى لو كان حرا مسلما. وتأسيسا على هذا ينكشف التّاريخ المنسي للعامّة، الذين تسميهم الأدبيات الكلاسيكيّة بأهل الشر والرّعاع والغوغاء… التي كان عليها أن تدفع الثّمن بشكل مزدوج في الواقع التّاريخي، وفي نصوص مصادر نخبة الفقهاء والمحدثين التي احتفت بفئات السّلطة الحاكمة وهمشت تاريخ الشّعوب المقهورة. واليوم يتكرّر نفس السّيناريو مع عامّة طغاة الأنظمة الاستبداديّة في تونس، ليبيا، مصر، اليمن وسوريا…

حيث آلاف من الشّهداء والجرحى والمشردين واللاجئين والمفقودين، وحتّى في البلدان التي سقط طغاتها هناك صعوبة العيش لفئات اجتماعيّة دون خط الفقر وبتعبير أدق هم ما دون خط البشر. وهذا خيب ظن أملهم في ثوراتهم المسروقة من طرف الفقهاء الجدد، وهم أقرب في عقليتهم إلى أمراء الطوائف، حيث استراتيجيتهم هي الطائفيّة والفتنة وإضعاف البلاد لجعلها سهلة في متناول العدو الخارجي. وقراءتنا للتحوّلات التاريخيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة في الماضي من بين أهدافه أن ندرك حجم الكوارث الإنسانيّة في حق الشّعوب المقهورة حتّى لا يتكرّر ما حدث وتبقى العيون معلقة في دواليب الطبقة السياسيّة الحاكمة التي تسطو بشكل أو بأخر على التّاريخ المنسي لثورات الفئات المقهورة والمهمّشة فتجهض أحلام الثوار.

لا يشعر قارئ كتاب الأستاذ إبراهيم بثقل النّصوص والمعلومات التي صارت في متناوله، وفق بناء منهجي محكم، بلغة سهلة واضحة ومنطقيّة، بل تزداد الرّغبة قوّة في المزيد من المعرفة لأن اختلالا قد حصل بين ما تمتلكه الذّات القارئة من معلوم المعرفة النمطيّة الجاهزة وما يطرحه الكتاب من جديد معرفي يتناقض كليّا مع ما اطمئن عليه القارئ من وهم الاقتدار المعرفي العلمي، فتنخرط الذّات بدافع الاهتزاز والتحدي في نوع من الهدم للمعلوم المشوه والبناء التّدريجي لمكتسب المعرفة والفكر النّقدي.

لهذا يحرص القارئ على تتبع نصوص الحوليات دون ملل، بل يشعر بفرحة عارمة ممزوجة بنقد الذات التي استكانت لتاريخ البلاط والأمراء والخلفاء والعسكر، أي تاريخ الحروب والعائلات الحاكمة. إنّه التّاريخ الرّسمي، الذي كتبته أقلام الفقهاء والمحدثين، وعملوا على أسطرته، ممّا غيب الحقائق التاريخيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي كانت وراء الصراعات السياسيّة والدينيّة والمذهبيّة والاثنيّة العصبيّة والطائفيّة إلى درجة المجازر المروّعة والإبادة للخصم السياسي والفكري والدّيني والمذهبي، إضافة إلى التّكاليف والفواتير الباهظة التي تدفعها العامّة عند كل منعطف ومنعرج تاريخي، ابتداء بأنواع مختلفة من الضرائب والجبايات والسّخرة والعشور وغلاء الأسعار… مرورا بحالات مختلفة من القهر والعبودية ووصولا إلى جحيم المجاعات والأمراض الفتاكة والتهجير والتنكيل والقتل.

إنّنا مع مؤرخ نقدي يحرّر القارئ أثناء قراءته التفاعليّة للكتاب من التاريخ الرسمي، من خلال تفكيك البديهيات والمسلمات الجاهزة التي تربى عليها وتعلمها بنوع من التلقي الأسطوري المقدّس. ومع التقدّم في قراءة الكتاب تتبلور ضمنيا من خلال مجهود الباحث دعوة نقديّة للقارئ، يحثه فيها على جدية البحث المعرفي المتعب والمرهق، وتعلم الجهد وطول النفس في تجميع النّصوص المبعثرة بعقل نقدي والملاحظة الذكيّة والنظرة الثاقبة والبناء العلمي والتفكير المنطقي المنمي للموضوع وللمنهج والرؤية. وعدم الرّضا بالكسل الفكري المستسلم لقشور المعرفة المعلبة والجاهزة والمتخطية الصلوحيّة، ممّا جعلها سامة قاتلة. إنّها دعوة نقديّة لممارسة فن التّفكير النقدي وتفتيح العيون لاكتشاف التاريخ المنسي “للعامّة” كالفلاحين والمزارعين والعبيد والحرفيين والتجار… أي ما يسمّيه محمود إسماعيل بتاريخ المهمّشين.

