المعتزلة.. تاريخ العقلانية العربية المتعثرة

{{نقاط في المنهج}}

تثير القضايا المتصلة بالتراث الفكري والسياسيّ للعصور الإسلامية وسائر المراحل التاريخية اللاحقة نقاشا حول الموقع الذي تصدر عنه القراءة والأهداف التي ترمي إليها. تشكّل هذه القضية نقاطا خلافية كانت ولا تزال مستمرّة بحيث نجد مدارس متعددة في استحضار التراث وتفسيره وتوظيفه في أهداف محددة. هناك من يتعاطى مع التراث بأخذه بكليته وإغداق شيء من التقديس عليه ورفض نقده او تفكيكه، بل اعتباره صالحا لزمننا الراهن. يذهب آخرون إلى رفض التراث واعتباره شيئا من الماضي الذي يثقل على الحاضر ويعيق تقدم المجتمعات العربية والإسلامية ويمنع تفاعلها مع تطوّرات العصر، وهو نقد يرمي أصحابه إلى التخلّي عن التراث لصالح ما تقدّمه الحياة العصرية من فكر وفلسفة وعلوم حديثة. كما أنّ هناك من يتعاطى مع التراث وفق انتقائية خارج سياق الشروط التاريخية والمكانية التي جرى فيها إنتاجه، وهو فصل تعسّفيّ يمنع إمكان قراءة موضوعية للنصوص المقدمة تاريخيّا.

تقدّم وجهة النظر القائلة بقراءة التاريخ الماضي ومنه التراث بعين الحاضر فكرة تساعد على رؤية العوامل الموضوعية التي جرت الأحداث في سياقها ومعها الأفكار والنظريات التي أنتجتها. وتوفر في الآن نفسه مجالا للإفادة من دروس الماضي في الزمن الراهن. من المعروف أنّ الفكر السياسيّ القديم والحديث كان لصيقا بالحراك السياسيّ والاجتماعيّ الذي حكم الكثير من توجهاته. وعندما نقرأ هذا التاريخ، سواء عبّرت عنه حركة فكرية – سياسية مثل المعتزلة، أو صدر على لسان مفكرين مثل ابن رشد أو ابن باجه أو ابن خلدون وغيرهم من أعلام الفكر السياسيّ والفلسفيّ في العالم العربي والإسلاميّ، فلا يضمر الاستحضار محاولة لإعطاء رأي في ما كان يجب أن يكون عليه الحراك ونتاجه الفكريّ. ليس من العلم اقتراح تاريخ آخر افتراضيّ ينطلق من الحاضر لإعطاء ما يشبه الدروس على ما كانت عليه هذه التجربة أو تلك. يقرأ الماضي كما يقدم نفسه عبر تفسير الأحداث وتعيين العوامل التي جعلت هذه الخيارات وليس غيرها محصلة لهذا الحراك.

إذا كان رفض اقتراح تاريخ آخر لأيّ حدث فكريّ أو سياسيّ يدخل في باب القراءة العلمية الموضوعية لقضايا تراثية متعددة لأنها انعكاس لوعي محدّد ولظروف تاريخية معينة أفرزتها، فانّ ذلك لا يمنع، بل هو يحتم التوقف أمام الدروس المستقاة من هذه التجربة أو تلك والإفادة منها في الحاضر والمستقبل. التاريخ يقدم لنا تجارب يستحيل إسقاطها على الحاضر، ولكن يمكن الاسترشاد بدروسها في تجاربنا الراهنة والمقبلة. من هنا سنقرأ تجربة المعتزلة بصفتها حركة فكرية سياسية واجتماعية ليس من أجل استعادتها في زمننا الراهن أو للقول بان أقطابها كان يجب أن يسلكوا هذا المسلك أو ذاك، بمقدار ما يمكن الإفادة منها في سياق الصراع الفكريّ السياسيّ الدائر حاليا في العالمين العربيّ والإسلاميّ بين قوى تسعى لتسليط الغيبيات والخرافة والأساطير وتسييدها على العقول، وبين قوى تسعى إلى إعطاء دور للعقل مرشدا للبشر في حياتهم العامة ووسيلة لدخول هذا العالم في العصر.

{{عصر المعتزلة السياسي والاجتماعي والديني}}

وصلت المعتزلة ذروة صعودها في عصر الدولة العباسية. لكنّ نشوءها ارتبط بالصراع على السلطة بين العشائر والقبائل الإسلامية والذي وصل أوجه في ما يعرف بزمن “الفتنة” التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والذي شكل اغتياله مؤشرا على مرحلة جديدة في الصراعات السياسية والعقائدية في المجتمعات الإسلامية حول الإمامة وشروطها والحقّ بالسلطة والمدى المعطى للخليفة في ممارسة هذه السلطة. لم تكن فرقة المعتزلة بعيدة عن هذه الخلافات، بل إن المؤرخين يعيدون تسميتها إلى الاعتزال لعدم انخراطها في الصراع بين الطرفين الرئيسيين المتصارعين من جماعة معاوية وجماعة الإمام علي بن أبي طالب.

