
ثم درس بعدئذ امتدادات الحركات الأصولية في أوروبا ذاتها وفي فرنسا تحديدا. وكان أن صدر كتابه المعروف: “ضواحي الإسلام، ولادة دين جديد في فرنسا” (هو الإسلام بالطبع). ومعلوم أن ضواحي المدن الكبرى كباريس، وليون، ومرسيليا، وسواها تحتوي على جاليات عربية وإسلامية ضخمة. وهي جاليات استقرت في فرنسا نهائيا ولم تعد إلى بلدانها الأصلية في الجزائر، أو المغرب، أو تونس، الخ. ولهذا السبب أصبح الإسلام الدين الثاني في فرنسا بعد المسيحية في نسختها الكاثوليكية (خمسة مليون نسمة وربما أكثر، البعض يقول ستة مليون). ومؤخرا حصلت انفجارات كبيرة في هذه الضواحي بسبب المشاكل الاجتماعية والفقر والبطالة الزائدة عن الحد.
ثم أصدر جيل كيبيل عام 2000 كتابه الكبير: “الجهاد: توسع الأصولية الإسلامية وأفولها وانحدارها”. وقد ترجم مباشرة إلى الانجليزية ولغات أخرى.
ويمكن اعتبار الكتاب الجديد الذي صدر قبل فترة في باريس بمثابة امتداد للكتاب السابق وتجاوز له. فالرجل يعمّق معرفته بالحركات الأصولية أكثر فأكثر بحكم الزمن والتخصص الزائد عن الحد والسفر إلى البلدان العربية باستمرار. ثم بحكم إشرافه على أطروحات الطلاب العرب للدكتوراه في معهد العلوم السياسية في باريس. ومعلوم أن كيبيل هو أستاذ فيه، ويشرف بالتحديد على قسم الشرق الأوسط والدراسات العربية والإسلامية.
عنوان الكتاب هو التالي: فتنة.حرب في قلب الإسلام.منشورات غاليمار. باريس.
Gilles kepel. Fitna. Guerre au coeur de l’islam. Gallimard. Paris
لا ريب في أن كتاب كيبيل هذا يشكل حدثا فكريا مهما وقد أشاد به الكثيرون في وسائل الإعلام وعلى شاشات التلفزيون، وسوف يقرؤه رجال السياسة والمثقفون وأصحاب القرار بعناية بالغة نظرا لخطورة الموضوع وحساسيته في الظرف الراهن. فهو موضوع الساعة ويشغل العالم كله: نقصد موضوع الإسلام والغرب، وصراع الحضارات أو قضايا الإرهاب، أو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو المحافظين الجدد، أو محاولة إسرائيل الهيمنة على المنطقة بالقوة المسلحة والبطش، أو مصير العراق، أو مصير بن لادن والقاعدة، ثم مصير العلاقات الأمريكية-السعودية التي تعرضت إلى اهتزاز خطير بعد 11 سبتمبر.
كل هذه الموضوعات يتناولها جيل كيبيل دفعة واحدة ويربطها ببعضها البعض لأنه لا يمكن أن تفهم إحداها بدون فهم العوامل الأخرى أيضا.
يقول جيل كيبيل موضحا أطروحته الكبرى في هذا الكتاب: إن تاريخ المجتمعات الإسلامية على مدار الأربعة عشر قرنا الماضية هو عبارة عن صراع بين قطبين متضادين: قطب الجهاد، وقطب الفتنة. وهذه المجتمعات كانت تتأرجح دائما بينهما.
بالطبع فإن مفهوم الجهاد يعتبر إيجابيا من منظور الثقافة الإسلامية التقليدية. فهو يدلّ على الجهد الذي ينبغي أن يبذله كل مؤمن بالإسلام من أجل توسيع نطاق هذا الدين لكي يشمل البشرية جمعاء يوما ما ويخضعها للقوانين الأبدية للقرآن إذا أمكن. فالانتشار الواسع للإسلام سابقا تم عن طريق السيف والإقناع في آن معا. ولكن لا تزال أربعة أخماس البشرية خارج هذا الدين. وبالتالي فينبغي أن نبذل جهودا مضاعفة لكي تقبل باعتناقه عاجلا أو آجلا.
