الشيخ علي عبد الرازق: الإسلام رسالة لا حكم ودين لا دولة (1/2)

يحمل الفكر السياسيّ العربيّ مفارقة غير منطقية عندما يتناول كتاب الشيخ علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” الصادر عام 1925 وما أثاره هذا الكتاب من صدى سياسيّ وفكريّ، فيجري تصوير الكتاب وصاحبه والقضايا التي أثارها بمثابة حدث عابر أمكن استيعابه وجرى الردّ على ما قدّمه سواء بإعطائه بعض الحقوق في إثارة ما هو مخالف للسائد، أو بالتعتيم على طروحاته وإهمالها بما يكفي لوضعها في زوايا النسيان. فالشيخ علي عبد الرازق (1888-1966)، ابن المؤسسة الدينيّة الأساس في مصر والعالم الإسلاميّ، أي الأزهر، قد يكون أطلق في كتابه الصغير ما يشبه “الإصلاح الدينيّ” الذي انطلق مع مارتن لوثر في أوروبا في القرن السادس عشر وتسبب بزلزال سياسيّ ودينيّ لا يزال مستمرا. تصدّى الشيخ إلى ما يمكن تسميته بـ”الحلقة المركزية” في الإصلاح الدينيّ والقائمة على الفصل بين الدّين بوصفه تعبيرا عن المبادئ الروحية والقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة وتتويجا لعلاقة الإنسان بخالقه، وبين الدولة بوصفها منظومة قوانين وقواعد وسلطة لإدارة شؤون الناس. لذا ليس مبالغة تصنيف الشيخ بأنّه أحد روّاد التنوير الأساسيّين في العالمين العربيّ والإسلاميّ، ولا ينتقص من أهميته أن لا تصل معركته إلى خواتيم ناجحة وأن يتمّ إجهاضها، بل إنّ حجم المعركة التي أطلقت ضدّه تؤكّد الخطورة التي شكّلها كتاب الشيخ في سياق الصراع لتطويع الإسلام واستخدامه أداة في يد السلطة. بعد مرور ثمانية عقود على صدور الكتاب، لا يزال الشيخ علي عبد الرازق واحدا من المقارعين للتيّارات الأصوليّة وللحركات المتطرّفة التي تعتبر أنّ مهمّتها المركزية كانت وستبقى الاستيلاء على الدولة وإقامة “دولة الخلافة” أو الدولة الدينيّة التي ترى أنّها تتويج لطروحاتها والهدف النهائي لنضالها.

{{إرهاصات النهضة والتنوير منذ القرن التاسع عشر}}

أتت طروحات الشيخ عبد الرازق امتدادا لأفكار روّاد النهضة في القرن التاسع عشر على رأسهم رجال دين مثل الشيخ محمد عبده أو جمال الدين الأفغاني، وغيرهم من المفكريّن النهضويين أمثال عبد الرحمن الكواكبي. شكّلت قضيّة الاستبداد السياسيّ السائد أحد المداخل لروّاد “التنوير” العربيّ ورأوا حجم ارتباط هذا الاستبداد بطبيعة السلطة السياسيّة القائمة والتي تدّعي أنّ سلطة الخليفة مصدرها الله وليس البشر، وبالتالي لا مشروعية لمحاسبته من قبل المؤسسات السياسيّة آو المدنية. مما كان يعني لجوء الفقهاء إلى استصدار الفتاوى التي تبرر هذه السلطة ونمط ممارستها. يحفل التراث العربيّ الإسلاميّ الصادر منه عن رجال انتموا إلى المؤسسة الدينيّة أو إلى حقل السياسة بشكل عامّ، بمقاربات جزئية لوضع اليد على مصدر الخلل الرئيسي في تخلّف العالم العربيّ أساسا والإسلاميّ عموما والعجز عن اللّحاق بركب التقدّم والتطور، وكانت هناك طروحات صريحة تحمّل مسؤولية هذا الاستخدام للدّين في السياسة وربط الحياة السياسيّة والمدنية والاجتماعية بأحكام الفقهاء التي بات جزء كبير منها خارج الزمن والتاريخ. صحيح أنّ طروحات الرواد لم تصل إلى منظومة فكريّة تحسم فيها بوجوب الفصل بين الدين والدولة، وتنهي تلك الأطروحة التي استخدمها السلطان السياسيّ على مدى التاريخ العربيّ والإسلاميّ باقتران الدولة بالدين في الإسلام، إلا أن تلك الطروحات كانت ضرورية جدا ومهّدت بالتالي لنظرية الشيخ علي عبد الرازق.

