
الفلسفة أمّ العلوم، والحرية هي بنت الفلسفة المدلّلة التي حظيت على مرّ العصور بأكبر قدر من النظريات والمناقشات والأفكار الفلسفية، ومؤخّراً دخل على خطّ الحرية علم لم يكن في البال هو علم الرياضيات، حيث حاول عالما رياضيات معروفان أن يجيبا عن السؤال الأزليّ: هل نحن أحرار؟ وهل إرادتنا الحرّة ـ إن وجدت ـ مطلقة أم مقيدة؟
انطلق العالمان في محاولتهما للإجابة عن السؤال السابق من مبدأ بسيط زعما أنهما توصّلا أخيراً إلى البرهان عليه رياضياً، وهو المبدأ القائل: إذا كنّا كبشر نمتلك إرادة حرّة، فإنّ الجسيمات تحت الذرية يجب أن تكون كذلك، وإلا فلا حرّية ولا إرادة حرّة، لا للبشر ولا للجسيمات. ويبدو أنّ هذا المبدأ ليس حديثاً كلياً، ففي القرن الأول قبل الميلاد كتب الفيلسوف والشاعر الروماني تايتوس لوكريتيوس كاروس متسائلاً بما معناه: إذا لم تكن الذرّات قادرة على تغيير اتجاهاتها وتوليد حركات جديدة يمكن أن تكسر تسلسل روابط القضاء والقدر ـ السلسلة الأبدية للسبب والنتيجة ـ فما هو مصدر الإرادة الحرّة التي تملكها الأشياء الحيّة على طول هذه الأرض؟
ورغم أنّ الإرادة الإنسانية الحرّة تبدو من أكثر الموضوعات الفلسفية صعوبة وهلامية ـ إذا جاز التعبير ـ وأبعد ما يكون عن دنيا الرياضيات وشروحها وبراهينها، فإنّ العالمين جون كونويJohn Conway وسيمون كوتشين Simon Kochen ، وهما عالمان محترمان جدّاً من جامعة برينستون، قرّرا منذ سنوات أن يخوضا غمار هذه المعمعة، حتى توصّلا مؤخراً إلى ما اعتبراه برهاناً رياضياً على المبدأ التالي: إذا كان الإنسان يمتلك ولو جزءاً بالغ الصغر من الإرادة الحرّة، فإنّ الذرّات ينبغي أن تتصرف بشكل حرّ، غير قابل للتنبّؤ والتوقّع. وبما أنّ علم ميكانيك الكمّ التقليديّ قد تبنّى سابقاً فكرة عدم القدرة على التنبّؤ بالنسبة لسلوك الجسيمات (حيث تقول نظرية الكمّ: إنّ أفضل ما يستطيع أيّ شخص أن يتمنّى فعله هو التنبّؤ بأرجحية أنّ الجسيم سوف يتصرّف بطريقة معيّنة)، فإنّ علماء الفيزياء لم يشعروا بعد الاكتشاف الرياضي الفلسفيّ الجديد ـ إذا جازت التسمية ـ بأيّ نوع من القلق أو التردّد على الإطلاق، رغم أنّهم على طول الخطّ رجوعاً إلى اينشتين نفسه لم يكونوا سعداء بهذه الفكرة، ومن الأقوال المشهورة لاينشتين في هذا المجال: الربّ لا يلعب النرد. وقد حاول بعض علماء الفيزياء في الواقع، ومنذ ولادة ميكانيك الكمّ، أن يقدّموا تفسيرات بديلة لمعادلاتها بهدف التخلّص من هذه اللا حتمية indeterminism. ولعلّ التفسير البديل الأكثر شهرة يعود إلى عالم الفيزياء ديفيد بوم David Bohm الذي حاول في خمسينات القرن الماضي أن يثبت أنّ سلوك الجسيمات تحت الذرية محدّد كلياً بـ “عوامل متغيرة خفية” لا يمكن مراقبتها. أما كوتشين وكونوي فيريان أنّ هذا البحث ميئوس منه، ويزعمان أنهما يمتلكان البرهان على أنّ عدم إمكانية التنبّؤ هو أمر متأصّل في العالم نفسه، أكثر مما هو مجرد نظرية كمّ. بينما يرى علماء فيزياء آخرون أنه يجب الكفّ عن نظرية الحتمية، أو الكفّ عن نظرية الإرادة الحرّة، حتى أصغر جزء من الإرادة الحرّة.
