
نفتح مجال التفكير والحوار والاختلاف حول مسألة “الرسوم المسيئة للرسول”، وقد تفاوتت الإجابات في مدى نزوعها إلى احترام الحقّ في حرّيّة التّعبير أو احترام “المقدّسات” الدّينيّة. ونقدّم اليوم الإجابة التي تفضّل بإرسالها إلينا كلّ من هاشم صالح (باريس)، وغسان المفلح (سوريا/سويسرا)
هاشم صالح : التواطؤ الغربي في الإساءة إلى “محمد الأسطوري”
بعد 11 سبتمبر و14 مارس(مدريد) وسوى ذلك، أحس الغرب بخطورة التيار الأصولي في العالم العربي والإسلامي. وقد جاء رده على ذلك عسكريا في البداية على طريقة بوش وجماعته ثم ثقافيا أو استفزازيا على طريقة الرسوم الدانماركية وما تلاها من استهزاء بالقرآن والنبي على يد بعض نواب اليمين المتطرف في هولندا والنمسا الخ.
ومثلما ضرب الأصوليون أميركا على رأسها صبيحة 11 سبتمبر فإن رسامي الكاريكاتور ضربونا على رؤوسنا إذ اختاروا النبي شخصيا كمادة للهجوم والاستهزاء العدواني غير المبرر على الإطلاق.
كان بإمكانهم أن يضعوا القنبلة في رأس الخميني أو ابن تيمية مثلا للدلالة على عنف الإسلام أو كان بإمكانهم اختيار صورة شيخ عربي أو مسلم لا على التعيين. ولكنهم باختيارهم لشخص محمد بالذات صعقوا الوعي الجماعي لدينا ووجهوا إليه ضربة موجعة. ذلك أن العدوان الرمزي وبخاصة على قدس الأقداس أو على أعظم شخصية في تاريخنا لا يقل خطورة عن العدوان الجسدي المحض.
ربما كانوا قد أرادوا اختبار ردود فعل العالم الإسلامي كما ذكرتم. هذا شيء غير مستبعد. ولكن ليس بهذه الطريقة الفجّة والمباغتة والمؤذية يدفعون العالم الإسلامي نحو الإصلاح الديني أو التنوير العقلاني. على العكس. هذه طريقة قد تؤدي إلى عكس النتيجة المتوخاة منها على فرض أن نواياهم طيبة.
ينبغي العلم بأنه حصل تواطؤ في الغرب بين تيارين ضدنا، تيار اليمين المتطرف المسيحي أو الإلحادي وتيار اليمين اليهودي المتصهين. هذان التياران كانا يكرهان بعضهما البعض على مدار التاريخ. ومعلوم أن اليمين المتطرف الأوروبي يكره اليهود وهو المسؤول عن محرقتهم. ولكنهم الآن اجتمعوا مع بعضهم البعض علينا وبخاصة بعد ضربة 11 سبتمبر ثم نظرا لاستفحال الأمور في فلسطين المحتلة.
أما بالنسبة لحرية التعبير فهي ليست لانهائية أو لا محدودة كما قد نتوهم. مثلا في فرنسا ممنوع أن تهاجم شفهيا أو كتابيا شخصا ما لأسباب عرقية أو طائفية. ممنوع أن تحتقره أو تدعو لإيذائه لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك أو إلى هذا العنصر أو ذاك.هذه أشياء يعاقب عليها القانون.أما بالنسبة لعقوبة التجديف أو النيل من المقدسات فقد انتهت في أوروبا منذ زمن طويل، ولكن هذا لا يعني أنه يحقّ لهم أن يحتقروا عقائد الآخرين.
إذا ما هاجمت المسيح أو العقائد المسيحية أمام شخص فرنسي فعلى الأرجح لن يحرك ساكنا ولن تصيب فيه مقتلا، لأن مقدسه لم يعد دينيا كما هو عليه الحال عندنا وإنما أصبح علمانيا. اللهم إلا إذا كان ينتمي إلى الأقلية التي ما زالت مسيحية مؤمنة. ولكن إذا ما شتمت فرنسا أمامه فانك سوف تجرحه دون شك.
يمكنك أن تستهزئ بالبابا بل وحتى بالمسيح على شاشات التلفزيون بل يمكنك حتى أن تنكر أن المسيح قد وجد تاريخيا دون أن تخشى على نفسك أو أن يصيبك أي أذى. أما إذا استهزأت بالجمهورية الفرنسية ذاتها وبالعلمانية والديموقراطية والتسامح وحقوق الإنسان وأعلنت رفضك للحداثة الأوروبية وقيمها الأساسية فانك سوف تتعرض حتما للمتاعب. وسوف تعتبر إنسانا خطرا على النظام العام.
