المَاكدُونَالد وَالمَسجِد

خِلال عام 2006 تلقّيت الدعوة للمشاركة في برنامج تلفزيّ مغربيّ، كان موضوع الحلقة يتعلّق بكتاب أصدرته في نفس العام تحت عنوان ما وراء الإرهاب، وقد أثار انتباهي أحد الضيوف الذين حضروا للمشاركة في النقاش، فقد كان شابّاً في مُقتبل العمر، متوقّد الحماسة ومُتوهج الحركات، كان يرتدي سروال جينز من النّوع الممتاز وتيشورت صيفيّا، شابّ يبدو، بعد كلّ هذا، كأنّه قادم لتوّه من الديار الأمريكية، وهكذا كان الأمر بالفعل، ولذلك فقد توقّعت منذ البداية أن أسمع منه مرافعات مدوّية عن أسلوب الحياة الأمريكيّ، واعتقدت أنّني سأواجه، خلال حلقة البرنامج، دفاعاً مستميتاً عن بعض الاختيارات الكبرى للسياسة الخارجية الأمريكية.

بَدَا التوقّع راجحاً حين شهدت غرفة التسجيل سجالاً غير مُسجّل، بين الطّاقم التقنيّ للبرنامج، وبين ذلك الشّاب الذي أصرّ على أن يشارك في البرنامج بالتيشورت والجينز رافضاً الإذعان لأوامر الطاقم التقنيّ الذي دعاه إلى تغيير بدلته قبل بدء التّسجيل، مؤكّداً أنّ الظهور في برنامج من طبيعة ثقافية لا يجوز أن يكون بمثل تلك البذلة.

وممّا احتجّ به ذلك الشاب على طاقم البرنامج أن الأصل في اللباس أن النّاس أحرار فيه، وإلا فإنّ تدخل الإعلام لتحديد شكل اللباس هو بمثابة تضييق على الحريات الفردية، وهو ما لم يعد مقبولاً حتى في دول عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي قال إنّه يعرفها حقّ المعرفة، فردّ عليه أحدهم بأن فرنسا التي يعرفها بدوره حقّ المعرفة، يحترم الناس فيها مبدأ اللباس المناسب في المكان المناسب!

هكذا وقبل انطلاق تسجيل البرنامج، شهد أستوديو التسجيل أطوار مناظرة غير مسجّلة وحادّة، بين النموذج الفرنسيّ للحرّيات الفردية وبين النموذج الأمريكيّ، وبعد أن استنفد الطرفان القليل من الأسلحة التي كانت في حوزتهما، اهتديا إلى حلّ وسط وافق عليه الطرفان دون أن يرضي أيّ أحد، بموجبه يمكن لذلك الشابّ أن يضع فوق التيشورت قميصاً لا يبدو أنه أوفى بالمطلوب، وإن كان قد أنهى السجال.

عندما ذهب أحدهم ليبحث عن القميص “المُناسب”، انتهزت الفرصة لأستكشف خلفيات ذلك الفتى المشاكس، لم يكن من النوع الذي لديه ما يخفيه، فقد أخبرني بأنه عاد للتوّ من الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار دورة تكوينية تدخل في إطار سلسلة الدورات التكوينية التي اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية تنظيمها لفائدة الجيل الجديد من القادة الشباب أو المرتقبين للحركات الإسلامية، وهو ما يترجمه البعض عندنا بلغة، تريد أن تبدو تقدمية حين ترفع شعار”التشبيب”.

قبل البدء بتسجيل حلقة البرنامج، أصبت بنوع من الذهول بعد أن سمعت الاسم الكامل لذلك الشاب، والذي لم أكن أجهله، فقد كان معروفاً بسبب بعض أنشطته الإعلامية والسياسية، سوى أنه لم تتح لي فرصة رؤيته قبل ذلك اليوم، إنه أحد أبرز المناضلين الشباب للحركة الإسلامية المغربية.

