الدكتور ميثم الجنابي :التصوف هو ذروة ما توصلت إليه الثقافة الإسلامية ضمن حدود ما ادعوه بالإسلام الثقافي – حاوره : مازن لطيف



  


 


  ليست مصادفة فيما يبدو أن يكتب  الدكتور ميثم الجنابي قبل عقود كتابه عن الإمام علي بن أبي طالب ويضع له عنوان (القوّة والمثال)، أو يكتب الآن في خضمّ الأحداث الدموية وغير العقلانية كتاب (المختار الثقفي) ويضع له عنوان (فروسية التوبة والثأر). انه يريد أن يقول لنا، إنّ كلّ شيء عرضة للزوال ويبقى روح الروح في كلّ مسامّ وجودنا، وأنّ حقيقة القوة في المثال، كما أنّ حقيقة التوبة والثأر في الفروسية المتسامية. وهو السبب الذي يجعل من كل شخصيات العراق الكبرى على امتداد تاريخه الروحي محورا لليقين الأخلاقي. وهي شخصيات يمكن رؤيتها وتحسّس مصيرها وتذوّق أثرها وآثارها فينا في الأجوبة التي يقدمها د. الجنابي، كما لو أنّه يؤسّس ما قاله في أكثر من مكان، بأنّ العراق مازال أرض الممكنات الكبرى وميدان حلّ إشكاليات الوجود الخالدة. من هنا نراه ينقلنا من ماض سحيق إلى مستقبل مجهول، كما لو أنّه يريد أن يضعنا أمام محكّ ما نسعى إليه ونصبو.. أصدر الدكتور ميثم الجنابي  عشرات الكتب  في مجال التصوّف والتاريخ والتراث  وكتب مئات البحوث والمقالات  تشرت في العديد من الصحف والمجلات العربية والعراقية  كان لنا معه هذا الحوار : 


    



 


متى بدأ اهتمامك بالفلسفة والأبحاث الفلسفية؟  

  


  إنّ اهتمامي بالفلسفة لم يكن مصادفة أو نزوة عابرة أو أيما توصيف آخر غير الاندهاش بها منذ الصغر. من الصعب أحيانا العثور على نقطة أولية، كما هو الحال بالنسبة لتأريخ الميلاد، للقول، إنّ كلّ ما كنت أنوي عمله هو في اليوم كذا! خصوصا حالما يتعلّق الأمر بأمور أقرب ما تكون إلى “مصير” الفرد أو تتماهى معه بوصفها كينونته الخاصة. وكلّ ما أتذكّره من أمور خارجية بهذا الصدد، هو أنّ كلمة الشيخ والحكيم والفيلسوف منها بالأخصّ كانت ذات وقع في السمع ترتسم فيه معالم الشخصية العاقلة والمثيرة للإعجاب بفضل حكمتها وقدرتها على فعل الجميل وإيجاد الحلول، بما في ذلك السحرية!


