الفساد في العالم العربي

أولاً- مقدمة

ضرورية

يشهد عالمنا المعاصر تحولات مذهلة وتغيرات متسارعة في كثير من مواقعه

وجوانبه وامتداداته وخاصة في المجال الاقتصادي والتقني، حيث يقوم نظام الاقتصاد

الرأسمالي المعولم –المالك لثلاثية القوة: الثروة والمعرفة والسلطة- بفرض معايير

العولمة ونظمها ومتطلباتها على باقي المجتمعات والبلدان النامية ومنها بلداننا في

العالم العربي والإسلامي، بما يهدف إلى زيادة غناه وترفه وتوسيع مساحة السيطرة لديه

على باقي الأمم والمجتمعات.. أي توفير كافة مقتضيات وممكنات بقاء القوة بأيدي حوالي

ربع سكان العالم فقط.. وبما يجعل هذه المجتمعات المتقدمة والمترفة بعيدة كلياً عن

كل مظاهر ومواقع الفقر والعوز والجهل والتخلف.

أما بالنسبة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية

التي لا تزال تعتاش على ما يسمى بـ”الحداثة القشرية” الاستهلاكية (التحديث العلمي

عبر شراء آلات ومصانع ووسائل جديدة وحديثة، مع بقائها متأخرة معرفياً وتقنياً

بالمعنى البنيوي الـتأسيسي) فإن أزمةً

كبرى تواجهها على مستوى وجودها وفعاليتها الحضارية،
وعلى مستوى ضآلة

فرصها في تطبيق مشروعها الحضاري التاريخي التنويري، تتمظهر من خلال ما تكابده من مشقات ذاتية

وموضوعية وما تعايشه من تحولات وأوضاع صعبة ومتردية
أوصلت

بلداننا إلى الدرك الأسفل، أو إلى حافة الهاوية على مختلف الأصعدة

و
في مختلف الجوانب

الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
وعلى امتداد الوطن

العربي كله..

ولا شك أن هذه الأوضاع الصعبة والخطيرة لا تسر الحريصين على أوطاننا وشعوبنا والعاملين في

سبيل رفعة مجتمعاتنا وتطورها
.. وهي حقيقةً تبعث في النفس مشاعر متضاربة

ومتناقضة من الشفقة والحزن والإحباط والرغبة العارمة في تغيير أو على الأقل إصلاح

الواقع العربي والإسلامي المعاش المنكوب الذي تؤكده الأرقام والإحصائيات والبيانات

وتقارير التنمية البشرية الصادرة عن منظمات ومؤسسات وهيئات محلية وعالمية تعنى

بقضايا التنمية في منطقتنا العربية..

ثانياً- ملخص تنفيذي

عام

يلاحظ أنه

مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي
بين الدول، واتساع

رقعة ومساحة النشاط الاقتصادي المتزايد لرفع القدرة التنافسية للمنتجات وضمان

تسويقها ووصولها السريع للمستهلك، ينتشر الفساد

وتتزايد معطياته وأرقامه في كافة بلاد
المعمورة، بقطع

النظر عن الطبيعة السياسية لتلك البلدان..

حيث أنه غالباً ما

تترافق -مع سياسات الانفتاح الاقتصادي المطبق في معظم دول العالم- عملية توسع كبيرة

في نطاق سير الأموال وانتقالها ، وحركة غسيل كبيرة للأموال التي يمكن أن تكون على

صلة بالجريمة المنظمة، وشراء النفوذ والولاءات، وتشديد الرقابة على الحدود الدولية

لمنع الهجرة والتهريب.. حيث يلاحظ أنه بعد انتهاء الحرب الباردة –مع بروز ظاهرة

العولمة- انتشرت بكثافة ظاهرة الشركات المتعددة الجنسيات (العابرة

للقارات-الكوكبية)، التي تبلغ رساميلها ودورتها الاقتصادية تريليونات الدولارات،

مما جعلها تسيطر في الواقع على مجمل النشاط الاقتصادي العالمي.. كما رافق ذلك

تغيرات مهمة في آليات الاقتصاد التقليدي السابق، مما يجعل الاقتصاد العالمي الحالي

اقتصاداً جديداً يختلف عما سبقه، مع تعزيز وتشديد وتصعيد للاستغلال الرأسمالي، مما

يتبعه حتماً
انتشارٌ للفقر لا مثيل

له، في كل أرجاء العالم.

