الفيلسوف الإيطالي نوربرتو بوبيوNorberto Bobbio: الحقّ الأساسيّ في التنوير هو الحرّيّة..

نوربرتو بوبيو (1909-2004)، من أهمّ مفكّري القرن العشرين، أتاحت له حياته المديدة التنقّل بين مدارس فكرية وفلسفية عديدة مثل الفينومولوجيا والوجودية والوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية. قام بالتدريس في جامعات عدّة في باريس وبوينوس أيرس ومدريد وتورين وغيرها، وله عدد هائل من المؤلفات نذكر من بينها:

السياسة والثقافة، ليس مع ماركس أو ضدّه، مستقبل الديمقراطية، مشكلة الحرب وطرق السلام، عصر الحقوق، حوار حول الجمهورية.

{{هل تسمح لي أن أقرأ تشخيصا للأزمة الروحية في الآونة الأخيرة؟ يقول: الأزمة الراهنة “تقبع في بعثرة واقع مؤلم إلى آلاف من الوقائع اللامبالية، وهذا يفسّر جمود الحس الأخلاقيّ، التخلّي عن تيّار المجتمع والأشياء، يقبع في انكسار الإرادة الوحيدة إلى آلاف من التعسّفات، إلى ظلامية الوضوح الداخلي، في هذا الموضع تبدأ الخرافة بالتهديد من جديد”.}}

يا إلهي! يا له من أسلوب فخيم!

{{هذا النصّ كتبتموه عام 1943 كنقد لرطانة الكناية لدى هيدجر وياسبر. في النهاية دافعتم عن “شخصانية جديدة” كبديل عن الوجودية “غير المسيّسة”.}}

حسنا، عندما كنت قد بدأت، حينذاك، النضال التحرري المناهض للفاشية، فإنّ موضوع الإنسان كان يعرض بشكل دراماتيكيّ في صالح الفاشية الجديدة. الوضع الحالي مختلف تماما، رغم وجود خطر أن تبرز من جديد. في نهاية قرننا، في النصف الأوّل منه عشنا عنفا كثيرا وحروبا ودمارا، هناك ما يشير إلى عودة جديدة للعنف منذ نهاية الحرب الباردة وليس فقط في نزاعات دولية، بل كذلك داخل مجتمعاتنا نفسها، نشهد تصاعدا للعنف لا شكّ فيه.

{{ما رأيكم في التحليلات التي ترى تصاعد الجريمة وعدم التسامح كنتيجة لاستمرار تقدّم الفردية؟ انحلال الروابط التقليدية يقضي على “الحسّ المشترك” والثقة الاجتماعية الداخلية…}}

لا، على خلاف مع المجتمعانيين، فإنّني أبقى مع التأويل الفرداني، والذي بحسبه فإنّ الديمقراطية التحرّرية تستند إلى سيادة الفرد. إنّ التقدّم الحقيقيّ الوحيد الذي يمكن أن ألاحظه في هذا القرن إنما يتمثّل في الاعتراف العالمي بحقوق الإنسان، المتعلّق بحرية الفرد وليس باعتباره جزءا من هذا المجتمع أو ذاك أو من مواطني هذه الدولة أو تلك.

{{وماذا تقولون عن الطلب على الحقوق الثقافية لبعض المجتمعات؟}}

ننتمي بشكل متزامن إلى مجتمعات شديدة الاختلاف. أحيانا يتلاقى المجتمع والديني والعرقي، ولكن هذا ليس الحال في كثير من الأحيان، وهناك من ينتمي إلى جماعة دينية لا تتوافق مع الدين في بلده، أو العكس. ومرّة أخرى يعود الحديث عن الدفاع عن حقوق الشعوب. ولكن، هل ثمّة شعب كهذا يكون لوجوده المواجه لأفراده الأولوية؟ إنّ الشعب أمر مجرّد، فقط يمكن أن يواجهه الشخص ككائن فرديّ. يرسخ جوهر المعتقدات والآمال والمثل المشتركة، التي وصفت على نحو مناسب بأنها دين المواطنين أو “الدين المدنيّ للإنسانية”، أنه في النهاية سيتمّ الاعتراف بالفرد كحامل للحقوق الأساسية.