     فالحكيم ساحر للعقول والقلوب، لكنه يتّخذ في خيال الصغار أبعادا أخرى. وهي الأبعاد التي كنت أتخيلها عندما كان الوالد يتفوّه بإعجاب منقطع النظير عن الحكماء والفلاسفة وهيغل بالأخص (رغم أنّني اشكّ في كونه قد قرأ له شيئا). لكنني أتذكّر جيّدا أحد كتب هيغل، على الأقلّ غلافه الأصفر المرقّش الخشن الجميل المظهر وهو يتفحّصه في البيت. وهي صورة محفورة في ذاكرتي كما لو أنّها حدثت قبل فترة قريبة جدّا، مع أنّ زمنها يعود لأكثر من أربعة عقود خلت، عندما كنت تلميذا في الصفّ الثالث الابتدائي في البصرة عام 1964. إضافة إلى تكراره لأحد الأبيات الشعرية المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب، وبالأخصّ الشطر الثاني من البيت “الناس موتى وأهل العلم أحياء”. وكان يقوله بنبرة قوية واعتزاز منقطع النظير. لقد سمعته مئات المرّات، وفي كلّ مرة يبدو كما لو أنّه يقوله للمرة الأولى. وهو دليل على أنّه كان يقوله من القلب، وليس بسبب قلّة الأبيات الشعرية! لكنّ اهتمامي الواعي بالفلسفة قد بدأ عندما كنت في الثالثة عشر من العمر، أي عندما كنت طالبا في الصف الثاني في متوسطة (الفجر) في مدينة الكاظمية. لقد كنت عائدا من بيت جدّي (بغداد الجديدة)، وتوجّهت بعد الوصول إلى ساحة التحرير، صوب شارع الرشيد، عبر شارع الخيام (إذا لم تخنّي الذاكرة). لقد كان اليوم جمعة. وللمرة الأولى وقعت عيناي على عدد كبير من العربات التي تتناثر عليها كميات من الكتب، كما يباع البطيخ والطماطم! وكان السعر موحّدا (بالجملة!)- خمسون فلسا للكتاب! وقد أثارت انتباهي صورة إحدى الشخصيات التي بدت حسب خيالي “فلسفية”! لقد كان الكتاب هو سيرة حياة جان جاك روسو! لقد سحرني بحبّه للحرية وفقره المدقع، بعقله وجنونه! ووجدت نفسي مغرما بأفكاره للدرجة التي ذهبت ابحث عن كتبه الأخرى في كل مكان. وأخيرا عثرت عليها (العقد الاجتماعي، وآميل أو في التربية). وجرّني ذلك إلى فولتير ومونتسيكيو. غير إنهما كانا أقلّ إمتاعا ومؤانسة، فيما لو استعملت عنوان التوحيدي لكتابه الشهير. إنهما لم يتغلغلا عميقا في قلبي. لكنني قرأت كل ما عثرت عليه بسبب تعرّفي للمرة الأولى على أثرهما بالنسبة للثورة الفرنسية. وهو اثر لم أكن أدرك مقدماته آنذاك، لكنه الآن واضح وجليّ! إنّه انقلاب تموز عام 1958، الذي أعطى لكلمة الثورة مذاقا لا يعادله طعم، ومعنى لا يعدله معنى غير “الشهادة” و”التضحية” وأمثالها من قيم الفروسية والمروءة. وهي القيم التي صنعت عوالمنا الداخلية وجعلت كل ما يتعارض معها دخيلا بالمعنى المادّي والمعنويّ! وفي وقت لاحق أصبح المرور يوم الجمعة على شارع الخيام اقرب لي من مزار الصحن الكاظمي، رغم إنني كنت أمرّ عبره إلى المدرسة، قبل أن ننتقل إلى شارع النواب! وأصدق من صلاة الجمعة! التي لم أذق طعمها في يوم ما من حياتي! وهذا ينطبق في الواقع عليها وعلى مختلف ما يسمى بالعبادات! بل إنّ الكلمة كانت من حيث لفظها تبدو لي كما لو أنها مثيرة لرائحة العبودية! وقد علمتني الفلسفة منذ الصغر النفور من كلمة العبد والعبودية سواء كانت لله أو لغيره. لقد علّمتني معنى الحرية في التفكير والسلوك والاختيار واختبار النفس والإرادة. وهي البداية الكبرى لاهتمامي بالفلسفة. وهي بداية تبدو أشدّ إثارة ودهشة، أو على الأقل أنها ما زالت تتوهج كما هي، وذلك لما فيها من قدرة على توسيع مدى الاحتمال والعيش بمعاييره الأبدية! وهي فكرة سوف أعثر عليها في وقت مبكّر أيضا من العمر عندما قرأتها في عبارة قالها ابن سينا وهي أنّ كل ما عصي على البرهان فارمه إلى حيز الإمكان! وهي فكرة جليلة وجميلة لا يمكن لكتاب “مقدس” أن يصنعها ولا يجعلك حتى قريبا منها! بينما الاقتراب من الحقيقة هو الابتعاد الأبديّ عن كل ما يقيّدك. وهي مفارقة المعرفة الجليلة التي نعثر على صداها الجميل في التصوف! 