لكن السياق الأهمّ لتطوّر المعتزلة وازدياد نفوذها يتّصل بتطوّر الدولة العباسية وامتدادها إلى مساحات شاسعة من بلدان غير عربية اللغة والتراث، والى ازدياد موارد هذه الدولة بشكل لم يسبقه مثيل في تاريخ الدولة الإسلامية، وانفتاحها على العلوم والفنون والثقافة. يضاف إلى هذه النقطة مسألة التفاوت الاجتماعي الذي نشأ خلال تلك الفترة، مقرونا بحياة من الترف والبذخ الناجم عن ازدهار اقتصادي سببه فتح المزيد من الأمصار وانضواؤها تحت سلطة الدولة العباسية. أتاح هذا التطور الاجتماعيّ والاقتصاديّ نوعا من الحراك المعترض على النتائج الاجتماعية والأخلاقية الناجمة عن هذه “الفورة” في المجتمع الإسلاميّ، وهو ما جرى التعبير الرّفضيّ عنه باحتجاجات مباشرة أو بنشوء فرق تصوف أو باندلاع سجال سياسيّ فقهيّ ودينيّ حول كل المسائل التي افرزها التطور الجديد.

شكل دخول الإسلام مناطق جديدة مثل بلاد فارس وخراسان واليمن وصولا إلى أرمينيا وما بينها دول ومجتمعات لا تتشابه مع مجتمع الجزيرة العربية الذي خرج منه الإسلام، احد أهمّ التطورات في حياة الدولة العباسية وفي الحضارة العربية والإسلامية. ادخل الإسلام دينا جديدا بمفاهيمه وثقافته وقيمه إلى هذه المجتمعات الحديثة التي قبلته والتزمته، طوعا أو قسرا، لكن الإسلام بدخوله هذه المجتمعات “تلقح” بالثقافات السائدة في تلك المجتمعات التي حورت في الدين الإسلامي قياسا على مبادئه الأولية، مما بات يصعب فيه الحديث عن إسلام الجزيرة العربية بمقدار ما بتنا أمام “إسلامات” متعددة بتعدد الأمصار الجديدة. لكن الشيء الأهمّ أنّ هذا التوسع العسكري والجغرافي ترافق مع حركة علمية شهدتها الدولة العباسية خصوصا في مجال الترجمة ونقل التراث الفلسفي اليوناني الى اللغة العربية، واقتحامه اللاهوت الإسلامي، مما جعل هذا التراث الفلسفي اليوناني جزءا لا يتجزأ من “علم الكلام” الذي ازدهر بقوة بين الفرق الإسلامية الناشئة.

تفتح هذه المسألة على الدور الذي لعبته الفرق الإسلامية في توظيف علم الكلام في الصراعات السياسية والاجتماعية القائمة عبر استخدام النص القرآني والتسلح بالفكر الديني، بحيث حولت القوى السياسية والاجتماعية المتصارعة النص الديني إلى مصدر تستخرج منه الآيات التي تبرر لها ممارساتها وتعطيها المشروعية الفقهية والدينية في وجه القوى المعادية لها. وهو استخدام سبق للأمويين أن كرسوه في الصراع مع الإمام عليّ، وتحول إلى قاعدة عامة استخدمته جميع القوى المتصارعة من دون استثناء. وهو أمر لا يزال يمسك بتلابيب حاضرنا وبشكل أشدّ سوءا مما كان عليه قبل أربعة عشر قرنا.

في هذا المناخ نشأت وتطورت المعتزلة التي اتسم فكرها بتفاعل الإسلام مع النصرانية والفلسفة اليونانية والهندية والزرادشتية. كما هي نتاج هذا الاتساع للدولة العربية في مجتمعات غير عربية بشكل رئيسي حيث ينتمي غالبية روادها إلى أصول غير عربية أساسا ومسيحية وفارسية من الذين دخلوا الدين الإسلامي سواء بالاقتناع أو بالإكراه. هكذا تكونت المعتزلة في وصفها حركة دينية – سياسية – اجتماعية كان لها باعها سلبا وإيجابا في الدولة العباسية، مما يعني أنّ قراءة المعتزلة في صعودها وهبوطها يجب يأخذ هذه العناصر مجتمعة في الاعتبار.

