المعارَضات العربية: “عميلة”.. “خائنة”.. تسعى إلى إثبات براءتها!

لكثرة تكرارها، أصبحت عبارات التخوين جزءاً أصيلاً من أدبيات الخطاب السياسي في المنطقة، فتراشق الاتهامات على هذا النحو الفلكلوري لم يعد مقبولاً وحسب، بل أيضاً لم يعد لافتاً للانتباه، أو خاضعاً للمناقشة، خاصةً بعد الكتابات التي فنّدت العقل التكفيري كعقل سائد في المنطقة. لكن اللافت على هذا الصعيد هو ضعف تأثير هذه المناقشات، واستمرار الأداء التكفيري، وبقاء الجهد الفكري وكأنه يخصّ الفكر وحسب!.

أما الطبعة الأكثر تداولاً فهي التي تسلّط الضوء على التكفيريين الإسلاميين، كتمثيل فجّ عن هذه العقلية، حتى أصبحت كلمة التكفير ملازمة لهذا التيار، وبما يوحي بأنه الاستثناء، وقد لاقت هذه الطبعة الرواج في أوساط المثقفين العلمانيين، وأفردت لها وسائل الإعلام حيزاً من الاهتمام، في تناغم مع الحرب على الإرهاب، ومع السلطات العربية صاحبة المصلحة في ردّ التهمة عن نفسها، وإلصاقها بمصدرها من خلال تصوير هؤلاء الإسلاميين على أنهم فئة ضالّة عن الدين القويم. وسنجد بين الطرفين تنازعاً على احتكار تمثيل النصّ والمجتمع، فلا يقرّ أيٌّ منهما بأحقية الآخر، سواءً كمرجعية نصية أو كتمثيل اجتماعي. سنرى احتكاراً للحقيقة، والحقّ، لا يقبل احتكاماً إلى الحوار أو الحلول الوسطى، بل يسعى إلى تعزيز أدواته الإقصائية، وتغييب الفكر عندما لا يكون جزءاً منها.

تتأتى راهنية الفكر لا من تجاوزه الواقع واستشراف الآفاق وحسب، وإنما من خروجه من أوساط النخب الثقافية وتأثيره في الحوار المجتمعي العام، وقد نال المثقفون العرب الكثيرَ من النقد بسبب اغترابهم عن الواقع، فيما يبقى صحيحاً أيضاً أن المحاولات الفكرية الجادة والرصينة لم تلقَ الاهتمام الذي تستحقه، ولم يقيّض لها أن تكون موضع اختبار، وبالطبع لم يكن لها حظ المنافسة مع الأصوليات بمرجعياتها المختلفة.

وعلى هذا فإن القطيعة مستفحلة ومستمرة بين الحقل الفكري والحقل السياسي، والأكثر غرابة هو بقاء الفكر السياسي، أو التحليلات السياسية المعمَّقة، في إطار السجال اللفظي من دون التأسيس لخطاب سياسي جديد. وربما يجوز القول إن السنوات الأخيرة الماضية أتت بأفكار جديدة، لا تعوزها الجرأة، لكن هذه الأفكار ظلت في إطار الاجتهاد الفردي، ولم تنشأ قوى سياسية جديدة تجعل هذه الرؤى قائمة بالفعل. إننا لا نفترض أن تتحول الأفكار إلى قوى بين ليلة وضحاها، لكننا لا نميل إلى الافتراض الكلاسيكي حول الجدل بين الفكر والواقع، والذي يتحقق عبر صيرورة زمنية طويلة.

فالعصر الذي نعيشه يفرض تسارعاً زمنياً، وفي المقابل تقادماً مضطرداً، بحيث لا تنعم الأفكار بعقود من الاستقرار، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يمكن الركون إلى افتراض التطور الخطي للتاريخ، وبناء على ذلك انتظار ما ينجم عن الجدل بين الهامش والمتن، حيث أثبت المتن في المجتمعات العربية صلادة كبيرة، وأسفر عن تماسك متين كلما لاح تهديد ما. ومن هنا أصبح تفويت الفرص سمةً حضارية، واستقرت الأسئلة التي لم تلقَ إجابات شافية، من دون التفكير فيما إذا كانت هذه الأسئلة هي الأسئلة المناسبة حقاً وفعلاً.

