الدراما السورية: صناعة مكمِّلة وليست أساسية

ساهم العديد من المبدعين حول العالم في بلورة السينما كفنّ حقيقيّ وأصيل، وانتهى الإبداع السينمائي إلى اقتحام كافة المجالات الفكرية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، واستطاع هذا الفنّ أن يجتاز الكثير من العقبات وأن يحتلّ لنفسه مكاناً إلى جانب الفنون الأخرى الأساسية، أمّا التلفزيون فهو أقلّ أصالة وأقلّ اشتغالاً عليه، والمسلسل التلفزيوني أساسه الأوّل هو الربح والتسلية. طبعاً الفيلم أيضاً يقوم على هذين الأمرين، لكنه فنٌّ معترف به وقائم بذاته ومستند على فنون أخرى، ورغم الشبه بين السينما والدراما التلفزيونية فالصناعتان مختلفتان بكلّ تأكيد؛ المسلسل لا يحتمل عمقاً أو جرأة، فهو يُعرض في كلّ بيت ويشاهده الناس جميعاً كباراً  وصغاراً، وهو محكوم بمراعاة كل الأطياف وكل الأعمار، وأيضاً تختلف طبيعة الإنتاج التلفزيوني عن الإنتاج السينمائي، والاشتغال على الفيلم يكون أكثر من المسلسل.
طبعاً ليست المسألة هنا مسألة مقارنة، ولكن محاولة لوضع كلّ صناعة أو فنّ في مكانه الصحيح، ومحاولة لتوضيح حقيقة مهملة في سوريا حيث الدراما التلفزيونية تأخذ مساحة أكبر من حقّها في الساحة الفنية والثقافية، فغياب الثقافة من جهة ودعم الدراما من قبل السلطات من جهة أخرى، جعلت المسلسل التلفزيوني طاغياً وصاحب الكلمة الأخيرة في الفن والثقافة، وحوّلت نجومه إلى الممثلين الوحيدين عن الحالة الفكرية في المجتمع.
وبجانب غياب أسماء أدبية أو فنية شابّة في المجتمع السوري، فإنّ مبدعي الجيل القديم غائبون أيضاً عن التداول في زمن تصحّرنا الفكري، ولا نرى حضوراً إلا لنجوم التلفزيون، طبعاً حضورهم أكيد وضروريّ ولكنه لطالما كان مكملاً وغير أساسي، والمشكلة هي أنّ فكرنا ومجتمعنا الآن يقومان على المُكمِّل وليس الأساسي.
لقد اُختزلت الثقافة والفنون في سوريا من سينما وشعر وأدب وكافة الأنواع الأخرى في الدراما التلفزيونية، وذلك لأنها الفنّ الأقلّ عمقاً وأصالة، ومع مرور الوقت بدأت باستقطاب المثقفين والفنانين العاملين في المجالات الأخرى، وأصبح لاحقاً أي نجاح- ولا أدري إن كان بإمكاننا القول أي إبداع- يتحقق في مجالات الإبداع الأصيلة، يُنجز بسبب حضور نجوم ورموز الدراما التلفزيونية فيه، كما نلاحظ طبعاً في المسرح ومؤخراً في السينما، وأظنّ أننا شهدنا من اهتم بالكتابة من أقطاب الدراما.
وأذكر هنا نجاح مسرحية كسور من إخراج غسان مسعود بعد أدائه دوراً جميلاً في مسلسل آل الجلالي عن مسرحي مبدع يواجه البيروقراطية الحكومية والفساد الثقافي، أو نجاح مسرحيات من إخراج الممثل التلفزيوني عبد المنعم عمايري، وذلك بعد أن تحول إلى نجم وكان الحضور الجماهيري في مسرحياته ناجماً عن نجوميته، وأيضاً انكبّ الشباب على قراءة أشعار نزار قباني بعد نجاح إحدى حلقات مسلسل الفصول الأربعة عن الشاعر السوري.
وهذه الأمثلة توضّح لنا مدى الفقر الفكريّ في الوسط الثقافي واعتماده على الفتات الذي تقدّمه الدراما، وهي أصلاً ليست بالصناعة المُنتجة مقارنة مع الفنون الحقيقية.
وليس لما أكتبه أي نية في الهجوم على هؤلاء الفنانين، أو إنكار لإبداعاتهم وقدراتهم أو مساهماتهم في الساحة الفنية، ولكن أقول بأنه لا يمكن لهذه الصناعة، لأسباب تجارية وقيود صارمة تُطبق على التلفاز، أن تُبدع أو لنقل أن تُخلق فكراً وروحاً عميقاً، فهي لا تملك إلا أن تكون مُراعية ومُساومة، فرغم محاولات الجرأة والطرح في بعض المسلسلات فإنها لم تستطيع تجاوز إمكانياتها وحدودها، بل ظلت تعاني من جزئية الموضوع وسلبية الطرح، كما نراه في التشاؤم الذي يطغى على الفكر والجوّ العامّ في الدراما وهو ما تعانيه حتى الكوميديا، فالتشاؤم هو نتيجة قصور الصناعة الدرامية وحدودها، وحيث أفضل طريقة لتجنب الرقابة هو الجنوح نحو السلبية والتشاؤم.