الأصول الخمسة للفكر المعتزليّ

تجمع الدراسات الخاصة بالمعتزلة على خمسة أصول قالت بها المعتزلة مبادئ لها وشكلت مفاتيح سجالاتها اللاهوتية والسياسية مع سائر الفرق الدينية ولا سيما منها الأشعرية. هذه الأصول هي التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تكمن وراء كل مبدأ منظومة فلسفية فكرية تدعمها نصوص دينية خصوصا من القرآن والحديث، بما يعطيها قوة مادية ومعنوية في الصراع مع الخصوم. لم يخل النقاش حول المعتزلة من تقديرات حول أيّ المبادئ يحتل الأولوية والأهمية، لكن التدقيق في الأصول الخمسة يظهر علاقة متينة بينها، واكتسب هذا المبدأ أو ذاك أهميته استنادا إلى الأحداث الجارية والحراك السياسي أو الاجتماعي الذي اتصل به نشاط المعتزلة السياسيّ والفقهيّ.

يشكل مبدأ “التوحيد” المبدأ الأوّل حيث يتحدد فيه موقف المعتزلة من الله والعالم. يرى دارسو المعتزلة انه يحتل الأولوية بالنظر إلى كونه المبدأ الأساس في عقيدة المسلمين. يعطي المعتزلة تفسيرات متميزة لمبدأ التوحيد في مسألتين، الأولى التنزيه المطلق لله والمعبر عنه بالآية :”ليس كمثله شيء”، مع ما يعنيه من تنزيه لله عن أيّ تشبيه له بالمخلوقات أو الأجسام. والثانية هي التوحيد بين الذات والصفات، استنادا لصفات وردت في القرآن بان الله عالم، كبير، قدير، سميع، خالق، بصير..

يطلق على المعتزلة تعبير “أهل العدل”، وهو المبدأ الثاني من مبادئهم، حيث يحدد العدل طبيعة الأفعال الإنسانية، ويذهبون من خلال هذا المبدأ إلى القول بأنّ الإنسان حرّ في أفعاله، وهو أمر يرون من خلاله عدل الله تجاه البشر. ينجم عن هذه المسألة أن أعمال الله كلها حسنة وهو لا يفعل الشر، حيث لا يفعل الله إلا الخير لعباده. ويترتب على مبدأ العدل عند المعتزلة القول بخلق القرآن، في وصفه كلام الله تعالى، واعتبروا القرآن حادثا ومخلوقا وليس قديما.

ينطوي المبدأ الثالث القائل بـ”المنزلة بين المنزلتين” على النظرية الأخلاقية للمعتزلة لجهة تكفير أصحاب الكبائر، فكان رفض لهذه الوجهة والقول بأنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بكافر بل في منزلة بين المنزلتين، بحيث يصبح مؤمنا إذا ما تاب، ويخلد في النار إذا استمر في ضلاله. ينسب دارسون هذا المبدأ إلى تأثير الفلسفة الرواقية على فكر المعتزلة حيث كان الرواقيون يميزون بين”قيمة الخير وقيمة الشرّ”، ويقولون إنّ هناك أشياء خيّرة وأشياء شرّيرة وأشياء بين البينين. سيكون لهذا المبدأ أهمية في زمن المعتزلة حيث سادت نظريات التكفير والهرطقة خلال الصراع السياسي ولاجتماعي واستخدام النص الديني في تكفير هذا الشخص أو ذاك. كما يكتسب أهمية في زمننا الحاضر في ظل أحكام التكفير التي تطلق من دون وازع في كل مكان من العالمين العربيّ والإسلاميّ.

يتصل المبدأ الرابع المعروف بـ”الوعد والوعيد” بموقف المعتزلة من مصير الإنسان وحسابه على أفعاله، وهو مبدأ وثيق الصلة بمبدأ العدل. يستند المبدأ على كون الله في كتابه قد وعد المؤمنين بالجنة وتوعّد الكافرين والأشرار بجهنم وبئس المصير. ستطرح هذه المسألة لاحقا قضية حرية الإنسان وإرادته في ظل نقاش حول ما إذا كانت أعمال الإنسان مخططا لها مسبقا وناجمة عن إرادة الله، أم هناك حريته وإرادته في الاختيار التي تحتم الثواب أو العقاب.