لقد قمت بتطوير مفاهيمي خلال الأربعينات والخمسينات. في تلك الحقبة، كان هناك، من جانب، الشخص، الفرد ومن جانب آخر، الجموع، أو كما يقال “دولة الجماهير”. وأعرف تماما ما هي، فقط عليّ أن أفكّر في الحالة التي كنّا عليها عندما كنّا نشارك في مسيرات الحشود الجماهيرية. على سبيل المثال، روما، عندما كان الدوتشي {موسوليني} يقود الجماهير من شرفة قصر فينيتسيا، الجموع المندفعة التي كانت تهتف له صارخة “نعم!” أو “لا، أبدا!”، كانت تلك هي الجموع. ما الذي كان سيحدث لو تجرّأ واحد فقط وعارض الجموع؟ ما كان حتّى ليسمع صوته. الفرد هو القيمة التي تواجه الدولة، التي تريد أن تكون كلّ شيء. وحقّ الفرد الذي لا يمكن التنازل عنه في مواجهة أيّة حشود أو جموع أو مجتمعات إنما ينتمي، منذ نهاية الفاشية، إلى تصنيفاتي الأخلاقية والسياسية الأساسية.

{{في كتابكم “عصر حقوق الإنسان” تجعلون من فكر القانون الكوزموبوليتي لكانط، فكرا يخصكم.}}

بالضبط،. مع إنشاء محاكم لجرائم الحرب فإنّ حقوق الإنسان أصبح معترفا بها لأوّل مرّة في التاريخ كحقّ البدء في عملية لحماية الفرد بطريقة مستقلّة تماما عن الدولة التي ينتمي إليها. هكذا إذن، لأوّل مرة، تعتبر هذه الحقوق حقوقا عالمية سارية المفعول، حتى لو كانت تعلو على الدولة. وهذا، من المؤكّد، أنه فقط اتجاه محتمل في تنمية العلاقات الدولية القانونية، رغم ذلك، لا أرى هذا التقدم الوحيد الممكن.

{{كنتم قد شدّدتم مرارا على حقيقة تاريخية جديدة، أنّه للمرة الأولى منذ أكثر من قرنين أو ثلاثة فإنّ جميع الطوائف المسيحية تتّفق مع الفكر العلمانيّ فيما يخصّ حقوق الإنسان، بما في ذلك حتى الكنيسة الكاثوليكية.}}

دعا البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته للهند إلى حرية الاعتقاد كحقّ أساسيّ لكلّ إنسان، بغضّ النظر عن الأرض التي يعيش عليها أو الدولة التي ينتمي إليها. بهذا المعنى، يمكن وصف حقوق الإنسان بدين مواطني الإنسانية.

{{بطبيعة الحال، فإنّ هذا الالتقاء الجديد بين الشخصانية العالمية والمسيحية يصل فقط إلى نقطة بعينها، وهنا أذكر فقط مسألة الإجهاض.}}

حتى عندما قبلت حقوق الإنسان من قبل الكنيسة بعد فترة تاريخية طويلة من عدم الثقة الكنسية، فإنّها أصرت على الاختلاف فيما يخصّ الأولويات: فيما يخصّ فكر التنوير فإنّ الحقّ الأساسيّ، دون شكّ، كان الحقّ في الحرية.

{{وفقا لكانط، أوّلا، فإنّ الحرية تتمثّل في “نشر واستخدام العقل في أيّ وقت”. بينما الكنيسة، في المقام الأول، دون شكّ، تدافع عن الحياة باعتبارها “هديّة من الله”، وهذا ينطبق أيضا على الحياة التي لم تولد بعد.}}

في واحد من السجالات في ألمانيا حول الفيلسوف بيتر سلوترديك والذي أراد إثارة كلّ من النزعة الإنسانية التنويرية والفكر الكاثوليكيّ حول القانون الطبيعيّ بموضوع التقنية البشرية للجينات في المستقبل، لقد وجد اليسار التنويريّ نفسه إلى جانب المسيحية في مواجهة ضدّ بعض الأفكار الهند-صينية الجديدة عن التجارب على البشر. هل تراث الأديان التوحيدية ينتمي إلى الشفرة الجينية للتنوير؟

هل يمكننا أن نتقدّم إلى نقطة التحول الكامل للإنسان، استنساخ البشر في المستقبل وبرمجتهم؟

يتعلّق الأمر بموضوع قديم لليوتوبيا. في “دولة الشمس” وضع توماسسو كامبانيلا (1568-1639) بدقة متى يمكن للرجل والمرأة أن يتزاوجا، ومن يقترن بمن، وفقا لخصائص جسد كلّ منهما.

