
بعد أن أفقنا من صولة المشاعر ودهشة المفاجآت، ها نحن نفتح ملفّا للتّفكير فيما يجري في العالم العربيّ، ولسان حالنا يردّد عبارة ابن خلدون : "… وكأنّه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث" نراه في فاتحة العقد الثّاني من هذا القرن. ما الذي حدث ويمكن أن يحدث في عالمنا العربيّ بعد أن اهتزّ عرش النّظام الاستبداديّ الفاسد بتونس بسرعة مباغتة لا نظير لها، ثمّ تلاه عرش مصر، ثمّ تلاه عرش ليبيا على نحو دمويّ مأساويّ، إضافةّ إلى أصقاع أخرى تنتفض فيها الآلاف وتردّد شعارات عن "إرادة الشّعب"؟
كيف نترجم هذه اللغة العاطفيّة التي صدّرنا بها هذا الملف إلى لغة تكشف عن طبيعة هذه القطيعة الاستراتيجيّة الكبرى، بعد أن عجزت مراكز الأبحاث وعجزت الحكومات والخبراء عن التّنبّؤ بها؟
عصر التحرّر من الاستعمار، ثمّ عصر القوميّات والمطالب الهوويّة كانت الغيريّة مركزهما : كان تحرّرا من الآخر المستعمر أو المهيمن. فهل بدأنا عصر تحرّر من نوع آخر، غير إيديولوجيّ، هو تحرّر الذّوات من عبوديّتها المختارة لطغاتها، عندما يتبيّن للجماهير فجأة أنّ "الطّغاة ليسوا عظماء إلاّ لأنّنا سجود أمامهم"؟
من هم الفاعلون في هذه الثّورات وما دور الوسائط الحديثة فيها؟ هل هم "شباب الفايسبوك" كما يتردّد؟ وما نصيب التّراكمات النّضاليّة للأجيال السّابقة فيها؟ وكيف شقّت الجماعات طريقها إلى السّاحة العموميّة من دون حركات الإسلام السّياسيّ التي طالما كانت شبحا مخيّما على المنطقة؟ كيف شقّت طريقها خارج ثنائيّة "العلمانيّة" و"الإسلام هو الحلّ"؟ وما دور العوامل الطّبقيّة أو الطّائفيّة أو القبليّة في كلّ سياق محلّيّ؟
يتردّد القول أيضا بأنّها ثورات بلا زعامات سياسيّة أو حزبيّة. من البطل في هذه الثّورات؟ "الشباب"، أم "الشّهداء"، أم "الشّعب"؟ وما نصيب التّراجيديّ والبطوليّ في سرديّاتها ورمزيّاتها؟ أي فنتازمات وأيّة دوالّ كبرى أخرجت الجماعات من سباتها؟ "القهر"، "النّار" التي احترق بها شبّان يائسون في كافّة أرجاء المنطقة؟ "النّار ولا العار"؟
وهل يوجد بلد عربيّ يمكن أن يعدّ "استثناء" داخل هذه العاصفة الكبرى، سواء كان نظام حكمه جمهوريّا أم ملكيّا؟
ما الذي يميّز بين مختلف هذه الانتفاضات والثّورات وبين "ما بعد" كلّ منها؟ ما هي شروط تحوّل الانتفاضة إلى ثورة تشمل كلّ البنى القائمة؟ وما هي سيناريوهات الثّورة المضادّة في كلّ منها؟ ما عوامل الغدر بها : دواليب العهد القديم وفاعلوه، أم قوى الثّبوت الاقتصاديّ المحلّي والعالميّ؟ وأيّ استبداد جديد يمكن أن ينتجه العنف الثّوريّ وإن كان الطّابع الغالب في الثّورتين الأوليين هو المدنيّ السّلميّ؟
وما إمكانيّات وشروط "العدالة الانتقاليّة" في البلدان التي تحقّق فيها تغيير الأنظمة السّياسيّة : واجب المحاسبة وفتح الملفّات، وتعويض الضّحايا، وواجب الاعتراف والاعتذار، والصّفح؟ وهل المجتمعات المدنيّة مستعدّة بما فيه الكفاية للدّخول في مرحلة "العدالة الانتقاليّة"؟ ما شروط طيّ الصّفحة وما شروط واجب الذّاكرة، لكلّ انتهاكات مارستها حكومات زاوجت على نحو غير مسبوق بين الفساد والاستبداد، ولكلّ زلاّت أخلاقيّة وقع فيها إعلاميّون ومثقّفون فضّلوا تزييف الحقائق والتّمويه على الاستقلاليّة والنّقد؟
وما دور الإعلام في تغطية هذه الثورات والانتفاضات، ما دوره في الصّمت عن بعضها وتغطية بعضها الآخر؟
ملفّ نفتحه للتّفكير المتأنّي بعد الدّهشة، وللمساهمة في محاولات النّقد والبناء هنا وهناك بعد زعزعة أنظمة كانت تكتم الأنفاس، وتهدّد الفكر النّقديّ في وجوده.