الخريف والحداثة الشعرية

تحت عنوان: الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية، كان الناقد الفرنسي “هنري لوميتر” قد كتب فصلاً ممتعاً في كتابه الكبير: من الرومنطيقية إلى الرمزية (1790-1914). والواقع أنه لا يمكننا أن نفهم حركة الشعر الحديث في أوروبا إذا لم نفهم المدرسة التي سبقتها مباشرة، وأقصد بذلك: الرومنطيقية. فمن رحِم هذه المدرسة، أو ضدّها، نشأت الحداثة الشعرية. كان “غوته” قد أطلق عبارته الشهيرة: مع فولتير انتهى عالم بأكمله، ومع جان جاك روسو ابتدأ عالم بأكمله. هذا يعني أنّ فولتير أغلق العصر الكلاسيكيّ في الفكر بعد أن وصل به إلى ذروته، هذا في حين أنّ روسو دشَّن العصر المقبل: أي العصر الرومنطيقي. من هنا عظمة جان جاك روسو وتمايزه قياسا إلى كلّ فلاسفة التنوير الآخرين: فقد عرف كيف يستبق العصر التالي ويرهص به حتى قبل أن يحصل. وهذه ميزة لا تكون إلا للكبار أو كبار الكبار الذين يرون إلى البعيد، أو بعيد البعيد: أي إلى ما وراء عصرهم بالذات. أليس هو القائل: كل من لا يفكر إلى أبعد من أنفه، كل من لا يرى إلى أبعد من عصره، كل من لا يستبق على العصر القادم ويرهص به، ليس مفكّرا؟ أليس هو القائل أيضا: لو أردت أن أكون نبيا من كان سيمنعني؟ وقد كان..

عندما طرح “بودلير” على نفسه هذا السؤال عام 1846: ما هي الرومنطيقية؟ كان جوابه: الرومنطيقية لا تكمن في اختيار الموضوعات التي يتطرّق إليها الشاعر أو الأديب، ولا في الحقيقة الدقيقة أو الوصف الصحيح للظواهر. وإنما تكمن في طريقة الإحساس أو نوعية الإحساس بالأشياء. ويعلّق هنري لوميتر على ذلك قائلاً: إذا كان الأمر كذلك فإنّنا لا نستطيع أن نحصر الرومنطيقية بفترة زمنية دون غيرها، وإنما هي موجودة في كلّ الأزمنة والعصور. ففي كلّ جيل هناك مزاج رومنطيقي، بل وفي حياة كل إنسان هناك لحظات رومنطقية شجيّة، أو حنين إلى المجهول، أو تحسُّر قاتل على ماض ذهب ولن يعود… نحن جميعاً عرفنا الرومنطقية في لحظة ما من لحظات حياتنا. وعادة ما يكون ذلك في فترة المراهقة والشباب الأوّل. وربما بكينا عندئذ وذرفنا الدموع على الحياة الذاهبة، أو الحبيبة الغائبة، أو الأوهام الشاحبة..ولكننا قد نظلّ رومنطيقيين، لحسن الحظّ، حتى آخر لحظة من حياتنا. أمّا الرومنطقية كمدرسة، أو كتيّار أدبيّ طويل عريض، فقد شهدت أوجها في فرنسا بين عامي 1800-1840. بعدئذ ابتدأ الشعر الحديث بالمعنى الحرفيّ للكلمة: أي شعر بودلير بالذات، أو قبله بقليل جيرار دو نرفال. (في عام 1840 كان عمر بودلير عشرين سنة تقريباً. وكان ابتدأ يكتب تلك الجواهر أو القطع المتناثرة التي ستصبح فيما بعد: أزهار الشر).