{{برهان كونوي كوتشين سبيكر:}}
تنطلق مناقشة كونوي وكوتشين من برهان قديم اكتشفه كوتشين نفسه قبل أربعين عاماً بالاشتراك مع زميله ارنست سبيكر Ernst Specker. فمن المعروف أنّ الجسيمات تحت الذرية تمتلك خاصية تسمّى العزم الزاوي [عز] الذي تحدّده حركة الجسيم ودورانه على المحاور المختلفة، فعلى كل محور يحدث للجسيم نفسه عزم زاوي مختلف عنه على محاور أخرى. وقد أظهرت التجارب أنّ هناك نمطاً من الجسيمات تحت الذرية التي عزمها الزاوي واحد [جسيم عز=1]، وهذا النمط يمتلك خاصية غريبة تلخص كما يلي: إذا اخترنا ثلاثة محاور عمودية، وحرّضنا جسيم عز=1 بغية تحديد ما إذا كان العزم الزاوي حول كلّ محور من محاوره هو صفر، فإنّ واحداً من المحاور بكلّ تأكيد سيكون له عزم زاوي صفر، بينما لن يكون العزم الزاوي على المحورين الآخرين صفراً. وهذه القاعدة سمّاها كونوي وكوتشين: قاعدة 1-0-1 .
من الواضح أنّ خاصية العزم الزاوي هي واحدة من تلك الخاصيات التي لا يستطيع علماء الفيزياء التكهن بها ولا بكيفية تطورها قبل التحريض. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتخيّل أنّ العزم الزاوي لجسيم ما حول أيّ محور، كان محدداً قبل أن يصل أيّ شخص آخر ليحرّضه. وهذا هو تماماً ما نفترضه نحن بشكل عاديّ في الحياة اليومية، فنحن لا نتخيّل مثلاً أنّ جداراً أبيض قد تحوّل أبيض اللون، تماماً في اللحظة التي نظرنا فيها إليه، بل نحن نعتبر أنّه كان أبيض اللون طيلة الوقت، قبل النظر إليه وبعد ذلك أيضاً. لكن كوتشين وسبيكر أظهرا أنّ هذه الفرضية ـ فرضية أنّ الجدار كان أبيض طيلة الوقت ـ لا يمكن أن تصمد في عالم الجسيمات تحت الذرية الغريب. لقد استخدما فرضيات رياضية صرفة لإظهار أنه ما من طريقة تمكّن الجسيمات من اختيار عزومها الزاوية حول كل محور متخيّل أو يمكن تخيله، بحيث تتوافق مع قاعدة 1-0-1 . وفي الواقع فإنّ مجموعة من 33 محوراً فقط ستكون كافية لإدخال الجسيم في حالة تناقض مع القاعدة آنفة الذكر، فالجسيم يستطيع اختيار العزوم الزاوية حول أوّل 32 محوراً بشكل يماشي القاعدة، ولكن بالنسبة للمحور الأخير لا الصفر ولا اللا صفر سوف يعمل بما يناسب القاعدة، لأنّ اختيار الصفر سوف يوجد مجموعة من ثلاثة محاور متعامدة اثنان منها صفر، أما اختيار اللا صفر فسوف يوجد مجموعة مختلفة من ثلاثة محاور متعامدة ثلاثتها تكون لا صفر، مما يؤدي في كلتا الحالتين إلى كسر قاعدة 1-0-1. من هنا استنتج كوتشين وسبيكر أنّ الجسيم ليس بمقدوره أن يحدّد عزمه الزاوي في أيّ اتّجاه قبل أن يتمّ قياسه، ولو أنّ ذلك يحدث فعلياً لكان علماء الفيزياء قادرين أحياناً على مراقبته وهو يكسر قاعدة 1-0-1 ، الأمر الذي لا يحدث أبداً. بل الذي يحدث، بدلاً من ذلك، هو أنّ الجسيم يحدد أثناء طيرانه العزم الزاوي الذي يأخذه على محور طيرانه.
{{لعبة العشرين سؤالاً:}}
في سبيل تبسيط الفكرة وتقريبها للأذهان، يمكن مقارنة الموقف بـ “لعبة العشرين سؤالاً”، وهي لعبة يضمر فيها أحد اللاعبين اسم شيء ما أو موضوع ما في نفسه، ويوجه إليه اللاعب الثاني ـ الخصم ـ أسئلة جوابها: نعم أو لا، بغية التوصل إلى اكتشاف اسم ذلك الشيء أو الموضوع. فاللاعب الشريف يقرّر سلفاً في نفسه موضوعاً واحداً لا غير، ويجيب عن كلّ سؤال من أسئلة خصمه بصدق وشرف، على أمل ألا يتمكّن الخصم من الاستدلال على ما قام باختياره. أماّ اللاعب الذكيّ فيمكنه أن يغشّ، عبر تبديل الموضوع بشكل جزئيّ على طول الخطّ، وفي هذه الحالة، لا تكون أجوبته عن أسئلة الخصم محدّدة مسبقاً، وهنا نقطة التشابه مع سلوك الجسيم، كما شرح كوتشين وسبيكر، فالجسيم ـ وفقاً لهما ـ يشبه اللاعب الغشّاش، وقد استنتجا ذلك بإظهار أنه لا يوجد موضوع مفرد يرضي كلّ الأسئلة (أو الـ 33 محوراً) في نفس الوقت.