هنا يبدو الشرخ عميقا بين مجتمعات مغموسة في الحداثة المادية والفكرية من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها ومجتمعات القرون الوسطى ذات الحساسية الدينية المرهفة جدا والمستعدة للاستنفار في أي لحظة. ولكن بما أن العالم الإسلامي يعيش منعطفا تاريخيا خطيرا فإنه لا يستطيع أن يتحمل كل هذا الترف الفكري. وبالتالي فلا ينبغي جرحه في مقدسه الذي يستعصم به..
وأقول في هذا الشأن: رب ضارة نافعة. ربما دفعتنا هذه الهجمة على مقدساتنا إلى الانخراط أخيرا فيما لا بد منه: أي في إعادة قراءة التراث وغربلته غربلة صارمة لا هوادة فيها. لا بد من التوصل إلى محمد التاريخي يوما ما وكذلك إلى القرآن التاريخي تحت ركام القرآن الأسطوري ومحمد اللاتاريخي. ولكني واثق عندئذ أن محمدا الحقيقي لن يكون أقل أهمية وروعة من محمد التقليدي السائد حاليا في وعي الملايين.
وأنا أعتقد شخصيا أن ما أصابته الرسوم الكاريكاتورية السخيفة ليس محمداالحقيقي وإنما الصورة التقليدية الكسولة السائدة عنه في الأوساط المتزمتة والمنغلقة كليا على الحداثة. فمحمد الحقيقي لو ظهر الآن لأدخل العرب في التاريخ من جديد أي في الحداثة ولحل عقدتهم المتأصلة ولعثر على مفتاح التاريخ. وبالتالي فأنا لست خائفا على محمد، ليس فقط لأني تربيت على حبه منذ طفولتي الأولى، وإنما خائف على جماهير المسلمين الغاطسة في بحر من الخرافات والأوهام والاستلاب العقلي الكبير.
بين المحرقة والرسوم
أود التأكيد مجددا بأن ما أصابته الرسوم الكاريكاتورية التافهة ليس محمدا الحقيقي وإنما شُبّه لهم نتيجة جهلهم بتاريخ الإسلام الأولي وشخصية النبي الأكرم. والواقع أنهم خلطوا بينه وبين التصور الوهمي والخاطئ الذي يشكله عنه الأصوليون المتزمتون والإرهابيون. فهذه الصورة المشوهة لرجل عربي بعقال وفي رأسه قنبلة تكاد تنفجر ليست صورة النبي على الإطلاق وإنما صورة الزرقاوي أو سواه ممن يمارسون العنف الأعمى والمجاني بشكل وحشي. وحاشا للرسول أن يكون كذلك.
ولكنهم دفٌعوه ثمن أخطاء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إليه زورا وبهتانا. حقا لقد شوهوا صورة الإسلام ومؤسسه بل واختطفوا الدين الحنيف اختطافا، الشيء الذي سمح للآخرين بالهجوم عليه بمثل هذه الطريقة المقذعة. وبالتالي فالمسؤولية تقع علنا أيضا وليس فقط على رسامي الكاريكاتير الدانمركيين.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المحرقة اليهودية تحولت في الغرب إلى مقدّس يفوق المقدسات المسيحية. وكما قلت فبإمكانك أن تنكر وجود المسيح تاريخيا ولكن من غير الممكن إنكار حصول المحرقة اليهودية. وأنا بالطبع لا أنكر حصولها على الإطلاق وإنما على العكس تماما أدين النازية كل الإدانة بسببها.
ولكن الكثير من المؤرخين والمثقفين الفرنسيين احتجوا على قرار البرلمان الفرنسي بمعاقبة كل من تسول له نفسه أن ينكر حصول المحرقة أو يقلل من حجم الضحايا أو لا يعترف بسقوط ستة ملايين كما تقول النسخة الرسمية المكرّسة. فهذه قضايا ينبغي أن تظل مفتوحة وهي من اختصاص المؤرخين لا اختصاص النواب ورجال السياسة. نعم ينبغي أن يظل ملف المحرقة مفتوحا لكي يكتشفه المؤرخون من كافة جوانبه، ويخوضوا فيه الحديث إلى ما شاء الله تماما كأي موضوع آخر.