كانت أجرأ الآراء تلك الصادرة عن الشيخ محمد عبده، والتي تكتسب أهمية مضاعفة من كونها صادرة عن مفتي الديار المصرية وعن شيخ أزهريّ ذي موقع أساسيّ في المؤسسة الدينيّة، حول مسألة الدين والدولة والسلطة. نفى الشيخ عبده نمط السلطة السائد في الإسلام فأكّد عدم وجود شيء اسمه السلطة الدينيّة، وإذا كان من سلطة بالمفهوم الدينيّ، فهي التي تقوم “على الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر”، وهو ما يشكّل جوهر الدعوة الدينيّة في الميدان الأخلاقيّ والإنسانيّ. وذهب عبده بعيدا في الجزم بأنّ الخليفة هو حاكم مدنيّ من جميع الوجوه، وأنّ الشرع الإسلاميّ لم يأت على بيان كيفية إدارة أمور الناس اليومية أو وضع قواعد لنظام الحكم، وحتى ما جرت الإشارة إليه في شأن “الشورى” لا يتعدى مجرد إشارة عابرة في النص الدينيّ أو في بعض الأحاديث، بل إنّ هناك ما يشير إلى تأكيد متواصل من الرسول على أنّ المسلمين “أدرى بشؤون دنياهم”. وعندما يتطرّق الشيخ محمد عبده إلى مسألة الجهاد والأهداف المحددة له فإنّه ينظر إليه من زاوية الأهداف السياسيّة وليس من أجل نشر الدين، معرّجا على طبيعة الحرب التي نشبت بين الأمويين والهاشميين على الخلافة بأنها حرب سياسيّة بامتياز ولا علاقة للدين بها.

{{السياق السياسيّ ـ الاجتماعي عشية صدور كتاب عبد الرازق}}

صدرت أطروحة علي عبد الرازق في الربع الأول من القرن العشرين، وهي فترة زمنية كانت تشهد ختام مرحلة تاريخية في العالم العربيّ والإسلاميّ وانطلاق تطورات سياسيّة جديدة. أوّل الانعطافات تجلّى في لجوء مصطفى كمال في تركيا إلى إلغاء الخلافة الإسلاميّة وإقامة نظام جمهوريّ اعتمد فيه العلمانية الحادّة التي فصلت كلّيا بين الدين والدولة، بل وضعت الدين عمليا تحت وصاية الدولة الجديدة، وشنّت حربا على الكثير من المظاهر والطقوس والتقاليد الدينيّة الموروثة. شكّل إلغاء الخلافة ختاما لمرحلة تاريخية في العالمين العربيّ والإسلاميّ امتدّت حوالي أربعة عشر قرنا من الزمان، لكنّ هذا الإلغاء كانت له آثار سلبية عميقة لدى الجمهور الإسلاميّ الذي كان يرى في الخلافة هذه مظهرا لسلطة المسلمين وقوتهم في العالم، وتجسيدا لنظام الحكم الإسلاميّ الذي طلب النص الدينيّ القرآني إقامته في كلّ مكان يحلّ فيه الإسلام، وفق ما كان الفقهاء ورجال السياسة قد كرّسوه في الوجدان الإسلاميّ. لم يكن غريبا، بناء على ذلك أن يتمّ التعاطي مع إلغاء الخلافة بوصفه التتويج الكاسح لهزيمة الإسلام، دينا ودولة، وأن يتحوّل شعار استعادة الخلافة إلى شعار إسلاميّ مركزي يعيد للإسلام هيبته وسلطته، وهو شعار مركزيّ اليوم تعتنقه الحركات الدينيّة الإسلاميّة كافة، معتدليها أو من متطرفيها.

كانت مصر الدولة الإسلاميّة الأكبر بعد تركيا والتي تضمّ المؤسّسة الدينيّة الرسمية من خلال الأزهر، وكانت المؤسسة تعتبر نفسها قيّمة على الدين الإسلاميّ بجميع شؤونه الدينيّة والدنيوية، كما كان موضوع عودة الخلافة أحد همومها واهتماماتها بما فيها الدعوة لإحيائها وتكريسها خارج موطنها الأخير في السلطنة العثمانية. تلاقت توجّهات الأزهر مع طموحات الملك المصريّ فؤاد الذي كان يطمح لتعزيز موقعه بتنصيب نفسه “أمير المؤمنين” مجددا إحياء الخلافة من مركزها الجديد في القاهرة، بما يجعل مصر زعيمة للعالم الإسلاميّ. في المقابل كانت بريطانيا آنذاك تدعم إحياء الخلافة عبر الملك فؤاد الذي كان مواليا لها بالكامل وكانت ترى فيه خير ضامن لمصالحها في مصر والمنطقة، واعتبار أنّ إسباغ المنصب الدينيّ على الملك سيعزّز من موقعه السياسيّ والشعبي انطلاقا من أنّ مطلب إحياء الخلافة يلاقي هوى كاسحا لدى جمهور الشعب المصريّ المسلم.