أما المبدأ الخمس والأخير فهو القائل بـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهو يعبر عن موقف المعتزلة في “الممارسة السياسية”، حيث شكل هذا المبدأ أداة استخدمتها المعتزلة في وضع مبادئها الأخلاقية والسياسية والدينية موضع التطبيق عندما شكلت حالة معينة في السلطة السياسية القائمة زمن الخليفة المأمون. كما سيظهر كم أن هذا المبدأ لا يزال يشكل خطورة في المجتمعات العربية والإسلامية لما ينطوي عليه من استخدام الطقوس الدينية أداة قمع وإرهاب للمجتمع. يعني هذا المبدأ وجوب التدخل في منع المنكر والدعوة في المقابل إلى عمل المعروف أي عمل الخير والصلاح. دار جدل ولا يزال مستمرا بقوة اليوم حول طبيعة هذا التدخل، هل يكون بالقول أي بالنصح، ام باليد، أم باستخدام القوة بأشكالها المتعددة وصولا إلى استخدام السلاح والسجون. تعتبر هذه القضية أكثر المسائل راهنية مما تركته المعتزلة في ظل انبعاث الحركات السياسية الأصولية وسعيها لوضع قوانينها وآرائها موضع التطبيق على سائر أبناء المجتمع. كما يدور سؤال حول طبيعة المسؤولية عن تطبيق المبدأ، هل يعود للأفراد أم تقوم به مؤسسات تابعة للدولة. يرجح مؤرخون أن ما دعت إليه المعتزلة في هذا الجانب لا يتعدى النصح واستخدام الكلام وليس استخدام القوة، وهي مسألة تحتاج إلى نقاش عند التدقيق في السلوك السياسي للمعتزلة تجاه من خالفهم الرأي في مسائل متعددة.

{{نظرية المعرفة والتفسير العقلاني في فكر المعتزلة}}

يتميز المعتزلة بأنهم من الفرق الإسلامية الأولى التي اعتمدت العقل أساسا لنظريتها في المعرفة الشاملة كل الجوانب من دون استثناء، بشكل برز مخالفا لما هو سائد في ذلك العصر في استخدام المفاهيم. اعتبر المعتزلة أن العقل هو الأداة المعرفية الأساسية التي يمكن لها وحدها ان تفسر الظواهر الفلسفية والدينية والاجتماعية والسياسية، لذا أولوه المقام الأول واستخدموه في نظريتهم حول الله والعالم والإنسان، بحيث شكل هذا العقل الأساس في السجال والجدل الذي انخرط فيه المعتزلة مع سائر الفرق والتيارات السائدة آنذاك.

فالعقل عند المعتزلة يمثل القوة القادرة على إرساء الأبنية الفكرية المساعدة في إدراك الحقائق الإلهية والإنسانية، وهو الأداة التي بواسطتها يمكن معالجة الظواهر والقضايا من أي نوع أتت. والإنسان بواسطة العقل يستطيع التمييز بين الخير والشر أو بين الحسن والقبيح، مما يشكل له طريقا في صواب الممارسة العملية في حياته ويجنبه الأخطاء، كما أن العقل يمكّن الإنسان من التمييز بين الحلال والحرام بما يجنبه معصية تعاليم الله، وهو يعطي الإنسان قدرة تساعده على صنع المعرفة وتوظيفها في الكشف عن الحقيقة. والعقل في هذا المجال يقدم فهما للشريعة الإسلامية بعيدة عن الخرافات والأساطير، وبما يخدم هذه الشريعة ويقربها إلى عقول الناس.

اهتم المعتزلة كثيرا في تأويل الآيات القرآنية بما ينفي دلالتها المادية الظاهرة، واخضعوا الأحاديث أيضا إلى ما يقبله العقل أو يرفضه، وقد شكل هذا التأويل العقلي أهم منجزات المعتزلة وأكثرها إثارة وجدلا دفع المعتزلة ثمنها غاليا في مراحل لاحقة، كما شكل في الآن نفسه نقطة مضيئة في تاريخ الفكر الإسلامي لا زالت تكتسب كل أهميتها في الزمن الراهن. في الإشارة إلى نفي الدلالات المادية الظاهرة عن بعض الآيات القرآنية، يشير حسين مروه في الجزء الأول من كتابه “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” بالقول :”حرّفوا الألفاظ ذات المدلول المادّيّ عن معانيها اللغوية المباشرة إلى معاني مجازية والى دلالات رمزية، فاليد هي القدرة، والاستواء على العرش هو السمو والمهابة، والأعين هي الرعاية والإرادة..”