لكن يبدو أنّ كلمة رومنطيقية نفسها ظهرت في اللغة الإنجليزية لأوّل مرّة عام 1730 (Romantic=رومنطيقي). والرومنطيقيون الانكليز سبقوا الفرنسيين. يكفي أن نفكّر هنا ولو للحظة بـ”ووردزورث” أو “كوليردج” أو “شيلي” أو “كيتس” أو اللورد بايرون.. ولم تظهر في الفرنسية إلا عام 1877 على يد جان جاك روسو. (Romantisme). وكان يقصد بها المنظر الطبيعي البكر أو المتوحّش، الذي لم تمسّه يد الإنسان بعد ولم تغيره أو تدجّنه. وبالتالي فالطبيعة المدجّنة ليست رومانطيقية. ومعلوم مدى ارتباط روسو بالطبيعة، وكيف أنه كان يقف أمامها مذهولاً عن نفسه، حتى ليكاد ينصهر فيها وينسى وجوده. وروسو كان شخصاً هائج العواطف والمشاعر على عكس عقلانيّي التنوير. روسو كان مجنونا: أي رومنطيقياً بامتياز. كان نوستالجياً من الطراز الأوّل: أي ميّالا للذكرى والحنين العاصف. يكفي أن نقرأ “الاعترافات” وتلك الصفحات الخالدة.. والواقع أنّ الشخصية الرومنطيقية تتميّز بحبّ العذاب والألم، بانفجار المشاعر اللاعقلانية والعواطف المكبوتة. وبالتالي فهي تختلف عن الشخصية الكلاسيكية المتوازنة التي تحاول أن تلجم عواطفها ومشاعرها وتبدو متوازنة، هادئة.

لكن من هم الرومنطيقيون الكبار في الأدب الفرنسي؟ إنهم كتاب وشعراء يمتدون على شريحة زمنية واسعة بدءاً من “شاتوبريان” وانتهاء بــ”فيكتور هيغو” مرورا بـــ”جيرار دو نيرفال” و”ألفريد دو موسّيه” و”جورج صاند” و”لامارتين” و”ألفريد دوفيني” و”بلزاك” و”ستندال” وعشرات غيرهم… نقول ذلك رغم أنّ بلزاك وستندال ينتميان إلى المرحلة الواقعية بالدرجة الأولى دون أن يعني ذلك أنهما ليسا رومنطيقيين! من هو الكاتب غير الرومانطيقي؟ ما معناه؟ حتى أفلام السينما ينبغي ان تكون فيها نفحة رومانطيقية أو شاعرية لكي نستمتع بها. أكاد أمسك بالرومنطيقية هنا في زحمة الشارع أو على ضفاف نهر المارن مسكا.. أكاد ألمسها بيدي لمسا وأتذكّر كل الذين مرّوا.. وغابوا..

وعرّتني الأيام ممّن أحبّهم كأيك تحاماه الربيع سليب

أمّا بودلير فيمكن اعتباره –على المستوى الشعري- آخر الرومنطيقيين وأوّل الحديثين. إنه يضع رجلاً هنا، ورجلاً هناك، ولكنّ حداثته بالطبع تظلّ هي الطاغية. ولهذا السبب فإنّ “لوتريامون” لم يذكر اسمه عندما هاجم الرومنطيقيين وسحقهم بعبارة واحدة: هذه الرؤوس الكبيرة الرخوة… لم يهاجم لوتريامون بودلير لأنه يعرف أنه هو مؤسّس الحداثة الشعرية، وأنّه دفع ثمن التأسيس غالياً… لكن هل يعني ذلك أنّه ينبغي أن نحتقر الرومنطيقية وشعرها وأدبها؟ من يستطيع أن يفعل ذلك؟ صحيح أننا لم نعد نقرأ شعر فيكتور هيغو، أو ألفريد دو موسيه أو لامارتين كثيرا. بل ربما اعتبرناه ينتمي إلى ما قبل تاريخ الشعر، أو ما قبل الحداثة الشعرية. ولكن هل يعني ذلك أننا نستطيع أن نشطب أسماءهم من تاريخ الأدب؟ أعترف بأني أشعر بالضعف أمام هذه الأدبيات لألفريد دوموسيه:

أيها الشاعر، خذ قيتارتك وغنّ:

أنا معبودتك

التي رأتك هذه الليلة حزيناً صامتاً..

تعال، ولنغنّ أمام الله، لنغنّ أحلامك ولواعج نفسك

لنغنّ متعك الضائعة، آلامك الماضية

ولنرحل، في قبلة، إلى عالم مجهول…

****

الأغاني اليائسة هي الأكثر جمالاً

وأعرف منها خالدات تشبه العويل الخالص

****

هل تحبّ الأزهار، والبراري، والاخضرار

هل تحب قصائد بيترارك

وغناء العصافير،

هل تحب ميكيل أنجلو والفنون، شكسبير والطبيعة.