فهو وحده الدين الحق في نظر الأصوليين وكل ما عداه باطل. كل الاديان الأخرى لا معنى لها لأنها محرفة أو ناقصة أو خاطئة الخ..
وأما المفهوم الثاني، أي مفهوم الفتنة، فهو يدل على العصيان أو التمرد الذي قد يحدث في قلب الإسلام، أو داخل الإسلام. وبالتالي فهو سلبي بالضرورة لأنه قد يؤدي إذا ما استفحل إلى انشقاق المسلمين ودخولهم في حرب أهلية ضد بعضهم البعض، وربما دمارهم في نهاية المطاف.
ثم يردف جيل كيبيل قائلا: ولذلك فإن العلماء أي الفقهاء الكبار، كانوا دائما يخشون الفتنة، وقد حذروا منها أكثر من مرة. ومعلوم أنها حصلت سابقا بين علي ومعاوية وأدت إلى انشقاق الإسلام إلى قسمين كبيرين:سنّي وشيعي بل وحتى خارجي. ولكن الإسلام يواجه الآن فتنة لا تقل خطورة عن تلك التي واجهها في بداياته. ومن الذي زرع بذورها أو سبّبها؟ الحركات الأصولية الراديكالية التي أرادت توريط المسلمين كلهم في حرب شاملة مع الغرب من خلال ضربة 11 سبتمبر، و11 مارس في مدريد وضربة لندن وتفجيرات أخرى عديدة حصلت أو قد تحصل.
ويرى كيبيل، وهنا تكمن أطروحته الثانية في هذا الكتاب، أن بن لادن والظواهري والزرقاوي وغيرهم شعروا بالألم والخيبة لأن الجهاد ضد العدو الأقرب، أي الحكّام العرب، لم يؤت ثماره ولم يحقق النتائج المرجوة منه.
فقد كان من المتوقع أن يسقط نظام حسني مبارك الذي تعرض لضربات موجعة في التسعينات على يد جماعة الجهاد بل وحاولوا اغتياله في إثيوبيا ولكنهم فشلوا في نهاية المطاف وبقي النظام صامدا. كما وفشل الجهاديون المتطرفون في إسقاط النظام الجزائري أو السوري أو التونسي، الخ. لقد فشلوا في تجييش الجماهير العربية والإسلامية وراءهم بالشكل الكافي.
ولذلك قرروا أن يضربوا ضربة كبرى في الخارج، ضربة موجهة ضد العدو الأبعد أي الولايات المتحدة الأميركية. فكانت كارثة 11 سبتمبر. وقد جاءت بعد فشل أوسلو وبدء العمليات الانتحارية لحماس والجهاد ضد المدنيين داخل المدن الإسرائيلية.
ولذلك فيمكن اعتبارها بمثابة امتداد لها، ولكن على نطاق أوسع بكثير بالطبع. وبما أن العالم العربي كان هائجا ضد إسرائيل بسبب الأعمال الوحشية التي ارتكبها شارون لقمع الانتفاضة الثانية فإن بن لادن اعتقد أن ضربة 11 سبتمبر سوف تحقق له أمنيته ألا وهي جمع المسلمين كلهم حوله لخوض المعركة الفاصلة ضد أمريكا والغرب بشكل عام.
ويقول كيبيل بأن المنظّر الأساسي للقاعدة ليس بن لادن وإنما أيمن الظواهري الأقوى منه فكرا وعلما. ومصطلحا العدو الأقرب والعدو الأبعد هما من اختراعه. وقد وردا في كتابه: “فرسان تحت راية النبي”.
ولكن المشكلة هي أن ضربة 11 سبتمبر ثم 11 مارس في مدريد ثم ضربة لندن الموجعة شقت المسلمين إلى قسمين: قسم مع بن لادن والمتطرفين الراديكاليين، وقسم وسطي عقلاني يستمع إلى آراء الشيخ يوسف القرضاوي نجم الجزيرة وكذلك إلى شيخ الأزهر وبقية الفقهاء الكبار في العالم العربي والإسلامي. وهذا القسم الأخير غير راض عن هذه العمليات الخارجية بل وأدانها بكل صراحة ووضوح.