إن الفساد موجود وقائم في مختلف أنواع النظم السياسية (ديمقراطية أو

ديكتاتورية) ولكن التباين بينهما يكمن في أسس وطرائق المعالجة من حيث شيوع الإعلام

الحر القادر على النقد والمساءلة وملاحقة الفساد والفاسدين، ووجود هيئات ومؤسسات

المجتمع المدني، وتوفر مختلف آليات العمل السياسية (الديمقراطية كآلية لممارسة

السلطة) التي تسمح لكافة أحزاب وتيارات ومؤسسات ونخب المجتمع -التي تشتغل كحكومة

ظل- بالمشاركة في صنع القرار وممارسة الحكم وتسليط الضوء على المناطق القصية

والخفية في الدولة لمنع ـ أو التقليل من حجم ـ استشراء

الفساد..

ثالثاً- سير ووجهة

البحث

سنحاول هنا –وفي إطار بحثنا في ظاهرة الفساد- أن نلقي الضوء على

مفهومه،ومظاهره،وأسبابه، والآثار أو الانعكاسات المؤثرة والمترتبة على وجود تلك

الظاهرة وتغلغلها في داخل بنى مجتمعاتنا، على مستوى فهم خصائصها وأبعادها، ثم

سنحاول وضع الحلول والمعالجات الموضوعية اللازم إتباعها وتبنيها للحد أو للتقليل قدر المستطاع –إذ لا سبيل للقضاء المبرم

والنهائي على آفة الفساد- من إمكانية تفاقم الفساد

وتأثيره على تطور المجتمعات البشرية بشكل عام وعلى مجتمعاتنا العربية بشكل

خاص.

رابعاً- تحديد معنى مفهوم

الفساد

في البحوث الأكاديمية لا بد من تحديد معنى المصطلحات المستخدمة ومضمونها

حتى ينحصر الجدل في إطاره الموضوعي.. وبناء ذلك، فإنه يمكن تعريف الفساد بالمعنى

اللغوي والمعنى الاصطلاحي.

الفساد

لغةً
: الفساد في معاجم

اللغة هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ

واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه.

الفساد

اصطلاحاً
: ليس هناك تعريف محدد

للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح في أوقاتنا الراهنة، لكن ثمة اتجاهات

متعددة تتفق على كون الفساد “
إساءة

استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص..
أي

“استثمار الموظف في الدولة والمؤسسة العامة أو الخاصة للصالح العام بهدف خدمة مآرب

ومنافع خاصة
“.

ويمكن تقديم تعريف عام لمفهوم الفساد عربياً بأنه اللهو واللعب وأخذ المال ظلماً دون وجه حق، مما

يجعل تلك التعابير المتعددة عن مفهوم الفساد، توجه المصطلح نحو إفراز معنى يناقض

المدلول السلبي للفساد، فهو ضد الجد القائم على فعل الائتمان على ما هو تحت اليد

(القدرة والتصرف)..

أما المؤسسات الدولية

وخاصة الهيئات التي تحمل صفة اقتصادية وسياسية كالبنك الدولي مثلاً- فتعرف الفساد

بأنه “
استعمال

الوظيفة العامة للكسب الخاص (الشخصي )غير المشروع (ليس له أي أساس

قانوني)
“.. وهذا التعريف

يتداخل مع أطروحة صندوق النقد الدولي (
IMF)

الذي ينظر إلى الفساد من حيث أنه علاقة الأيدي الطويلة

المتعمدة التي تهدف لاستنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو لمجموعة ذات علاقة

بالآخرين
..

