
إنّ المعطيات والمعاينة المباشرة للوجود السّلفي في تونس تؤكّد أنّنا لسنا أمام ظاهرة عرضيّة عابرة على الأقلّ على المدى القريب، بل أمام حالة ثقافيّة دينيّة سلوكيّة يتبنّاها وينافح عنها بكلّ وثوقيّة فئات من المجتمع، وخاصّة الشّباب منهم ولاسيما التّلمذي والجامعي.
ممّا يستدعي دراسة الظّاهرة في أصولها التّاريخيّة وأبعادها الرّاهنة.
{{السلفيّة بين المركز والأطراف
الجذور الأولى للسّلفيّة}}
تعتبر السلفيّة في الاصطلاح الإسلامي القديم والحديث شكلا من أشكال التصحيح، وينسب لفظ السّلفية للسّلف الصّالح الذي حمل لواء الإسلام الأوّل ونقله للأجيال اللاحقة، تبعا لذلك يفترض أن يكون كلّ المسلمين سلفيّين. غير أنّ لفظ السّلفيّة اكتسب دلالة اصطلاحيّة مذهبيّة مع ابن تيمية 661/728 هـ وتلميذه ابن القيم ت 751 هـ، فقد عاب ابن تيمية على المسلمين في عصره جملة من السّلوكات التي عدّها انحرافا عن منهج السّلف الصّالح، ويتعلّق بعضها بالعقيدة كالتّوسّل بالأموات والتمسّح على القبور … والبعض الآخر بالتّشريع، كتقديس المذاهب الفقهيّة والرّكون إلى التّقليد، لذلك دعا إلى العودة إلى ما أطلق عليه العقيدة السّلفيّة الصّافية.
وناقش ابن تيمية المذاهب الكلاميّة وعقائد الفرق التي عاصرها في كتب متعدّدة جمعت في مدوّنته الضّخمة ” الفتاوى “. ويبقى ابن تيمية شخصيّة إشكاليّة مثيرة للجدل، لأنّ ما خلّفه من آثار إذا لم تقرأ قراءة نقديّة تاريخيّة ستكون بمثابة السلّة العجيبة التي يجد فيها كلّ ضالّته : التّكفيريّون والمتسامحون والتّقليديّون والتّجديديّون على حدّ سواء.
{{السّلفيّة الإصلاحيّة}}
تعتبر الحركة الوهابيّة ” نسبة إلى محمّد بن عبد الوهاب 1703/1792 م” التّرجمة السّياسيّة للعقيدة السّلفيّة على أرض الحجاز، وقد ثمّن الكثير من علماء المسلمين نزوعها الإصلاحيّ، ولكنّهم عابوا عليها التشدّد في عدد من الأحكام والعنف في التّطبيق. وقد تواصلت هذه التّجربة عبر تحالف سياسي عسكري استراتيجي بين عائلتي آل الشّيخ ابن عبد الوهاب وآل سعود، أدّى إلى قيام المملكة العربيّة السّعوديّة. ولم يكن المحيط العربي الإسلامي بمنأى عن التأثير الفكري لهذه التّجربة التي آلت على نفسها تصحيح العقائد ومقاومة البدع. ونذكر في هذا السّياق الرّسالة الوهابيّة الشّهيرة التي أرسلها محمّد بن عبد الوهاب إلى أهل تونس سنة 1803 م يدعوهم فيها إلى العقيدة السّلفيّة بـ ” الحجّة والبيان ومن لم يجبها دعوناه بالسّيف والسّنان ” كما ذكر في الرّسالة التي حرّرها محمّد بن عبد الوهاب بنفسه، وأوردها ابن أبي الضّياف 1802/1874 م في الإتحاف ج 3 قائلا ” ولمّا شاعت فتنة الوهابي وردت رسالته إلى الحاضرة ” وقد طلب حمّودة باشا 1759/1814 الذي وصلت الرّسالة في عهده، من علماء الزّيتونة الردّ عليها فكتب الشّيخ إسماعيل التّميمي مثلا كتاب ” المنح الإلهيّة في طمس الضّلالة الوهابيّة في 154 صفحة، وتولّى ابن أبي الضّياف نفسه الردّ. وقد لاقت دعوة ابن عبد الوهاب تعاطف بعض التّونسيين خاصّة في ما يتعلّق بالتوسّل بالأولياء والتبرّك بقبورهم، ومن هؤلاء الشّيخ أبو العبّاس البارودي ت 1856 هـ الذي أفتى بتهديم الحجر المعروف بـ ” كرسي الصلاّح ” على شاطئ سيدي بوسعيد. لكنّ تأثير الدّعوة الوهابيّة بقي محدودا في تونس لتغلغل العقيدة الأشعريّة والتّصوف السنّي.