    

حسنا! كنت أفكر في طرح سؤال عليك يتناول اهتمامك الخاص بالتصوف؟  ترى هل يتسق ذلك مع الفلسفة بوصفها علما عقليا صرفا؟ 

   
 إن الإجابة على هذين السؤالين تفترض توحيد العقل والحال فيها، أو ما تدعوه المتصوفة بلسان الحال والمقال، أي اللغة النابعة من القلب بوصفها معاناة فردانية أصيلة، ولغة العقل المبنية على أساس تمثل قواعد المنطق وتجارب النظر العقلي. وهو خلاف معرفي وروحي من طراز خاص، وليس تضادا. وهي قضايا يصعب أحيانا تناولها في حوار، ذلك أنّ إشكالاتها أعمق وأعقد من أن تقترب منها حتى العبارة البارقة بكشوفات الحدس! وذلك لأنك ملزم بإيجاد الصيغة التي تتوحد وتتناسق وتتناغم فيها مستويات الحس والعقل والحدس، أو البيان والبرهان والعرفان. لكنها ممكنة عندما تنساب بعفوية الضمير وصدق النية ودقة المنطق وجمال الحدس! والسبب بسيط ومعقد بقدر واحد، وهو أن الحوار الحقيقي هو حوار باطني، شأن كل حوار يريد ملامسة الحقائق الكبرى بوصفها معرفة أصيلة!


    ففيما يخص الشطر الأول من السؤال، أي المتعلق باهتمامي الخاص بالتصوف، فيمكنني قول ما يلي: الاهتمام بفكرة هو عملية تلقائية. بمعنى أنّ كل ما يندفع المرء صوبه، خصوصا في مجال الفكر والإبداع، فإنّه مدفوع إليه بفعل صيرورته الذاتية، أي تكوّنه الشخصيّ وما يصير إليه في مجرى حياته الخاصة والعامة. وهي جوانب قد أشرت إلى بعض منها وبعض أمثلتها في معرض إجابتي على سؤال سابق. بعبارة أخرى، إن اندفاع الإنسان صوب الفكر هو نتاج لهاجس فكري متعلّق في الأغلب بالبحث عن الحقيقة، كما أنّ اندفاع المرء صوب المال لهو باعث له علاقة بتحسين شروط وجوده المادية أو للجاه والسيطرة أو قد يكون للتمكن من عمل الخير (وهو أقرب إلى المستحيل لكنه ممكن بوصفه حالة شاذة!) والشيء نفسه يمكن تطبيقه على مختلف مظاهر اهتمام الناس بهذه المهنة أو الصنعة أو الاختصاص. وقد يكون للمصادفة أيضا دورها الجميل والقبيح. وهي حالة لا تخلو من الحيرة، لكنها فردية للغاية، بمعنى يمكننا تتبع حيثياتها حالما نتناول دراسة شخصية معينة. وما يخصني بشكل ملموس، هو أن اهتمامي بمختلف ميادين المعرفة، والفلسفة منها بشكل خاص، هو سرّ الاهتمام بالتصوف. فالفلسفة هي “حبّ الحكمة”، والحكمة هي الخروج على الجسد والعقل، أي الاندفاع صوب معالم الروح والعيش بمعاييره. بمعنى الانتقال من طور العقل النظري إلى طور العقل العملي، أو ما تدعوه المتصوفة بعبارات العلم والعمل، أو المكاشفة والمعاملة. والجمع بينهما بطريقة، تصبح كل أشكال المعرفة ومستوياتها أسلوبا في “بلوغ المطلق”. بعبارة أخرى، إنّ التصوف هو فلسفة المطلق الممزوجة بفردانية الوجدان. وهي عملية متسامية تصنع “أنا الحقّ” والعيش بقانونها. لهذا يمكنك رؤية وسماع أشعار مختلف “فحول” الشعراء، لكن أيا منهم لا يمكن لدواوينه أن ترتقي إلى بيت شعر للحلاج، أو كلمة منسية على ورقة كتبها النفّري في فيافي الوجود!