وهناك إجماع في الغرب على تقديس المحرقة اليهودية وتسييجها بالأسلاك الشائكة حتى لا يتجرأ أحد على الاقتراب منها. فالغرب يريد أن يكفّر عن جريمته النكراء بهذه الطريقة. وهذا من حقه بل إنه يشرفه لولا أن الأمر تحوّل إلى نوع من الامتثالية الخانقة والمزايدات المزعجة والمملة فعلا.
قلت هذا من حقه ولكن ليس من حقه على الإطلاق أن يدفع الآخرون ثمن هذه المحرقة الرهيبة التي ارتكبتها يداه أيام النازية والفاشية. وأقصد بالآخرين هنا الفلسطينيين بالطبع وكذلك اللبنانيين والعرب الآخرين. فهنا أيضا ترتكب محرقة أمام أعيننا كل يوم وكان آخرها محرقة غزة بأطفالها الرضع.
وأعتقد أن الغرب المنافق المسؤول عن كلتا المحرقتين يستخدم المحرقة الأولى للتغطية على الثانية وتبريرها. وهذا ما دعاه المثقف اليهودي المنصف نورومان فنكلشتاين بصناعة الهلوكوست. نعم لقد تحولت المحرقة إلى صناعة يتاجر بها غُلاة الصهاينة لتبرير قيام دولة إسرائيل على حساب دولة فلسطين. انظر ما يفعله هذا الساحر المشعوذ المدعو إيلي فيزيل الذي فضحه كتاب صناعة الهلوكوست.
نعم لقد تحوّلت المحرقة إلى أعظم تابو في الغرب وأعظم مقدس، لأن الله لم يعد تابو ولا مقدسا ولا المسيح بالطبع، ولذلك فلا يستطيع أحد أن يسخر من الموضوع ولا حتى أن يناقشه بشكل عقلاني منطقي هادئ. فاللوبي اليهودي يقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه ذلك، ويوجّه إليه التهمة التي ترعب اكبر شخصية في الغرب: معاداة السامية.
ومادام الصراع على فلسطين مشتعلا فلا يمكن لأحد أن يناقش موضوع المحرقة بشكل علمي. سوف تظل تابو أو مقدسا لأن تأسيس دولة إسرائيل على أنقاض دولة فلسطين يتطلب ذلك. والواقع أنه لولا محرقة اليهود الرهيبة لما تجرّأ الغرب على إعطاء فلسطين لليهود بمثل هذه الطريقة السافرة والتي لا تكاد تصدق. فكارثة اليهود أعطتهم كل الحقوق بما فيها حق اغتصاب أرض الآخرين وطردهم منها. وهذا من أعجب العجب. هذا ما كانوا يدعونه أيام الحكم العثماني المستبد والاعتباطي بحكم قراقوش.
وبالتالي فهناك أصولية غربية يهودية فيما يخص المحرقة. وهي لا تقل تزمتا وتطرّفا وتعطيلا للعقل والفكر عن أصولية بن لادن. الفرق الوحيد هو أنها أصولية الشعوب المتحضرة التي شكّكت بكل شيء وجربت كل شيء واكتشفت كل شيء، لا أصولية أناس فقراء جهلة لم يطلعوا على نور العلم والفلسفة بعد. وبالتالي فهي معذورة أقل.
هنا تكمن غطرسة الغرب والجانب الأسوأ فيه. ولكن هذا لا يلغي بالطبع الإنجازات الإيجابية الرائعة لحضارته وحداثته. والواقع أن حضارته ازدواجية الوجه، أو قل ذات وجهين: وجه مضيء جدا ووجه معتم وشرير.والدليل على ذلك ما يفعله بوش وقادة اليمين الإسرائيلي في فلسطين.
التأويل الأسطوري للقرآن
بالطبع هناك تشابه بين قصة رشدي وقصة الرسوم الكاريكاتورية. ويمكن أن نضيف إليهما حوادث أخرى أيضا ككتابة بعض الآيات القرآنية على جسد امرأة عارية في هولندا الشيء الذي كلف صاحبه المخرج السينمائي تيو فان غوخ ميتة فظيعة وإجرامية على يد أصولي مغربي جاهل. وكذلك يمكن أن نضيف زلّة البابا غير المقصودة عندما ربط بشكل غير مباشر بين الإسلام والعنف الخ..
كل هذه الحوادث هي عبارة عن صدمات كهربائية قد تؤدي إلى إيقاظ المسلمين من سباتهم الدوغمائي الطويل. أقول ذلك رغم إدانتي لأي نيل من شخص النبي أو القرآن. ولكن رب ضارة نافعة.
