الحياة على صاروخ!

صار ممجوجا مُمِضًّا ومهينا للعقل العربي الذي قصده الجابري والذي لم يقصده ألا تكون إطلالات حسن نصر الله محصورة في أمرين اثنين، إمّا الدّفاع عن نظام القتل في دمشق أو الإسهاب في حديث الصّواريخ ومداها وأنواعها. ويبدو على إطلالته أنّه على تنسيق كامل مع عرّابه في طهران، أحمدي نجاد، الذي لا يتحدّث في الآونة الأخيرة إلا في أمور على الخط ذاته، عن التّهديد بإزالة إسرائيل عن الخارطة وعن قدرات بلده العسكريّة وإنجازاتها في مجال الذرّة والصّواريخ القادرة على تغطية كلّ شبر من إسرائيل.

هذا بالفارسيّة وذاك بالعربيّة والخطاب واحد، القدرة العسكريّة وترسانات الصّواريخ المحكمة والهائلة التّرويع. كأنّهما فتيان في الحارة في الفناء الخلفي يستعرضان الذّكورة أمام الزّملاء أو يتحدّثان بخُيلاء عمّا يستطيعانه من قذف لدى ممارسة العادة السرّية! تشبيه تفرضه تنظيرات فرويد حول الذكورة والدوران في هوامها وتأويلها الحرّ في فضاء لا يلبث أن يحتله الرّجلان بما تيسّر لهما من قدرات ذكوريّة!

لو أننا صادفنا رجلا لا يتحدّث إلا في أمر ذكورته لنعتناه بالمريض المحتاج إلى علاج أو لنعتناه بالرّجل المِنكاح المكثار الكلام المهووس بالجنس وما فيه من متعة أو نشوة. أو لقلنا إنّ الرّجل ربّما كان عاجزا أو باردا جنسيّا فعوّض نفسه بحديث الفحولة والذكورة وبالغ في توصيف ما يقدر عليه من قبيل التمني. وهو ما ينسحب على الرّجلين المذكورين. فما أن يصحوا من نومهما أو أن يريا عدسة مصوّبة نحوهما حتّى ينبريا يستعرضان “العدّة” ويلوّحا بمفعولها.



شيء ما مريض في هذه الحالة التي يمثلها الرجلان بإطلالتهما وخطابهما. فهما يمثلان عقلية مُسطّحة وذات بُعد واحد وحيد وهو السّعي إلى حرف نظرنا عن كلّ مثالبهما وكوارث سياستهما والسعي إلى إقناعنا بأن الدنيا تقوم وتقعد على صاروخ، وتتجسّد في صاروخ وتتحرك على صاروخ ومنتهاها الصاروخ! فنجاد أخذ إيران إلى التهلكة بوضع كل موارد البلد تحت مشروع غيبي يكاد ينقلب عليها ليثبت النظرية ويهلك البشر! وكذلك نصر الله أسر لبنان وخطف البلد إلى الضاحية رهينة مشروع عرّابه الأول!

ولأنهما لا يستطيعان حجب الشمس بعباءة الفقيه ولا بعمامته فإنهما لا ينفكا كلما تحدثا عن إقناعنا بألا نوجّه النظرات إلى ما تحت العباءة بل أن نتخيّل السيناريو الذي يعدّانه ولو لفظيا وهو سيناريو إسرائيل وهي تحترق بصواريخهم أو “بيت العنكبوت” على لسان نصر الله وهو يتمزّق. وهنا أيضا، يُمكننا أن نعوّل على فرويد. فكأن الفتيان من الحارة المذكورة يصفان لنا بشيء من التفصيل والتهويل ما سيفعلانه بأول عذراء تقع تحت سنابك فحولتهما! وكيف سيتحول جسدها إلى مُزق تحت ضربات التستسترون المتدفق في عروقهما ذكورةً لا تُبقي ولا تذر!



رجلان لا يُجيدا إلا مثل هذا الحديث هما رجلان ميتان من الخوف لئلا تتقوض مملكتهما بفعل الوقائع على الأرض أو هما خائفان لئلا يختفيا أو ينتهيا فيشبعانا ضجيجا واستعراضا لقوّة موجودة مفقودة لإحداث توازن مع الخوف الذاتي من خلال إنتاجه لدى خصم متوهّم أو تحويله إلى قوة مدمّرة نحو الخارج. وقد يكون لإيران وحزب الله ترسانة من الصّواريخ لا تنضب لكن هل شفعت منظومات الصّواريخ النووية السوفييتية للدولة العظمى وهل أنقذت النظام المركزي في موسكو. إنه سباق تسلّح وقوة قد يبدو كاسبا في لحظة أو لأول وهلة لكنه استنفد موارد إيران ودمّر لبنان أو هو على وشك وحوّل نصف الشعب الإيراني إلى فقراء والنصف الآخر إلى رهائن مشروع لا قرار له ولا هو قابل إلا للموت. بينما حوّل نصر الله لبنان إلى خط من الثكنات التابعة للحرس الجمهوري الإيراني.