    إنّ دراستي للفلسفة العالمية والإسلامية منها بالأخصّ، أوصلتني إلى أنّ التصوف هو ذروة ما توصلت إليه الثقافة الإسلامية ضمن حدود ما ادعوه بالإسلام الثقافي. والمقصود بالإسلام الثقافي ليس بالضرورة الإسلام الدنيوي، بقدر ما انه الإبداع الإسلامي المحكوم بفكرة الثقافة العامة والخاصة وليس الدين، أي بالتاريخ الواقعي وليس اللاهوتي، بالحياة الدنيا وليس الآخرة، أو بالآخرة (المتسامية) وليس بالرغبة في جمع الجنان والغلمان! إن نحت مصطلح الإسلام الثقافي بالنسبة لي يقوم في محاولتي إبراز قيمة مختلف اختصاصات الثقافة ومستويات معرفتها ضمن مدارج البحث عن الحق الحقيقة، بوصفه التعبير المناسب عن مختلف مظاهر أنا الحقّ. إنّه إسلام المعاناة الخاصة والشخصية. وهو إسلام مثّله وتمثّله التصوف بطريقته الخاصة. بعبارة أخرى، إنّ ما يثير اهتمامي في التصوف هو حكمته النظرية والعملية، وليس طرائقه! فالجوهري في حقيقة التصوف هي فكرة الحقيقة المتحررة من ثقل تقاليد العقائد “المقدسة” والمذهبية الضيقة والتقليد. والتصوف هو حركة حرة للقلب، أي لكل مكونات الإحساس والعقل والحدس. جوهرها البحث عن طريق للحقيقة. وإذا كان مظهرها ووسيلتها “الشريعة”، فلأنها الأسلوب الضروريّ لإيجاد النسبة بين الظاهر والباطن، أي الظاهر الإسلامي والباطن الإنساني. كما أن طابعها الفردي وسموها الأخلاقي ودقتها المعرفية وجمالها اللغوي وقدرتها للارتقاء غير المتناهي محكوم بغايتها الكبرى – الفناء في الحق والبقاء فيه. وهي المهمة التي أعمل من أجل رسم صيغتها المعقولة في عالمنا المعاصر، من خلال تحويل ما أدعوه بحكمة الروح الصوفي إلى مصاف العقل التجريبي والنقدي إلى جانب كل الإبداع الإسلامي الرفيع من أجل تأسيس فكرة للبدائل تذلّل تقاليد السلفية والأصولية والتحجر والتمذهب غير العقلاني. 





    

جيد! نعود إلى الشطر الثاني من السؤال! وهل يمكن تحقيق ذلك؟ أي هل يتسق ذلك مع الفلسفة بوصفها علما عقليا صرفا؟ 

  


  نعم! أعتقد أن ذلك ممكن. طبعا ليس المقصود بذلك البحث عن صيغة تلفيقية أو تلزيقية لتأسيس “المساومة” الضرورية بين التصوف والفلسفة. وذلك لأن الخلاف بينهما من وجهة نظر البحث عن بدائل هو خلاف مفتعل. أو بصورة أدقّ، إنه ليس خلافا جوهريا. فالتصوف فلسفة من حيث تناوله إشكاليات الوجود وما وراء الطبيعة، والأخلاق وقضايا المعرفة وغيرها. إذ أن كل ما يتناوله التصوف هو فلسفة دون شك. وخصوصية التصوف بهذا الصدد تقوم في أنّه فلسفة المطلق. بمعنى الفلسفة النظرية والعملية في البحث عن المطلق وتمثّله بصورة فردية وشخصية على مستوى الحس والعقل والحدس. وهي تجربة تتسم بقدر كبير من الدرامية والأصالة. طبعا إنّ المقصود بذلك تجارب المتصوفة الكبار، ولا أدخل ضمنها “تجارب” الطرائق أو الزوايا. فهي في نهاية المطاف على اسمها “زاوية” ازدادت قيمتها مع ازدياد معالم الانحطاط الحضاري للخلافة. وبالتالي ليست الزوايا سوى الصيغة الرمزية للانحشار في دهاليز الانحطاط الثقافي. وبالمناسبة ليست مصادفة ألا نعثر على وفيّ كبير (فيلسوف) قد انتمى في حياته إلى زاوية من الزوايا. وهي حالة طبيعية. فالكبار لا يمكنها الانحسار والانحشار في زاوية، وتجاربها الفردية فردانية بالضرورية. والفردانية هي أصالة كبيرة لا يمكنها التقيد بحدود “الجماعة”. لأنّ الإبداع الفردي الكبير هو أصالة وتميز وخروج على العادة والمألوف. وإذا كان التصوف الكبير هو فلسفة المطلق، فإن حدوده المحتملة هي في إطار المطلق، ولا إطار له غير استمرار المعاناة من أجله بوصفها العملية الدائمة للنفي والبدائل على مستوى الحس والعقل والحدس. وفي هذا التميز الرفيع والمتسامي للتصوف يمكننا البحث عن الصفات الجوهرية التي تجمعه بالفلسفة بوصفها علما عقليا صرفا. فالتصوف هو “علم وعمل” صرف، أي إنّه الاستظهار الوجودي لحقائق المنطق، واستبطان أخلاقي لحقائق المعرفة الكبرى. وبالتالي، فإنّ كل فيلسوف كبير هو صوفي بالضرورة، كما أن كل صوفي كبير هو فيلسوف بالضرورة. وهي الرؤية التي حالما يجري إدراكها على حقيقتها كما هي، يضمحل الخلاف وتبرز معالم الاتفاق والوفاق والانسجام بينهما بوصفهما أساليب متباينة في إدراك الحقيقة، ومظاهر مختلفة في التعبير عنها، وكلاهما ينتميان إلى الروح الإنساني المتسامي. فالعقل والعقلانية ليسا الملجأ الوحيد للنزعة الإنسانية، كما أن التصوف ليس الصيغة الوحيدة لوجدان الحقيقة. وعموما كلاهما مكوّنان جوهريان للتاريخ الإنساني بشكل عامّ وتاريخ الحقيقة بشكل خاصّ. وكل رجوع للتاريخ يصدمك بالضرورة في مواجهة ما توصلا إليه. ومن ثم يجعل منهما على الدوام خزين الذاكرة التاريخية وأسلوب شحذ وعيه الذاتي. وهي قضية غاية في الأهمية بالنسبة للتاريخ العراقي الحديث وما يعانيه العراق الآن من مأزق تاريخ فعلي على مستوى الفكر والواقع.