ولهذا يصبح (الفساد)

علاقة وسلوك اجتماعي، تسعى رموزه إلى انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي، فيما يمثل عند

المجتمع المصلحة العامة، لهذا يصنف المختصون في قضايا الفساد أنواعه إلى واسع

وضيق،
فالفساد

الواسع ينمو من خلال الحصول على تسهيلات خدمية تتوزع على شكل معلومات، تراخيص…

أما الفساد الضيق فهو قبض الرشوة مقابل خدمة اعتيادية بسيطة..
أي عندما

يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز (رشوة) لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة

مثلاً. كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى

الرشوة وذلك بتعيين الأقارب ضمن منطق (المحسوبية والمنسوبية) أو سرقة أموال الدولة

مباشرةً.

خامساً- مظاهر الفساد وأنواعه

يمكن تصنيف الفساد -من حيث تمظهراته السلبية الواقعية على مستوى الفرد

والمجتمع- في الأنواع التالية:

1. الفساد

السياسي
:

 يتعلق هذا

النمط من أنماط الفساد بطبيعة الحكم والممارسة السياسية وآليات العمل السياسي

السائدة في مؤسسات الدولة.. ويتمظهر هذا النمط واقعياً من خلال
إساءة استخدام

السلطة العامة (الحكومة) من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة، وعادة ما تكون

ممارساتها سرية من أجل تحقيق مكاسب نفعية شخصية،
تتجسد (في

سياق عمل إدارات الدولة) في عجز مؤسسات الدولة وقطاعاتها المتعددة والمتنوعة عن

القيام بمهامها ووظائفها وواجباتها الملقاة على عاتقها، والمتمثلة في البناء السليم

المتوازن والحديث لإنسانها ومجتمعاتها (تحقيق مستوى معيشي نوعي متطور، وقدرة مشاركة

كبيرة في الحكم، و..و..الخ)، بسبب شخصنة عملها (هيمنة فئة صغيرة حاكمة على مقدرات

الاقتصاد الوطني ككل) وتكريس مختلف خطوط الانحرافات المالية ومواقعها ومخالفات

القواعد والأحكام التي تنظم عمل النسق السياسي (المؤسسات السياسية) في

الدولة.

1-1:

حجم تأثيرات الفساد السياسي على حاضر ومستقبل أي بلد:

يمكن تحديدها في النقاط

التالية:

       آ-

التأثيرات السلبية للفساد على السياسة والقضاء ومختلف إدارات البلد:

يمثل الفساد تحدياً خطيراً وعائقاً كبيراً في طريق التنمية لأي مجتمع.

فهو على الصعيد السياسي يقوض أسس وأركان حكم الديمقراطية والتعددية السياسية، وينسف

دعائم الحكم الصالح من خلال تغيير مسار العملية السياسية

الرسمية.

أما الفساد في الانتخابات والهيئات التشريعية فإنه يوصل إلى سدة

البرلمانات والمجالس النيابية وغيرها أشخاصاً غير جديرين وغير مناسبين لتحمل

مسؤولية التمثيل الصحيح للشعب في عملية صنع القرار السياسي وغيره من القرارات

المصيرية للبلد، كما أنه يقلل من مساحة النقد

والمساءلة.

أما الفساد القضائي فإنه يعرض سيادة القانون للخطر، ويجعله مطية يركبها

أصحاب النفوذ والحظوة والثروة والسلطة.

وأما الفساد في الإدارة العامة فيؤدي إلى انعدام التوزيع العادل للخدمات

التي تقدمها الدولة للفرد والمجتمع.

أي بمعنى أوسع يؤدي انتشار الفساد السياسي

في أي بلد
–وخصوصاً البلدان المتخلفة، ومنها بلداننا العربية- إلى نخر القدرة العملية الإنتاجية للحكم المؤسساتي

وذلك بسبب قيام الفاسدين باستنزاف جائر لمصادر قوة البلدان والحكومات، ومواردها

وثرواتها.

       ب-

التأثيرات الاقتصادية
السلبية للفساد

السياسي:

-يؤدي الفساد السياسي (على الصعيد الاقتصادي التنموي، كما نراه في معظم

مجتمعات العالم المتأخر) إلى تقويض بل نسف دعائم التنمية البشرية من جذورها وذلك

لتسببه في حدوث تشوهات وحالات عجز ضخمة.