لم يكن ذلك المناضل الإسلاميّ الذي احترمت منذ البدء صراحته ووضوح قناعاته، أوّل ولا آخر مناضل إسلامي يذهب إلى الديار الأمريكية من أجل التكوين السياسي والتأطير الإستراتيجي، فقد ذهب الكثيرون، بعضهم كانت تكفيه بضعة أيّام من التأطير السياسي والسياحي معاً، حتى يعود إلينا رافعاً رأسه بالنموذج الأمريكي في مجال الحريات الدينية؛ حرية لا تبدو، في آخر المطاف، سوى حرية ارتداء أيّ شيء: العمامة، القلنسوة، الصليب، يد فاطمة، الجينز، الحجاب، الخمار، التيشورت، الرقية الشرعية، صور غيفارا، صور ابن لادن…الخ، وليس ثمّة حصانة أقوى من الحصانة التي تضمنها السفارة الأمريكية لعدد من القادة المرتقبين لبعض الحركات الدينية، سواء تلك المصنّفة ضمن الحركات المعتدلة أو التي تقع ضمن الإسلام الصّوفيّ.

خرجتُ من تلك الحلقة الحوارية، بأسئلة مُقلقة، أسئلة كانت قد بدأت تراودني منذ بضع سنوات، خلالها كنت غالباً ما لا ألتقي ببعض الأصدقاء من الحركة الإسلامية إلا وهم في الطريق من أو إلى موعد مع السفير(ة) الأمريكي بالرباط، حتى أنّني كنت أخال السفير الأمريكي مراراً مُجرّد “صديق” يقطن الرباط. هل كان الأمر يتعلّق بمجرد لقاءات بروتوكولية لتبرئة الذمّة من تهمة الإرهاب والإرهاب العالميّ؟ لست أدري، إنما أذكر أنّني قد رويت لأحدهم حكاية طريفة، رويتها من باب قصدت به التحذير المرح، إنّها حكاية أحد السلفيين اللبنانيين في بيروت، عثرت الشرطة داخل حقيبته، عقب خروجه من السفارة الأمريكية ببيروت، على حفنة من الدّولارات، فقيل له ما هذا؟ فقال: دخلت عند السفير الأمريكي وخيرته بين الجزية والإسلام، فاختار الجزية. صادفت آخر في إحدى المرّات، أخبرني بأن لديه موعدا مع السفير الأمريكي، لم أخف أمامه توجّسي، فقلت له إنّ بعض الاستراتيجيات الأمريكية تريد أن توظّف الحركات الدينية من أجل أهداف تتجاوز الجميع، وأنّ كلّ شيء، بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية يصلح للتوظيف، بما في ذلك مقاصد الشريعة الإسلامية نفسها، فما كان منه إلا أن ردّ عليّ بجواب شعرت إزاءه ببؤس الخطاب الديني حين يكون مرتعاً لأخلاق العبيد، فقد ردّ عليّ بدم بارد: “يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

هل تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في حربها على ابن لادن والظواهري، إلى استعادة نفس الأسلحة الإيديولوجية التي سبق لها أن استخدمتها على ستالين وخريتشوف، وعلى رأسها الدين والحركات الدينية المعتدلة، التقليدية، بل وحتى المتطرّفة في بعض الأحيان؟

هُنا بالذات، نصطدم بسؤال استنكاريّ، إذا كانت النزعات الدينية من كافة الديانات، قد أسعفت الولايات المتحدة الأمريكية لكسب المعركة ضدّ المعسكر الشيوعيّ وضدّ الفكر الاشتراكيّ، وهُما معاً يُمثلان إيديولوجية إنسانية ووضعية، فإلى أيّ حدّ يمكن لتلك النزعات الدينية أن تسعف الولايات المتحدة الأمريكية لكسب المواجهة ضدّ الإرهاب العالمي، والذي يمثل إيديولوجية غيبية هذه المرّة؟

لم يمض على اللقاء الإعلامي الذي جمعني بذلك الأصوليّ المرح، أكثر من بضعة أشهر حتى كانت مؤسّسة راند Rand الأمريكية، والتي تحظى برعاية وتمويل المؤسسة العسكرية، قد أصدرت في مارس 2007، تقريرا شهيرا تحت عنوان: بناء شبكات المسلمين المعتدلين building moderate muslim، تقرير يُعدّ الأهمّ من نوعه منذ صدور التقرير الشهير الذي سبق أن صاغته مؤسّسة مشروع قرن أمريكي عام 2000، قبل أن يحمل نفس اسمها.