ربما دفعنا ذلك إلى إعادة النظر في تراثنا وقراءته قراءة جديدة كما يفعل أركون وتقديم تأويل آخر غير التأويل المكرور الراسخ الجذور منذ مئات السنين. هذا هو الرهان الأكبر لما يحصل حاليا. فوراء الأكمة ما وراءها. والواقع انه ما دام تراثنا يُستخدم من قبل الظلاميين المتطرفين كأداة حرب لتبرير المجازر والتفجيرات التي تحصد المدنيين العزّل بالمئات والآلاف، فإنه من المتوقع أن يدفع الثمن عاجلا أو آجلا.
والآخرون لن يسكتوا علينا إلى الأبد وإنما سوف يطرحون علينا الأسئلة من نوع: هل صحيح أن دينكم يقر أعمال العنف؟ هل صحيح أنه يدعو لقتل كل المسيحيين واليهود كما يقول بن لادن وجماعة القاعدة؟ هل صحيح أنكم تكفّرون كل الأديان الأخرى وتعتبرونها باطلة؟ متى سيحصل الإصلاح الديني عندكم كما حصل عندنا؟ متى ستشهدون مرحلة التنوير وتصالحون بين الإسلام والحداثة؟ متى سيحصل التوفيق بين الإيمان والعقل عندكم فتنتقلون من إيمان القرون الوسطى الذي لا يقبل الاختلاف والتعددية الروحية إلى إيمان العصور الحديثة الذي يقبل بذلك؟ الخ.
وإذا لم يطرحوا علينا هذه الأسئلة فإنهم سينتقمون منا عن طريق الرسوم الكاريكاتورية وأشباهها من اجل استفزازنا، وبالتالي فالمسألة اندلعت ولن تتوقف عما قريب. لن تتوقف قبل أن تخرج جماهير العرب والمسلمين من فهم بن لادن وأشكاله للإسلام. وهذا يعني أن القصة طويلة ومعقدة فعلا.
ولذلك أقول بان القرن الواحد والعشرين هو قرن الإسلام. بمعنى أن المشكلة الأساسية المطروحة عليه هي مشكلة الإصلاح الديني في الإسلام. فالإسلام، أو قل الفهم السائد عنه لدى الملايين، أصبح مشكلة عالمية تهم كل الأمم وليس فقط العرب أو المسلمين. وبالتالي فلن يحلوا عنا قبل أن نحل مشكلتنا مع ديننا وتراثنا ونقدم تأويلا آخر لرسالة القرآن وجوهر الإسلام. وهذه هي المهمة الكبرى المطروحة على المثقفين العرب طيلة العقود المقبلة من السنين.
نحن الآن ندفع ثمن الجمود التاريخي أو “نومة أهل الكهف” والانحطاط المزمن والطويل. نحن ندفع ثمن انتصار الحنابلة على المعتزلة قبل ألف سنة وانتصار الفقهاء على الفلاسفة أي انتصار الغزالي على الفارابي وابن سينا قبل ألف سنة أيضا.
من يجرؤ الآن على فتح الملفات العتيقة التي أغلقت منذ القرن الخامس الهجري وبالأخص الملف الخاص بخلق القرآن؟ لو فتحناه لاستطعنا تقديم تأويل تاريخي عقلاني مسؤول للقرآن الكريم ولانتهينا من التأويل الأسطوري والغيبي واللاتاريخي والتقليدي المكرور للأصوليين والسلفيين.
من يستطيع أن يقدم صورة تاريخية عن سيرة النبي أو علي بن أبي طالب خصوصا بالنسبة للوعي الشيعي؟ نقول ذلك ونحن نفكر بما فعله عالم اللاهوت الألماني رودولف بولتمان بالنسبة للمسيحية الأولى وشخصية مؤسسها، عندما فرق بين المسيحية البدائية الأسطورية والمسيحية التاريخية الحقيقية. وكذلك عندما فرق بين المسيح الأسطوري الذي يملأ على المؤمنين أقطار وعيهم من أقصاه إلى أقصاه والمسيح التاريخي، بقدر ما تسمح لنا الوثائق والمعطيات الأركيولوجية أن نتوصل إليه.