-كما يؤدي انتشار الفساد في القطاع الخاص إلى زيادة كلفة العمل التجاري

من خلال زيادة سعر المدفوعات غير المشروعة نفسها.. وكذلك لازدياد النفقات الإدارية

الناجمة عن التفاوض (ونعني بها عمليات التراضي وتسوية الصفقات مع أولي الأمر!!) مع

المسؤولين ومخاطر انتهاك الاتفاقيات أو الانكشاف.

-ورغم أن البعض يدّعي أن الفساد يقلل من النفقات الإدارية عن طريق تجاوز

الروتين الإداري، إلا أن وجود الرشوة يمكن كذلك أن يدفع المسؤولين لاستحداث تعليمات

وحالات تأخير جديدة في إنجاز المعاملات. ومع إسهامه في زيادة تضخم النفقات التجارية

فإن الفساد يشوه الحقل التجاري لأي بلد، إذ يحمي الشركات والمؤسسات ذات الحظوة لدى

الحكومة من المنافسة ما يعني بالنتيجة استمرار وجود شركات غير ذات

 كفاءة وغير منتجة تعتاش على دمار

غيرها.

-وعلاوة على ذلك يولد الفساد تشوهات اقتصادية في القطاع العام عن طريق

تحويل استثمار المال العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشاوى. ويلجأ

المسؤولون إلى حيلة زيادة التعقيدات الفنية لمشاريع القطاع العام لإخفاء هذه

التعاملات غير المشروعة أو لتمهيد الطريق أمامها ، ما يؤدي بالنتيجة إلى زيادة

تشويه استثمار المال العام.

-ويؤدي الفساد كذلك إلى خفض معدلات الالتزام بضوابط البناء والمحافظة

على البيئة والضوابط الأخرى، وإلى تردي نوعية الخدمات التي تقدمها الحكومات، وزيادة

الضغوط على ميزانياتها الرسمية.

1-2:

وسائل وأدوات الفساد


السياسي:

    أ- استخدام

الرشوة المادية والمعنوية:

الرشوة بالتعريف

الاصطلاحي العملي -وكما وردت في مختلف القواميس والموسوعات العربية والعالمية- هي:

أن يدفع الإنسان مالاً

من أجل أن يستفيد حقاً ليس له، بل من حق غيره أو من حق الصالح العام.. أو أن يعفي

نفسه من واجب عليه تجاه مجتمعه والواجب العام
“.. طبعاً لا بد لحدوث

الرشوة من توفر أكثر من عنصر وطرف، فهناك الشخص الذي يعطي الرشوة والشخص الذي

يأخذها..

   

ب- استخدام وسائل

الابتزاز
السياسي والضغط

الأمني:

الابتزاز هو نوع من الضغط المادي أو المعنوي المباشر الذي يقوم به شخص

متنفذ وصاحب سطوة في أي موقع من مواقع الدولة ضد مسؤولين آخرين أو تجار أو

اقتصاديين أو من في حكمهم، بهدف الحصول على أموال أو مواقع أو هدايا أو غيرها.. أو

هو –على وجه العموم- قيام المسؤول السياسي بنفسه (مهما كان موقعه أومنصبه في هياكل

الدولة إذ قد يكون السياسي هنا صاحب مكانة ونفوذ اقتصادي، أو أمني، أو حزبي، أو

..الخ) بالاستفادة من الأموال العامة بطرق غير قانونية. ويمكن مقارنة الابتزاز

بالاتجار بالمنصب.

لقد ادعى جورج واشنطن بلنكيت ممثل نيويورك في مجلس الشيوخ الأمريكي ذات

مرة، إدعاءه الشهير بأن هناك اختلافاً بين الابتزاز “الشريف-النظيف” و الابتزاز

“غير الشريف”. فالمثال التقليدي للابتزاز يتمثل في استغلال المسؤول لمعرفته –على

سبيل المثال لا الحصر- بالقرارات المتعلقة بمسح الأراضي في شراء هذه الأراضي التي

يعرف بأن منظمته السياسية مهتمة باستغلالها ومن ثم بيعها، وذلك بهدف تحقيق أرباح

مالية كبيرة لتلك المنظمة.