ألا تجد فيها بعض الحنين القديم؟

هل تفهم التناغم اللانهائي في السماوات،

صمت الليالي، وهمهمة الأمواج…

ألم يشعرك ذلك بالحاجة إلى الهدوء الأبدي

أيها الشاعر خذ قيثارتك وغنّ..

قد يبدو هذا الشعر “قديماً بالياً” في نظرنا نحن أبناء الحداثة الشعرية. قصدت نحن الذين نسينا التدفّق العاطفيّ في الشعر، وتعوّدنا على شعر أكثر موضوعية، أو أقلّ إغراقاً في الذاتية والحزن السوداوي. ربما. ولكن المرحلة الرومنطيقية تمثّل إحدى اللحظات الأساسية في تاريخ الشعر. ولا يمكن فهم الشعر الموضوعي الذي تلاها مباشرة، وكان بمثابة ردّ فعل عليها، إلا إذا مررنا بها، إلا إذا توقّفنا عندها قليلاً. في الواقع إنّ بودلير ظلّ رومنطيقياً بشكل ما، ولكنّ رومنطيقيته تبدو ملجومة إذا جاز التعبير، أو محجّمة، أو واقعية، أي مسيطَر عليها ومكبوتة.

هل نريد مثلاً على ذلك؟ لنستمع إذن إلى هذا المقطع من “أزهار الشرّ” حيث يتحدّث عن حنينه إلى الموت بعد أن ضجر وملّ:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر سوداوين كالحبر

فإنّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعما جديداً!

هكذا حصلت النقلة من الشعر الرومنطيقي إلى الشعر الحديث، من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرمّزة، من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف المستوعبة، من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي… لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة بأن يسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد المجازات الجديدة التي دشَّنها حتى لكأنه ابتكرها من عدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالة عليه أو على مجازاته، حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على “قتله”: أي على تجاوزه والانحراف عنه عن طريق فتح مساحات ومجازات أخرى للشعر، مساحات لم تخطر على بال بشر قط… لم يصبح “رامبو” شاعراً كبيراً إلا بعد أن قتل بودلير: أي تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. المعري كان يقول لهم: ناولوني مُعجز أحمد، أي ديوان المتنبي. كان يعتبره بنفس إعجاز القرآن. ومعلوم أن تأثير المتنبي واضح في أشعاره الأولى كسقط الزند مثلاً. ولكنه فيما بعد استطاع أن يتوصل إلى صوته الخاص ويكتب قصيدته الكونية الرائعة:

غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي**** نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِي

عندئذ حلّق عاليا وتجاوز حتّى المتنبي..

لكن لنعد إلى موضوعنا الأصليّ.

لكي نفهم النقلة –أو معنى النقلة- التي أحدثها الشعر الحديث بالقياس إلى الشعر الرومنطيقي يكفي أن نقارن بين قصيدة لامارتين عن “الخريف” وقصيدة بودلير عن الموضوع ذاته. فلامارتين يتناول الموضوع بشكل مباشر، وربما قال بعضهم بشكل ظاهري، هذا في حين أنّ بودلير يحوله إلى مشكلة باطنية، جوانية، شخصية! أقول ذلك رغم أنّي أجد قصيدة لامارتين جميلة أيضاً ومؤثرة. لنستمع إلى بعض مقاطعها:

{{الخريف}}

سلاماً! أيتها الغابات المكلَّلة ببقايا الاخضرار

أوراق مصفرة على البراري المتناثرة!

سلاماً يا آخر الأيام الجميلة! إن حداد الطبيعة

يتناسب مع الألم ويحلو لعيني!

****

أتابع بخطوات حالمة ذلك الطريق المتوحد

أحب أن أرى أيضاً، وللمرة الأخيرة

تلك الشمس الشاحبة، التي بالكاد نورها الضعيف

يضيء أمام قدميّ عتمة الغابات!

****

نعم، في هذه الأيام الخريفية حيث تحتضر الطبيعة،

أجد لنظراتها المحجوبة ميزات أكثر

إنه الوداع الأخير لصديق، أو الابتسامة الأخيرة

لشفاه سوف يغلقها الموت إلى الأبد!