يَقترح تقرير مؤسسة راند لعام 2007، مقارنة تحليلية بين مرحلة قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للحرب الباردة ضدّ المعسكر الشيوعي، ومرحلة قيادتها اليوم للحرب العالمية على الإرهاب، ليخلص إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تنتصر في حربها على الشيوعية إلاّ بعد أن نجحت في استنفار الأبعاد الروحية والدينية في المعركة، ومن ثمّة فإنّ الخيار الأكثر صواباً للمعركة التي تقودها الإدارة الأمريكية ضدّ الإرهاب، يتجلّى في إعادة توظيف نفس الأسلحة الروحية والدينية في المواجهة، وعلى رأس تلك الأسلحة، الحركات الدينية التي تمثّل ما تصطلح عليه الإدارة الأمريكية بالإسلاميين المعتدلين، أولئك الذين يحدّدهم التقرير في الحركات الدينية العصرية التي تقبل بقواعد الديمقراطية والتعددية، فضلاً الحركات الدينية التقليدية مثل الزوايا والطرق الصوفية والتي تبدو وكأنها لم تعد تزعج أحداً.

لا يقتصر الرهان الأمريكي اليوم فقط على الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، لا يطال فقط الأقليات الإسلامية في أوروبّا، روسيا والصين، ولا يقتصر على الأقليات المسيحية بالعالم الإسلامي، إنّما يطال أيضاً جميع الحركات الدينية البروتستانتية والكاثوليكية، فضلاً عن الطوائف في الغرب والأقليات الدينية في الصّين وغيرها.

لقد أعادت يومية “التجديد” المغربية (عدد 19 يناير 2006)، وبكثير من الفخر والاعتزاز، ما سبق أن ردّده أحد المفكّرين الأمريكيين المقرّبين من الدوائر الفكرية للإدارة الأمريكية وللمحافظين الجدد، ويُدعى جون فول، وذلك حين كتب يقول: “إذا كنّا نسعى لبناء وتقوية الركائز الأخلاقية للحرية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا لا نبحث بالضّرورة عن حلفائنا من أشباه المَلاحدة أو الدّهريين، وإذا كنّا لا نفعل ذلك في الولايات المتّحدة الأمريكية ذاتها، فلماذا نفعله عندما نتعامل مع العالم الإسلامي؟” وأردف قائلاً؛ “الصدام المهمّ في الحقيقة هو بين من يرون أنّ الدين لا دور له في المُجتمع ومن يرون أنّ له دوراً”. وهكذا إذن، نفهم طبيعة الدّورات التكوينية التي تستفيد منها بعض القيادات الشابّة، فيما يُسمى أيضاً بالتشبيب، والذي يعني وفق المعادلة الأمريكية، منح كل الصلاحيات القيادية، لأجيال ما بعد الإيديولوجيات الستينية والسبعينية، بمعنى لجيل الثورة الدينية المحافظة؛ والتي يُراد لها أن تكون فقط ثورة هادئة، معتدلة وواقعية، من غير أن تتخلّى عن إستراتيجيتها.

بالأمس كان المُناضل اليساريّ والتقدمي المغربيّ المهدي بن بركة، يلقي بعض المُحاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية، كان يُحاضر أحياناً، بالجلباب المغربي، هذا ما كان يفعله سليل الحركة الوطنية والتّقاليد الرّشدية المغربية، وأمّا اليوم فقد أصبح المناضل الإسلاميّ يذهب إلى دورات تكوينية بالديار الأمريكية، فيظنّ أنه قد وجد كلّ شيء، حين يجدُ بيتاً للصلاة داخل مقهى الماكدونالد.