الرّسوم الدانماركية والأفلام الهولانديّة : إسلام الحجاب والوجه المكفهرّ، والصوت المرتفع والمتفجّرات..

أرى أن الكثير من النقاش والتعليق المتصلين بهاتين القضيتين يجانب الصواب، كونه يخرج الأمور عن سياقها الفعليّ، ويضعها في سياق دفاعي أو اعتذاري وإنني أرى ضرورة وضع الأمور في نصابها الصحيح والمحدّد على النحو التالي وباختصار، توخيا للمصلحة العامة :

1 ـ أنّ في الرسوم الكاريكاتيرية والأفلام هذه استفزازا يردّ به على استفزاز، والاستفزاز المردود عليه ليس إلا سلوكيات جماعات ابتدعت في العقدين الأخيرين إسلاما “جديدا” متعصّبا منغلقا عنيفا إلى درجة الوحشيّة، ولذلك فإنّنا نرى أنّ صورة الإسلام ونبيّه وكتابه المتبدية في الكاريكاتير والأفلام صورة مفصّلة على قياس هذا الإسلام ومشاكلة له: إسلام الحجاب والوجه المكفهرّ، والصوت المرتفع والمتفجّرات، والمجتمعات البديلة، والتسفّه على المخالفين والمطالبة بامتيازات لا حدود لها، تتعدّى في بداياتها ومآلها ما للمواطن أن يطالب به، وإنها (أي الكاريكاتورات والأفلام) ليست بديلة عن موقف مسبق من الإسلام بل هي بالأحرى وليدة السّنوات الأخيرة التي شهدت الصّعود المتوازي لهذا الإسلام المبتدع ولليمين الأوروبي المتطرف معا.

2 ـ إنّ الكلام حول الاستفزاز المؤدّي إلى إجابة مستفزّة بدورها لا يتناول المجتمعات الأوروبيّة فقط، بل هو يتناول مجتمعاتنا العربية وجلّ العرب القاطنين في أوروبّا أيضا. ذلك أن هذا الإسلام الجديد يستفزّ الكثير منا ويخيف الكثيرين ممن استفزّ ويسكتهم، خصوصا وأنّ ظروف العالم العربي الآسنة تجعل من هذه الأفكار العجيبة والسلوكيات الغريبة البعيدة عن التمدّن ذات حضور اجتماعيّ وسياسيّ في أوساط متمددة إلى الحدّ الذي يجعل بعض المسئولين العرب وبعض الحكومات العربية وغير العربية يلجؤون إلى إعلاء الصوت بدورهم تملقا لجمهور يُعتقدُ أنه مفطور على البلاهة.

ولكن المجال الأساسي للعبة الاستفزاز والاستفزاز المتبادل هو أوروبا : لا نشهد في أوروبا صراعا لحضارات، بل إننا هنا إزاء تنابذ بين همجيات، في مجتمعات مستقرّة ومتحضّرة تتيح الحرّيّات الفرديّة وتعدّد الآراء والحيوات في سياق المواطنة، وضمن شروط هذه المواطنة.

3 ـ لئن كان بعض الأوروبيين عنصريّين ويكيلون بمكيالين أو أكثر ، ويحابون الصهيونية، ولئن كان هؤلاء مُستملكين برغبة آيلة عن لعبة إزاحات نفسية تزيح الكراهية لليهود إلى محبّة ثم إلى كراهيّة للمسلمين وازدراء لهم، إلا أنّ هذا لا يسري على الجميع. فهناك الكثير في أوروبا ممن يحابي المسلمين، بل ممّن يحابي هذا الإسلام الجديد الغريب، ذلك أنّ المجتمعات الأوروبّية كائنات معقّدة كغيرها من المجتمعات، وغير مستوية الصّفحة وهي ليست شيطانيّة ولا هي ملائكيّة.

ولكن هذا موضوع آخر يتطلب كلاما آخر، يتّصل بقضايا الاندماج والانغلاق في المجتمعات الأوروبية، قضايا تتعلق بحركات إسلامية تتبنى تهييج الجماهير في محاولة لبناء قيادات، ومن ثمة مجتمعات منفصلة بديلة منغلقة، خارجة على القانون وعلى أسس المواطنة، كما هي فاعلة على امتداد العالم العربي.هذا أمر يتعلّق في النهاية بإذكاء عقلية المؤامرة، وبنشر فكرة كون المسلمين ضحايا، وبكون هذا الأمر صوانا لبناء جماعات سياسية خارجة عن سياق التاريخ، وكأنّما في الخروج عن التاريخ ممانعة. في هذا الموقف إعلاء للفشل التاريخيّ المؤدّي إلى ما نراه من سياسات انتحارية مدمرة للذات ولما حولها واعتبارا للنكوص بديلا عن الترقّي.