أفكر أيضا هنا بكتاب أرنست رينان عن حياة يسوع عندما نزع عنه هالات الأسطرة والأدلجة وقدم صورة إنسانية تاريخية. عندئذ هاج عليه الحزب الأصولي الكاثوليكي ونزل إلى الشارع هنا في قلب باريس بل ومرّ على بيته وسأل أسرته عنه مهددا ومتوعدا.لماذا؟ لأنه مسّ المعتقدات الأصولية في الصميم. ما الفرق بين ردود فعل المسيحيين آنذاك وردود فعل المسلمين الآن؟ لا شيء. ولذلك أدعو شخصيا إلى تأسيس علم الأصوليات المقارنة أو علم التنوير المقارن سمه ما شئت. عندئذ نفهم بشكل صحيح ما يحصل الآن في العالم الإسلامي من هيجانات واضطرابات.
اقرؤوا فتاوى بابوات روما في القرن التاسع عشر ضد الحرية الدينية أو الليبرالية أو الديموقراطية أو الفلسفة العقلانية أو حقوق الإنسان أو روح العصور الحديثة كلها واقرؤوا تصريحات الأصوليين الأشاوس عندنا من أمثال بن لادن وعلي بالحاج تجدون نفس الشيء. أحيل بهذا الصدد إلى فتاوى البابا ضد الحداثة عام 1869.
أعود إلى مسألة سلمان رشدي والصور الكاريكاتورية. ربما كان الفرق الوحيد بينهما هو أن رشدي قدم رواية رائعة من الناحية الفنية باعتراف ناقد خبير بالموضوع هو تزفيتان تودوروف. في حين أن الصور الكاريكاتورية تبسيطية مبتذلة وخالية من الإبداع الفني واستفزازية بالدرجة الأولى. رواية رشدي عميقة خصبة تضج بالتساؤلات الكبرى والمتناقضات. وكانت تستحق مصيرا آخر غير المصير الذي لقيته بسبب فتوى الخميني الهمجية والظلامية.
ولا أقول ذلك دفاعا عن كل ما جاء فيها وإنما من أجل الإنصاف وحرية التفكير والتعبير، وبخاصة بالنسبة للروائي الذي يستخدم الخيال بالضرورة. وبالتالي فلا ينبغي أن نقمعه أو نأخذ كل ما يقوله حرفيا على محمل الجد لان ذلك يحجم خياله ويقضي على إبداعه.
أهمية الخطوات الدنماركية في حل الأزمة
لا ريب في أن تدريس القرآن والتراث العربي الإسلامي في الجامعات الدانماركية الحديثة والعلمانية سوف يكون خطوة ايجابية جدا. ولكن نتمنى أن يتم التدريس من خلال المناهج الحديثة لعلم الأديان المقارنة، لا من خلال المناهج القديمة المعروفة التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا. وعلى أي حال فهي متوافرة جدا في العالم الإسلامي، ولسنا بحاجة إلى كليات تقليدية جديدة تضاف إلى كل ما هو موجود عندنا.
نحن نريد أن يتم تدريس التراث الإسلامي في الدانمرك والغرب كله، حيث تتوافر حرية التفكير والتعبير كما يدرس التراث المسيحي سواء بسواء. نحن لا نطالب بمعاملة خاصة وإنما نطالب بان نعامل بالمثل. فتراثنا أحوج ما يكون إلى تطبيق مناهج العلوم الإنسانية عليه كعلم “الالسنيات” و”السيميائيات” الدلالية وعلم التاريخ الحديث وعلم الاجتماع والأنتربولوجيا وعلم التفسير الحديث الخ. وهذا كل ما نطالب به الغرب، بدلا من تضييع وقته في استفزاز مشاعرنا بشكل مجاني لا طائل تحته.
ياليت أنه يفتح كليات جديدة لتدريس الإسلام على طريقة المناهج الحديثة التي أثبتت فعاليتها في تحرير العقول من التعصب والدوغمائية مثلما يفتح كليات لتدريس اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي.
هذا كل ما نطالب الغرب به لأنه الأكثر تقدما وقوة من كل النواحي المادية والثقافية. نريده أن يساعدنا على أن نخرج من هذه الورطة الكبيرة التي وقعنا فيها بدلا من تغطيسنا فيها أكثر وأكثر عن طريق هذه الاستفزازات التي لا تليق به ولا بحضارته.
وعلى أي حال فهي صادرة عن التيار اليميني المتخلف فيه لا عن التيار العقلاني الحضاري الذي يدين هذه الاستفزازات بالذات. انظر ردود فعل رئيس وزراء النمسا ورئيسها والشخصيات الدانماركية والهولندية المحترمة على هذه الاعتداءات الاستفزازية على مشاعرنا.