أما الهدايا والعطاءات المقدمة من أحد الأحزاب المشتركة مثلاً في

الحكومة فتصنف هي الأخرى على أنها ابتزاز غير مشروع.. ومعظم الدول لها قوانين

وأنظمة تحظر مثل هذا النوع من الأعمال.. (ففي الولايات المتحدة، تعتبر كل هدية

تتعدى قيمتها 200 دولار يتم تقديمها إلى رئيس البلاد بمثابة هدية مقدمة إلى مكتب

مقام الرئاسة، وليس إلى شخص الرئيس. ويمكن للرئيس أن يشتريها ويدفع ثمنها للدولة

إذا ما أراد الاحتفاظ بها بعد انتهاء ولايته).

   

ج- المساهمات (المادية والمعنوية) في الحملات الانتخابية

           (استخدام النفوذ

والسلطة، والأموال المشبوهة)
:

قد يصعب إثبات الفساد في الميدان السياسي، ولكن يستحيل كذلك نفي وجوده.

ففي كثير من الدول تقوم فئات ذات قوة مادية أو معنوية مقننة في المجتمع

–كالتجار ورجال الأعمال وأصحاب النفوذ من نخبة الحكم السياسي أو الأمني أو..الخ-

بالتعاون والتعاضد مع بعضها البعض لإيصال هذا المرشح أو ذاك، أو إسقاط هذا الحزب أو

ذاك، باستخدام المال والنفوذ والحظوة والمكانة، وو..الخ.. وبسبب حاجة بعض المرشحين

للانتخابات البلدية أو النيابية مثلاً إلى حشد الدعم المالي –غير المتوفر لهم-

لحملاتهم الانتخابية فإنهم يكونون في موقع ضعيف، ويعرضون حياتهم وسمعتهم المستقبلية

للخطر. ولذلك يظهرون لاحقاً بعد حصولهم على الدعم من طرف أو جهةٍ ما وكأنهم يعملون

لصالح هذه الجهة التي قامت بتمويل حملاتهم وتحمل تبعات ذلك كله، وهو ما يفتح المجال

للحديث عن فسادهم السياسي.. حيث أن الإنسان عبدٌ لمن يخدمه (خصوصاً في مجتمعات

الفقر والعوز والحاجة).

2. الفساد

المالي
:

ويتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي

تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها، ومخالفة التعليمات الخاصة

بأجهزة الرقابة المالية كالجهاز المركزي للرقابة المالية المختص بفحص ومراقبة

حسابات وأموال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات العامة التابعة

لها..

3. الفساد

الإداري
:

ويتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية..

وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام خلال تأديته لمهام وظيفته الرسمية ضمن

منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية.

و تتمثل مظاهر الفساد الإداري في النقاط التالية:

      

عدم احترام أوقات

ومواعيد العمل في الحضور والانصراف.

  

تمضية الوقت في قراءة

الصحف واستقبال الزوار وتناول المأكولات والمشروبات والتنزه في الحديقة أو في مكاتب

الموظفين.

      

الامتناع عن أداء العمل

أو التراخي والتكاسل قصداً أو عن حسن نية.

  

عدم تحمل المسؤولية

الإدارية والقانونية لدى العامل، إما لضعف الوعي القانوني لديه، أو عدم استيعابه

لحقوقه وواجباته (وعدم معرفة الآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة

الوظيفة، وهو أمر يتعلق بعامل الخبرة والكفاءة لإدارة شؤون العمل في أي موقع

وظيفي)، أو قد يكون أحياناً تهاوناً مقصوداً منه عدم الرغبة في تحمل المسؤولية

الإدارية عن أي عمل، أو أحياناً لشعور عارم بالغبن والظلم عند هذا الموظف أو

ذاك (حيث تمتلئ نفسه بمختلف أحاسيس المظلومية والمهانة) قد يجتاحه عندما يجد أنه

مهضوم الحقوق،
ولا يحصل على أي مكافآت ولا إضافات و..الخ…

  

إفشاء أسرار الوظيفة،

وطبيعة الأعمال المنجزة أو تلك التي ستنجز الخاصة بهذه المؤسسة أو تلك، والخروج عن

العمل الجماعي في الأداء الوظيفي العام إلى العقلية الفردية

الخاصة..