ومن بين تلك الكتابات التاريخيّة التي جمع نصوصها الأستاذ إبراهيم كأرضيّة ومادة معرفيّة علميّة لإشكاليّة دراسته نذكر “تاريخ الأندلس لابن القوطي حيث عرض فيه لملكيّة الأرض وتطور وضعيتها والاقطاعات التي أقطعت في مادة غزيرة، كما تناول الثورات الاجتماعيّة والمؤامرات والدّسائس، التي حيكت في البلاط، وسلط الأضواء على سياسة الولاة الجائرة ومسؤوليّة العسكر عمّا آلت إليه الأوضاع في الأندلس”8 والشّيء نفسه يخطه المقري في “كتاب نفح الطيب” في حديثه عن تدهور العمران بسبب، “ظهور شريحة من العسكر ومسؤوليتها عن الاضطرابات التي شهدتها الأندلس”9

أمّا في ما يتعلق بكتب الطبقات والتّراجم والأنساب فإنّ الأستاذ إبراهيم يضعنا إزاء معطيات شائقة كسند معرفي لتقوية منهجه العلمي في الرّصد التّاريخي الاجتماعي، سواء عند محمّد بن الحارث الخشني في مخطوطه” أخبار الفقهاء والمحدثين” أو لدى القاضي عياض في “كتابه ترتيب المدارك”، إضافة إلى كل من النباهي في “كتابه تاريخ قضاة الأندلس”، أو في “كتاب طبقات المالكية” لمؤلف مجهول. ومن هذه الكتب وغيرها ممّا أورده الأستاذ إبراهيم يتّضح بالملموس الأساس الاقتصادي الاجتماعي للنّظام الإنتاجي، والشّكل السّياسي للإقطاع العسكري.

كما نتبين مواقف وموقع ومكانة الفقهاء اقتصاديا اجتماعيا، ووزنهم السّياسي في هرم السّلطة، حيث كانوا أصحاب نفوذ وسطوة نتيجة ما نالوه من اقطاعات واسعة خولتهم ثراء فاحشا، لذلك رسخوا بنيات فكريّة وثقافيّة متزمتة. وقد احتوت الكتب السّالفة الذّكر معلومات ناذرة في صورة وثائق لها قيمة مضافة حول وضعيّة العسكر والفقهاء. من ذلك مثلا “أمدنا – النباهي – بوثيقة هامّة وهي خطيّة تكشف مسؤوليّة العسكر عمّا آلت إليه الأوضاع في الأندلس. وما عمّها من خراب علاوة على إشارات تثبت ظاهرة اغتصاب الأراضي في عصري الولاة والإمارة”10 وفي “كتاب طبقات المالكية” نفاجأ بوجود” معلومات تاريخيّة نادرة أوردها المؤلف ضمن تراجمه. ومن خلالها أمكن الاطلاع على نصوص جديدة عن إقطاع الفقهاء، وظاهرة الامتناع عن كتابة عقود الأراضي، ووضعيّة الفقهاء الممتازة وارتباطهم بالسلطة”11

وما يعزّز ويؤكّد وضعيّة الفقهاء هذه نجده أيضا عندما نتصفّح مخطوط” فقهاء مالقة وأدباؤهم” لمؤرّخ يعرف بابن عسكر الذي يحتوي هو كذلك على معلومات هامة من بينها” وثيقة هي عبارة عن رسالة من الخليفة عبد الرّحمن النّاصر لأحد ولاته يطلب فيها منه أن يسلم لأحد الفقهاء ضيعة كانت في ملكيّته. فأسهمت هذه الوثيقة في دراسة إقطاع الفقهاء” 12 الذين عملوا على ترسيخ الإقطاع العسكري باستغلال سياسي إيديولوجي للدّين دفاعا عن مصالحهم الماديّة. وهذا ما يوضّحه كتاب “جذوة المقتبس” للحميدي الذي “يسهب في ذكر الفقهاء المالكيين المحافظين، الذين عاشوا في هذه الفترة. وبتجميع تراجمهم وأفكارهم يتّضح غلبة الإيديولوجيّة المحافظة المعتمدة على النصّ والتّقليد” 13

وفي سياق إغناء تكوين رؤية شاملة لظاهرة الإقطاع، اعتمد الأستاذ إبراهيم على كتب الجغرافية والرّحلات “كرحلة الوزير في افتكاك الأسير”، وما تضمنه من معلومات حول تخميس الأرض كغنيمة وتقسيمها بين الجنود على شكل اقطاعات، انسجاما مع إيحاءات النص الدّيني الذي يبيح غزو الأخر والسّطو على أراضيه وأمواله ونسائه وأطفاله، “واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإنّ لله الخمس ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل14”. ونحن نرى أن القراءات المصلحيّة للواقع التّاريخي كصراع اقتصادي اجتماعي، هي التي تجد أرضيّة انطلاقتها من استغلال استثمار التمثيل الرّمزي الدّيني، باستحضار تجربة التّأسيس لأصول الجماعة الدّينيّة الأولى، كمتخيّل أسطوري لنشأة النبوّة.