لكنّ اتجاهات الملك وسعيه ليكون خليفة المسلمين لم تكن باليسر الذي يرغب فيه نظرا إلى الصراعات السياسيّة السائدة آنذاك في مصر والمعارضة الواسعة من الأحزاب والنخب السياسيّة للخلافة وللملك على رأسها. كانت مصر يومها تعيش حالة غليان ضدّ الاستعمار البريطانيّ المسيطر على أراضيها ويتحكّم بحياتها السياسيّة ويستولي على مواردها، كما كانت مصر تشهد حركة فكريّة ذات طابع سياسيّ تتّسم بالدعوة إلى الاستقلال الوطنيّ، في وقت كانت فيه نخبها السياسيّة والثقافية متشبعة بالأفكار الليبرالية الموروثة عن الثورة الفرنسية في حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة. لذا لم يكن غريبا أن تقوم معارضة واسعة لعودة حكم كان في الشكل ذا طابع دينيّ، فيما هو في الجوهر حكم طغيان واستبداد تحت راية الدين الإسلاميّ. في هذا الجوّ المحموم والصراع المستعر، صدر كتاب الشيخ على عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” ليوجّه ضربة مزدوجة إلى البلاط الملكيّ والى المؤسّسة الدينيّة في الوقت نفسه من خلال ما أثاره حول الدين والدولة في الإسلام، مناقضا المفاهيم السائدة. تعاطى البلاط الملكي ومعه الأزهر مع الكتاب بوصفه سلاحا معاديا لهما في السياسة والحكم والتوجّهات المشتركة لهما فشنّا حربا دون هوادة على النصّ ومؤلفه. فماذا تضمّن كتاب الشيخ عبد الرازق، ولماذا أثار كلّ هذه العاصفة التي لم تزل رياحها تجوب العالمين العربيّ والإسلاميّ حتى اليوم؟.

{{نظرية علي عبد الرازق في شأن الإسلام والدولة}}

يشير عبد الرازق إلى أنّ جوهر ما تضمنه كتابه يدور حول أنّ الإسلام لم يقرّر نظاما معيّنا للحكومة، كما لم يفرض على المسلمين نظاما سياسيّا محدّدا يحكمون بموجبه، بل على العكس، ترك الإسلام الحرية الكاملة للشعوب التي تلتزمه أن تحدّد نظام حكمها انطلاقا من المحدّدات الاقتصادية والاجتماعية والفكريّة السائدة في زمنهم. في المقابل يحسم عبد الرازق بكون الخلافة ليست نظاما دينيّا، مشيرا إلى أنّ القرآن لم يأمر بها أو حتى لم يتطرّق بالإشارة إليها، مما يعني أنّ الدين الإسلاميّ بريء كلّيا من نظام الخلافة. هذه الخلافة التي لم تكن في يوم من الأيّام سوى نظام من العسف والقهر ومصدرا لانحطاط الشعوب الإسلاميّة وعاملا أساسيّا في منع تقدّمها.

وفي الآن نفسه، لم يكن النبيّ محمّد ملكا في يوم من الأيّام، كما ليس معروفا عنه إنشاء حكومة أو دولة، فهو رسول بعثه الله ليهدي الشعوب إلى الإيمان بقيم الإسلام ومبادئه الروحية والإنسانيّة، وابتعد طوال حياته عن تكريس نفسه زعيما سياسيّا. تلك خلاصة لما تضمّنه كتاب على عبد الرازق، والكتاب يحوي ثلاثة أقسام، الأوّل يتناول فيه “الخلافة والإسلام”، والثاني يتحدّث فيه عن “الحكومة والإسلام”، أمّا الثالث فيكرّسه إلى “الخلافة والحكومة في التاريخ”.