والواقع أن مظاهر الفساد الإداري متعددة ومتداخلة، وغالباً ما يكون

انتشار أحدها سبباً مساعداً على انتشار بعض المظاهر

الأخرى.

4. الفساد

الأخلاقي
:

وهو يتمظهر في العمل الوظيفي من خلال مجمل الانحرافات الأخلاقية

والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته الخاصة والعامة تجاه نفسه وتجاه

محيطه العملي.

  أ- كالقيام بأعمال مخلة بالحياء والآداب في أماكن

العمل.

  ب- أو أن يجمع بين الوظيفة وأعمال أخرى خارجية دون

الحصول على موافقات مسبقة من إدارته.

  ج- أو أن يستغل السلطة لتحقيق مآرب شخصية نفعية له على

حساب المصلحة العامة.

  د- أو أن يمارس المحسوبية والزبونية بشكلها الاجتماعي

الذي يسمى (المحاباة الشخصية) دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة ومعايير الجدارة

المهنية وتوافر المهارات الاكتسابية والخبرات

النوعية.

 

سادساً- النتائج الميدانية الناجمة عن

الفساد

1.

يساهم الفساد في تدني كفاءة الاستثمار العام
وإضعاف مستوى الجودة

والكفاءة في البنية التحية العامة، وذلك بسبب الرشاوى والعمولات التي يتلقاها

المشرفون والمتنفذون وأصحاب القرارات..

2.

للفساد أثر مباشر في حجم ونوعية تدفقات موارد الاستثمار الأجنبي
، ففي الوقت

الذي تسعى فيه البلدان النامية إلى استقطاب موارد الاستثمار الأجنبي لما تنطوي عليه

هذه الاستثمارات من إمكانات نقل المهارات والتكنولوجيا الحديثة، فقد أثبتت الدراسات

أن الفساد يضعف هذه التدفقات الاستثمارية وقد يعطلها في أحيان

كثيرة.

3.

يرتبط الفساد ارتباطاً مباشراً بتدني وتردي توزيع الدخل والثروة
في الدولة،

من خلال استغلال أصحاب النفوذ والحظوة لمواقعهم المميزة في المجتمع، وفي النظام

السياسي، مما يتيح لهم الاستئثار بالجانب الأكبر من المنافع الاقتصادية التي يقدمها

النظام..

4. يزيد

من الإفقار وتراجع تطبيقات العدالة الاجتماعية
نتيجة تركز الثروات

والسلطات كلها في أيدي فئة قليلة من المجتمع، وسوء توزيع الدخول والقروض والخدمات

في الدولة، وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي، وتدني المستوى المعيشي

لطبقات كثيرة في المجتمع..

والنتيجة الطبيعية لهذا السحق هو تهشيم النسيج الاجتماعي، وما يمكن أن

يتسبب قيه من دمار لإمكاناته، وزعزعة أسس بناءاته، وتفكيكه إلى بناه التقليدية

الهشة وسريعة الاشتعال.

5.

تخلخل البنى الأخلاقية ومنظومة المبادئ السامية العليا في المجتمع
، وأخلاقيات

العمل والقيم الاجتماعية؛ونشوء قيم وعادات وأعراف جديدة تتحكم بها (وتديرها) عقلية

السوق والمنافع الخاصة الخاضعة لمعيار الكسب والجشع والطمع حتى لو أدى ذلك إلى

إحداث أضرار بالغة بالفرد والمجتمع.

6.

تأثير الفساد على قيم العمل،
وهو ما سيؤدي حتماً إلى

إلغاء أو إضعاف مفعول الحوافز الموضوعية العادلة وتأثيرها ، حيث أنه بطبيعته

الديناميكية القاتلة يثبط عزيمة المنتجين والعاملين الجادين، ويجعل أغلب الإدارات

متثاقلة وأقل فعالية في منح الحوافز، نتيجة تغلغل الفساد فيها بما يلغي الجدية في

العمل.

7.