إن “الفالق” القائم بين الفكر والنشاط السياسي يغري باتهام النخب السياسية بأنها ترجع إلى الأسّ المعرفي ذاته، أي أن حركات المعارضة لا تقوم على قطيعة مع العقل السائد، مثلما لا تؤسس لهذه القطيعة أو تبشّر بها. ويغدو الصراع على السلطة، بهذا المفهوم، تنازعاً على الهيمنة فقط، وليس صراعاً بين الأفكار والرؤى، ما دام التنازع على الأرضية المعرفية ذاتها.

ففي الشأن الإسلامي، وهو شأن جوهري، لا نجد إقراراً بتعددية النص الإسلامي، وباحتوائه، كأي نص شمولي، على عناصر وسطية، وعلى عناصر توتاليتارية قابلة للتفعيل متى تهيّأت لها قوى توتاليتارية. هناك أحادية في الفهم، تتباين بين التيارات الوسطية والمتطرفة في الإسلام السياسي، تشبه أحادية الفهم لدى المذاهب الإسلامية، مع الاشتراك في النظر إلى جوهر هذا الفهم على أنه خالد مؤبد، يمثّل روح “الأمة” بصرف النظر عن التبدلات الظرفية. إن التعارض بين التيارات الإسلامية لا يقوم على أحقية الوجود، بل على أرجحية الوجود، فحيثما نجد سلطة تحكم بالإسلام نجد معارضةً تدعي أرجحيتها بتمثيل الإسلام. ووفق القياس ذاته سنجد معارضات قومية تقوم على أرجحية تمثيلها للفكر القومي، على أنظمة تحمل الفكر نفسه. وهكذا كان بالنسبة للماركسية، عندما توزعت على أديان ومذاهب متناحرة فيما بينها.

معارضات تكفّر السلطات، وتتهمها بالخروج عن النصّ، ومن ثم سلطات تكفّر المعارضة، وتتهمها بالعار ذاته. كأننا نتحدث عن “لوح محفوظ”، لا عن مصالح متحولة. نتحدث عن الأمانة والنزاهة، لا عن الأداء السياسي وجدوى هذا الأداء. وحتى الأفكار هنا لا تأخذ مكانتها من راهنيتها، ما دامت بجوهرها تتفوق على الشَرْطيّ والمتحول. بإمكاننا أخذ الممارسة السياسية كدلالة على العقل، لكن الأهم هو ما تنتجه، وهي في هذه الحالة تعيد إنتاج العقل ذاته، وهكذا تستقر المفاهيم لتصبح يقينيات، بما يستتبعه ذلك من تبسيط وتنميط ملائمين للغرائز. فتبدو أسهل السبل، وأكثرها إيلاماً، أن تتهم المعارضةُ السلطةَ بتمثيل المصالح الخارجية، أي بالعمالة للأجنبي، وهي بذلك تعفي نفسها من البحث في مفهوم السلطة، ومن ناحية أخرى تداعب غريزة الكراهية فتُماهي بين السلطة والعدو. تصبح السلطة بمثابة الاستعمار الداخلي، فيكفي التخلص منها لتنزاح العقبات من أمام الطوبى التي يسعى إليها المجتمع. السلطة، بهذا المعنى هي اختزال أخلاقي، للشرّ طبعاً، فيما يغيب تفنيد السلطة بوصفها نظاماً، وبوصفها تمثيلاً لمصالح داخلية قائمة بالفعل، حتى وإن لم تكن مصالح الأغلبية. طبعاً علينا ألا نغفل أن الأنظمة العربية، باحتكارها المطلق للسلطة، قد أعطت الذريعة لتحميلها المسؤولية التامة، لكن هذه الأنظمة نجحت من جانب آخر في طرد المناوئين لها من حقل السياسة إلى حقل المبادىء.