في القسم المتّصل بـ”الخلافة والإسلام”، يستحضر عبد الرازق التاريخ الإسلاميّ وأقوال المسلمين وخصوصا منهم “ابن خلدون” ليشير إلى تعيينهم لدور الخليفة الذي يعتبرونه “مقيّدا في سلطانه بحدود الشرع لا يتخطّاها، والى أنّه إذا جار أو فجر انعزل عن الخلافة” (ص13)، كما فرّقوا بين “الخلافة والملك، حيث سبق أن ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلّب إلى غايتها واستعملت في أغراضها من القهر والتقلّب في الشهوات والملاذ” (ص 14). ويشدّد عبد الرازق أيضا على أنّ القرآن لم يأت في مجمل سوره وآياته على أيّ ذكر للخلافة أو الإمامة العامة، كما أنّ السنّة أيضا لم تتطرّق إلى هذا الجانب. أمّا اللجوء إلى الأحاديث لإثبات مسألة الخلافة فهو أمر يتطلّب نقاشا أوّلا في مدى صحة الأحاديث، رغم أنّه ليس فيها “ما ينهض دليلا لأولئك الذين يتّخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكما من أحكام الدين” (ص27).

وبالعودة إلى التاريخ المتحقق في شأن الخلافة، يشير عبد الرازق إلى أنّ مقام الخلافة منذ أبي بكر كان “عرضة للخارجين عليه والمنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلاميّ يعرف خليفة إلا عليه خارج، ولا جيلا من الأجيال مضى من دون أن يشاهد مصرعا من مصارع الخلفاء” (ص33). كما يظهر التاريخ كيف أنّ هذه الخلافة كانت تستند دائما إلى الغلبة، “ولا يذكر التاريخ لنا خليفة إلا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلّحة التي تحوطه” (ص35)، وهو أمر بدأ من عليّ بن أبي طالب إلى معاوية وامتدّ إلى سائر الخلفاء على مدى التاريخ الإسلاميّ حيث كان القهر طابع الخلافة، وإنّ “العرش لم يكن يرتفع إلا على رؤوس البشر، ولا يستقرّ إلا فوق أعناقهم” (ص 36).

ويذهب عبد الرازق بعيدا في اعتبار أنّ مقام الخليفة “يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي..وهل غير حبّ الخلافة والغيرة عليها ووفرة القوّة دفعت يزيد بن معاوية إلى استباحة دم الحسين.. وهل بغير تلك الأسباب صار أبو العبّاس سفاحا، وما كانت إلاّ دماء المسلمين، وما كان بنو أمية إلاّ من قومه” (ص 39). ومع استغرابه كيف أنّ علم السياسة عند المسلمين شبه معدوم، وأنّ القليل الذي أتى به علماء السياسة المسلمون كان يشدّد على الاستقامة في إدارة شؤون الأمّة وعلى دور الحكومة التي تنشد العدل في الحكم، إلا أنّه يشدّد على رفض تلك الحكومة التي ابتدع الفقهاء اسمها تحت عنوان “الخلافة” التي يرى أنّه “ليس من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ودنيانا..فالخلافة كانت ولم تزل نكبة على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شرّ وفساد” (ص 46).

في القسم الثاني المخصّص لـ”الحكومة والإسلام”، ينفي عبد الرازق وجود نظام قضائيّ في الإسلام، وأنّ ما كان موجودا في هذا الجانب يكتنفه الكثير من الغموض والإبهام. أمّا القضاء بمعنى “الحكم في المنازعات وفضّها، فقد كان موجودا زمن النبيّ كما كان موجودا عند العرب وغيرهم قبل مجيء الإسلام” (ص 51). والقضاء من أعمال الحكومات ووظائفها، وهو أمر لا دلالة تاريخية على وجوده، فالنبيّ “لم يعيّن في البلاد التي فتحها ولاة لإدارة شؤونها وتدبير أحوالها وضبط الأمر فيها” (ص57). تنسحب هذه المسألة على الوقائع التاريخية والوثائق التي وصلت إلينا التي لا تظهر أيّ واقعة على طبيعة أو وجود حكومة نبوية.

في التمييز بين الرسالة والحكم، يظهر عبد الرازق الفارق الجوهريّ بينهما، فيشير إلى أنّ “الرسالة هي غير الملك..فالرسالة مقام والملك مقام” (ص62). صحيح أنّ المسلم العامّيّ “يجنح غالبا إلى أنّ النبيّ كان ملكا رسولا، وانّه أسّس بالإسلام دولة سياسيّة مدنية كان هو ملكها وسيّدها” (ص63) وهو رأي عزّزه الفقهاء لاحقا بالتشديد على وحدة السياسة والدين في الإسلام، وهو أمر لا تشهد عليه حقائق التاريخ ولا النصوص الدينيّة الأصلية في آن.