وهذه هي الفتنة بعينها. والمسؤول عنها هو بن لادن لأنه ورّط المسلمين في حرب مع العالم كله وليس فقط مع أميركا. ولكن المشكلة هي أن الأصوليين الراديكاليين لا يفكرون مثلنا، يقول جيل كيبيل، وإنما هم أشخاص مستلبون عقليا ويعتقدون فعلا بأن الإسلام سوف يفتح أوروبا كلها وكذلك أميركا. وسوف ترتفع رايته فوق الإليزيه و داوننغ ستريت، والبيت الأبيض! بل وسوف يكتسح روسيا والهند والصين يوما ما…
وبالتالي فهم أشخاص مغامرون لا يقدرون حجم المخاطر التي يعرّضون أنفسهم والمسلمين لها. ولذلك فإن علماء المسلمين كشيخ الأزهر وسواه أدانوا بكل وضوح ضربة 11 سبتمبر وما تلاها.
ونلاحظ أن المؤلف يلقي بمسؤولية الأوضاع المتفجرة الراهنة على الأصوليين الراديكاليين وعلى المحافظين الجدد في آن معا. فأميركا تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية لأنها أوعزت لشارون بتدمير أوسلو وورطت عرفات في الانتفاضة على غير وعي منه.
والمقصود بذلك أن المحافظين الجدد وعلى رأسهم ريتشارد بيرل احتقروا بيريز وحزب العمال الإسرائيلي الذي كان مؤيدا لأوسلو وشجعوا الليكود والمتطرفين الإسرائيليين على ضرب العملية قائلين: ينبغي أن يكون الشعار ليس الأرض مقابل السلام وإنما السلام مقابل السلام!
ولذلك أوعزوا لشارون بأن يقوم بزيارته التحريضية للمسجد الأقصى لكي يقوم عرفات برد فعل عنيف ويتورط في الانتفاضة المسلحة. وعندئذ يتهمونه بأنه ازدواجي الوجه وليس رجل سلام. وهذا ما كان. وبالتالي فإن عرفات وقع في فخ منصوب له من قبل المحافظين الجدد وشارون عندما اعتقد بأن عمليات “التنظيم” المسلحة ولكن المتدرجة والمدروسة والمضبوطة سوف تقوي من مواقعه في المفاوضات مع إسرائيل. وقد اضطر عرفات إلى اتخاذ هذا الموقف المتشدد والابتعاد عن روح أوسلو خوفا من حماس التي ابتدأت تتهمه بالخيانة. ولذلك أيّد العمليات التي تقوم بها الانتفاضة. ولكنه في ذات الوقت أصبح ظهره مكشوفا للإسرائيليين والأميركيين الذين راحوا يشوهون صورته في الأوساط الدولية باعتباره رجل عنف وإرهاب لا رجل سلام كما حاول أن يظهر نفسه ويلمّع صورته في الغرب بعد أوسلو.
وهكذا استطاع الإسرائيليون محاصرته وعزله في رام الله بعد أن كان يسافر كثيرا إلى الخارج بل ويستقبل في عواصم الغرب كرؤساء الدول! والواقع أن ياسر عرفات وجد نفسه بين نارين: نار حماس، ونار إسرائيل وأميركا ولم يعد يعرف ماذا يعمل.
ثم يكرس جيل كيبيل فصلا كبيرا للجزيرة العربية أو بالأحرى للمملكة العربية السعودية تحت عنوان: “السعودية في عين الإعصار”. وفيه يقول بما معناه: في الأيام القليلة التي تلت 11 سبتمبر وعندما اكتشف العالم كله أن 15 إرهابيا من أصل 19 كانوا ذوي جنسية سعودية حصل شيء غريب لم يسمع به أحد. فقد تم ترحيل مائة وأربعين شخصا ينتمون إلى آل سعود وآل بن لادن من أميركا إلى السعودية فورا وتحت جنح الظلام. وقد قامت طائرات خاصة بترحيلهم في وقت كان الفضاء الجوي الأميركي مغلقا تماما أمام كل الطائرات الأخرى.