 


هل أثّر شخص ما على تكوينك المعرفي؟  

    لا يخلو تكوين المرء، أيا كان، من التأثير المباشر وغير المباشر لشخص ما أو مجموعة أشخاص. وعموما فإنّ الناس جميعا يتأثرون أوّلا  بأمّهاتهم. ويحتمل بآبائهم ثم الأقربين فالأبعد. وحالما تأخذ معالم الفرد الذاتية بالارتسام النسبي تبدأ عملية الاختيار، بما في ذلك تأثير الأشخاص على التكوين الفكري بوصفه اختيارا واختبارا للنفس. وفيما يخصني فقد تعلمت من الجميع، من الناس والحيوانات الأحياء منهم والأموات، ومن الحجر والشجر. ففي كلّ منهم معلم ومعلّم. لقد تتلمذت على أغلب رجال الفكر الفلسفي على امتداد التاريخ الإنساني. غير إنني لم أتتلمذ بصورة حية مباشرة على أي منهم. لقد كانت العلاقة أقرب ما تكون إلى “استحضار الأرواح” كما تقول المتصوفة.


    طبعا إنني أفهم من سؤالك الشطر الثاني من جوابي، بمعنى ما إذا كان هناك أستاذ علّمني أو اتخذت منه مرجعية فكرية في مرحلة ما من مراحل تطوّري الفكري. والإجابة للأسف بالنفي. لم تتح لي فرصة التعلم والتلمذة على شيخ عارف جليل. وهي حالة مرتبطة بأسباب عديدة، لعل أكثرها أهمية بالنسبة لمساري الشخصي هو خروجي المبكر من العراق، وضعف بل انعدام تقاليد “المدرسة الفكرية” في العالم العربي المعاصر. أما في الخارج، فقد كنت أواجه الحياة وجها لوجه بوصفها اختبارا دائما. وهذه قضية خاصة تماما لا أجد ضرورة لحديث حولها الآن.