والواقع أن كبار علماء الغرب من مستشرقين ومستعربين يقوم بدراسة علمية لتراثنا الإسلامي. وهم يشكرون على ذلك. وتستحق أبحاثهم أن تُنقل فورا إلى لغتنا العربية. أقول ذلك وأنا أفكر بأعمال الأكاديميين الكبار من أمثال المستشرق الألماني جوزيف فان آيس أو أولئك الذين ألفوا الموسوعة الإسلامية والموسوعة القرآنية. هذه أبحاث علمية رصينة عن التراث وتستحق الإعجاب والتقدير.
أما فيما يخصّ عقد ندوات ومؤتمرات في الدول العربية عن العلمانية وحوار الأديان والحضارات فأنا معه. وتشكر الحكومة الدانماركية على هذا الاقتراح الجيد. فهم أيضا عانوا من مشكلة الأصولية المسيحية ومحاكم التفتيش في الماضي، ويمكن أن نستفيد من خبرتهم في هذا المجال بدون شك.
وبالتالي فأهلا وسهلا بالمناظرات الفكرية الجادة بين علمائنا وعلمائهم بين مثقفينا ومثقفيهم. فهذه هي الطريقة الوحيدة لكسر جدار الرعب والجهل القائم بيننا وبينهم والذي يدفع إلى ارتكاب مثل هذه الاستفزازات كالرسوم الكاريكاتورية وسواها.
إعادة نشر الرسوم والردود الباهتة
نلاحظ أن إعادة نشر الرسوم التافهة لم تؤد إلى أحداث عنف وتظاهرات غاضبة في الشارع وحرق السفارات كما حصل في المرة الأولى. وهذه نقطة ايجابية تسجَّل لصالح جمهورنا الذي ابتدأ يفهم مغزى هذه الاستفزازات أو قل لم يعد يخاف منها أو يعيرها نفس القيمة والأهمية.
لقد ابتدأنا ندرك أن الرد عليها بالعنف يسيء لقضيتنا أكثر مما ينفع لأنه يعني الوقوع في الفخ الذي نصبوه لنا. فهم يقولون بأن الإسلام مرتبط أزليا بالعنف. ونحن بتظاهراتنا العنيفة الصاخبة والانفعالية أكثر من اللزوم نصدق على كلامهم أو نثبته بدلا من أن ننفيه.
ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لو كانت هذه الشتائم والإهانات ستنال من نبي الإسلام أو ستقضي على هيبته وحقيقته وعظمته، لكانت قد قضت عليها منذ مئات السنين عندما انهال عليه سيل من الكتابات والشتائم الجارحة منذ الحروب الصليبية والعصور الوسطى وحتى اليوم. كلها مرت وبقيت حقيقة الإسلام ونبيّه صامدة تتحدى القرون. كلها تكسّرت على صخرة الحقيقة التي لا يمكن لأي قوة في العالم أن تهدها.
ينبغي العلم بأن الأنبياء والمفكرين الكبار ليسوا بحاجة لأحد لكي يدافع عنهم. ولو كانوا بحاجة لأن نحميهم أو ندافع عنهم لما كانوا أنبياء أصلا. تدافع عنهم حقيقتهم ورسالتهم والقيم الأخلاقية العليا التي رسخوها على مدار الأجيال والقرون.
ومحمد بن عبد الله ليس بحاجة إلى من يدافع عنه ولا كذلك سقراط أو المسيح أو بوذا أو مارتن لوثر أو جان جاك روسو نبي العصور الحديثة أو إيمانويل كانط أو بقية العظماء الذين ضحوا بطمأنينتهم من اجل هداية البشرية إلى طريق الحقيقة والرشاد.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفعله للدفاع عن محمد هو أن ننخرط في بحوث تاريخية كبرى للكشف عن شخصيته التاريخية الحقيقية بقدر ما تسمح لنا الوثائق بذلك. وعندئذ سوف نكتشف أنه كان ذا شخصية عظيمة على كافة الأصعدة والمستويات وأنه لم يحمل السلاح إلا للدفاع عن القضية ولأنه كان مهددا بالقتل. وليس صحيحا أنه كان يحب العنف من اجل العنف على طريقة الزرقاوي والقاعدة، كما يزعم بعض الجهلة والمُغرضين في الغرب والشرق.
والقرآن نفسه ليس أكثر عنفا من التوراة الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهو يقول بالحرف الواحد عن محمد: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. ولكن ما ذنبه إذا كان بعض أتباعه قد شوهوا رسالته أو فهموا شخصيته خطأ؟
فهل يسوع المسيح مسؤول عن الجرائم التي ارتكبت باسمه بعد أن انتصرت المسيحية وأصبحت دين دولة وجبروت؟ هل هو مسؤول عن إذلال غاليليو وقطع لسان جيوردانو برينو وبقية محاكم التفتيش التي ذهب ضحيتها ملايين البشر عندما كانت أوروبا لا تزال ظلامية أصولية متعصبة؟
غسان المفلح
ليس هنالك مصدر واحد قادر على إعطاء الصحف قرارا بنشر أو بعدم نشر هذه الرسوم (الكاريكاتورية) أو غيرها في الدانمرك، وهذا أمر يحتاج إلى قانون واضح يمنع أو يسمح. تماما كحال التعاطي مع تاريخية الهولوكست وما يترتب عليها. هنالك قانون في هذا الأمر. وهذا يبرر امتناع الصحف عن نشر الرسوم الإيرانية عن المحرقة اليهودية.
لهذا لا بد من القول إن إعادة النشر مجددا للرسوم في كل الصحف الدانمركية أتى ليعبر عن تضامن الصحافة في الدانمرك مع الرسام، بعد الكشف عن محاولة اغتيال للرسام نفسه من قبل متشددين إسلاميين، يعيشون في الدانمرك.
لنتعامل مع الموضوع في سياقه المباشر كما وضحته أولا، ومن ثم إذا كانت هنالك مؤسسات أو جهات من مصلحتها تسعير هذه الهستريا فهذا أمر جائز وموجود. وهنا بودي في هذه المناسبة أن أطرق موضوعا أراه مهما في هذا السياق، إن ردة الفعل الأساسية على الرسوم أتت من مؤسسات إسلامية متواجدة في الدنمرك أولا وفي العالم الغربي ثانيا.
وهذا يحيلنا على أن الموضوع ليس شرقا وغربا أو عالما إسلامي وعالماغير إسلامي.هذه المؤسسات تستفيد من حرية عملها في الغرب لتجيره لصالح صراع معين في بلدانها، والذي يتعلق أساسا بنظرة الشعوب الإسلامية للغرب، وتكريسها كنظرة متخلفة في أن الغرب كافر أولا ويريد القضاء على إسلامنا ثانيا، وبالتالي علينا النظر في دور تلك المؤسسات وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية الراهنة. وهذا برأيي علينا البحث فيه في أوضاع بلدان العالم الإسلامي أولا.
لديهم في الغرب من يرفض الثقافة الإسلامية جملة وتفصيلا، كما هو الحال بالنسبة لنا أيضا، لدينا من يرفض ثقافة الغرب جملة وتفصيلا أو بشكل انتقائي، الفارق أن هذا الطقس المعادي للغرب عندنا تحميه السلطة في البلدان الإسلامية وتحاول تعزيزه منعا للتلاقح الحضاري وإبقاء للخصوصية الاستبدادية.
بينما هناك في الغرب هو ليس أكثر من تيار يتقدم ويتراجع تبعا لحركة تلك المجتمعات وتنافس معطياتها السياسية، والثقافية. حيث أنه لا توجد سلطة غير سلطة حرية الرأي من جهة، وسلطة القانون من جهة أخرى. وهل لزاما على أي صحفي غربي أن يفهم الآخر قبل أن يتفاعل مع حدث عالمي ما؟
وأي آخر؟ هل يفهم الآخر الإسلامي المنفتح؟ أم الإسلامي المعتدل؟ أم المتشدد؟ أم المواطن العادي في بلداننا الذي لا حول له ولا قوة؟ أم إنه لزام عليه التعايش معه وفق قانون معطى؟ لماذا لا تحدث هذه “الهمروجة” في الغرب عندما يتم تناول دياناته وثقافته بطريقة أكثر تجاوزا من تلك الرسوم؟ لهذا علينا النظر للموضوع من خارج هذه الزوايا التي تشير على أن الخلل هو في حرية التعبير، وهذا غير صحيح.
وكما أسلفت أعتقد أن منع نشر الرسوم المتعلقة بالمحرقة له سبب قانوني من جهة، وسبب يتعلق بأصحاب المؤسسات الإعلامية في سؤال بسيط: هل هذا مربح أم لا؟ وهل له مردود على تلك المنابر الإعلامية أم لا؟
نأتي الآن لمعركة الحجاب، السؤال: لماذا فقط بعد أحداث 11 أيلول 2001 تحول الحجاب إلى جاهزية سياسية تلتصق بالإرهاب؟ لماذا لم تنبثق جاهزيات المنع والسماح للحجاب قبل هذا التاريخ؟ مع العلم أن أمريكا الطرف الأكثر تضررا من قضية الإرهاب تلك، لم تطرح فيها قضية الحجاب، مطلقا كقضية سماح أو منع إلا على نطاق ضيق وفيما بعد لم تعد قضية رأي عام كما حدث في فرنسا.