{{السّلفيّة الجديدة}}
وفي المقابل كان تأثير حركة الإصلاح الدّيني التي وسمت بـ ” السّلفيّة الجديدة ” والتي قادها السيّد جمال الدّين الأفغاني ومحمّد عبده لافتا في المنطقة العربيّة ولاسيما في حاضرة تونس، خاصّة بعد زيارة محمّد عبده سنة 1884 م. وقد استلهمت حركات التحرّر الوطني إبّان الاستعمار مضامين الإصلاح والتّجديد التي تضمّنها مشروع عبده والأفغاني. لكن بعد قيام الدّولة الوطنيّة لم تجد هذه الحركة من يستأنف مسارها ويعمّق فكر التّنوير والتّجديد. فلا الدّول النّاشئة ولا المؤسّسات الدّينيّة الرسميّة ولا الحركات الإسلاميّة كانت امتدادا حقيقيّا لحركة الإصلاح الدّيني. وقد ترك هذا الانقطاع أثرا بالغا على الفكر الدّيني ونمط التديّن عموما، إذ تركه عرضة للتّأثير المباشر للدّعاة والوعّاظ والحركيين من أنصار المذاهب والمجموعات السّياسيّة والدّينيّة.
ثمّ عرفت المنطقة العربيّة تيّارا سلفيّا معاصرا هو امتداد للسّلفيّة الوهابيّة الأمّ ولكن شهد بعض التّمايز عنها يمينا او شمالا، وأفضى إلي تيّارين كبيرين هما السلفيّة العلمية والسّلفيّة الجهادية [1]
{{تونس في الزّمن السّلفي}}
إذا كانت الدّعوة السّلفيّة الأولى من خلال رسالة ابن عبد الوهاب لم تجد المناخ الملائم الذي يخوّل لها الانتشار في تونس، لتوفّر المناخ الثّقافي الذي يساهم في الحصانة، فإنّ الدّعوة الثّانيّة وجدت المقوّمات المساعدة لا على الانتشار فحسب بل على التغلغل في أوساط الجيل الجديد من شباب الجامعة الحديثة.
ولعلّ أوّل ما يمكن أن يلفت الانتباه في السّلفيّة التّونسيّة، أنّها وإن استفادت من حالة الفراغ السّياسي والثّقافي للعشريّة الفارطة، فإنّها عموما ظاهرة وافدة من المشرق تحت تأثير الانفجار الإعلامي، ولم تنشأ في رحم المجتمع ولم تكن نتاج جدال داخلي وتدافع بين فئات المجتمع، وإن كانت تستجيب لحاجات فئات من الشّباب لم تجد من يلبّيها في أجواء صحيّة سليمة، وذلك ما أكّد عليه الأستاذ احميدة النّيفر الذي وصفها بالاختراق بقوله ” هذا الاختراق السلفي بموجتيه المتتاليتين يعيد إلى الأذهان ما يمكن اعتباره خاصية مغاربية تميّز حركة نخبه ومجتمعاته منذ عصور، إنّه التحوّل بين قطبين: قطب الحرص على الاستقلال عن جذور مشرقية بالانفتاح على الفضاء الأوروبي، وقطب الإقبال على كل ما يصدر عن المشرق العربي الإسلامي وما يعتمل فيه من عناصر التأثير السياسي والحضاري والروحي. [2]
وبعد عرض المسار التّاريخي للظّاهرة السّلفيّة في المنطقة العربيّة، يطرح علينا سؤال يتعلّق بأسبقيّة التّأثير بين هاتين السّلفيّتين ” العلميّة والجهاديّة ” على فئات من الشّباب المتديّن في تونس؟ هل انتقل هؤلاء الشّباب من السلفيّة العلميّة إلى الجهاديّة سيرا على نهج التّسلسل التّاريخي للظّاهرة على مستوى مركزها الأمّ في السّعوديّة وبلدان الخليج عموما، وما آلت إليه من انقسام انعكس على الأطراف؟
وللجواب عن ذلك نشير إلى غياب ما يؤكّد نمطيّة ذلك التمشّي وإن صدق مع البعض، غير أنّ فئات واسعة من الشّباب السّلفي الجهادي وخاصّة الطّالبي منه، تبنّت الفكر الجهادي دون المرور عبر مرحلة السّلفيّة العلميّة، وذلك إبّان الانفجار الإعلامي الرّقمي والفضائي الذي لم تتهيّأ له الدّولة ولا النّخب الفكريّة والمثقّفون والإعلاميّون، فقد كانت المادّة الرقميّة أسرع من يد الرّقيب وأقوى وأشدّ استعصاء على المحاصرة.
فانفتح الشّباب التّونسي المتديّن وغير المتديّن المتعطّش لبديل ثقافي أكثر تعبيرا عن جذوره وهويّته وذاته وتطلّعاته وأشواقه، على طوفان من المادّة الإعلاميّة التي قذفت به في عوالم آسرة من الكتب والوثائق والأشرطة المصوّرة والخطب والدّروس والأناشيد. لقد كان هذا المشهد الجديد مبهرا لشباب يعيش حالة من الاختناق والكبت الفكري، بين الخطاب ديني رسمي سطحي ونمطي، وخطاب تحديثيّ أكاديميّ نخبويّ. وفجأة انفتحت كلّ العوالم المحظورة والأفكار الممنوعة.
وفي غياب الحصانة التي يفترض أن توفّرها السّياسة التّعليميّة والحركيّة الثّقافيّة، انخرطت فئات من الشّباب بكلّ سرعة ودون حسّ نقدي تحليليّ، في ضرب من الانتماء العقائدي والفكري والتّعاقد المعنوي مع أصحاب تلك العقائد والأفكار، بل وترجموا تلك القناعات على مستوى الواقع العملي من خلال سلوكات فرديّة وجماعيّة وخطاب أصبحت له خصائص ومضامين، وشكّّلوا شيئا فشيئا ضربا من الرّابطة العاطفيّة والوحدة العضويّة بين نظرائهم سواء كانوا من السّلفيّة العلميّة أو الجهاديّة، ووصلت هذه التّرجمة أوجها مع ما عُرف مؤخّرا بـ “شباب التوحيد والجهاد في تونس”، الذي نسبت إليه المواجهات العنيفة مع قوات الأمن التونسي بسليمان.