    لقد كلفتني هذه الحالة جهدا إضافيا وإرهاقا نفسيا ومعرفيا هائلا كان يمكن تجنبه أو الاقتصاد فيه. غير أنّ للحياة لعبتها الماكرة أحيانا. وفي نهاية المطاف لا يمكننا أن نضع كل ما يجري فيها بمعايير المنطق. عندها سوف تصبح مملة. ولكن حالما ننهمك في تتبع السببية، فإنها سوف توصلنا أيضا إلى هاوية اللانهاية! وهي المفارقة التي تعيدك إلى الحياة وأولوياتها البسيطة. وهي الأولوية التي عثرت عليها لاحقا في فكرة صوفية جميلة تقول “من ليس له أستاذ، فأستاذه الشيطان”! وتستبدل كلمة الأستاذ بالشيخ أحيانا وبالإمام أحيانا أخرى، والمعنى واحد. وهي فكرة عظيمة. وليس مصادفة أن أضع جملة فصول في أحد أهم أبواب كتابي (حكمة الروح الصوفي) تحت عنوان (الشيخ والمريد). لقد كان القصد منه التأكيد على جوهرية العلاقة الحية الوجدانية العلمية بين الأستاذ والطالب من جهة، وأهمية وقيمة المدرسة (الفكرية) من جهة أخرى. إذ لا يعني أنّ من يتعلم بدون أستاذ فأستاذه الشيطان، سوى إمكانية الخضوع لمختلف مضارب الأهواء والزيغ. إضافة إلى ما في طبيعة العلاقة الحية والوجدانية بين الأستاذ والتلميذ من قيمة روحية واقتصاد في بلوغ المعارف عبر منهجية التحليل. فالأستاذ يمكنه أن يقدم للتلميذ في غضون ساعة ما قد يعجز عنها في غضون سنوات حالما تكون الأستذة جزءا من تيار معرفي، أي مدرسة فكرية. وهي حالة تتراكم ضمن تقاليد المعرفة بوصفها الشرط الضروري لمنظومة المعرفة. ولا معرفة حقيقية بدون تقاليد متراكمة في منظومة أو منظومات. فخارج إطار المنظومة مجرد معلومات ومعارف عامة أو خاصة، وليس فكرا بالمعنى الدقيق للكلمة.



    ولا أعرف ما إذا كان أستاذي الشيطان أو غيره، لكنني حاولت جهد ما أستطيع أن اصنع منظومة الفكر في أعماقي وأعمل من أجل إخراج صيغتها المنطقية والفكرية والسياسية الجزئية في جميع ما كتبته، وفي عملي التأسيسي (فلسفة البدائل الثقافية) الذي آمل أن يرى النور خلال السنوات القليلة القادمة. 





    

كيف تنظر إلى التاريخ؟ هل هو مجرد أحداث ووقائع مرت ومضت، أم أنّ ثمة قوانين تحدّد مسار الأحداث والوقائع؟ 

 
   إنّ التاريخ هو الوعاء الذي يحتوي  كل مظاهر الوجود الإنساني. وبالتالي ليست الوقائع والأحداث سوى أحد مكوناته ومظاهره. فوجود كل شيء تاريخ، كما أن التاريخ هو وجود الأشياء جميعا. وفي الواقع لا شيء غير التاريخ. بحيث لا يمكننا الحديث عن الإنسان دون تاريخه. والشيء نفسه يمكن قوله عن تاريخ الطبيعة. فالتاريخ هو كتاب الوجود، وعندما يتعلم المرء والمجتمع والثقافة قراءته بطريقة عقلية ونقدية، حينذاك يمكن الاعتبار به والاستفادة منه. ذلك يعني أن قيمة التاريخ وأهميته بالنسبة للمعاصرة والمستقبل تتوقف على كيفية قراءته. وليس مصادفة أن يكون تاريخ المرض هو الوثيقة الضرورية للعلاج. وهي فكرة منهجية غاية في الأهمية العملية، بما في ذلك من وجهة النظر النفعية، حالما نحاول تطبيقها على أوضاع العراق الحالية. بمعنى إننا ملزمون بقراءة تاريخ مرضه أو أمراضه، إذا أردنا البحث عن علاج لها. وفي هذا تكمن أهمية النظر إلى التاريخ.


    إنّ حقيقة التاريخ ليست أحداثا ووقائع، بل تراكم وعي الذات. وحالما يفقد الفرد أو الجماعة أو الحزب أو المجتمع أو الدولة أو الأمة وعيه الذاتي، حينذاك يصبح التاريخ زمنا، أي سريانا متقطعا للأحداث والوقائع. وبالتالي يصبح تكرارها أمرا عاديا، أي انه يقترب من مستوى الحركة الميكانيكية للأشياء. وهو مستوى بدائي بالنسبة للإنسان. وذلك لان حقيقة الإنسان تتناسب مع خروجه النسبي عن الطبيعة والرجوع إليها بمعايير الرؤية العقلية والأخلاقية. وهي الرؤية التي تشكل مضمون التاريخ الفعلي، ذلك أنّ حقيقة التاريخ كما أسلفت هي تراكم وعي الذات، وأقواها ما يتراكم في منظومات فكرية حية، وأفضلها ما يتجسد في مؤسسات عملية ناشطة. وهي إنتاج ثقافي بحت.