وبعد سنتين من هذه الحادثة غضبت الصحافة الأميركية غضبا شديدا عندما علمت بالأمر وتساءلت لماذا حظي هؤلاء بكل هذه المعاملة الخاصة ولم يقم أحد بتفتيشهم أو استجوابهم؟
ألم تكن الأمة كلها في حالة حداد بسبب السعوديين بالذات؟ ثم ظهر تقرير الكونغرس عن 11 سبتمبر بعد سنتين من الحادثة وفيه 28 صفحة بيضاء ومصنفة بأنها ذات سرية مطلقة. لماذا؟ الإشاعات تقول لأنها تثبت تورط السعودية في العملية. وبالتالي فنشرها قد يؤدي إلى ضرب العلاقات الأميركية-السعودية. وهي من أقوى العلاقات في المنطقة منذ أكثر من خمسين عاما. وبالتالي فلا يمكن المخاطرة بها أو تهديدها لأن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والبترولية المترتبة عليها ضخمة، بل وأكثر من ضخمة.
ثم يردف جيل كيبيل قائلا: عندما سمع بندر بن سلطان سفير السعودية في واشنطن بهذه الإشاعات جنّ جنونه وطلب أن تنشر هذه الصفحات السرية لكي يعرف كيف ينظّم دفاعه. ولكن الرئيس بوش رفض ذلك. ومعلوم أن بندر بن سلطان هو عميد السلك الدبلوماسي في واشنطن لأنه يحتل منصبه منذ سنوات طويلة وذلك قبل أن يتركه مؤخرا.
كما أنه صديق شخصي للرئيس بوش الأب وزميل له في رحلات الصيد والقنص. وبالتالي فالعلاقات المالية والشخصية والبترولية بين آل بوش وآل سعود لم تعد سرا على أحد.
ثم يردف جيل كيبيل قائلا:
مهما يكن من أمر فإن ضربة 11 سبتمبر ألقت أضواء ساطعة على العلاقات الغريبة الشكل بين السعودية والولايات المتحدة. وهي علاقات تبدو عقلانية وغير عقلانية، أو غير منطقية، في آن معا.
فما العلاقة بين بلد منغلق كليا بل وقروسطي كالسعودية، وبلد منفتح وديمقراطي كأميركا؟ وكيف حصلت قصة الحب هذه التي تتجاوز كل عقل أو منطق؟
على هذا السؤال يجيب كيبيل قائلا: ينبغي العلم بأن هذه العلاقات كانت قد عُقدت عراها بين الرئيس فرانكلين روزفيلت والملك عبد العزيز بن سعود يوم 14 فبراير من عام 1945، وذلك على ظهر السفينة الحربية الأمريكية “كوانسي” الراسية في البحر الأحمر.
وعندئذ أعطى عبد العزيز للشركات الأمريكية صلاحيات استثمار النفط السعودي، مقابل حماية أميركا للمملكة من أي تهديد خارجي. وعندئذ أيضا حلّت أمريكا محل بريطانيا كعرّاب للسعودية. وبالتالي فهو زواج عقل ومصلحة لا زواج عاطفة أو حب. ولكنه استطاع أن يستمر منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، أو بالأحرى حتى 11 سبتمبر. فالواقع أنه بعد هذه الضربة لم تعد القلوب صافية لبعضها البعض على الرغم من كل المظاهر السطحية والمجاملات.
وقد كان متوقعا أن تنفجر هذه العلاقة المضادة للمنطق والعقل لسببين أساسيين: الأول هو سيطرة الوهابية الصارمة على السعودية، والثاني هو دعم امريكا لإسرائيل بشكل غير مشروط. والمعجزة الحقيقية هو أن السياسة الخارجية الأمريكية استطاعت المحافظة على علاقاتها الخاصة بالسعودية وإسرائيل في آن معا وعلى مدار خمسين سنة تقريبا! لقد جمعت بين الماء والنار في يد واحدة.