لكن الأمر لا يقتصر عليهما وحدهما لأن هناك آلاف مؤلّفة تهتف لهما أو تقف كالمسامير مُصغية ومتيقظّة جاهزة بكليتها للاستجابة لأوّل هتاف أو حركة يد مُشيرة. كأن هذه الآلاف أعضاء في الرّجل المتحدّث أو قطعة متماسكة واحدة تتحرّك أو تتسمّر على نبض التستسترون في الخلايا المنتقل إلى الهواء بواسطة الصوت. عمليا، نجد أنفسنا في مواجهة ظاهرتين مكملتين:

الأولى ـ هذا الاشتغال المرضي بالصّواريخ رمز القوّة والذّكورة، وهذه الألوف التي تتحوّل إلى كتلة منصهرة واحدة ما كان ليخجل بها لا نازيو ألمانيا ولا فاشيو إيطاليا ولا ستالينيو موسكو.

ألوف مؤلّفة حول طوطمها مكهربة بالفحولة والقوّة جاهزة للاندفاع اللفظي كأنّه الانتشاء الوهمي في حرب وهميّة مع عدوّ متخيّل أو متصوّر. بينما الحياة تتطلب أكثر من مجرّد صاروخ/عضو ذكري وأكثر من مجرّد تستسترون وكلمات وهتاف. فالجموع نفسها منتشية من الكلام، سكرى به تتيه على وجهها ليبتسم القائد ابتسامة ظفر. وكلّ هذا ضمن الإنشاء والتخيّل الذاتي كالاستمناء تماما ـ فعل ذاتي قد يصبح عند البعض ظاهرة استعراض الأعضاء أمام النّاس وإبرازها كهويّة ولكن مرضيّة حتّى النُخاع.



المشهد يرتسم تباعا مرّة من طهران ومرّة من بيروت في ميدان أو عبر الشّاشة. ويستسيغه بعض مَن نعرفهم فاعلين تاركين في السّياسة. فيبدو أن الصّاروخ رمز جنسيّ فيه من الإغراء الكثير. فمن لا يريد عضوه صاروخا عابرا أو مدمّرا! فيطلعون علينا وهم سكارى من استعراض القوّة لفظيا ويكتبون في تمجيد الكاتيوشا والصّواريخ ويصعدون السّطوح راغبين في أن يمسّهم منها قوّة وعظمة!

يُمكن أن الجموع الضّعيفة تقدّس القوّة ويُمكن أن القائد يعرف ما في النّفوس الضعيفة فيشحنها مثل البطارية إلى أن تفرغ فيعاود الكرّة إلى أن يبحّ أو يسقط مثل صدام أو ستالين وإمبراطوريته.



المسألة في أحد وجوهها هو ذاك الفعل المقصود لغسل الدّماغ وحشد النّاس من خلال تمثّل القوّة الصاروخيّة. فمثل هذا الفعل هو في شقّ منه حرف نظر الجموع عن قضاياها الحقيقية وخلق نوع من الوعي الكاذب بوجود خطر ووجود “قدس سليبة” و”فلسطين مُغتصبة” وكلها قضايا توجب الغرق في الفقر والفاقة والتضخّم المالي وتخريب الاقتصاد وتدمير قدرات الدّولة ـ هذا في إيران. أمّا في لبنان فإنّ “المقاومة” الموهومة هذا الشيء الضبابي فيوجب خطف الدولة وتنغيص عيش الشّركاء في الوطن حتى إشعار آخر! فكأن نجاد ونصر الله يُجلسان الجموع على الصاروخ بوصفه بساط الرّيح إلى جنّة موعودة.

تماما مثل دعاوي الخميني الذي جعل الجموع وقودا لحرب فاشلة مع صدام! فما دامت اللعبة القوة والفحولة فهناك مَن قدر له أن يكون ضحيّة بأشكال عدّة. كفقير ومُعدم أخذت منه الدولة أحلامه وطعامه وكرامته. كجندي فعلي أو بالاحتمال في حروب لا طائل من ورائها. رهينة مشروع القوّة الجاثم مثل الكلام فوق الصدور والأماني. مشهد هو منتهى العبث إذ يجتهد الرّجلان ـ نصر الله ونجاد ـ في إقناع جموعهما أن القاهر البعيد هو السبب في كل شيء بينما السبب الحقيقي في الصّاروخ الذي لا طائل من ورائه وصاحب الصّاروخ الذي يلوح به كفتى الحارة الذي لا ينفكّ يلوّح بذكَرِه ولا يعيش إلا به حتى يتعذّر الانتصاب أو لإخفاء عدم القدرة على الانتصاب.



رجلان يُقدّسان القوّة ويجعلانها فوق كلّ شيء بما في ذلك فوق الإنسان الذي يدعيان سموّه.

وهما في الواقع لا يختلفان عن أي نيرون سابق أو لاحق لا يحلم إلا بالسّؤدد ولا عن أي حالم بالسيطرة على ما تطاله صواريخهما من حيّز. ولا يخفف من فعلهما وجود قوى أخرى ساعية إلى فرض سيطرتها وهيمنتها. والفارق هو أن تلك الجهات لا تعتمد الصّاروخ وحده ولا يستيقظ قادتها كل صباح وفي أفواههم أسماء الصواريخ ومداها. وهي قادة تقف لتعداد منجزاتها لا قوّتها لأن القوّة الحقيقية في أنظمتها في صناديق الاقتراع وليس في قوات الباسيج أو الشبيحة أو في ذوي القمصان السّود أو في ولاية الفقيه والملالي!

 

[marzuqh@gmail.com->mailto:marzuqh@gmail.com]