    والإنتاج الثقافي مرتبط دون شك بتطور ما دعاه ابن خلدون بالعمران، أي بالانتقال من الطبيعة المباشرة والهمجية إلى الطبيعية الثقافية والمدنية بفعل تطور الإنتاج والممارسة الاجتماعية والتطور السياسي والعلمي والروحي. ومن الممكن الاستفاضة في رؤية مختلف فلسفات التاريخ بهذا الصدد، غير أنها ليست موضوع الحوار. لهذا اكتفي بالقول، بأنّ الرؤية الفلسفية للتاريخ تعكس في ملامحها العامّة والخاصة تطور الرؤية الثقافية. من هنا تتباين أولويات المبادئ القارئة للتاريخ مع تغير وتطور المراحل. إلا أنّ الشيء الجوهري فيها جميعا هو إقرارها بقيمة وأهمية الإرادة الإنسانية وأفعالها في صنع “العجائب والغرائب”. ومن ثم ليست الفكرة الجبرية التي تبحث عن قوة قاهرة فوق إرادة البشر في تفسير الظواهر سوى الوجه الآخر لاضمحلال أو تلاشي أو ضعف أو تشوّه الإرادة العقلية أو الأخلاقية أو كليهما.



    وللجبرية مظاهر عديدة جدا، بما في ذلك “فكرة المؤامرة”. فهي أسلوب محّسن للفكرة الجبرية اللاهوتية بعد نقلها إلى تصنيف يتّسم بقدر كبير من الحذلقة في “ترتيب” أحداث التاريخ والوقائع بالشكل الذي يجعلها اقرب ما تكون إلى “تصنيع” آليّ أو إلهيّ. والاثنان سواء لأنهما من إنتاج آلية التفكير أو لاهوتيته. وكلاهما يصبّان في نفس مسار الأحداث الماضية. فالجبرية لا تفعل في الواقع إلا على تحويل الماضي إلى شريط من الأحداث التي تتجرد فيها النفس عن تحمل أية مسئولية عما حدث ويحدث. لهذا اعتبرتها الوجه الآخر لفقدان الإرادة. وهو سر إغوائها وإغرائها للذهنية البليدة والعقل الكسول! فالجبرية في التاريخ على قدر الإرادة! والصيغة المثلى للنظر إلى التاريخ تقوم في النظر إليه باعتباره تجارب متنوعة تتوقف آفاق تطورها على كيفية حلّ الإشكاليات الواقعية الكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع والثقافة. وهي حلول تفترض الرؤية الواقعية والعقلانية والاستفادة من التجارب الذاتية والعالمية. فالتاريخ لا يعرف قوانين حتمية، لكن الخروج عليه بوصفه كتاب الوجود الحيّ وتراكم الخبرة وصدور وعي الذات، لا يعني سوى البدء من جديد في تهجي أبجديات العدم! وقد يكون هذا هو القانون الوحيد الدقيق والحتمي. وما عداه هو تجارب وبحث عن بدائل. أخيرا، إن الإقرار بهذه الرؤية يحرر العقل من الخضوع لفكرة الجبرية الدينية والدنيوية، أي يحرر العقل من الخضوع لسطوة الإيديولوجية التوتاليتارية، وينزلها من طوباوية التأمل إلى ميدان الحياة الواقعية. وبالتالي يرمي بكل هذه الكوكبة المصطنعة من سدنة الماضي وكهانه وأنبيائه وعرافيه وإيديولوجيه الجدد الذين اغرب ما في أحكامهم الجازمة عن المستقبل هو جهلهم به! 