رغم هذا الحكم القاطع لدى عبد الرازق، إلا أنّه لا ينفي أنّ “الحكومة النبوية” كان فيها ما يشبه بعض مظاهر الحكومات السياسيّة وآثار السلطنة والملك، منها على سبيل المثال مسألة الدعوة إلى الجهاد الذي بانت أهدافه في تثبيت السلطان السياسيّ وتوسيع الملك. وفي محاججة متصاعدة في هذا الجانب، يتساءل عبد الرازق عمّا “إذا كان رسول الله قد أسّس دولة سياسيّة، أو شرع في تأسيسها، فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم يعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدّث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟”. يصل إلى جواب عن تساؤلاته بالقول انه “لا حرج على نفوسنا أن يخالطها الشك في أننا نجهل كثيرا في شؤون التاريخ النبويّ، بل الواقع أنّنا نجهل منه ومن غيره أكثر مما نعرف” (ص70).

يكمل عبد الرازق سجاله حول هذه النقطة بالتأكيد أنّ “محمّدا ما كان إلاّ رسولا لدعوة دينيّة خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك ولا حكومة، وانه لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها” (ص78). صحيح أنّ النبيّ محمد تميّزت رسالته بكثير مما لم يعط لغيره من الأنبياء والمرسلين، لجهة اعتبار دعوته للعالم أجمع وليس لفئة من الناس، إلا أنّ ولاية الرسول على قومه “كانت في الأصل ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب” (ص82)، وهو أمر مختلف عن ولاية الحاكم التي بطبيعتها “ولاية مادية”.

وللتدليل على ذلك، يؤكّد عبد الرازق أنّ “ظواهر القرآن تؤيد القول إنّ النبيّ لم يكن له شأن في الملك السياسيّ، وآياته متضافرة على أنّ عمله السّماويّ لم يتجاوز حدود البلاغ المجرّد من كلّ معاني السلطان.. كما أنّ القرآن يمنع صريحا أن يكون النبيّ حفيظا على الناس ولا وكيلا ولا جبّارا ولا مسيطرا.. وانه لم يكن له الحقّ على أمّته غير حقّ الرسالة” (ص84-85). يخلص عبد الرازق من هذه الإشارات الدالّة إلى القول إنّ “الإسلام دعوة دينيّة إلى الله ومذهب من مذاهب الإصلاح لهذا النوع البشريّ وهدايته..هو وحدة دينيّة أراد الله بها أن يربط بين البشر أجمعين” (ص89).

في القسم الثالث من الكتاب حول “الخلافة والحكومة في التاريخ” يتابع عبد الرازق محاججته حول ما يعتبر سائدا من فكر سياسيّ-دينيّ في هذا المجال، فيؤكّد مجدّدا على إن “الإسلام دعوة سامية أرسلها الله لخير هذا العالم كله، ولا فضل لأمّة على أخرى إلا بالتقوى” (ص97). وإذا كان الإسلام قد انتشر زمن الرسول بين قبائل وشعوب متعددة، فإنّ الرسول لم يتعرّض لشيء من سياسة تلك الأمم أو من أساليب الحكم عندها، بل ترك لكلّ أمّة أن تدير شؤونها وفق عاداتها وتقاليدها ونظمها. وعندما توفّي النبيّ لم يسمّ خليفة من بعده ولا أشار إلى من يجب أن يقوم مقامه، وهو في الأصل لم يشر في حياته إلى ما يسمى”دولة إسلاميّة أو دولة عربيّة”.

تؤكد هذه الوقائع على كون “زعامة النبي كانت زعامة دينيّة جاءت عن طريق الرسالة لا غير. وقد انتهت الرسالة بموته فانتهت الزعامة.. فان كان لا بد من زعامة بين إتباع النبي، فإنما تلك زعامة جديدة غير التي عرفناها للرسول ..من نوع لا دينيّ” (ص107). ويختم عبد الرازق أطروحاته بالتأكيد مجددا على ان لقب الخليفة هو “من أسباب الخطأ الذي تسرب إلى عامة المسلمين، فخيل إليهم أن الخلافة مركز دينيّ” (ص119)، وهو أمر عززه السلاطين وروجوا له في سياق اتخاذ الدين درعا وسلاحا في أيديهم لحماية عروشهم وتشريع سلطانهم . “فالدين الإسلاميّ بريء من تلك الخلافة التي يتعارف عليها المسلمون وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة” (ص121).