وقد تمّ كلّ ذلك في غفلة أو سوء تقدير أو استهانة أو إهمال من المتابعين للشّأن العامّ.
وأمام انتشار هذا الفكر، وتقبّله من طرف جمهور الشّباب المتديّن من مختلف الفئات الشّعبيّة والمرفّهة والمثقّفة وذات الثّقافة المتوسّطة على حدّ سواء، رغم الضّربات الأمنيّة والمحاصرة، يحتاج المتابع والباحث إلى حدّ أدنى من الفهم لتفسير هذه الظّاهرة واستيعابها.
يعتبر تبنّي الأفكار ولا سيما العقائد الوثوقيّة المغلقة، ظاهرة معقّدة لا يكفي لتفسيرها الرّكون إلى المقاربات الميكانيكيّة من قبيل المقاربة النّفسيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصادية أو السّياسيّة، خاصّة وأن كان الكثير من المتابعين يرجعون شعبيّة هذا التيّار وتجاوب الكثير من فئات الشباب المتديّن معه، إلى أسباب اجتماعية وسياسية قائمة على فكرة الانتقام من الحكام المستبدين وردّ الفعل على أوضاع الفقر والتّهميش الاجتماعي وفي درجة ثانية الرّفض للسّياسات الثّقافيّة المتّبعة لا لأسباب دينية خالصة.
ونحن في هذه المقاربة نعمد إلى المزج أحيانا بين السلفيّة العلميّة والجهاديّة، رغم التّدافع بينهما، وذلك لاشتراكهما في نفس المرجعيّة الفكريّة والعقائديّة، وما الخلاف بينهما كما يبدو لنا سوى خلاف سياسيّ عمليّ أقرب إلى مجاراة الواقع منه إلى أصالة الفكر. ويكفي للتّدليل على ذلك إحالة كلا التيّارين على أدبيّات مشتركة منها كتب ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب وفتاواهما.
وقد أرجع الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي هذه الظّاهرة إلى ” عدم قدرة الأنظمة على إيجاد حلّ مشرّف للقضية الفلسطينية، والكثير منها بدّد ثروات الأمة وطاقاتها في النزاعات على الحدود أو على النفوذ الجهوي أو في الإنفاق والترفيه، كما تنامى الفساد مع تراجع المشروع الوطني.[3] كما أحال على المناخ السّياسي الذي نشأت فيه والمتّسم بتنامي مشاعر السخط والنِّـقمة والشعور بالمهانة الدِّينية والوطنية والاجتماعية، واعتماد المنظور الدِّيني عاملا مُـفسّـرا ومعيارا وحيدا للحكم على الأحداث وتنشيط المخيال الدِّيني الموروث وإسقاط صوره ورموزه على الحاضر.
ولعلّ أهمّ ما يميّز الظّاهرة السلفيّة في تونس بشقّيها العلمي والجهادي عن غيرها من نظيراتها في المنطقة العربيّة:
* غياب المرجع الديني
* غياب الاستقطاب المخطّط له ضمن رؤية واضحة وبرامج معدّة بشكل منظّم
* غياب التّنظيم المركزي أو التّنسيق المسبق
* غياب الرّموز والقيادات المؤطّرة
* غياب الأدبيّات والنّصوص الدّاخليّة
كلّ ذلك يؤكّد الارتباط العضوي والمعرفي والوجداني وحتّى الولائي للسّلفيّة التّونسيّة بالمرجع المشرقي وخاصّة الخليجي وفي درجة ثانية بالمرجع المغاربي وقاعدته في الجزائر.
وتؤكّد الأبحاث والتّحقيقات الأمنية التي اطّلع عليها محامو الموقوفين ضمن هذه القضايا، صدقيّة هذه الملاحظات إذ كانت غالب عمليّات تبنّي الفكر السّلفي العلمي والجهادي على حدّ سواء تلقائيّة من خلال النّقاشات المشتركة حول مضامين مستقاة من الانترنيت ولا سيما تلك الأقراص المضغوطة التي تحوي الدّروس المسموعة والمصوّرة أو الأشرطة التي تصوّر العمليّات الجهاديّة بأفغانستان والشّيشان والعراق، بالنّسبة للسّلفيّة الجهاديّة، وتتولّد الأفكار والقناعات بشكل فردي أو جماعيّ، ويمارس فيها الذي سبق له تبنّي هذا الفكر دور المؤثّر والمحفّز. ثمّ يتحوّل الأعضاء الجدد لهذا الفكر إلى دعاة متحمّسين يستشعرون واجب إنقاذ النّاس من الشّرك والبدع وتصفية عقائدهم. وبينما تركّز السّلفيّة العلميّة على التّوحيد ومحاربة ما تعدّه شركيّات وبدعا، مثل قراءة القرآن في المآتم والمقابر وإسبال الأثواب وإحياء ذكرى المولد … يجنح السّلفيّون الجهاديّون إلى ترسيخ مبدأ الجهاد باعتباره أداة لإقامة شرع الله على الأرض.
