
من يتابع، اليوم، أخبار الإسلام والمسلمين، ولديه حدّ أدنى من التشبع بقيم العقل والحرية والتقدم، يصاب، ولا شك، بالإحباط والكآبة، فليس هناك، من العراق … إلى أفغانستان.. إلى الصومال …[أنا هنا أقتصر على المهيمن إعلاميا] إلا خبر الحزام الناسف الذي يفجر الشيعة في العراق في عزّ احتفالهم الديني، وليس هناك إلا الخبر الذي يحكم، في أفغانستان الطالبانية، على المرأة غير المبرقعة بحدّ الجلد، وليس هناك إلا الخبر الذي يحاكم المخالفين في السودان والصومال سياسيا بتهمة المروق دينيا.
وهذه أخبار تتواتر يوميا، وتتحول إلى نوع من “الروتين اليوميّ” إلى حد أن قنوات تلفزيونه عربية بعينها تبني رأسمالها الرمزي والمادي على التفنّن في الاستحواذ على مصادر الخبر والتحليل في هذا المجال.
وعليه، يطرح السؤال التالي: ما هي صورة الإسلام المهيمنة راهنا ؟ والجواب هو – مع الأسف – حاضر وجاهز : لقد اختزل الإسلام في مجرد صورة حزام ناسف، وبرقع أسود مقيت، ومحاكم إسلامية قروسطية.
هذا ما يصدق أن ننعته- بالرجوع إلى عبارة فولتيرية شهيرة- بالعار الجديد. ففي فرنسا مثلا – وهي موطن فولتير ومنبع فلسفة الأنوار- يغرق الإعلام كلّه في مناقشة مسألة ارتداء البرقع. و يا لها من ردة : فأكثر من قرنين بعد فولتير (توفي عام 1778) الذي رفع شعار “امحقوا العار” écrasez l’infâme ها هو “العار” يمشي متبخترا في في باريس الأنوار. وتغرق الجرائد والمجلات والقنوات الإذاعية والتلفزية الفرنسية في “مناقشة” موضوع منقرض من المفروض أن الإنسانية قد تجاوزته لما تمّ الإقرار بإنسانية المرأة التي هي ليست مجرد “حرث” للرجل.
لقد كتب فولتير في 1739 مسرحية بعنوان “محمّد أو التعصّب” على أساس وقائع قام بـ”تحريفها” ليس بالمعنى الإبداعي الفني (هذا كان سيكون مقبولا) ولكن بقصد تقديم الإسلام كصورة متطرفة لنزعة التعصب الديني المستندة إلى الجهل وتصوير نبي الإسلام كشخصية سطحية مدعية تمارس العنف والقسوة بلا وخز ضمير.
وكانت هذه زلة كبيرة من فيلسوف التنوير الكبير تسبب فيها –على ما يبدو- أمران:
– عداء فولتير الشديد للمسيحية وللمسيح وبالتالي موقفه السلبي – بدءا- من كل الأديان والأنبياء.
– محدودية اطلاعه، وقتئذ، على الإسلام تاريخا وثقافة (= ترجمة جورج سالي Sale للقرآن في 1734 وكتاب جان كانييه Gagnier حول حياة محمد المنشور في 1732) .
لذا، سيتوقف عرض المسرحية سريعا لأن رجال الدين المسيحيين النافذين أثارتهم تلميحات فولتيرية اعتبروها تستهدف المسيحية ذاتها والمسيح تخصيصا من وراء التعرض للإسلام ونبيه.
ومن جهة أخرى ، فقد بدأت معرفة فولتير بالإسلام وشخصية محمد تتسع و تدقق (اطلاعه مثلا على موسوعة Herbelot المعنونة بالمكتبة الشرقية)، فجاءت كتاباته التالية حول الإسلام والمسلمين أكثر إيجابية : من المقال المنشور في القاموس الفلسفي بعنوان القرآن (1748)، حيث سيعيد قراءة ترجمة سالي بنفس نقدي ومنفتح، إلى النص المنشور سنة 1763 بعنوان catéchisme de l’honnête homme حيث سيصل هجومه على المسيحية ذروته باعتبارها دين الخرافة والتعصب مقابل الإسلام الذي هو دين أقرب إلى الدين الطبيعي (= دين الفطرة والعقل السليم) وعقيدة المؤلهين les théistes التي كان فولتير –كتنويري- من معتنقيها.
والخلاصة أن فولتير في عدائه الشديد للتعصب المسيحيّ الذي نعته بالعار الذي يلزم محقه يقدم لاحقا صورة إيجابية للإسلام و نبيّ الإسلام “يكفر” فيها – وبمعنى من المعاني- عن زلّة مسرحية “محمد أو التعصب” التي بلغت فيها هذه الصورة حد الكاريكاتير.
والسؤال المطروح راهنا هو التالي:
– لو ينهض فولتير ويرى صورة الإسلام والمسلمين كما تنتشر وتهيمن اليوم إعلاميا –الحزام الناسف والبرقع والمحاكم الإسلامية- ماذا سيكون موقفه؟
يقينا أنه سيصاب بالإحباط ويغرق في الكآبة –كتنويري مشبع بقيم الحرية والعقلانية والتقدم- ويصرخ صرخة فولتيرية جديدة: امحقوا العار الجديد!