تهشيم الصلة الطبيعية التي يمكن أن تقوم بين الفرد وبين دولته ومؤسساته

المتعددة
. حيث أنه من المعروف

فكرياً وعملياً وتاريخياً –لأن الدولة ظاهرة تاريخية حية- أن هناك علاقة تعاونية

وتكاملية بين الفرد والدولة تتمثل في صيغة الحقوق والواجبات، فعندما يلاحظ الفرد

استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وحتى في أركانها العليا، فقد لا يعير أهمية لما

يصدر عنها من قرارات ولا ينظر لها نظرة احترام بل ويخالفها لعدم جدواها في محاربة

الفساد، وربما تكون هي منغمسة فيه وممهدةً له، وتلك الوضعية ربما تشجع البعض على

الانغماس في ممارسة الفساد لاعتقادٍ جازم عندهم بعدم فاعلية وجدوى تطبيق القوانين

اللازمة لمعاقبة المخالفين، واطمئنانهم إلى عدم وقوعهم تحت طائلة المسؤولية

والقانون لضعفه وتهاونه في هذه المسألة.

سابعاً- أسباب الفساد وتأثيراته على الفرد

والمجتمع

الظروف

الملائمة للفساد
:

·

     تركز

السلطة فئوياً بيد قلة من الناس (سيطرة الحكم الفردي) يديرون البلد، ويصنعون

قراراته الحساسة والمصيرية انطلاقاً من همّ وهاجس البقاء على الكرسي مهما كانت

الظروف والأحوال، وحتى لو دخل المجتمع في حالة حرب أهلية، أو في حرب مع الدول

الأخرى.

·

     ممارسات كثير من الدول والمواقع والقوى الدولية

الكبرى
التي تدفع العمولات

والرشاوى لمسؤولي هذه الدولة أو تلك من أجل الحصول على عطاء هنا أو صفقة هناك،

والدول الكبرى التي تقوم بذلك تعتبر هذا العمل الجاري –بالنسبة إليها- بمثابة

مصروفات تحددها هذه الدولة لتسهيل أمورها خارج البلد، ولا تعدها رشوة يعاقب عليها

القانون، بل تقوم بخصم هذه المصروفات من الضرائب التي تدفعها الشركات والأفراد

للحكومة.

·      

وجود البنى الحكومية

المتناحرة والمتضاربة المصالح والتوجهات، والتي لا تتحكم بها مشاعر المصلحة العامة،

وحقوق المجتمع، وبناء مستقبل زاهر ومنتج للبلد، بل تعيش هاجس المنفعة والأنانية

المنغلقة وشبكات المعارف والمحسوبية

والزبونية.

·                    

غياب وتغييب

الديمقراطية والنهج التعددي السلمي في التداول على السلطة وحكم المجتمع.

·      

انعدام الشفافية في

الممارسة الفردية والجمعية والحكومية (عدم وجود حرية تداول المعلومات والبيانات

والإحصائيات لمختلف مواقع الحكم على مستوى الوزارات والشركات والمؤسسات و..و..الخ).

·      

عدم قيام المجالس

الشعبية والبرلمانات (المنتخبة!؟) بواجباتها في المحاسبة والمساءلة والنقد وتوجيه

دفة الحكم، والإشراف المباشر على مجمل السياسات التنفيذية للحكم

القائم.

·      

ضعف (أو على الأصح:

إضعاف) السلطة القضائية عن عمد، بهدف تقزيمها أمام الناس، وزعزعة ثقتهم بها، وإظهار

أن هناك أشخاصاً متنفذين أعلى منها وأقوى.

وفي الواقع، إن عدم استقلالية القضاء أمر مرتبط أيضاً بمبدأ الفصل بين

السلطات في أي بلد، إذ يلاحظ في معظم البلدان المتقدمة والديمقراطية -التي

تحترم نفسها، وتحترم مجتمعاتها، ويقوم فيها حكم القانون لا حكم الشخص- وجود

استقلالية حقيقية للقضاء عن عمل وأداء باقي أجهزة ومؤسسات النظام السياسي

القائم،
وهو ما يعطي أبعاداً أوسع فع