تكاد المسلسلات  تصبح المنبر الوحيد في طرح المُختلف والإشكاليّ في المجتمع السوري، وأصبحت المقالة تتبع أطروحات الدراما وتنتظر مفاجآتها كي تستعيد حضورها في الساحة الثقافية، وثمة العديد من الأمثلة منها نجاح مسلسل باب الحارة وما تبع ذلك من مقالات ناقدة ومتهجّمة تجاه هذا المسلسل، وأيضاً عرض “ما ملكت أيمانكم” وهجوم البوطي على هذا المسلسل وردود الكتّاب على طرحه الميتافيزيقي، ومسلسل “ليس سراباً” واعتباره أحد أعمدة العلمانية والتقدم في الثقافة السورية مع تغييب كامل لكل المفكرين والأدباء والفنانين المبدعين ومساهماتهم العميقة في المسألة العلمانية والدولة المدنية.
 وتعتمد الدراما السورية كثيراً على فن السينما، فباعتبار عدم وجود صناعة سينما في سوريا اضطرّ الكثير من خريجي معاهد السينما إلى العمل في الإخراج التلفزيوني، ولعلّ أبرزهم هيثم حقي الذي نجد بصمة السينما واضحة في أعماله، وهو أعدّ للدراما التلفزيونية العديد من المخرجين الشباب، والآن وبعد أن مهّد الطريق لصناعة دراما سورية مُستغِلاً المنفذ الوحيد للتعبير الفني في وقته، يتجه إلى الإنتاج والإخراج السينمائي علّه يساعد أيضاً في صناعة سينمائية سورية.
 طرحت الدراما مواضيع كثيرة وتجرّأت على الكثير من المسكوت عنه، لكنّ طبيعة الطرح الدرامي -والإنتاج بوجه عامّ- لا يترك مجالاً للتعمّق في الطرح والتمادي في الجرأة، فالدراما مهما حاولت العبث فهي بعيدة عن المشاكسة بعكس السينما، وطبيعة تسلسل الحلقات تؤدي إلى التشتت والتكرار والمماطلة، وقد حاولت الدراما السورية كثيراً التعويض عن السينما والأدب، ولكن إن كان لها دور فهو توريط عقل المشاهد في مستنقع الاستسهال والسذاجة، فما تسمح به إمكانياتها هو الطرح الاجتماعي الآني وهي بذلك لا تقدر على الطرح الفلسفي والفكري أو السياسي. بل هي تبدو أكثر كإنعكاس للموجود السياسي، فنستطيع مثلاً تقدير التوتر بين سوريا وتركيا عن طريق مسلسل “إخوة التراب”، أو إدراك التقارب بين البلدين في مسلسل “أهل الراية”، ويبدو هذا الأمر واضحاً على المستوى الاجتماعي فيمكننا معرفة تغيّرات الأمزجة في المجتمع بواسطة المسلسلات، وهذا أقصى ما يمكن للدراما أن تفعله بعيداً عن دورها في الترفيه، وقد حاول العديد من صنّاع الدراما تجاوز حدود تصوير المجتمع إلى التفاعل معه لكن النجاحات كانت محدودة وزائلة في كثير من الأحيان لأنها لم تكن مدعومة بفكر حقيقي ومتبلور، ولم تجد أرضية ثقافية واجتماعية مساعدة على التأثير.
فالدراما التلفزيونية وحدها غير قادرة على تأسيس فكر أو إنجاز أي تغيير، بل دورها مُكمِّل ورافد وليس جوهرياً كالسينما والأدب أو غيرهما من الفنون، ولا يمكن لأي نهضة درامية حقيقية أن تكون أو تستمرّ من غير بيئة فكرية وثقافية متكاملة، وللأسف تُصرف الكثير من الأموال والجهود في هذه الصناعة على حساب الفنون الأخرى، لكن لا يمكن لممثلي الدراما ونجومها أن يكونوا أوصياء على الثقافة السورية، لا بدّ من اهتمام أكثر في وجوه الثقافة المهملة، لا بدّ من المساعدة في تطوير المجتمع ببنية فكرية متماسكة بعيدة عن الابتذال والسذاجة، ولا بدّ لهذه البنية أن تكون رافداً في تجديد هذا المجتمع وأن تكون انعكاساً لصراعاته وتناقضاته وأيضاً مساهماً في بلورة جمالياته.