العمليّات الانتحاريّة.. الآلهة الجديدة التي تقتل الأحياء والموتى

يحدث هناك في العراق وأقرب إلينا ممّا نتصوّر. انتحاريّون يستهدفون جنائز أناس هم بدورهم كانوا ضحايا عمليّات انتحاريّة سابقة.

بحركة وحيدة وبإصرار نادر يفجّرون أجسادهم في الأجساد الحيّة وفي الأجساد الميّتة. إنّهم لا يستهدفون بهذه العمليّات مناطق الحياة، بل يستهدفون أيضا المنطقة الفاصلة بين الحياة وما بعدها، فترة الموت والحداد. لقد جمعوا في هذا الصّنف من الانتحار بين قتل الحياة وقتل الموت. إنّهم يعبثون بتصوّراتنا الأخلاقيّة عن الحياة والموت ويفتحون أبواب زمن “جديد” هو زمن عدم تتحوّل فيه العمليّات الانتحاريّة إلى مسار مطلق ومتواصل ومنقطع عن غائيّات التّاريخ، ويصبح فيه قتل الإنسان بعنف بارد ومنظّم هدفا في حدّ ذاته.

إنّ قتل الحياة والموت في العمليّات الانتحاريّة التي تستهدف الجنائز ظاهرة مرعبة ومربكة للفكر، وهي تستدعي في هذه اللّحظة التّاريخيّة انتباها فكريّا وأخلاقيّا خارقا. انتباها يستعيد الأسئلة الكبرى ويحيّنها بعيدا عن نزعة التّبرير والتهرّب من المسؤوليّة الأخلاقيّة.

2. هل تستحقّ الحياة أن تعاش؟ هل الغاية من الحياة هي انبعاث حيوات مختلفة ومتجدّدة، إضافة إلى تحقيق نوع من السّعادة الجماعيّة في عالم الإنسان، أم أنّ قدر الإنسان تدمير الإنسانيّة من خلال تدمير ذاته وتدمير الآخر؟ وما هو موقع الموت في مسار الوعي بأهمّية الحياة؟

هذه الأسئلة القيميّة الأساسيّة التي سعت فلسفات عديدة قديمة وجديدة إلى أن تفكّر في السّياسيّ من خلالها تفنّن مثقّفونا في تناسيها وتهميشها. لقد أصرّوا في أحاديثهم الرّكيكة والرّتيبة عن العمليّات الانتحاريّة، أصرّوا على الالتجاء إلى منطق التّبرير المتواصل والتّسامح مع ما لا يمكن التّسامح معه. إنّهم يستندون حينا إلى مفهوم مطلق لـ” المقاومة” بدون تعميق النّظر في تعدّد هذا المفهوم وتاريخيّته، ويستندون حينا آخر إلى غياب تعريف واضح ومتّفق عليه دوليّا للإرهاب يمكن أن يشرّع تدمير الآخر. فكأنّما غياب تعريف أيّ ظاهرة يمكن أن يسمح بفتح أبواب اللامعنى الأخلاقيّ.

فتعريف التّعذيب مثلا قد تبلور في “الاتّفاقيّة الدّوليّة لمناهضة التّعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانيّة أو المهينة” التي اعتمدتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنة 1984. هذا التّعريف جاء متأخّرا قياسا بقدم ظاهرة التّعذيب، إلاّ أنّ غياب التّعريف القانونيّ لا يعني غياب الوعي الأخلاقيّ بقذارة هذه الممارسة ولا إنسانيّتها. بل إنّ الوعي الأخلاقيّ بضرورة تجريم هذه الظّاهرة ومنعها ومحاسبة من يمارسها أفرادا كانوا أم مؤسّسات هو الذي ساهم في التّوصّل إلى تعريف دوليّ لها وبلورة قواعد قانونيّة مشتركة من أجل محاربتها. وفي كلّ المغامرات الإنسانيّة لتطوير حقّ من حقوق الإنسان يسعى إلى حماية الحياة المشتركة كانت هناك حوارات ومفاوضات أخلاقيّة لتطوير الظّرف التّاريخيّ. ينطبق هذا على أمثلة عديدة مثل حريّة الرّأي والتّعبير، وحقوق النّساء، والمحاكمة العادلة، ووضعيّة المساجين، والإعدام، والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، وحقوق الشّعوب. ولا يعني غياب التّمتّع بحقّ من الحقوق تجاهل هذا الصّراع الأخلاقيّ وتهميشه. إذ هو الأفق الوحيد المتبقّي لمواجهة نزعات تدمير الذّات والمجموعة.