وهذه القراءات تشتغل هنا كبناء تحتي لظاهرة الإقطاع، في تشكلها التّاريخي من إسلام خمس الغنيمة كإقطاع لأرض موات حسب النص الفقهي المفارق لما حدث في التّاريخ إلى إقطاع عسكري، سطا عنوة وظلما وغصبا على كل خيرات وثروات البلد، بتبرير ودعم من المرجعيّة الدينيّة، بدافع من تقاطع المصالح الماديّة للفقهاء مع العسكر. وهو ما ثارت الشّعوب ضدّه بالأمس واليوم من حكم لعائلات هي أقرب إلى الإقطاع العسكري، في شكله السّياسي الاستبدادي القهري، وفي بنياته الماديّة والاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة، حيث هربت الخيرات والثروات وفقرت الشّعوب وفي الأخير لم تسلم المدن والقرى من التّخريب والدّمار ومن القتل البشع للإنسان، ولكل ما هو حي في الوطن وليبيا وسورية… شاهدة على ما نقول.

وإضافة لما سبق نجد أيضا في “الروض المعطار” للحميري حديثا عن تملك الجند الشّامي لأراضي المدن” كما يوضح قدر الجباية على عهد الأمير محمّد وما صاحب هذا العهد من إنشاء الحصون وخراب المدن. ناهيك عن نصوص أخرى ساعدت في إلقاء الضوء على اقطاعات العسكر”15 وما سببه هؤلاء من تدمير وخراب عمراني وبطش في حق التّجار، ممّا أدى إلى “التجائهم إلى بلاد المغرب خوفا من بطش القوى الإقطاعية”16 وهذا ما بينه كذلك البكري في كتابه “الممالك والمسالك” إلى جانب كتابات أخرى لكل من ابن الفقيه وابن خرداذبة…

ولتطعيم بحثه عاد إلى مصادر متنوّعة ومختلفة ككتب الفقه والخراج التي صنفها إلى مجموعتين، أولاهما ناقشت الإقطاع بمفاهيم دينية نظريّة، مثل “كتاب الأموال” لأبي جعفر بن نصر الداودي، أو في مخطوط فقهي أخر يحمل عنوان “الإمتاع في أحكام الإقطاع” لعبّاس بن إبراهيم، والكتابين تطرقا إلى وضعية الأرض اللاشرعيّة، أي أنّها لم تخضع لمنطق الشريعة إبان الفتح الإسلامي. أما في المجموعة الثانية من كتب الأحكام الفقهية التي عرضت للإقطاع الإسلامي من الناحية النظرية نذكر من بين ما أورده المؤلف “الأحكام السلطانية” للماوردي. وبالنسبة إلى كتب الخراج نجد “كتاب الخراج” لأبي يوسف وأيضا ليحيى بن ادم، إضافة إلى كتاب “الأموال” لأبي عبيد بن سلام، ومصادر أخرى تتمثل في كتب النّوازل والفتاوي، ككتاب “المعيار المعرب” للونشريسي الذي عالج هو أيضا وضعيّة الأرض شرعا إلى جانب تعرضه لمشكلة التجارة.

“إذ نقل فتاويه الفقيه ابن لبابة الذي عاصر المرحلة التي ندرسها، فكشف النقاب عمّا تعرضت له الأسواق من اغتصاب وابتزاز العسكر ومحلية التجارة واحتقار الفقهاء لها وندرة الصناعة وانحطاطها”17 بالإضافة إلى “نوازل الأحكام” لابن سهل الذي أورد كذلك نصوصا تتعلق بملكية الأرض “وبيع الأحرار وتحويلهم إلى عبيد” 18 وفي نفس السياق لتوسيع الرؤية والإحاطة الشّاملة بموضوع الدّراسة عاد المؤلف إلى كثير من كتب الحسبة، ولم يهمل في هذا الشأن المتعلق بتقوية مصادر بحثه كتب الأدب والأمثال الشعبيّة، إضافة إلى الموسوعات والمعاجم وكتب السياسة والمذكرات وكتب الفروسية والفلاحة، وهذه الخلفيّة المعرفيّة من المصادر إفادته في معرفة وضعيّة الفقهاء وخراب المدن وسيادة الإقطاع العسكري.

كما عرض بطريقة نقديّة الدّراسات الحديثة لكل من المستشرقين والعرب التي لم تذهب في نظره بعيدا في معالجة ظاهرة الإقطاع الإسلامي بالأندلس، إلا أنّه لم ينكر أنّه استفاد منها واتكأ عليها لتوسيع الرّؤية وضبط موضوع بحثه انطلاقا ممّا وفرته له من معطيات حفزته على تعميق البحث لتوفير المادة الكافية لبحثه. “وبفضل ما تجمع من مادة تاريخيّة أمكن دراسة الموضوع بكافة جوانبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة وفق منهج يقوم على رصد الواقع التّاريخي والإفادة من كافة المظان وتكريسها وفق رؤية اجتماعيّة تضع في الاعتبار تكامل الظاهرة التاريخيّة والقيام بمسح اقتصادي دقيق لتلك الحقبة وبالتالي إعادة صياغة البناء الاجتماعي والسّياسي وفق النمط الإقطاعي” 19