لا ينفصل صراع المعتزلة الفكريّ عن المناخات السائدة في زمنهم حول التفاخر بالأنساب والعصبيات والأجناس، خصوصا في ظل إصرار العنصر العربيّ على استخدام نسبه وكون النبي محمد هو ابن الجزيرة العربية والقرآن قد نزل بهذه اللغة. كان هذا الصراع انعكاسا لقوى سياسية وعسكرية واقتصادية وفكرية أخذت تحتل موقعا أساسيا في الدولة العباسية، وترى في نفسها صاحبة حقوق تفوق أحيانا كثيرة ما تأخذه القوى ذات الانتماء العربي الأصيل. تستند هذه القوى إلى حضارات وثقافات كانت تراها متقدمة ومتجاوزة لما يقدمه العرب خصوصا على صعيد الفلسفة والعلوم وسائر مجالات الفكر، في وقت يغلب على الإنتاج العربي قضايا الشعر والمفاخرة أو المهاجمة. لذا اتسمت تلك المرحلة بصراع العناصر غير العربية مع العنصر العربي، وهي مرحلة ازدهرت ما دعاه العرب معركة “الحركة الشعوبية” التي عبرت عن رفض غير العرب للتمييز العنصري ضدهم. شكل استخدام العقل احد الأسلحة التي شهرتها القوى غير العربية لتمييز نفسها بالمعرفة المتجاوزة على مدركات العرب. في هذا المجال يورد نصر حامد أبو زيد في كتابه “الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة” أمثلة على هذا الصراع الفكري – الاجتماعي حيث يقول :”كانت القومية الفارسية تعتبر نفسها ندا للقومية العربية منذ آخر عهد الأمويين، مما مهد لنصرها بقيام الخلافة العباسية على أكتافها”.

هكذا مثّل الإعلاء من شأن العقل احد وسائل الدفاع الأساسية عن الإسلام في نظر المعتزلة، وقد تجلى ذلك في السجال الكبير الذي اندلع بينهم وبين الأشاعرة حول أسبقية العقل على الشرع أم العكس كما قال الاشاعرة. سيكون لاعتماد العقل ترجمته المباشرة لدى المعتزلة في نظرتهم الى الحرية والإرادة الإنسانية وقضية خلق القرآن.

{{الحرية والإرادة الإنسانية}}

اكتسبت قضية ما إذا كان الإنسان حرا في خياراته وقراراته، أم ملزما ولا إرادة له في هذه الخيارات، أهمية محورية في السجال الفلسفي واللاهوتي قبل الإسلام، وجادلت فيها الفلسفات اليونانية، كما شكلت محورا أساسيا في اللاهوت المسيحي، وهي قضية سابقة – راهنة – ومستقبلية، ولا يتوقع لها في ظل الانبعاث الأصولي في المجتمعات العربية والإسلامية أن تشهد استراحة أو انكفاء. احتدم نقاش المعتزلة مع أخصامها من “المدرسة الجبرية” حول حرية الاختيار وما يستتبعها من حرية الإرادة بالنسبة للإنسان. من البديهي أن تتخذ هذه القضية حجما مركزيا في فكر المعتزلة لأنها تشكل التطبيق الفوري للقراءة العقلانية المعتزلية للشريعة الإسلامية ولظواهر الحياة كلها. اعتمدت حجج المعتزلة على آيات وردت في النص القرآني تؤكد على حرية الإنسان في أفعاله والمسؤولية عنها، كما اعتمد المعتزلة المنطق الذي قادهم إلى اعتماد العقل مقياسا في النظر إلى الأمور.

في سعيهم لإثبات نظريتهم الخاصة بحرية الإنسان في خياراته وأفعاله، “استنطق” المعتزلة النص القرآني بصفته خير داعم لوجهة نظرهم، فاستخرجوا آيات تؤكد وجهة نظرهم. اندفع المعتزلة في عرض وجهة نظرهم حول حرية الإنسان مستندين إلى النص الديني والى منهجهم العقلاني، فشددوا على أن حرية الإنسان في تصرفاته وخياراته تحمله مسؤولية مباشرة عن النتائج التي ستترتب على أفعاله. ويربط المعتزلة هذه النظرة بمفهوم العدل الإلهي الذي يجازي على الثواب وعلى العقاب. وإذا لم يكن الإنسان حرا في خياراته، فكيف يمكن مجازاته في هذه الحالة؟ وذهبوا إلى أن الله يستحيل عليه أن يتدخل في شؤون الإنسان بشكل اعتباطي ومطلق. يأتي التشديد المعتزلي على حرية الإنسان انطلاقا من كونها اكبر دليل على دور العقل المرشد لهذا الإنسان في خياراته وأفعاله، خيرا أكانت أم شرا، ولكون هذه الحرية تحسم في العدل الإلهي لارتباطها بقضية المسؤولية عن الفعل. من جانب آخر، يعتبر المعتزلة أن خيار الإنسان وفعله يصعب أن تتحقق من دون امتلاكه القدرة، وهذه ترتبط بالحرية، كما تقترن القدرة بالإرادة والمعرفة والعلم، وهي أبعاد مرتبطة عضويا بالعقل. يؤكد الجاحظ، الذي كان احد أعلام المعتزلة، على تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحيوانية بقدرته واستطاعته على الفعل والاختيار، ويترتب على القدرة والاستطاعة وجود العقل.