****

هكذا، في الوقت الذي استعد فيه لمغادرة أفق الحياة

باكياً في أيامي الطويلة على الأمل المنصرم

أعود على أعقابي مرة أخرى، وبنظرة حسد أو غيرة

أتأمل في هذه الخيرات التي لم أستمتع بها!

*****

أرض، شمس، وديان، طبيعة جميلة وناعمة

إني مدين لكنّ بدمعة على حافة قبري

الجو معطر إلى درجة كبيرة! والضوء ما أصفاه!

وما أجمل الشمس في عين المحتضر!…

الخ….

لننتقل الآن إلى صديقنا بودلير ولنر كيف عالج موضوع الخريف أيضا:

{{نشيد الخريف}}

قريباً سنغطس في الظلمات الباردة،

وداعاً، يا وضوح أصيافنا القصيرة جدا!

أكاد أسمع منذ الآن، كصدمات جنائزية،

قطع الخشب تتساقط على بلاط البيوت.

****

كل الشتاء سوف يتغلغل في أعماقي:

غضب،

حقد، قشعريرة، هلع، أشغال شاقة،

وكالشمس في جحيمها القطبي،

فإن قلبي لم يعد إلا كتلة حمراء وصقيعية

****

أُصغي بارتعاش إلى كل حطبة تتساقط

المشنقة التي يركبونها لا يكون صداها

مخنوقاً أكثر،

وروحي شبيهة بالبرج الذي يتهاوى

تحت ضربات المنجنيق الثقيل الذي لا يكلّ

****

يخيّل إليّ، مغشوشاً بهذه الصدمات الرتيبة،

إنهم يسمّرون على وجه السرعة نعشاً

في مكان ما،

لمن؟ بالأمس كان الصيف، وها نحن في الخريف!

هذه الضجة الخفيّة تدوّي وكأنها علامة الرحيل.

****

أحبّ في عينيك الطويلتين الضوء المخضوضر،

يا جميلتي الناعمة، ولكن كل شيء في قلبي اليوم مرّ،

ولا شيء، لا حبّك، ولا البسكوت المسكَّر، ولا المدفأة،

يعادل في نظري إشراقة الشمس الرائعة على البحر.

****

ومع ذلك أحبيني، يا ذات القلب الحنون!

أحبيني

كوني لي أماً،

حتى بالنسبة لكنود، حتى بالنسبة لشرير،

كوني عشيقةً أو أختاً، كوني الحنان العابر

لخريف رائع أو لشمس غاربة.

****

يا لها من مهمة سريعة! فالقبر ينتظر، بكل شجع، بكل نهم!

آه! اتركيني وجبيني على ركبتيك،

أتذوق، وأنا أتحسر على الصيف الأبيض الحارق،

ذلك الشعاع الأصفر والناعم لنهاية الفصول.