لكن ثمّة تفسير محتمل آخر، فربّما يكون العزم الزاوي للجسيم محدّداً مسبقاً بشكل كامل، إلا أنه يعتمد على شيء ما إضافيّ يتعلّق بحالة ووضع الكون من حوله. سوف يكون ذلك مشابهاً للاعب في “لعبة العشرين سؤالاً” قرّر بشكل حاسم أن موضوعه هو الحمار عندما يكون سؤال خصمه بصيغة: هل هو كذلك؟، وأنّ موضوعه هو الحصان في حال العكس، أي أن تكون صيغة السؤال مثلاً: هل يمتلك ذلك؟، أو مستخدماً أيّ قاعدة تحكمية أخرى بشكل ثابت وراسخ. فعلى سبيل المثال، إذا سأله الخصم:هل هو شيء له آذان كبيرة؟ سيكون الجواب: نعم. ولكن إذا سأله خصمه: هل يمتلك آذاناً كبيرة؟ سيكون الجواب:لا. ففي هذه الحالة تكون الإجابات محددة سلفاً، حتى ولو لم يكن الموضوع في ذهن اللاعب مفرداً.
{{تجربة متخيلة:}}
يقول كونوي وكوتشين إنهما يمتلكان برهاناً على أنّ استجابات الجسيمات لا يمكن أن تكون محدّدة سلفاً، ويزعمان أنهما يستطيعان أن يبرهنا على حقيقة أنه ليس هناك لوغاريتم ولا نظام ولا طريقة يستطيع بها الجسيم أن يعطي إجابة وحيدة، أو أن يقرّر ويحدّد المواصفات بشكل سابق للأوان. وهما لا يخفيان دهشتهما وذهولهما مما استطاعا القيام به والبرهان عليه. وقد تخيّلا تجربة فكرية لبرهانهم تقوم على أن يتشابك جسيمان عزمهما الزاوي واحد، بحيث يكون عزماهما الزاويان متماثلين على طول أيّ محور محتمل، ويبقيان كذلك حتى لو انفصل أحدهما عن الآخر لمسافة بعيدة. فإذا شبكنا جسيمين بهذه الطريقة، ومن ثمّ أرسلنا عالم الفيزياء (س) مع أحد الجسيمين إلى المرّيخ، وتركنا الجسيم الثاني على الأرض مع عالم فيزياء آخر (ع)، بحيث لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال، وفقاً لنظرية النسبية، تمرير المعلومات بين عالمي الفيزياء أو بين الجسيمين. الآن إذا قام (س) و(ع) كلّ على حدة ومن حيث هو بتحريض الجسيمين على طول بعض المحاور التي يختارانها بحرية كاملة، فإنه إذا صادف واختارا كلاهما نفس المحور، فسوف يحصلان على نفس الاستجابة. لنتخيّل الآن أنّ جسيمي التجربة يشبهان لاعب “العشرين سؤالاً” الذي تحدّثنا عنه قبل قليل والذي موضوعه أحياناً حمار وأحياناً حصان، مع وجود قاعدة ثابتة وراسخة تحدد له حول أي حيوان سيكون الجواب. ومهما تكن تلك القاعدة، فإنها تستخدم من قبل كل من الجسيمين المحرضين وتدفعهما إلى نفس العزم الزاوي. ويمكن تشبيه هذا الأمر كما لو أن لاعب “العشرين سؤالاً” قد استنسخ، وبالتالي يكون كلا اللاعبين مجبراً على إعطاء إجابات تدلّ على نفس الحيوان.
ولكن، من جهة أخرى، أظهر كونوي وكوتشين أنّ هذا السيناريو غير ممكن بالنسبة للجسيمات الإفرادية. وقد استشهدا بتناقض كوتشين سبيكر القديم، والمشروح أعلاه، لإظهار أنّه إذا كان سلوك جسيم ما عزمه الزاوي واحد محدداً مسبقاً، فإنه لن يسمح له “بتبديل حيوانه”، وفق قاموس “لعبة العشرين سؤالاً”، ولن يكون ممكناً إعطاء أجوبة تتوافق مع قاعدة 1-0-1. كذلك إذا كان (س) و(ع) محظوظين في اختيار محاورهما، فسوف يكونان قادرين على إجبار الجسيمات إمّا على مخالفة أو على كسر قاعدة 1-0-1 وذلك بعكس البرهان التجريبي. من هنا يرى كوتشين وكونوي أنّ أفضل طريقة للابتعاد عن هذا التناقض هو القبول بمبدأ أن العزم الزاوي للجسيم لا يكون موجوداً ما لم يتمّ قياسه. على أنّ هناك على ما يبدو منفذاً واحداً للهروب من تلك المتاهة: لنفترض للحظة أنّ اختيار (س) و(ع) للمحاور التي ستقاس عليها العزوم الزاوية ليس اختياراً حرّاً، فآنذاك تكون الطبيعة قد “تآمرت” لمنعهما من اختيار المحاور التي ستظهر كسر القاعدة!. طبعاً لا يستطيع كوتشين وكونوي أن يستبعدا هذا الاحتمال كلياً، ولكنهما يتّكلان هنا على الإحساس الطبيعي للبشر بأنهم يفعلون ما يفعلونه بإرادتهم الحرة الخاصة، حتماً ليس بشكل كامل، ولكن بالتأكيد إلى نقطة معرفتهم بأنهم يمكن أن يختاروا الزرّ الذي يضغطون عليه في جهاز ما. وأي إنسان طبيعي سوف يسخر وربما ينفجر ضاحكاً من أيّ كلام يناقض ذلك الإحساس.
{{موافقون ومعارضون:}}
من الناحية المثالية ينبغي أن يكون البرهان الرياضي موجباً لتبديد كلّ الشكوك، ولكن كوتشين وكونوي لم ينجحا حتى الآن في إقناع عدد كبير علماء الفيزياء بأحقّية ما قاما به. فمثلاً يعبر العالم شيلدن كولدستين Sheldon Goldstein من جامعة روتغرز عن عدم اقتناعه بالأمر، وهو يعتقد أنّ البرهان المزعوم لا يحتوي ضمناً على أيّ شيء جديد، معتبراً أنّ الإرادة الحرّة توجد فقط بشكل عمليّ، وليس بشكل نظريّ. وقد أمضى كولدستين والعديد من زملائه ساعات طويلة يناقشون هذه الفرضية مع الثنائي الرياضي كوتشين وكونوي خلال السنوات الأربع الأخيرة، أي منذ نشرا فكرتهما للمرة الأولى. وعلى الرغم من أنّ النسخة الأحدث من أفكارهما، المنشورة في تموز 2008، تحاول أن تجعل من بعض الانتقادات عاملاً معزّزاً لاستنتاجهما، إلا أن سوء الفهم المتبادل ما يزال مسيطراً ولم يغيّر مساره حتى اليوم، الأمر الذي يعتبره كولدستين مدعاة للاكتئاب والحزن، ويعلّق فيما يشبه السخرية:”أن لا يتمكن الناس من التواصل مع بعضهم البعض في مجال السياسة، فهذا أمر مفهوم، ولكن لا ينبغي ـ فيما أرى ـ أن ينسحب هذا الأمر على المجال العلمي”.
أما جيرارد ت. هوفت Gerard ’t Hooft من جامعة أتريشت في هولندا، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1999، فيعتبر أنّ استنتاج الثنائي الرياضي صحيح، ولكنه هو شخصياً يفضل مذهب الحتمية على نظرية الإرادة الحرّة، بل ويتمسّك بهذا الإيمان بالحتمية بقوة وعناد، وعن تجربة الثنائي الرياضي المشروحة أعلاه يقول ت. هوفت: “كمؤمن عنيد بمذهب الحتمية، أعتبر أنّ اختيار أشخاص التجربة لما سيقاس من عزوم زاوية مثبت منذ فجر التاريخ ، وكذلك خصائص الشيء الذي قرّروا أن يسمّوه الفوتون. إذا كنت مؤمناً بالحتمية، يجب أن تؤمن بها على طول الطريق، ولا مفرّ ممكناً أمامك. وأنا أعتقد أن جوهر ما أظهره كوتشين وكونوي هنا ـ وبطريقة جميلة ـ هو أنه من المستحيل دعم وتأييد الاعتقاد الفاتر بالحتمية الكاذبة”.
{{خلاصة:}}
يبدو أنّ ما عجزت الفلسفة عن حسمه على مدى آلاف السنين، لن تستطيع الرياضيات حسمه في بضع سنين، وليست الخلافات بين علماء الرياضيات والفيزياء بشأن الموضوع اللغز، بأقلّ حدّة منها بين الفلاسفة والمفكرين وأتباع المذاهب الدينية المختلفة على مرّ العصور. ويبدو أننا سنظلّ، إلى وقت طويل وربّما إلى أبد الآبدين، نسمع دويّ السؤال: هل نحن أحرار؟ أم مجبرون؟ أم منزلة بين المنزلتين؟.