جوبه المعتزلة بردود عنيفة من أصحاب المدرسة الجبرية الذين قالوا بتكفير كل من يعتبر العبد خالقا لأفعاله، وذهبوا إلى أن الإنسان يفعل الخير والشر بمشيئة الله، وان العبد لا يشاء أمرا ما لم يرده الله. من اجل إعطاء قوة لوجهة نظرهم، عمد أصحاب المدرسة الجبرية، على غرار المعتزلة، إلى “استنطاق” القرآن واستخراج الآيات الداعمة لوجهة نظرهم والمؤكدة على أن أفعال الإنسان مقررة سلفا.

لم تنحصر معركة ما إذا كان الإنسان “مسيّرا” أم “مخيّرا” على الجدل الكلامي واللاهوتي، بل دخلت هذه القضية في صميم الصراع السياسي الدائر بين السلطة، الأموية ولاحقا العباسية، وأخصامها. اعتمدت السلطة السياسية بقوة مفهوما يرى أن كل ما في الكون يخضع لمشيئة الله وإرادته، وذلك لتبرير السلطان السياسي وإعطائه مشروعية دينية انتهت إلى القول إن الخليفة يستمد سلطته من الله وانه ليس مسؤولا عن أعماله أمام المجتمع، وهي نظرية موازية لنظرية “الحق الإلهي” التي اعتمدها الباباوات في أوروبا للهيمنة على السلطة ومنع أي محاسبة على أفعالهم أمام السلطات الزمنية. لم يكن غريبا بعد ذلك أن يتخذ عدد من الخلفاء الأمويين موقفا معاديا من المفكرين الذين قالوا بحرية الإرادة الإنسانية وبمسؤولية الإنسان عن تصرفاته وأعماله. في أي حال، يستمر هذا السجال حاميا اليوم في ظل الفتاوى التي تسوّغ أفعال السلطة السياسية وترى فيها قدرا شاءه الله ليختبر عبيده، وهو تواطؤ مشترك بين المؤسسات السياسية الحاكمة والمؤسسات الدينية الرافضة الخروج من الماضي وشكلية النص.

{{قضية خلق القرآن}}

تشكل مسألة خلق القرآن التي قال بها المعتزلة اخطر القضايا المثارة في الجدل اللاهوتي الذي شهده التاريخ الإسلامي في العصرين الأموي والعباسي. بل إن هذه القضية لا تزال تحتل موقعا راهنيا في السجال حول كيفية قراءة النص الديني. أتى قول المعتزلة بان القرآن مخلوق وليس أبديا تطبيقا عمليا لاعتماد العقل في تفسير الشريعة الإسلامية، واستندوا هنا أيضا على نصوص دينية لدعم حجتهم. في هذا المجال،انطلق المعتزلة من مسألة صفات الله، فبعد أن قرروا وحدة الذات الإلهية وصفاتها، وقرروا نفي الصفات الزائدة عن الذات، تحولوا إلى النظر في ما ورد من هذه الصفات داخل النصوص الدينية عبر إخضاعها إلى التأويل العقلي.

اعتبر المعتزلة أن القرآن يحوي نصوصا متنوعة ومختلفة ومتعارضة أحيانا، ففيها من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والكلام التشريعي والكلام الإخباري والكلام الوضعي، كما يجمع بين المسائل الروحية والدنيوية في آن. إذا كان ليس جائزا تنسيب التناقض في القول إلى الله، يصبح من الضرورة إذا اللجوء إلى النظر العقلي لتفسير ما ورد في القرآن، مما ينزع عنه الأبدية أو عدم الاجتهاد في نصوصه، لان “كلام الله محدث ومخلوق في محل، كما هو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه”، كما يشير المعتزلة إلى ذلك. . يذهب القاضي عبد الجبار احد ابرز أركان المعتزلة في شرحه مبررات القول بخلق القرآن إلى القول:”إن القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق محدث، انزله الله على نبيه ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منا بذلك الحمد والشكر والتحميد والتقديس..القرآن يتقدم بعضه على بعض، وما هذا سبيله لا يجوز أن يكون قديما، اذ القديم هو ما لا يتقدمه غيره… وآخر، ونصف وربع، وسدس وسبع، وما يكون بهذا الوصف، كيف يجوز أن يكون قديما؟”.