بالطبع فقد حصلت هزّات خطيرة خلال هذه السنوات الطويلة ولكن في كل مرة كان رجال الإطفاء في كلتا الجهتين يقومون بتهدئة الخواطر وإطفاء الحرائق، فالمصالح ضخمة ولا يمكن التضحية بها. أما بعد 11 سبتمبر فلم يعد ذلك ممكنا. لم يعد ممكنا أن تحافظ أميركا على البترول وإسرائيل في آن معا. وينبغي عليها أن تختار. وقد اختارت إسرائيل بإيعاز من المحافظين الجدد الذين هم في معظمهم يهود. ولذلك حصل غزو العراق من أجل الاستغناء عن نفط السعودية إلى أقصى حد ممكن.
ولكن الأمور لم تصل إلى مثل هذا الحد من التطرف والقطيعة. فعلاقة الصداقة – ظاهريا على الأقل – لا تزال مستمرة بين البلدين، والنفط السعودي لم ينقطع عن أميركا. ولكن إلى أي مدى ستظل أميركا قادرة على الجمع بين طرفي هذه المعادلة المستحيلة: نفط السعودية ودعم إسرائيل؟
ثم يدخل جيل كيبيل بعدئذ في تحليلات مطولة عن الواقع الداخلي في المملكة العربية السعودية ويقول بما معناه: على مدار نصف القرن الماضي تجمعت ثروات هائلة بفضل التعاون بين الشركات الأميركية والعائلة السعودية. فالأمراء هم وحدهم الذين يحق لهم أن يأخذوا حصتهم من مال البترول حتى قبل أن يتحول إلى ميزانية الدولة. وهذه الثروة الطائلة التي يصادرها الأمراء لا تظهر في الإحصائيات أبدا. ويقدر الخبراء حجمها بـ5% من عائدات النفط. وكلها تذهب مباشرة إلى جيوبهم بحسب قيمتهم أو كبرهم وصغرهم.
لكي يأخذ القارئ فكرة عن حجم هذه الثروة التي تحظى بها العائلة المالكة من بين كل سكان المملكة يكفي أن نقول ما يلي: في عام 2003 كانت السعودية تنتج يوميا 660 88 مليون برميل من النفط. وكان سعر البرميل 27,39 دولار أميركي. أما الآن فقد تجاوز الـ42 دولار أميركي (عند نشر الكتاب).
يضاف إلى ذلك أن العلاقات بين شركات صناعة الأسلحة وشركات الأشغال العامة الأميركية من جهة والحكومة والشركات السعودية من جهة أخرى وثيقة جدا. والمملكة تشتري الأسلحة الأميركية عن طريق صفقات ضخمة تتجاوز العديد من المليارات. والأمراء يأخذون عمولة أو نسبة معينة على هذه الصفقات. وبالتالي فغناهم فاحش بالقياس إلى بقية أبناء الشعب. وقد وصلت العلاقة بين البلدين إلى درجة من الثقة والقوة بحيث أن الحكومة الأميركية سمحت بفتح مراكز لتدريب المجاهدين على أراضيها في الثمانينات من أجل الحرب في أفغانستان. فالتحالف كان وثيقا آنذاك بين الطرفين من أجل دحر الشيوعية. وما كانت أميركا تعلم آنئذ بأن هؤلاء الجهاديين سوف يرتدون عليها يوما ما ويصيبونها بأكبر ضربة تلقتها على مدار تاريخها كله.
ولهذا السبب فإن مرارتها تجاه السعودية كانت ضخمة بعد أن اكتشفت أن أغلبية الانتحاريين الذين دمروا مركز التجارة العالمي في نيويورك وجزءًا من البنتاغون كانوا سعوديين! وفي البداية ذهل المسؤولون الأميركان وما كادوا يصدقون.