3. إنّ المثقّفين العرب الذين دافعوا عن العمليّات الانتحاريّة، بشكل صريح أو من خلال بلاغة ماكرة ومراوغة، بوصفها حقّا مطلقا يهدف إلى تحقيق غايات السّياسة، لم يساهموا فقط في تبرير جرائم تدمير الذّوات بل ساهموا أيضا في منع طرح معنيي الحياة والموت في مجتمعاتنا.

إنّ تبرير المثقّفين للعمليّات الانتحاريّة بوصفهم سلطة، ومن خلال سلطة اللّغة والإعلام، قد فتح باب رعب لن يوصد قبل أن يحمل مجتمعاتنا إلى تجربة معاني العدم والفناء في شكلها المطلق. فالكلّ يمكن أن يقتل وأن يقتل: الانتحاريّ «المقاوم” الذي انتقل من قتل العدوّ إلى قتل الجميع، والسّياسيّ المتطرّف الذي انتقل من محاربة المختلف سياسيّا إلى قتل المجتمع المختلف، والأفراد الذين يقتلون الأفراد في سعيهم المحموم إلى مواجهة مآسي الحياة وضيق السّبل، والدّولة التي غابت عنها الرّقابة فأسّست نظاما لمحاصرة الجميع واغتيالهم في مؤسّسات الرّقابة على الحياة اليوميّة. لقد أفلت مارد العدم من قمقمه وأصبح كلّ شيء ممكنا. فالجسد البشريّ الذي كانت تحكمه ذاكرة بيولوجيّة تحدّد مسار الانتقال من الولادة إلى الموت وذاكرة أخلاقيّة تحدّد معاني تجربته في الوجود قد أصبح في عراء مطلق. أصبح الجسد بلا ذاكرة، أصبح مكتفيا بذاته، لا لمصارعة هيمنة الذّاكرة وخوض غمار الحياة بل لتدمير ذاته وتدمير الآخرين.

لقد أصبح التدّمير هو حياة الجسد واللاّمعنى الذي ينفي معاني الحياة والموت.

واليوم نرى أنّ العمليّات الانتحاريّة التي تصوّر مثقّفونا أنّها وسيلة ظرفيّة لتحقيق منفعة سياسيّة، نراها قد تحوّلت إلى مؤسّسة قائمة بذاتها لها منطقها الخاصّ الذي هو موت كلّ منطق.

لقد ارتفع عدد هذه العمليّات في عدد من بلداننا وتنوّعت أشكالها وأساليبها. رجال ونساء يلقون بأجسادهم المتفجّرة على الجيوش المدجّجة بآخر إنجازات تكنولوجيا أسلحة الدّمار. أطفال وشباب يقودهم كبار إلى حيث ينحرون أنفسهم وينحرون الآخرين. تفجيرات انتحاريّة لا متوقّعة تضرب المقاهي والفنادق والمطاعم وحفلات الأعراس والمؤسّسات الحكوميّة ووسائل الإعلام والمساجد والكنائس ووسائل النّقل.

وها هي العمليّات بضربها الجنازات ترتاد الآن مناطق خلنا بسذاجة أنّها ممتنعة عن الإدراك، فهي حصن المقدّس وواجهته ومجال احتكار التمثّلات حول مصير الحياة الدّنيا والحياة الآخرة. لقد كسر بعض من أبناء مجتمعاتنا كلّ الحدود وكتبوا بمداد جثثهم كتاب العدم المريع.

4. أنتج جنون الهويّات المنغلقة والمتطرّفة في مجتمعاتنا جيلا من النّرجسييّن الجدد. نرجسيّتهم لا تشبه في شيء النّرجسيّة المتعارف عليها والتي تسمح في فترة معيّنة من الحياة ببناء الشّخصيّة عن طريق تأمّل الذّات ثمّ مواجهة صورة الذّات بالصّور التي يكوّنها عنّا الآخرون. إنّنا أمام نرجسيّة مرضيّة محبوسة في هذيان الذّات التي لم تعد تتلقّى أيّ صورة من خارج محبسها تمكّنها من عقلنة ذاتها في علاقة بالآخر. لقد تحوّل الآخر عند هذه الذّوات المعذّبة إلى عدم عميق يضاف إلى عدم انعدام الإحساس بالذّات في تاريخيّتها. إنّ تشييء الذّات والآخر ونزع البشريّة عن الذّوات هو الذي يسمح بكلّ الجرائم مهما كانت فظاعتها وعبثيّتها.