وفي أوروبا علينا أولا البحث في أن قضية الحجاب تأتي في سياق التشدد في سياسات الهجرة، هذا أولا، وثانيا الإسلام فوبيا كان لها تأثير في الغرب الأوروبي أكثر من أمريكا، كما أنه ليس له تأثير في بلدان المعسكر الشرقي كروسيا وبولونيا وهنغاريا..الخ حتى التي انخرطت مؤخرا في الاتحاد الأوروبي.
ألا يدعو هذا للتساؤل؟ لنلاحظ أن قضية الحجاب أكثر ما أثيرت كمنع أو سماح أثيرت من اليمين الفرنسي ولازالت، وأعتقد أن هذه القضية يجب فهمها في سياق سياسات اليمين الفرنسي تجاه قضايا الأجانب في فرنسا. لأنه عندما يتحول موقف سياسي ما ضمن إستراتيجية سياسية محددة إلى قانون في دولة ما كما تحول منع الحجاب في المؤسسات العامة الفرنسية، فإن علينا البحث في متطلبات هذه الدولة داخليا أولا. وفيما بعد يمكننا مقاربة أسباب أخرى. وهذا الأمر ينطبق تماما على المثال الفرنسي، رغم أن الحجاب ممنوع في تركيا منذ عقود طويلة ولم تثر هذه المعمعة.
من المؤسف في قضية سليمان رشدي، ألا نرى دورا للسلطات في البلدان الإسلامية وخاصة فتوى الأمام الخميني بقتله كانت واضحة في هذا المجال. من الطبيعي جدا أن تكون هنالك ردود فعل من نخب وتيارات وقطاعات شعبية على أية سياسة وتكون متباينة أيضا، ولكن حتى يتم التعبير عن ردود الأفعال هذه يلزمها طرق مؤسسية للتعبير عنها ولقياس حجمها، ولدوره في صياغة مواقف الدول والسلطات وفيما بعد الشعوب.
أعتقد أنه لا يمكن فهم ردود الأفعال على قضية الرسوم هذه دون التوقف عند استراتيجيات السلطة في البلدان الإسلامية. أليس سليمان رشدي مسلما؟ من يحق له إصدار فتوى بقتل مسلم آخر مهما كان رأيه؟ لهذا التشابه في القضيتين يتعلق أيضا بأنه لا يستطيع أحد أن يفتي بقتل مسيحي من سكان دولة أوروبية، إلا مشايخ تنظيم كتنظيم القاعدة أو بعض من مشايخ الوهابية، أو بعض من الملالي. على أي راهن تاريخي بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى يمكننا فهم هذا التشابه والتفارق؟
هذه الخطوات هي تعبير عن أن هنالك في المجتمع الدنمركي تيارات أخرى أولا. غير التيارات التي تساند الرسوم، مع التمييز بين مساندة حرية الرأي وبين مساندة الرسوم، في المجتمع الدنمركي.
الغرب الأوروبي بشكل خاص مازال يمارس نفاقا في هذا الموضوع. تورط في سياسات هجرة محددة، أدخلته في نفق الخوف على مجتمعاته، وبدأ يكافحها بطرائق بعضا منها خاطئة. سؤال مهم هل فعلا تدعم الدول الأوربية بشكل حقيقي ثقافة التنوير في المجتمعات الإسلامية؟ وهل مطلوب منا أن نتعامل مع جرعة داعمة للعلمانية بسبب مأزق داخلي في دولة من الدول؟
أعتقد أن دعم هذه الثقافة ومؤسسات التنوير يتطلب استراتيجية مؤسساتية وليس قرارا ارتجاليا ناتجا عن أزمة عارضة أرادتها بعض السلطات في المنطقة العربية، أزمة متحركة حسب ما ترى هي، وهذه الإستراتيجية مازالت غائبة عن استراتيجيات السياسة الأوروبية. وهل نعتقد نحن أن الحكومة الدنمركية بإجراءاتها الأخيرة تسترضي الشارع الإسلامي- أين هو- أم تسترضي أصحاب القرار فيه بمقاطعة البضائع الدنمركية؟