ثم اكتشفوا الحقيقة المرّة بعدئذ وعندئذ قرروا تغيير سياستهم جذريا. ولكن بوش خشي أن يؤدي ضغطه المتزايد على النظام السعودي إلى انهياره وحلول جماعة بن لادن محله. ولذلك اضطر إلى مجاملته بل ودعمه غصبا عنه! ولكن ما الذي سيفعله المحافظون الجدد بعد أن يفرغوا من حرب العراق؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح نفسه. فالبعض يقولون بأنهم سوف يهتمون بإيران، والبعض الآخر يقول بالسعودية، وربما اهتموا بالاثنين معا.
ثم يردف جيل كيبيل قائلا بما معناه:
وهناك نقطة لا يمكن أن تساوم عليها أميركا ألا وهي تغيير برامج التعليم في السعودية بشكل خاص وبقية المنطقة العربية بشكل عام. ولذلك فإن الوهابية أصبحت العدو اللدود للغرب. والوهابية مذهب متشدد، صارم، لا يرحم. ومحمد بن عبد الوهاب الذي مات عام 1792 كان يبلور هذا المذهب في الوقت الذي كانت فيه أوروبا وأميركا تشهدان التنوير والثورة الفرنسية وكذلك الثورة الأميركية وحقوق الإنسان وكل الحريات الديمقراطية.
ويمكن القول بأن العقيدة الوهابية هي المضاد المطلق لكل ذلك أي لكل القيم الأوروبية. بهذا المعنى فإنه توجد بالفعل حرب حضارات بين الوهابية والتنوير الغربي. إنهما شيئان متناقضان لا يلتقيان بأي شكل.
فالوهابية هي أم السلفية في العالم العربي. والسلفية هي التي أنتجت بن لادن وسواه، ومنظرها الأكبر في القرون الوسطى هو أحمد بن تيمية (1263-1328). وهو أكثر فقهاء الإسلام تشددا. وهو القائد الروحي لكل الحركات الأصولية الحالية، وهيبته في السعودية لا تناقش ولا تمس.
وهو يقول بضرورة التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية في الحياة اليومية. وبالتالي فالمطاوعة أو البوليس الديني الذي يخنق الأنفاس في السعودية هم أحفاده المباشرون بشكل من الأشكال. وبالنسبة لهم فالعقل ملغى أمام النص أو التفسير الحرفي للنص. والإنسان يخضع للنص، أي نص القرآن والحديث أو حتى نص ابن تيمية دون أي مناقشة. وبالتالي فالوهابيون لا يعترفون بالتفكير المستقل للإنسان ولا بالدراسة النقدية للنصوص والعقائد. إنهم يقومون بتطبيق آلي أو ميكانيكي لسنة رسول الله. ولا يعترفون بالتطور في التاريخ وإنما يريدون تطويع التاريخ للنص وليس تطويع النص للحياة والتطور التاريخي.
ولكن بما أن النص كان قد ظهر قبل ألف وأربعمائة سنة فإنه لا يستطيع أن يلبّي كل حاجيات المجتمعات العربية أو الإسلامية المعاصرة. فقد ظهرت مشاكل أو استجدت حاجيات للمجتمع والإنسان ما كانت موجودة في زمن النبي أو السلف الصالح.
وبالتالي فنحن بحاجة إلى الاجتهاد من أجل مواجهتها وتلبيتها. نحن بحاجة إلى العقل البشري لكي يفسّر النص على ضوء المستجدات المعاصرة وعلى ضوء التطور التاريخي.
ولكن الوهابيين يرفضون ذلك ويدعون إلى تطويع الحياة للنص، وليس النص للحياة. إنهم حرفيّون أو سطحيون أكثر من اللزوم.