سوف أترك للقارئ مهمة المقارنة بين القصيدتين. أنا شخصيا معجب بهما كليهما. ولست مستعدا للتضحية بالقصيدة الرومنطيقية لصالح قصيدة الحداثة. ولكننا نلاحظ أن لامارتين تحدث فقط عن فصل الخريف، ولم يتعرض للشتاء البتة. هذا في حين أن بودلير ذكر الخريف كمجرد فاصل قصير بين الصيف والشتاء. إنه مقدمة الشتاء، والحطب، والنار، والمدفأة، والاعتكاف على الذات في البيوت. وهو اعتكاف جميل ولذيذ بدون شك. ولكن خريف بودلير مدني، حضري، أكثر مما هو خريف ريفي على عكس لامارتين الذي يسقط على الريف، والغابات، والطبيعة، والأشجار كل مشاعره الحنونة وحزنه العميق. لامارتين يرمي بنفسه في أحضان الطبيعة المحيطة بباريس لكي يراقب الخريف، لكي يعيش الخريف فعلا من خلال الأشجار والغابات والأوراق الصفراء.. ولكن رؤية الخريف تظل بالنسبة له كلاسيكية، معهودة. فهو نهاية الطبيعة، وهو الرحيل.. والمقاربة التي يقيمها بين خريف الطبيعة وخريف العمر جميلة، مؤثرة، وان كانت متكررة عموما لدى الشعراء. أما بودلير فيبقى داخل باريس لا يبرحها. انه يتحدث عن الخريف من بعيد او قل انه يتحدث عن الخريف الداخلي أكثر من الخريف الخارجي على عكس لامارتين. والواقع أن بودلير كان ابن مدينة ولا يحب أن يخرج منها إلى أحضان الطبيعة. من يصدق أن بودلير، اكبر شاعر فرنسي، لم يكن يحب الطبيعة؟ هل يوجد شاعر لا يحب الطبيعة؟ نعم،شارل بودلير! يضاف إلى ذلك أن خريفه أكثر سوداوية من خريف لامارتين على الرغم من الحزن العميق الذي يغلّف أبيات لامارتين… خريف بودلير سيكولوجي، مرضي، نفساني، جنائزي. ولذلك نجده يتحدث عن القبر أكثر من مرة، لكأنه يقيم المقارنة بين قبر الفصول وقبر الأجساد. لكأن الطبيعة كلها ليست إلا قبراً في نهاية المطاف، إنها قبر يلتهم كل الأشياء: الحياة، والبشر، والحقول، والفصول. كلنا سنعود إليها في نهاية المطاف. إنها الأم الحنون. ويا ليتها لم تكن أما ولا حنونا. يا ليتنا لا نموت! ليتنا نستمتع بالأشياء إلى ما لانهاية.. وهكذا أسقط على فصل الخريف كل جوانيته الداخلية، وكل سوداويته المرضية، وحوله إلى مشكلة شخصية. ولكن هل يمكن أن يكتب بودلير عن أي شيء دون أن يحوله إلى مشكلة شخصية؟

أكتب هذه الكلمات على وقع خريف باريسي من أجمل ما يكون: خريف حزين بدون شك لأنّه يرهص بالشتاء القادم، وربما بالعمر المنصرم.. هكذا تحولت إلى لامارتين آخر! هناك عجائب في هذا العالم على ما يبدو أو معجزات أو خرافات..أكتبها بعد صيف جهنّميّ لا يكاد يصدّق. أين منه “فصل في الجحيم” لرامبو؟ أكتبها والخريف الداخلي يكتسحني اكتساحا. ولكنه خريف ناعم إلى أقصى الحدود. وتخشى أن تدوس على الأوراق المتساقطة، الأوراق الذهبية. تخشى أن تدوس على قلبك. وتشعر بمشاعر سادية أو مازوشية غامضة. هل هو عمرك الذي تدوس عليه أم ماذا؟ هل ابتدأ عمرك يتساقط أيضا؟ ولا تملك إلا أن تتذكر “ريلكه” الذي تشعر بأخوّته وصداقته حتى أكثر من بودلير. ريلكه الملائكي، ريلكه السماوي، ريلكه الذي كتب قصائد من اجل الفقر والموت.. هل رأيتم ريلكه يمرّ من هنا؟ أم هو شبحه يتراءى لي على ضفاف المارن؟ رحت ألاحقه دون جدوى.. ليتني أقبض عليه، أحييه، أمشي معه عشر خطوات فقط. ليته يسمح لي بأن أسلم عليه؟ ثم مرّ دون أن يلتفت. يكفي انه مر.. شكرا لأنّه مرّ.. من يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، النحيب الداخلي، تحت الجلد، لريلكه؟

{{خريف}}

يا ربّ، لقد آن الأوان! الصيف كان رائعا.

على عقارب الساعة ليخيّم ظلك،

وعلى السهوب، سرّح الرياح…

****

أُأمر الثمار الأخيرة بأن تنضج فعلا،

أمنحها يومين إضافيين كاملين،

ادفعها نحو الاكتمال واجعل

الرحيق المصفّى يصعد في العناقيد الثقال.

****

من لا بيت له لن يبني بعد اليوم بيتاً،

من هو وحيد سيظل وحيداً زمناً طويلاً،

وسيسهر، يقرأ، يكتب رسائل لانهائية

وبلا توقف، قلقاً، سيظل شارداً

على الطرقات والدروب،

بين الأوراق التي تذروها الرياح…