كما يشار إلى غياب التّمويل الخارجي الذي يدعم نشاطات الأفراد الذين انخرطوا في كلا التوجّهين، إذ يقتصر الدّعم المالي على أشكال من التّمويل الذّاتي التّضامني غير المنتظم، ممّا حدا بالجهاديين إلى ابتداع فكرة الاحتطاب كشكل من أشكال التّمويل الخارجي على ما سنتعرّض له لاحقا.
{{ثقافة الانترنيت}}
لعلّ أبرز ما يمكن الانطلاق منه في توصيف الظّاهرة السّلفيّة التّونسيّة، مقارنة بالتيّار الإسلامي التّونسي الذي عرفته السّاحة التّونسيّة منذ عقود، أنّ المصادر الأساسيّة للمعرفة والتّثقيف لدى هذه الأخيرة هو الكتاب الورقي والمقالات وبعض المجلاّت، ثمّ بدرجة ثانية الأشرطة المسموعة، وبدرجة أقلّ أشرطة الفيديو التي توفّر مادّة خطابيّة تدريسيّة أو وثائقيّة أو إنشاديّة، والملاحظة أنّ المضمون المعرفي لهذه المصادر ابتدأ بمنحى إصلاحي إخواني ثمّ انفتح ليشمل كلّ روافد المدارس الفكريّة والسّياسيّة في المنطقة العربيّة والإسلاميّة، وذلك تحت تأثير الاحتكاك والصّدام مع المخالف الفكري والسّياسي في الجامعة، ثمّ اتّسعت دائرته ليشمل ما يكتب باللغات الأجنبيّة خاصّة الفرنسيّة، وبدرجة ثانية الانجليزيّة بحكم الاختصاص الدّراسي لمنظوري هذا التيّار في العلوم الإنسانيّة والفلسفة والآداب واللغات ومختلف الاختصاصات العلميّة.]4 [
أمّا الظّاهرة السّلفيّة بشقّيها العلمي والجهادي، فإنّ الإنترنيت كانت ولا تزال المصدر الأساسي لتشكيل الوعي والثّقافة والمعرفة، وبدرجة ثانية الكتب التي يوفّرها من حين لآخر معرض الكتاب الدّولي رغم الرّقابة والفرز الدّقيق. وهذا المصدر الأساسي ” الإنترنيت “، يقدّم مادّة متنوّعة تتفاوت بين الكتاب الرّقمي والفقرات السّمعيّة والمصوّرة ومادّة الفلاش أو البرامج التّفاعليّة، كالاستفتاء والاستفهام عن أمور شتّى.
لقد شكّلت مرجعية الانترنت والفتاوى التي تبثّ من خلالها، أساسا لوحدة عاطفيّة عقائديّة فكريّة، أفضت في مرحلة متقدّمة إلى وحدة عضوية تنظيميّة يعتنق فيها الشّباب الأفكار ويعقدون الولاء والبيعة لمن لا يتّصلون به فعليّا، ويلتزمون بطاعته وتطبيق تعليماته وفتاواه ونشر دعوته والعمل على إنفاذها في الواقع بأساليب تتفاوت بين الدّعوة السلميّة والعنف.
{{الكتاب الرّقمي}}
لقد أصبح لمنظوري هذا التيّار مواقع تربطهم بها علاقة حميميّة بايعوها بيعة رمزيّة عندما بايعوا الشّيوخ الذين يتواصلون معهم عبرها، وذلك من خلال الكتب التي تنشر على هذه المواقع، وتنقل في أقراص مضغوطة، وتقرأ على الحواسيب بطرق وأساليب تعكس خصائص مقروئيّة النصّ الرّقمي التي تتّسم بصعوبة المتابعة البصريّة للنّصوص الطّويلة أو ذات المضمون النّظري العميق، مع المحاذير الأمنيّة والصّعوبات الماديّة التي تحول دون تحويلها إلى نصوص ورقيّة. لقد أدّى هذا إلى الاكتفاء بالنّصوص القصيرة وهي عبارة عن رسائل وكتب ذات مضمون عقائدي أو دعويّ تربويّ أو تثقيفيّ سياسيّ أو سجالي في شكل ردود على المخالفين تفنيد لدعاويهم أو في شكل فتاوى وأجوبة عن أسئلة.
أمّا الكتب المطوّلة فإنّ صعوبة مقروئيّتها على عموم منظوري هذا التيّار تدفع الغالبيّة إلى قراءة ملخّصاتها التي يعدّها المتقدّمون في الانتماء أو أصحاب المواقع أنفسهم، أو الاقتصار على تصفّحها والاطّلاع على مضامينها بشكل انتقائيّ مشوّش مع ما يؤدّي إليه ذلك من استحالة التمثّل التّأليفي النّسقي لهذه الأدبيّات بشكل ييسّر تبيّن الخيط النّاظم، ممّا قد يمكّن لاحقا من ممارسة مجهود الفهم والتّحليل و النّقد، وينشأ عن هذا الضّرب من العلاقة بين مصادر المعرفة والمتلقّي حالة من الاستيلاب الذي يفضي إلى الوثوقيّة.