ولهذا السبب ينفجر التناقض حاليا بين الوهابيين والعالم كله. يضاف إلى ذلك أنهم يكفّرون أبناء الأديان الأخرى بدون استثناء كالمسيحيين، واليهود، والبوذيين، والهندوسيين، والصينيين الكونفوشيوسيين، الخ. بل ويكفرون الشيعة أيضا لأنهم ينتمون إلى مذهب آخر على الرغم من أنهم يؤمنون بالقرآن والنبي محمد مثلهم. بل ويكفرون أحيانا حتى المذاهب السنية الأخرى كالحنفية والشوافعة لأنهم يقولون بتحكيم الرأي والقياس والعقل…
ومعلوم أن “الإخوان” الوهابيين الذين استخدمهم الملك عبد العزيز لتوحيد الجزيرة العربية أو السيطرة عليها كانوا يستحلون دم الشيعة المتمركزين في المناطق الشرقية من المملكة (الإحساء)، بل وحتى دم الحجازيين وسكان جبال عسير. وقد اضطر الملك عبد العزيز إلى استئصالهم بعد أن أصبحوا يشكلون خطرا عليه وبعد أن طالبه الإنكليز بذلك. وحصلت عندئذ مجزرة رهيبة ولكن طويت صفحتها بعدئذ وطمست. ويرى جيل كيبيل أن المجتمع السعودي مصاب بانفصام في الشخصية.
فمضمون العقيدة الوهابية يتناقض كليا مع واقع الحياة اليومية في بلد تعرض لانقلابات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية هائلة بسبب الثروة البترولية. وبالتالي فمن جهة هناك العقيدة الأكثر تخلفا وتزمتا ورجعية، أي عقيدة القرون الوسطى المظلمة، ومن جهة أخرى هناك أحدث أنواع الشوارع والمطارات والسيارات والبنايات والتجهيزات التكنولوجية. فكيف يمكن الجمع بينهما؟ ألن يحصل انفجار؟ فهل يمكن أن يستمر هذا التناقض بين التقدم المادي الهائل الذي تحقق في السعودية في الآونة الأخيرة وبين التأخر العقلي إلى أبد الآبدين؟
نحن نعتقد أن هذا الوضع التناقضي الصارخ لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. وبالتالي فالانفجار سوف يحصل لا محالة، بل هو حاصل منذ الآن. فالبرامج الدينية المتخلفة تُبثّ على مدار الساعة على شاشات التلفزيون أو من خلال الإذاعة. وثلث المواد التعليمية في المدارس الابتدائية هي دينية، ثم تصبح الربع في الإعدادي والثانوي. بل وحتى في التعليم الجامعي نلاحظ أن المواد الدينية مهيمنة أيا تكون الكليات علمية أم أدبية…
ثم يتحدث جيل كيبيل عن التحديات التي تواجه العائلة الحاكمة في السعودية ويقول: على مدار تاريخها كانت الدولة السعودية محكومة من قبل تحالف العائلة المالكة مع عائلة آل الشيخ أي العائلة الوهابية. وكان الشعب كله خارج الحكم، ولا أحد يستشيره وكأنه غير موجود. وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر بعد الآن أي بعد 11 سبتمبر، وبعد أن انفتحت الأعين على السعودية وخطورة إيديولوجيتها. ولذلك فإن ولي العهد يحاول إجراء بعض الإصلاحات والقبول باستشارة بعض قطاعات المجتمع المدني فيما يخص شؤون الحكم.
وهناك محاولة للتقارب بين الأصوليين المعتدلين والمثقفين الليبراليين أو التحديثيين تحت ظل وليّ العهد عبد الله بن عبد العزيز الذي أصبح الآن ملكا. ولأول مرة أصبح قادة الشيعة من رجال دين أو مثقفين “علمانيين” يشاركون في هذه الاجتماعات. لأول مرة يعترف بهم كمواطنين. وكذلك تم الاعتراف بالاسماعيليين المتواجدين في منطقة نجران. ولكنه اعتراف مبدئي أو نظري فقط. والواقع أن العملية طويلة وصعبة وشاقة وسوف تستغرق وقتا طويلا. نقول ذلك على الرغم من أنه لا يوجد بديل عنها.
والأصوليون الجدد – أو السلفيون الجدد – كما يسمونهم أصبحوا يلعبون دورا لا يستهان به في الوساطة بين النظام والشعب. نذكر من قادة هؤلاء سلمان العودة من بريدة وسفر الحوالي من منطقة عسير.