لم يكتف المعتزلة يتجاوز المألوف في الجدل اللاهوتي بقولهم بخلق القرآن، بل تجاوزوا ذلك إلى نفي صفة الإعجاز عنه، وهو ما نظر إليه في وصفه مساّ بمقدسات أجمع عليها المسلمون، وكانت مصدر فخرهم وتميزهم بأنّ كتابهم العظيم يصعب الإتيان به من حيث النظم والبلاغة والفصاحة. في هذا المجال، كما في خلق القرآن، كان المعتزلة منطقيّين مع أنفسهم وأمناء لمنهجهم العقلاني في النظر إلى الأمور وعلى الأخصّ منها النص الديني، برفض كل ما لا يقبله العقل مهما أهدلت عليه صفات القدسية.

شكلت قضية خلق القرآن عند المعتزلة جوهر نظريتهم في اللاهوت الإسلامي وفي الجدال الذي انخرطوا فيه او فرض عليهم. لم يختلفوا عن اخصامهم في اعتماد تكفير من خالفهم الرأي في هذا المجال، وستتخذ هذه المسألة حجما كبيرا عندما ستفرض عقيدة على الدولة الإسلامية في عهد الخليفة المأمون. لكن المعتزلة ستؤسس في قضية خلق القرآن لوجهة “ثورية”، إذا أردنا استخدام مصطلحات حديثة، في قراءة النص الديني الإسلامي، تشكل اليوم محورا مركزيا في الصراع السياسي على الإسلام وعلى كيفية توظيفه بما يخدم التقدم والتطور أو بما يكرس التخلف والتطرف والإرهاب. تسود اليوم وجهتا نظر مركزيتين في قراءة النص الديني، واحدة ترى فيه نصا صالحا لكل زمان ومكان ولا يجوز الاجتهاد فيه، وأخرى ترى فيه نصا تاريخيا له زمان هو تاريخ الدعوة الإسلامية، كما له مكان هو الجزيرة العربية، وان قراءته يجب أن تعتمد زمان نزول آياته ومكانه وسبب هذا النزول والحاجة التي أتت لتلبيتها، وهي قراءة ترفض التسليم بالمعنى الحرفي الظاهري للآيات. ليست الخلافات شكلية بمقدار ما يترتب عليها من ممارسات خطيرة.

فالنص القرآني، على سبيل المثال، يحوي آيات تبرر العنف ضد غير المسلمين وتضعهم في خانة الكفار الذين تجب محاربتهم، وهي آيات معروف تاريخ نزولها وارتباطه بالصراع الذي كان دائرا زمن الرسول من اجل نشر الدعوة الإسلامية خارج الجزيرة العربية. تشكل هذه الآيات اليوم احد المفاهيم الأساسية التي تقول بها الحركات الإسلامية المتطرفة والمعتمدة العنف أسلوبا في عملها. ترمي هذه الحركات في وجه منتقديها حجة مفادها أنها تعتمد القرآن مرجعها وأنها تنفذ ما أتى به في صراعها مع “الكفار”، وهو أمر نطقت به “القاعدة” وقارعت المؤسسة الدينية التي واجهتها بإيراد آيات التسامح والرحمة ورفض العنف. طالما أن المؤسسة الدينية تعتبر أن النص القرآني صالح لكل زمان ومكان، وانه يجب الأخذ به في كليته أو رفض الاجتهاد في بعض آياته وقراءتها قراءة تاريخية، فان حجة الحركات المتطرفة ذات المنحى الإرهابي ستظل أقوى لجهة مرجعية القرآن في كل ما تقوم به. من هنا القول إن مسألة خلق القرآن مسألة راهنية بامتياز وفي صلب معركة العالم الإسلامي في محاربة استخدام النص الديني لأهداف سياسية لا تعود على المسلمين سوى بأضرار صافية.

{{المعتزلة في قلب الحياة السياسية}}

كانت المعتزلة من الفرق السياسية- الدينية التي أتيح لها أن تضع مقولاتها في حيز التطبيق من خلال موقعها في الحياة السياسية في عهد الخليفة العباسي المأمون. من المعروف تاريخيا ان المأمون كان معجبا بأفكار المعتزلة وخصوصا منها قضية خلق القرآن، فأدخلهم في السلطة الى جانبه واعتمد عليهم في وصفهم “مثقفوه ومؤدلجوه”. كثيرة هي الأخبار والأحاديث عن كيفية استخدام المعتزلة لسلطتهم، او بالأحرى لكيفية توظيف الخليفة المأمون لهذه الفرقة في تكريس سلطته وإعطائها بعد دينيا وفلسفيا مختلفا عما سار عليه سابقوه من الخلفاء.