{{السّمة المشتركة لهذه المدوّنة الرّقميّة:}}
* طابعها التّأسيسي التّأصيلي القائم على ترسيخ ما يفترض أنّه عقيدة الفرقة النّاجية والطّائفة المنصورة والجماعة المرضيّة ومنهجها الربّاني القائم على الفهم الحقيقي للقرآن والسنّة، وذلك بكلّ وثوقيّة واحتكار للحقيقة الدّينيّة والنّطق باسم الإرادة الإلهية.
* طابعها السّجالي الإقصائي القائم على نقض كلّ العقائد والتصوّرات والأفكار المخالفة، باعتبارها شركيّة كفريّة وفي أدنى الأحوال بدعيّة فسقيّة.
* الغياب الكامل للإحالة على قضايا التنمية ومكافحة البطالة والفقر ونشر المعرفة الحديثة وتبيئة التكنولوجيا فضلا عن مسائل الديمقراطية والمشاركة السياسية والضمانات الدستورية وحقوق الأقليات والحريّات العامّة والأساسيّة التي تعدّ من المكفّرات.
وتقوم نشريّات الفتاوى، أو الاستفتاء الحيّ المباشر، بتأثيث هذه القناعات من خلال الجواب عن فروع المسائل وتغطية كلّ مناحي الحياة وتفاصيلها، بتحديد ما يفترض أنّه الحكم الشّرعي في كلّ ذلك.
{{المادّة الفنيّة}}
أمّا الموادّ ذات المنحى الفنّي كالفقرات المصوّرة والمسموعة أو الفلاشات والأناشيد، فتساهم في خلق مناخ نفسي عاطفي يحقّق الانسجام والتّوازن الدّاخلي على مستوى الأفراد واللحمة والإحساس بالانتماء على مستوى المجموعة.
وتعكس تلك الفقرات خبرة إعلاميّة فائقة وحذقا للبرمجيّات، إذ نجد بعض الأشرطة المصوّرة مثلا، وخاصّة ذينك الموسومين بجحيم الرّوس وسيرة الخطّاب، الذين تواتر ذكرهما في التّحقيقات والأبحاث الابتدائيّة لموقوفي التيّار السّلفي الجهادي، وتتوفّر على كلّ المؤثّرات السّمعيّة والبصريّة من خلال الاشتغال على تطوير إخراج الصّور الثّابتة والمتحرّكة المنتقاة، وخاصّة تلك التي تعرض ما ورد تحت عنوان مظالم الأمّة في فلسطين وأفغانستان والشّيشان والبوسنة، والمشاهد التي تصوّر حياة المجاهدين في الجبال والوديان والمناطق الوعرة، ومشاهد القتال وإلحاق الخسائر بالعدوّ، وخاصّة لقطات الاستشهاد حيث تفيض الرّوح من وجوه مبتسمة و تدفن الأجساد بين الصّخور و الثّلوج على أرض المعركة، ليشكّل كلّ ذلك قصّة منسجمة متناسقة بغطاء سمعيّ يتراوح بين الأناشيد الجهاديّة والخطب التّعبويّة، وقد برز صوت الشّيخ خالد الرّاشد الدّاعية السّعودي في عدد من هذه الأشرطة المصوّرة.
{{
مضمون المادّة الفنيّة:}}
* عرض ما أطلق عليه مظلوميّة الأمّة، من خلال إبراز الانتهاكات التي تتعرّض لها، في الخارج من خلال ما سمّي بالحملة الصّليبيّة، والدّاخل من خلال ما اعتبر محاربة لشرع الله.
* التّأكيد على أنّ الجهاد هو الحلّ لإيقاف هذه المظلوميّة وإقامة دولة الإسلام.
* تقديم النّماذج الحيّة لهذا المنهج الجهادي والانتصارات التي حقّقها على الأرض في دول كانت عرضة للاستعمار الأجنبي .
* تعبئة الشّباب واستنفارهم للنّصرة ودعوتهم للنّسج على نفس المنوال.
ولعلّ انضمام العشرات من الشّباب التّونسي إلى صفوف المقاومة في العراق يؤكّد نجاح هذه الاستراتيجيا الإعلامية في إنجاز أهدافها، إذ غادر هؤلاء الشّباب مقاعد الدّراسة والوسط العائلي طلبا للشّهادة.
{{ثقافة الفتوى}}
اذا كانت السّلفيّة المشرقيّة متّصلة برموزها من المشائخ والدّعاة والأدبيات التي يتيسّر الحصول عليها، فانّ نظيرتها في تونس مقطوعة عن كلّ ذلك اذ لم تفرز مشائخ ولا دعاة، ولم تنتج أدبيات خاصّة بها، ويعسر عليها التّواصل مع الأدبيات الأصلية إلاّ من خلال الانترنيت او بعض الكتب والرّسائل المتسرّبة. لذلك اتّخذت الفتوى شانا كبيرا لافتا للنّظر، إذ ليست الفتوى لدى أتباع التيّار السّلفي التّونسي بشقّيه العلمي والجهادي مجرّد مسلك لاستبيان الحكم الشّرعي في واقعة من الوقائع الحادثة، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى الإعلاء من شأنها لتكون مسلكا أساسيا لتشكيل الثّقافة الدّينيّة الشّرعيّة في شتّى مجالات الحياة، ولتتحوّل إلى أداة أساسيّة للبناء المعرفي وتشكيل الوعي العام حتّى في مسائل لا تفي العلوم الدّينيّة والشّرعيّة بتحصيلها، ولعلّ من المفارقات الكبرى أنّ من طلبة كليّة العلوم بتونس من لا يؤمن بكرويّة الأرض، لأنّ الشّيخ ابن باز أفتى ببطلان ذلك وإهدار دم من يقول به! كما وقع الانزياح بالفتوى من مجرّد رأي اجتهادي غير ملزم إلى حكم شرعيّ مطابق للمقصود الإلهي يتأسّس عليه النّشاط البشري وفق إرادة الله التي يوقّع عنها أهل الفتوى.
وتشترك السّلفيّتان العلميّة والجهاديّة في تبنّي الفتاوى ذات المضمون العقائدي المتعلّق بالمسائل الكلاميّة كالذّات والصّفات، ومحاربة ما يعدّ من الشّركيّات في هذا المجال، كما يتّفقان في التزام الفتاوى التي تحدّد الحكم الشّرعيّ من المخالفين من الجماعات الإسلاميّة الأخرى، كالصّوفيّة وجماعة الدّعوة والتّبليغ وحركة الإخوان المسلمين، ممّا أنشأ في أوساط الشّباب المتديّن حديثا في تونس ضربا من المباينة والمفاصلة والتّدافع مع فئات أخرى من المتديّنين لهم تقاليد في الدّعوة لأفكارهم ومعتقداتهم مثل الصّوفيّة والدّعوة والتّبليغ.
وللتّصدّي لهذا الواقع الذي يعتبره سلفيو تونس مثل غيرهم شركيّا بدعيّا، يستلهمون من الفتاوى الوافدة الأحكام التي تحدّد كيفيّة التّفاعل مع هذا الواقع دون الإدراك بأنّ الفتوى إبانة عن حكم شرعي متعلّق بواقعة مظروفة بملابساتها الموضوعيّة ولا يمكن تعميمها وسحبها على وقائع مماثلة إلا ضمن شروط دقيقة لا يمكن تفصيلها إلا من طرف المفتين والمجتهدين المعايشين لتلك الواقعة.
لكنّنا نجد الظّاهرة السّلفيّة التّونسيّة، ودون وعي منها بحجم الاختلاف الثّقافي والاجتماعي والسّياسي بين البيئة التّونسيّة وغيرها من البيئات، تستلهم فتاوى أنتجها واقع مغاير محكوم بإكراهاته الخاصّة. وتتفاوت تلك الفتاوى بين التّفسيق والتّبديع والطّرد من أهل السنّة والجماعة والإخراج من الفرقة النّاجية الجماعة والتّكفير. وتقوم هذه الفتاوى على فكرة أساسيّة مفادها رفض التحزّب والانقسام إلى جماعات متفرّقة واختلاف الكلمة، باعتبار أنّ طريق الحقّ واحد. كما تدعو هذه الفتاوى إلى وجوب تحذير الشّباب والعوام من هذه الجماعات الحزبيّة التي تنتمي إلى الاثنتين والسّبعين فرقة الضّالة. ويترتّب عن هذه الفتاوى سلوكات تجاه هذه الفرق والجماعات تتفاوت بين وجوب النّصح مع عدم الموادّة، وبين المفاصلة والمباينة وما تستدعيه من عدم المجالسة والمؤاكلة والمصافحة والمصاهرة وحتّى اتّباع الجنائز… ثمّ تختلف السّلفيّتان في الحكم الشّرعيّ المتعلّق بالسّاسة إن كانوا مسلمين أو كفّارا والموقف منهم بين الولاء والطّاعة والخروج والجهاد.
ولعلّ من أهمّ نتائج انخراط الشّباب التّونسي في هذا الضّرب من الجدل وتواصله المعرفي والوجداني مع هذه الفتاوى وارتهانه لها باعتبارها مسلكا للبناء المعرفي والسّلوكي:
* حالة التمزّق الوجداني والمعرفي الحادّ بين مضمون هذه الفتاوى والقيم التي حاولت المدرسة الحديثة والجامعة التّونسيّة ترسيخها في وعي النّاشئة عبر اختصاصات متعدّدة في كليّات الحقوق والعلوم الإنسانيّة والسّياسيّة والفلسفة والآدابـ، بل والكليّة الزّيتونيّة نفسها التي تعدّ عموما امتدادا لثقافة الإصلاح والتّنوير والاجتهاد التي تصدر عن المدرسة المقاصديّة التي رسّخ معالمها الشّيخ الطّاهر بن عاشور. غير أنّ هذا الإحساس بالتمزّق يتقلّص كلّما ترسّخ اعتقاد المنتمي إلى هذا الفكر وانخرط في مجموعة يربطها سلوك مشترك وإحساس بالتّضامن، ويتحوّل إلى إحساس بالغربة باعتبارها الرّابطة الشّعوريّة التي تجمع بين القلّة التي تعيد للإسلام مجده.
* الانحراف عن مسلك اكتساب المعرفة الدينيّة من مظانّها من خلال الاطّلاع على مدوّنات العلوم بعقل تحليلي تأليفي ومنهج تاريخيّ مقارني وروح نقديّة حرّة بشكل يمكّن من إحداث التّراكم المعرفي والفرز والغربلة بقصد الحفاظ على الإنساني الأصيل وتجاوز الظّرفي المحلّي المطبوع بملابسات لحظته التّاريخيّة. ولعلّ هذه القيم هي من أهمّ ما راهنت عليه المؤسّسة التّعليميّة في تونس.
* الانحراف عن القيم نفسها التي نهضت السّلفيّة الأولى مع ابن تيميّة بالدّعوة لها مثل تحريم ثقافة الاتّباع والتّقليد، ورهن الإرادة للشّيخ المفتي.
غير أنّ الملابسات السّياسيّة والثّقافيّة التي وجدت فيها السلفيّة التّونسيّة لم تشجّع على سلوك مسلك النّظر والاجتهاد.
ويمكن اختزال هذه الملابسات خاصّة في تسارع نسق التّحديث وغياب الأطر التي تضطلع بدور متابعة نتائج هذه السّياسة وآثارها على الوعي والسّلوك العام للتّونسيين والعمل على تبيئتها والملاءمة بينها وبين الموروث الثّقافي.
لقد أدت كلّ هذه الملابسات إلى الشكّ والتّشكيك في صدقيّة سياسة التّحديث، وفي المقابل أدّت إلى انتهاج مسلك التّقليد الذي راهن على أنّ من قلّد عالما فقد لقي الله سالما، ولا بدّ لكلّ مسلم من شيخ يبيّن له حكم الشّرع في كلّ مجالات الحياة.
كما أدّت إلى انخراط فئات من الشّباب التّونسي المتديّن الذي شكّل لاحقا الظّاهرة السّلفيّة في حالة من الانفصام الباثولوجي بين الشّرعي والوضعي والدّيني والمدني، مستشعرا الإحساس بالغربة ومنخرطا في ثقافة الغربة بكثافاتها العاطفيّة التي أحال عليها الحديث النّبويّ ” بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء ”
أمّا مع السّلفيّة الجهاديّة فالأمر يتجاوز ثقافة العزلة واستشعار الغربة إلى ثقافة النّفير والتّعبئة والتّرغيب في الجهاد والشهادة والجنّة والتّرهيب من القعود والتولّي يوم الزّحف.
وتبقى السّمة البارزة لكلا السّلفيّتين هي غياب المعرفة التي تؤسّس لفهم حركة الواقع واستيعاب مستجدّاته، ويبقى الفكر السّلفي غائبا عن الثّورة المنهجيّة في مجال المعارف التي تتناول مسائل الدين وعلومه.
{{الهوامش}}
[1] عرفت الحركة السّلفيّة الوهابيّة انتعاشة كبرى إبّان الجهاد الأفغاني ضذّ الاتّحاد السّوفياتي، حيث لبّى الكثير من الشّباب العربي ولا سيما التّونسي نداء العلماء والدّعاة لمواجهة الغزو الرّوسي الشّيوعي لأفغانستان، وقد دعم مشائخ السّعوديّة ” القاعدة المركزيّة للعقيدة السّلفيّة ” هذه الحركة الجهاديّة. وكان الهاجس الأساسي لفصائل الجهاد مواجهة العدوّ الذي كان عدوّا واحدا هو ” الغازي الأحمر “، وتداخل في هذه المواجهة الدّفاع عن العقيدة بالدّفاع عن الأرض والوطن. كما لم تمنع أجواء القتال من النّقاش والجدل الحادّ بين أقطاب هذه الحركة حول مستقبل الجهاد واستراتيجيّاته العالميّة وحكمه في الدّول العربيّة والإسلاميّة التي لا تحكم بالشّريعة الإسلاميّة… وشهدت هذه النّقاشات اختلافا في وجهات النّظر و تباينا في الرّؤى، غير أنّ آثار هذا الخلاف لن تظهر إلا لاحقا.
ثمّ تمكّنت العقيدة السّلفيّة بخلفيّاتها الكلاميّة والفقهيّة والسّياسيّة من الانتشار اللافت في المنطقة العربيّة والإسلاميّة منذ ما يزيد عن عقدين من الزّمان وذلك للاعتبارات التّالية:
* دعمها السّابق للجهاد الأفغاني وتسويقه إعلاميّا بكلّ كثافاته الإيمانيّة العاطفيّة التي تحيل على الفتوحات الإسلاميّة .
* إغراق السّاحة بأدبيّات مشائخ السّلفيّة من أمثال ابن عبد الوهاب، ابن الباز، وابن عثيمين والفوزان وتلاميذهم فضلا عن رسائل مبتسرة لابن تيمية وابن القيم .
* الاستفادة القصوى من الانفجار الإعلامي الفضائي والرّقمي عبر الفضائيّات وشبكة الإنترنت.
وقد ساهم ذلك في التّعريف بالعقيدة السّلفيّة وتسويق آرائها في تصحيح العقائد وفتاوى شيوخها وعلمائها في شتّى مجالات الحياة وردودهم على أصحاب المذاهب والعقائد الأخرى.
من الوحدة إلى الانفصال
وقد حافظت العقيدة السّلفيّة طيلة عقود على صفتها كحركة إصلاح وتصحيح وإنقاذ للمسلمين، كما حافظت على بريقها الثّوري الذي استمدّته من دعمها للجهاد الأفغاني. لكنّ ذلك لم يستمرّ إذ عرفت هذه الحركة انقسامات حادّة وإن حافظت على وحدة المرجعيّة العقائديّة. ونجمل أهمّ الأسباب التي أدّت إلى هذا الانقسام في النّقاط التّالية:
* الانفتاح الإعلامي الذي وضع الفكر السّلفي على محكّ الاختبار والمواجهة أمام تجارب إسلامية أخرى.