فكلاهما نجم من نجوم الأصولية “المعتدلة” في السعودية. والواقع أنهما انضما إلى النظام بعد أن تمردا عليه سابقا وسجنهما لفترة من الزمن. ومعلوم أن سلمان العودة أدان بوضوح ضربة 11 سبتمبر. وبالتالي فالسلفيون المعتدلون أصبحوا يقدمون ضمانة دينية للنظام في مواجهة السلفيين الراديكاليين الشديدي التطرف من أتباع بن لادن. وهكذا حصلت فتنة أو انشقاق داخل السلفية نفسها.
ولكن المثقفين الليبراليين السعوديين موجودون أيضا وإن تكن قاعدتهم الشعبية أضعف بكثير من قاعدة الأصوليين. وهم يمثلون مراكز لا بأس بها في الجامعات والجرائد السعودية وبعض وسائل الإعلام الأخرى. وعليهم تعلّق الآمال بالإضافة إلى التيار الديني الوسطي أو العقلاني.
وبعد تفجيرات الرياض الإرهابية الأخيرة تجرأ رئيس تحرير جريدة “الوطن” على نشر مقالة مدوّية بعنوان: “الأمة أهم من ابن تيمية”! وهكذا هاجم بشكل مباشر أسس العقيدة الوهابية. ثم تجرأت نفس الجريدة على نشر كاريكاتور يقول: من قام بالتفجيرات إرهابي، ولكن من أعطى الفتوى بها إرهابي أيضا! وهذا يعني مهاجمة رجال الدين الراديكاليين بشكل مباشر.
وعندئذ ضغط رجال الدين المحافظون على وزير الداخلية وطالبوه بإقالة جمال خاشقجي رئيس تحرير “الوطن”. وكان لهم ما أرادوه.
ولكننا رأيناه بعدئذ يسافر إلى لندن ويصبح مستشارا في السفارة السعودية لدى الأمير تركي الفيصل. وبالتالي فلم يتخل النظام عنه وإن كان أبعده إلى الخارج اتقاء لغضب رجال الدين.
وأخيرا يرى جيل كيبيل أن العقد الاجتماعي السعودي السابق (أي تحالف آل سعود مع آل عبد الوهاب) لم يعد كافيا لحكم السعودية. ولهذا السبب جمع الأمير عبد الله كل مكونات الشعب في مؤتمر واحد وأعطى للسنّة الشوافعة في إقليم الحجاز بعض حقوقهم، وكذلك للطرق الصوفية، ثم للشيعة في منطقة الإحساء، ثم للاسماعيليين في نجران. كل هؤلاء كانوا يعانون من سحق الوهابيين لهم على مدار سبعين سنة: أي منذ تأسيس المملكة على يد الملك عبد العزيز عام 1932.
والواقع أن العائلة السعودية الحاكمة خافت من التهديدات المنطلقة من أوساط شتى في لندن، وواشنطن، وتل أبيب. وهي تهديدات تدعو الأقاليم المضطهدة إلى الانفصال عن الرياض عاصمة نجد. فإقليم الإحساء الشيعي قد يفكر بالانفصال إذا ما استمر التمييز الطائفي ضده، وكذلك إقليم الحجاز حيث توجد المقدسات الإسلامية، وكذلك إقليم عسير المجاور لليمن.
لهذه الأسباب كلها قبل وليّ العهد بفتح الحوار الوطني بين مختلف فئات الشعب. ولكن هناك فئة أخرى تهدد بالانفجار أيضا هي: فئة النساء. فالمرأة السعودية لا يمكن أن تظل إلى الأبد مقبورة حية! وسوف تطالب بحقوقها عاجلا أو آجلا. ولا يمكن أن يستمر وضعها على ما هو عليه. وبالتالي فالصراع بينهنّ وبين رجال الدين الأكثر رجعية ومحافظة سوف يندلع على مصراعيه يوما ما. ومن طلائع النساء الأميرة ريم الفيصل والسيدة الغنيّة جدا لبنى عليّان. وعندئذ لن يبقى من الوهابية إلا الاسم…فالمرأة نصف المجتمع ولن تقبل بأن تظل مسحوقة ومحتقرة ومحجبة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها إلى الأبد.