     

ما تقوله يدفعنا للحديث عن أهمية المنهجية العلمية بالنسبة لكتابة التاريخ العراقي الحديث. مما يثير جملة من الأسئلة النظرية والعملية. لنكتفِ بالسؤال العام. ما هو تقييمك  لكتابة التاريخ العراقي الحديث؟ 

  
  إن إشكالية كتابة التاريخ، هي إشكالية التاريخ نفسه. بعبارة أخرى، عندما تظهر أمام الفكر التاريخي والسياسي والفلسفي قضية “ضرورة كتابة التاريخ” و”ضرورة إعادة كتابة التاريخ” وما شابه ذلك، فان ذلك مؤشر على انعدام التاريخ. بمعنى أن “الحالة الحالية” هي السائدة، أي الحالة المتكررة، أي الزمن. فالتاريخ تراكم. وفي تراكمه يتحول بالضرورة إلى مؤسسات وتقاليد وقيم ومبادئ ضابطة للسلوك الفردي والاجتماعي. فعندما نقول، بأننا نتمتع بتاريخ سياسي، فان ذلك يعني أننا نمتلك مؤسسات مستتبة للدولة وأساليب الحكم. وعندما نقول، بأننا نتمتع بتاريخ الحرية، فان ذلك مؤشر على أن الحرية هي منظومة من المبادئ والقيم والأعراف والتقاليد المغروسة في الوعي والمؤسسات. وأنها اكبر وأوسع وأعظم من أن تخضع لإرادة فرد أو حزب أو أيما قوة غير المجتمع وقوانينه. وينطبق هذا على كافة الظواهر المشابهة. وبالتالي، لا تعني “ضرورة كتابة التاريخ” سوى أننا لا نتمتع بتاريخ مكتوب، أي مجسد ومحقق في مؤسسات وقيم وأفكار ومبادئ ومرجعيات كبرى يحترمها الجميع بغض النظر عن الاختلاف في المواقف السياسية والرؤى الإيديولوجية والعقائدية. وعندما نقول بضرورة إعادة كتابة التاريخ، فان ذلك يعني إننا نقف أمام محاولة جديدة لشحذ السكاكين والخناجر الإيديولوجية لقطع ما لا يعجبنا، أو قطع ما يمكن قطعه لأكله أو رميه في المزابل! وهي حالة عانى وما يزال يعاني منها العراق. وفيها يمكن رؤية حالته الفاعلية بوصفه كيانا عائما فيما ادعوه بالزمن الراديكالي، أي زمن الإرادة غير العقلانية. وهي إرادة يمكنها اقتلاع كل شيء، لأنها لا تدرك، شأن كل راديكالية هوجاء، قيمة التاريخ بوصفه تراكما لوعي الذات. وهي الصفة التي مازالت تحكم الموقف من التاريخ ونمط تدوينه.   هذه الحالة هي طبعا في الأغلب النتيجة التي رافقت صعود الراديكالية السياسية في العراق بعد سقوط الملكية والانتقال إلى الجمهورية. وليس مصادفة أن يتراكم العلم التاريخي قبل ذلك وبعد قليلا في مدارس تتسم بقدر كبير من العلمية والدقة. بل يمكننا الكلام عن تراكم علمي هائل في المدرسة التاريخية العراقية الحديثة التي استطاعت أن تربي وتخرج شخصيات فذة مثل جواد علي صاحب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام وعبد العزيز الدوري، وطه باقر وعشرات من كوكبة العلماء الكبار، الذين يرتقي كل منهم إلى مصاف المدرسة. وهي شخصيات تكشف عن طبيعة التراكم العلمي الهائل، والقادر على إعادة ترتيب الوعي التاريخي للأفراد والجماعات والأحزاب، لولا التغيرات الراديكالية التي جعلت من الحثالات الاجتماعية وهذيانها “السياسي” خطابات “تاريخية”. وهو توصيف صحفي قلب الأمور كلها رأسا على عقب، بحيث جعل من التاريخ أرجوحة تعلو وتهبط مع صعود وهبوط الأمزجة المريضة لأزلام السلطة! أما النتيجة فهي امتهان التاريخ وفكرة التاريخ والفكر التاريخي. وهي ظاهرة لا يمكن إرجاعها إلى مسارها السليم والطبيعي دون إرجاع مسار الدولة والسلطة والنظام إلى حالته الطبيعية بوصفه تراكما اجتماعيا سياسيا، يقف حائلا أمام صعود الراديكالية السياسية والجهلة والهامشيين. وبالتالي يعيد للعلم والعلماء، وفي الحالة المعنية، لعلم التاريخ والمؤرخين مهمة التعامل مع الماضي والحاضر بمعايير الموضوعية والانتماء الثقافي للعراق. فهي الطريقة الوحيدة التي تجعل من الماضي مصدرا مهما لوعي الذات، وقوة نقدية تجاه الحاضر ورفيقا للمعاصرة والمستقبل.