* حرب الخليج الأولى التي أدّت إلى دخول الجنود الأمريكان إلى أرض الحجاز
* الضّغوط الدّوليّة والأمريكيّة بصفة خاصّة لتغيير مناهج التّعليم والخطاب الدّيني
لقد أدّت هذه الأوضاع إلى أزمة هويّة في الضّمير السّلفي استجابت لها كلّ فئة بطريقتها فأصبحت السّلفيّة سلفيّات وأدّى الانفجار على مستوى المركز إلى انفصال على مستوى الأطراف.
ويختلف المتابعون للظّاهرة السّلفيّة في تعداد وتصنيف ما آلت إليه من انقسامات[1] ولكن يمكن إجمالا رصد مدرستين كبيرتين هما السّلفيّة العلميّة و السّلفيّة الجهاديّة وهما الرّائجتان في تونس
أمّا السلفية العلمية فيعتبر البعض أنّها صنيعة مصالح الأمن الخليجية لمواجهة استقطاب المجاهدين العرب الأفغان إبّان الغزو الأمريكي للعراق واستعانة النّظام السّعودي بالقوات الأمريكيّة الذي أصّلته السلفية العلمية باعتباره اجتهاد وليّ الأمر الذي يعدّ الخروج عليه كبيرة من الكبائر.
وفي نفس هذا السّياق يعتبر بعض المتابعين أنّ السّلفيّة العلميّة نشأت في تونس تحت أعين المؤسّسة الأمنيّة وبتشجيع مباشر منها أو غير مباشر من خلال غضّ الطّرف على امتدادها وعدم تجفيف منابعها الفكريّة التي كانت معارض الكتاب تعجّ بها في مقابل منع كتب ما أصبح يطلق عليه التيّار الوسطي وذلك بغاية ملء الفراغ الذي خلّفه التيّار النّهضوي وتحسّبا لعودته من جديد بعد خروج الكثير من أنصاره من السّجن.
غير أنّ دوائر القرار راهنت حسب البعض على متابعة هذه الظّاهرة من خلال اختراقها وتوظيف عناصرها انطلاقا من الفتاوي التي يتّبعونها والتي تلزم صاحب هذه العقيدة بإرشاد أولياء الأمر وتحرّم الكذب عليهم
إنّ هذا التّفسير رغم صحّة بعض المعطيات التي يقوم عليها لا يستقيم حسب تقديرنا لتفسير نشأة ظاهرة ثقافيّة اجتماعيّة لها شروطها الدّاخليّة الموضوعيّة والذّاتيّة التي سنعرضها لاحقا.
السّلفيّة الجهاديّة
وأمّا السّلفيّة الجهاديّة فيمكن أن نختزل أهمّ العوامل المباشرة التي أدّت إلى انفصالها عن الحركة السّلفيّة الأمّ إلى ثلاثة:
* دخول الجنود الأمريكان إلى أرض الحجاز ” الأرض الحرام ” وما أدّى إليه من رجّة في ضمير السّلفيين الذين رفضوا هذا التّواجد الأمريكي لا من منطلق سياسي فقط بل من منطلق ديني يتعلّق بفهم الآية ” إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ” وعدّوا تبعا لذلك أرض الحجاز كلّها أرضا حراما ووطؤها من طرف المشركين انتهاك للحكم الإلهي يؤثم السّاكت عن مقاومته، وكفّروا حكّام المنطقة الذين أجازوا هذا الانتهاك ودعوا لقتالهم دون احتفاء بما قدّمته السّلفيّة الأمّ من تبريرات فقهيّة من قبيل أنّ حكم الأمريكان هو حكم المعاهَد الذي يجوز الانتصار به فضلا عن وجوب طاعة وليّ الأمر واحترام العهود التي يوقّعها.
* انضمام فصائل من الجماعة الإسلاميّة والتيّار الجهادي المصري ــ بما له من تقارب فكري وتقاطع إيديولوجي مع التيّار السّلفي بفعل الأفكار التي رسّخها كتاب معالم في الطّريق لسيّد قطب ــ إلى صفوف السّلفيّة الجهاديّة من خلال التّحالف بين أسامة بن لادن وأيمن الظّواهري.
* انقلاب الجيش الجزائري على الانتخابات التّشريعيّة في الجزائر وما أدّى إليه من فتح بؤرة جديدة للعنف السّياسي عمّقت لدى شرائح من الشّباب اليأس من الخيار السّياسي السّلمي ودفعت إلى تبنّي العنف خيارا لإقامة دولة الإسلام وتطبيق شرع الله.
لقد أدّت هذه العوامل إلى تصنيفات جديدة للعدوّ وأولويّات الجهاد وأشكاله وأساليبه وظّف في سبيل بلورتها كلّ المخزون النّظري السّلفي العقائدي والفقهي.
[2] السلفية تقتحم المغارب» جريدة العرب القطريّة2008-03-20
[3] عن حوار أجراه معه الصّحفي رشيد خشانة لفائدة سويس أنفو بتاريخ نوفمبر2007 تحت عنوان التنظيمات السلفية في المغرب العربي.. الظاهرة والأبعاد
[4] راجع دراسة عبد الباقي الهرماسي الإسلام الاحتجاجي في تونس