لقد تحوّل المنتحرون في عمليّة التّشييء الكبرى إلى آلهة جديدة لها مطلق الحكم على الحياة والموت. هذه الآلهة السّوداء التي فقدت صلتها بالتّاريخ تقرّر من خلال قتل جسدها الذي لم يعد يعني لها شيئا متى تنتهي حياة الآخرين وكيف تنتهي.

إنّنا لم نعد في مجرّد مواجهة مع متطرّفين تحرّكهم أهداف سياسيّة ودينيّة بل دخلنا مرحلة تجاوز فيها المنتحرون النرجسيّون تمثّلات الدّين الإسلاميّ للحياة كتكليف ومسؤوليّة وتمثّلاته للموت، بطقوسه وحرمته وبكلّ التّصوّرات الأخرويّة المحيطة به.

إنّ ظاهرة العمليّات الانتحاريّة المتزايدة وجموع المنتحرين المتكاثرين باستمرار هي بمثابة الورطة التاريخيّة التي تطرح سؤالا أخطر حول مدى تعاملنا الأخلاقيّ والمسؤول مع أسئلة الحياة والموت في مجتمعاتنا.

5. أمام ظاهرة القتل والعنف المطلق الذي يجتاح مجتمعاتنا ما زال البعض يردّد أنّ هناك حدودا للعدم المحيط بنا وأنّ رغبتنا في البقاء ستنتج وبشكل آليّ موانع توقف الضّياع والإنهيار. فسيطلع ضمير مطلق من غياهب واقعنا ليقول يكفى من هذا الجنون المدمّر ويعيد للمجتمع رغبته في الحياة ورؤيته حول الموت وحرمته.

هذه الرّؤية القدريّة السّاذجة هي في حقيقة الأمر مجرّد وسيلة لإدامة ما يمكن أن أسمّيه “الكسل الأخلاقيّ”. إنّه العزوف عن تحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة التي تتطلّب منّا الإنصات إلى ما يعتمل في أعماق العدم وفتح حوارات كبرى حول علاقتنا في لحظتنا الرّاهنة بالحياة والموت.

فنزعة الدّمار التي أوصلتنا إليها العمليّات الانتحاريّة وهذا الشّعور الغامض بغياب الأمن هو مظهر من مظاهر أخرى تعشّش في أقبية مجتمعاتنا ولكنّها لا تقلّ رعبا. فمن حين لآخر تطلع علينا أخبار المحكومين بالإعدام الذين ينتظرون تنفيذ الحكم في أروقة الموت منذ سنوات، ويمنعون من زيارة أهلهم ثمّ يقبرون في حفر مجهولة. وذاك المريض الذي مات في مستشفى حكوميّ في إحدى البلدان العربيّة وقد نبت في لحمه الدّود نتيجة غياب الرّعاية الصحّية. والأخبار عن مواجهة الدّولة رعاياها بمطلق القسوة فتقتل وتذبّح المدنييّن دفاعا عن رؤيتها للأمن ومحاربة الإرهاب. والأخبار عن ارتماء الشّباب في أحضان العدم وهم يحاولون عبور ضفاف المتوسّط. والأخبار عن بيع النّاس دمهم وأعضاءهم من أجل حفنة من النّقود. والأخبار عن ختن البنات وقتل النّساء باسم الدّفاع عن الشّرف.

هذه المظاهر وغيرها هي مجرّد مداخل لقلق أكبر يستوطن ما نعتبره حياتنا. قلق من المصير الغامض وقلق لعجزنا عن تحديد القوى التي تتحكّم في مصائرنا وتقرّر حياتنا وموتنا.

تتمثّل بداية الخروج من النّفق في مواجهة الكسل الأخلاقيّ المعمّم وفتح حوارات كبرى حول معنيي الحياة والموت في مجتمعاتنا وحول الظّروف التي تسمح بانحطاط الوعي بالذّات وتشييئها وقتلها إلى حدّ يؤدّي إلى ولادة كائنات مسخ تتحوّل أجسادها، التي لم تعد أجسادها في الحقيقة، إلى معبر لبلوغ العدم الجماعيّ.