الخبر الجيد، ربما، هو أن جزءاً من المعارضات العربية بدأ يتقدم باتجاه السياسة، ويحاول كسر الاحتكار الذي فرضته الأنظمة على جبهتين. فأولاً استطاعت السلطة إقصاء النسبة الأكبر من المجتمع عن السياسة، وقد تم لها هذا عبر وسائل القمع الشامل، وعلى الرغم من تخلفها فقد أثبتت السلطة امتلاكها فعالية مخابراتية عالية، بالإضافة إلى قدرة الضبط المركزية التي تمتاز بها الديكتاتوريات. ولربما يكون احتكار المعلومات هو أهم إنجازات السلطة، فآليات الفساد تستدعي غياب الشفافية، وفي المحصلة تتركز المعلومات في حوزة السلطة وحدها، ما يؤدي إلى حرمان المعارضة من معرفة الموارد العامة وكيفية توزيعها. أو بالأحرى يتم تجهيل المجتمع، والمعارضة ضمناً، ونعني التجهيل بالمقدرات الحقيقية للمجتمع، وغياب المؤشرات العامة، أو حجبها عن التداول العام، بالإضافة طبعاً إلى الإمساك بكافة المفاصل الحساسة في الدولة، بحيث تفتقر المعارضة إلى قاعدة المعلومات وإلى الكفاءات المؤهَّلة والمجرَّبة. وربما من المفيد في هذا الصدد أن ننوه بكتاب ألفين توفلر “تحول السلطة”، فقد كان من أوائل المؤلّفات التي رصدت ثالوث السلطة المكوَّن من المعرفة والقوة والثروة، وتبادل المراكز بينها عبر تاريخ السلطة، ويخلص توفلر إلى أن من يمتلك المعلومات يمتلك المستقبل.

وفي الواقع تمتلك الأنظمة القائمة في المنطقة ثالوث السلطة بأكمله، لأنها تسيطر على الثروات العامة أيضاً، إما من خلال الاحتكار المطلق للثروات الطبيعية، أي الديكتاتوريات ذات الاقتصاد الريعي في بعض الدول، أو من خلال رأسمالية الدولة في دول أخرى، مع الإشارة إلى أن أغلب هذه الأنظمة تنزع إلى رأسمالية الدولة بطبعة جديدة مختلطة بآليات السوق الحر، فتحافظ على الاحتكار، وتتيح استثمار الثروات التي تم نهبها خلال العقود الماضية. ولن يعود جائزاً الحديث عن هذه الأنظمة بوصفها مجموعات من اللصوص أو الفاسدين، بعد أن أثبتت أنها القوى الأكثر تنظيماً وفاعلية، وبقاؤها لم يعد رهناً بالجبروت الأمني فقط، فهناك منظومة متكاملة من المصالح، يتداخل فيها ما هو اقتصادي بما هو اجتماعي، وحتى ثقافي أو رمزيّ.

يتجلى الوجه الآخر لاحتكار السلطة في احتكار العلاقات الخارجية. نستثني من ذلك التنظيمات القائمة على إيديولوجيا عابرة للحدود، مع أننا لا نميل إلى تصنيف هذه التنظيمات في إطار المعارضة الوطنية، ما دامت تنزع إلى الانقلاب على الكيانات الوطنية، وعلى ذلك فإن العلاقات الخارجية لهذه التنظيمات تعدّ بمثابة العلاقة التنظيمية طالما أنها تندرج في إطار المشروع الإيديولوجي الواحد. وبخلاف ذلك بقيت العلاقات الخارجية شأناً سيادياً تحتكره السلطة، والمفارقة هنا أن المعارضات العربية طعنت على الدوام بشرعية السلطات القائمة، وفي الوقت نفسه تركت لها التصرف في الشؤون السيادية، وهناك فرق واضح بين امتلاك القرار السيادي بحكم الأمر الواقع، وبين الإقرار بأحقية السلطة في امتلاك القرار، وعلى هذا من المستغرب أن تعزل المعارضة نفسها عن العالم، فتعطي السلطة حقاً لم تتحصل عليه بتفويض ديمقراطي.

وما يبدو تناقضاً في ذلك يمكن فهمه بالرجوع إلى منطق المعارضة الذي استمر طويلاً، والمبني على تأثيم التحالفات الخارجية للسلطة. وهذا المنطق انقلب على المعارضة نفسها، عندما أدرك جزء منها ضرورة الاتصال والحوار مع العالم الخارجي، وضرورة التشابك مع المنظمات الأممية. ومع أن المعارضات العربية تقدمت في هذا الاتجاه بخطوات خجولة إلا أن الأنظمة سارعت إلى استغلال منطق التأثيم السابق، مستثمرةً الغرائز والانفعالات التي لعبت عليها المعارضة فيما مضى.

عميلة وخائنة، تسعى لإثبات براءتها. هكذا سيكون حال المعارضة، بسبب من التابو الذي صنعتْه بنفسها. وسنرى المعارضات تنقسم إلى قلة تبادر إلى كسر التابو، وأغلبية باقية على النهج الذي اعتادت عليه، بينما الفرصة مؤاتية للسلطة لتسحب الجزء على الكلّ، وتوقع الجميع في الحرج والبلبلة.

ولقد رأينا بعضاً من أولئك الذين أقاموا اتصالات خارجية وهم يدافعون عن أنفسهم، من موقع المتهم حقاً أو حتى المذنب، ويقدّمون تبريرات أخلاقية تنقصها الجرأة، فيما يأتي تنصّل رفاقهم في المعارضة من سلوكهم ليزيد موقفهم صعوبة، وليساهم في عزلهم من جديد. تبدو المعارضة أضعف كلما قبلت بوضعها في قفص الاتهام، ودخلت المزاد الشعبوي الذي يخدم السلطة، بدلاً من إزالة حرجها المعرفي بتقديم “فقه” سياسي جديد، يتناغم مع متطلبات الممارسة السياسية المعاصرة، ويلحظ خصوصيات العمل السياسي في ظل الأنظمة الديكتاتورية. وعلى سبيل المثال يبيح أي مسؤول في هذه الدول لنفسه الاستفادة من المنجز السياسي المعاصر، فيلتقي معارضين في دول أخرى، ويحجب هذا الحق عن المعارضين في بلده.

إن المثال البسيط السابق هو من أصغر الدلائل على الحقوق التي يتم إهدارها يومياً، بتغطية من العقل السائد، مع أن الحوار المطلوب ينبغي أن يطال حتى السياسة الخارجية، وحدود مشروعيتها كحق سيادي، في ظل الديكتاتوريات، خاصة إذا تذكرنا الأنظمة التي ساقت أوطانها إلى الهاوية بحساباتها الخارجية الخاطئة. ولربما علينا الاعتراف بأن جزءاً من تعثر المعارضات العربية يعود إلى افتقارها إلى رؤية سياسية معاصرة، وإلى أنها لم ترَ نفسها يوماً كسلطة بديلة ومغايرة، واقتصر دورها على الاحتجاج، وسعت غالباً إلى إثبات جدارتها في الساحة التي اختارتها السلطة، وحيث تمتلك الأخيرةُ الأولويةَ والأفضلية، وبحيث تبدو الفوارق بين الاثنتين طفيفة ولا نوعية. إن تقدم المعارضة يقتضي، فيما يقتضيه، انتزاع المواقع التي احتلتها السلطة، واستقراء خريطة المصالح الاجتماعية وربطها بعجلة العصر. وفي الوقت ذاته يجب الانتباه إلى أن شبكة المصالح الداخلية، مهما بلغ حجمها، لن تكون كافية بوجود ناخبين كبار وراء الحدود.