{{(إنها مشيئة الله)، هكذا كان يصرخ الصليبيون.”Deus lo vult”}}

هذا هو الجانب المقابل للعدمية، إذا كان الله موجودا وأنا إلى جانبه فإنّ كلّ قسوة تصبح ممكنة.

{{حتى أنتم كتنويريّ معروف تتحدّثون عن “دين بلا إله”.}}

لم أشعر أبدا أنني فان مثلما أنا عليه الآن، وإذا جاز التعبير فأنا ميت، كان لديّ دائما مفهوم عن نفسي يتمثّل في أنني جنديّ للعقل وليس للاعتقاد، ولكن لهذا السبب بالتحديد فإنّني كرجل عقل أعرف حدوده، وأننا فقط يمكننا جلاء جزء بسيط من هذا الظلام الذي يحيطنا.

{{جزيرة العقل الكانطية، جزيرة محبوسة في “محيط واسع وعاصف”.}}

جزيرة يحيط بها الغموض، وأعلم أنّ الغموض يحيطنا، وهذا ما أدعوه بالحسّ الديني للإنسان، الإحساس بأننا محاطون بغموض لا يخترق. لدينا اليوم دعم من العلم لفهم النظام الشمسيّ والمجرّات، لقد فهمنا الآلاف، بل الملايين من الحقائق التي لم يكن أسلافنا على علم بها. رغم ذلك، فإنّ العالم يصبح بشكل متزايد غير مفهوم وأقلّ شفافية. كلّما عرفنا أكثر أصبحنا أكثر وعيا بجهلنا. كلّ تاريخ العلم، في نهاية الأمر، يتألّف من فرضيات خجلى. لهذا أتحدّث عن الشعور الدينيّ للإنسان، عن وضع دينيّ في مواجهة ما لا يحاط به وما لا تفكّ رموزه، ما هو أبديّ. رغم أنّه ليس من الممكن تحويل هذا إلى مذهب أو تعليم أو نظام.

{{إنّ المشكلة لا تكمن في الفرضيات والتي، كما يقول بوبر، يمكن أن “تترك لتموت”. شيء آخر عندما تمّ الوصول للانشطار النووي والتقنيات الجينية، هذا الشعور الديني بالغموض الذي تتحدّثون عنه، ألا يمكن أن يقوم بالكبح اللازم للتقدّم التكنولوجي؟}}

لا، أشكّ في وجود العلاج بشكل ضروريّ في الإيمان الدينيّ، ففي نهاية الأمر ليس هناك دين وحيد، بل المئات، واليوم فإنّ التعصب الديني والإرهاب ضدّ أتباع الجماعات الدينية الأخرى، أخذ أبعادا مهدّدة في العالم أجمع. دعني أضع استشهادا من كتاب “أخطاء في ميزان الحياة” لجورج شتاينرس، يقول: “إنّ الجواب على السؤال الذي يطرح حول التعذيب والإعدام بلا محاكمة لطفل يعاني من سوء التغذية في أوشفيتز، أين الله؟ الله هو هذا الطفل”. هذا مثال غير لطيف بعض الشيء على الانفعال التشبيهي. نطالب بشاهد على قمامتنا الصغيرة، رغم أنه يسلك بشكل قاس ضدّها. نصرخ أمام المرض، أمام الرعب النفسيّ والمادّيّ، عندما يموت أطفالنا أمام أعيننا. هذه الصرخات التي تسقط في الفراغ… لا يمكن تحمّلها تقريبا.

يمكن للبابا أن يدين حربا، لكنه لا يمكنه الحكم بوقوع زلزال، فقط يمكن لساحر أن يفعل ذلك.

هل يمكن لأحد أن يقدّم أجوبة على المعاناة الأبدية من الأوبئة والكوارث الطبيعية والفيضانات والانفجارات البركانية وغيرها والتي لا تعتمد علينا؟.

ترجمة عن الإسبانية: عن مجلة

2002 Poiesis