سبق للمعتزلة أن اعتمدوا في أصولهم الفلسفية مبدأ “المنزلة بين المنزلتين” بما يتيح حلولا وسطية لمرتكب الكبيرة، وبما يمنع أيضا تكفير صاحب الرأي المختلف. وقد اعتبر هذا المبدأ من المبادئ المرتبطة بحرية وخيارات الإنسان حتى في التزامه العقدي والديني، استنادا إلى الآية القائلة “لا إكراه في الدين”. مارس المعتزلة سلوكا مناقضا لما قالوا به في هذا المجال فاعتمدوا سيف الخليفة في فرض آرائهم وحكموا باضطهاد كل من لا يقول قولهم في خلق القرآن. ارتكبوا الكثير من الجرائم في حق أخصامهم، وكرسوا قاعدة إخضاع الفقهاء والعلماء إلى امتحان حول النوايا الإيمانية لهم وأجبروهم تحت سلطة التعذيب والاضطهاد على القول بما تقول به المعتزلة. وذهب الخليفة المأمون في حرمان كل من لا يقول بخلق القرآن من تولي أي وظيفة من وظائف الدولة، بل وحرمانه من قبول شهادته. تحول مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” إلى حجة باتت معها قوى النظام السائد شرطة تلاحق من لا يعترف بما تقوله المعتزلة وتزج بهم في غياهب السجون، هذا إذا لم يكن مصيرهم الموت. تشكل محنة ابن حنبل صورة سيئة عن ممارسات المعتزلة تجاه من يخالفها الرأي. أسس المعتزلة بسلوكهم القمعي أحقادا وعداوات سرعان ما ارتدت عليهم بعد وفاة المأمون ومجيء الخليفة المتوكل الذي لم يكن يوافقهم الرأي في الكثير من أفكارهم ولا سيما منها خلق القرآن. فعانوا من اضطهاد المتوكل ومن خصومهم وأحرقت كتبهم وجرى التنكيل بزعمائهم. وجرت عملية طمس لفكرهم امتد قرونا طويلة في ظل سياسة متواصلة لإخفاء وأفكارهم ومنع تداولها.

أثارت ممارسات المعتزلة الاستبدادية أسئلة لا تزال تكتسب كل راهنيتها اليوم. السؤال الأول يتصل بما إذا كان المعتزلة قد مارسوا السلطة بأنفسهم ووفق خياراتهم السياسية والفكرية، أم كانوا أداة وظفها الخليفة العباسي في حكمه؟ يصعب القول باستقلالية للمعتزلة بمقدار ما يجنح الافتراض بأنهم كانوا أدوات أغرتهم السلطة ومكاسبها وهيبتها فانخرطوا في ممارسات متناقضة مع المبادئ التي قالوا بها. السؤال الثاني يذهب به البعض بعيدا انطلاقا من إسقاطات فكرية حديثة على عهد المعتزلة، حيث ينسبون إلى المعتزلة ابتعادهم عن “الديمقراطية” في التعاطي مع الآخر المختلف معهم وقبول رأيه كما هو انطلاقا من نظرية “المنزلة بين المنزلتين” والنص على أن “لا إكراه في الدين”. من الظلم ومجافاة العلم أن نحاكم المعتزلة على مدى “ممارستهم الديمقراطية” متجاهلين طبيعة البنى القبلية والعشائرية التي كانت تسوس المجتمعات بتقاليدها وأفكارها، وكذلك من غياب مفاهيم سياسية هي ابنة التطور الحضاري اللاحق خصوصا في أوروبا.

{{خاتمة – المعتزلة بين الماضي والحاضر}}

بعد هزيمة المعتزلة وما رافقها من تنكيل بأقطابها، دخل الفكر العربي والإسلامي في عصر من الجمود والحرب على العقلانية وصل إلى الحجر على الاجتهاد. دخلت مفاهيم المعتزلة ومبادئها في ما يطلق عليه محمد أركون “غير المسموح التفكير فيه، أو المستحيل التفكير فيه”. منذ دخول المجتمعات العربية في ما يسمى عصور الانحطاط السياسي والاجتماعي، ازدهرت السلفية مجددا في مجال التشريع الإسلامي وساد مبدأ “لا اجتهاد في النص”، بما أنتج لنا علوما في الفقه أغلقت كل باب في التفسير غير المتوافق معها، واعتبرت مذاهب الفقهاء آخر ما أنتجه العقل الإسلامي. لا تقرأ سيادة الانغلاق التشريعي والديني بمعزل عن الهزائم السياسية والاجتماعية والفكرية التي أصابت الدولة الإسلامية العربية بعد تفكك دولة العباسيين، حيث يؤشر هذا الانهيار إلى مرحلة عصور الانحطاط التي لا تزال تجرجر أذيالها حتى اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية.