
"… الروح العربية روح كهفية لا تحبّ الظهور المباشر
وتميل للعودة إلى كهفها بين حقبة وأخرى قبل أن تعود
للظهور على مسرح التاريخ من جديد.." – أسوالد اشبنغلر-
في كانون الأول/ ديسمبر عام 1987 قامت الانتفاضة الفلسطينية الأولى حين كانت الشعوب العربية غارقة في البؤس السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وظهر تعاطف عالميّ مع القضية الفلسطينية وتحطمت صورة العرب السلبية التي كانت حتى ذلك الوقت تؤمّن لإسرائيل غطاء لحربها على الفلسطينيين، وتحطّمت ثقة الإسرائيليين بأنهم لن يضطرّوا لتقديم تنازلات للعرب. وفي فيلم وثائقيّ عرضه التلفزيون البريطاني تقول سيّدة فلسطينية : "الإسرائيليون يتجاهلون حقيقة أنهم يستفردون بالشعب الفلسطيني لأنّ الشعوب العربية نائمة، لكنّ هذا لن يستمرّ للأبد وعندما تستيقظ هذه الشعوب سوف تجد إسرائيل نفسها أمام المشاكل الحقيقية". في اليوم نفسه تقريبا بعد ثلاثة وعشرين عاما قامت الانتفاضة في تونس في كانون الأول/ ديسمبر عام 2010.
وبذلك تكون الشعوب العربية قد أخفت عبقريتها عن الأنظمة العربية، فحين لم يكن هناك حراك عربيّ شعبيّ وغاب التسييس عن المواطنين، وكان تعبير "رأي عام عربيّ" تعبيرا لا يصف شيئا، كان الفلسطينيون يحتلّون شاشات العالم بانتفاضاتهم وينتشلون الروح العربية من اليأس، وعندما تمّ تمزيق الفلسطينيين بين الضفّة وغزّة دون الحصول على أهدافهم وأصبح احتمال الانتفاضة الفلسطينية بعيدا، فوجئ العالم بانتفاضة تونس الناجحة التي انتشلت الفلسطينيين من اليأس. ولم يتأخّر أحد في قراءة الحدث : فقد عبّرت إسرائيل عن خوفها من امتداد انتفاضة التونسيين إلى مصر -وهو ما حدث الآن- فقد عرف الجميع هذه المرّة أنّ ما حدث في تونس سوف ينتشر، والمفاجأة المدهشة في انتفاضة مصر أنها لم تكن مفاجئة وكما أن إسرائيل هي أكبر الخائفين اليوم فإنّ أكبر المنتصرين هو : الشعب الفلسطيني. وتحتلّ تونس مساحة صغيرة بين دول المغرب العربي وخريطتها تشبه خريطة فلسطين التي لا تشغل هي أيضا إلا مساحة صغيرة بين دول المشرق العربي، ويبلغ عدد الفلسطينيين عشرة ملايين نسمة مثل التونسيين كما أنّ نسبة المتعلمين بين الشعبين من أعلى النسب في الوطن العربي.
ولقد تعلّمنا منذ زمن بعيد أنّ فلسطين أكبر من مساحتها بكثير، لكننا اليوم فقط نتعلم شيئا جديدا : أنّ تونس على صغر حجمها ستكون هي بمثابة القلب في المغرب العربي.. غادر الفلسطينيون بعد معركة بيروت عام 1982 إلى تونس على سفن يونانية (ولطالما كانت اليونان بين قرطاجة وفينيقيا) وقد استقبل التونسيون إخوانهم من الفلسطينيين كأبطال. وتونس هي البلد العربيّ الوحيد الذي رغم أنّه في المغرب العربي فقد تعرّض للعدوان الإسرائيلي تماما مثل دول الطوق في المشرق : مصر وسوريا والأردن ولبنان عندما دمرت الغارات الإسرائيلية مقرّ منظمة التحرير في تونس عام 1986، وحين كانت الأجساد ترفع من تحت الأنقاض لم يفرّق المسعفون بين أجساد التونسيين والفلسطينيين. ومثل شعوب دول الطوق حول فلسطين طوال عقود من الغارات الإسرائيلية لم يشعر الشعب التونسي بأنّ الثمن الذي يدفعه نتيجة وجود الفلسطينيين على أرضه هو ثمن فادح، بل شعر بالفخر لأنه يقف مع أبناء الشعب الفلسطيني في المحرقة الإسرائيلية.
بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية كتب عباس بيضون : "قد يكون الفلسطينيون هم وحدهم الذين يثابرون لتحقيق أهدافهم حتى حين لا يبدو أنّ هناك أملا، ولعل الشعب الفلسطيني هو نسيج وحده".. واليوم فإنّ الانتفاضة التونسية قد ثابرت دون أن يبدو أنّ هناك أملا في أيّ مكان من العالم العربي، وكما حطّمت الانتفاضة الفلسطينية الأولى صورة نمطية سلبية عن العرب، فإنّ الانتفاضة التونسية وجّهت أوّل ضربة جدّية لصورة الإسلام الأصوليّ الذي أراد الغرب أن يصوّره على أنّه جوهر الحراك السياسي والاجتماعي في البلدان العربية و.. الإسلامية. ولو سئل شرطيّ البلدية في سيدي بوزيد عن العبرة المستفادة من الأحداث الجارية ربما سيقول: "ليس هناك ما هو أخطر من بائع خضار متجوّل لا يتقن بيع الخضار". بدأ كلّ شيء من مدينة "سيدي بوزيد" المنسيّة في أعماق الريف التونسي – فحتى البلدان الصغيرة لها أعماق- حين قام شرطي البلدية بمنع الشاب (محمد البوعزيزي) من بيع الخضار بدون ترخيص، ولا يملك "البوعزيزي" ترخيصا لأنه ليس بائع خضار بل هو يملك شهادة جامعية ودخل الشاب والشرطي في جدال عقيم يدور على نفسه مثل الجدال حول ملف (لوكربي) بين ليبيا والغرب أو الجدال الغربي الأوروبي حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، وكان المواطن العربي يستطيع أن يغلق أذنيه عاما كاملا وحين يعود يجد الحوار عند النقطة نفسها، بينما كان البوعزيزي يحاول أن يشرح موقفه بأنه لا يملك مورد رزق وأنّ حاملي الشهادات الجامعية يحتاجون كالآخرين إلى أن يأكلوا لكي يعيشوا، ولكن شرطي البلدية لن يسمح لشاب يحمل شهادة جامعية بأن يبيع الخضار في ساحة السوق حيث كل باعة الخضار فيها يملكون ترخيصا، وإلا.. فأين كرامة شرطة البلدية، وهيبة المحافظة، والولاية، وسمعة الأمن الوطني وربما قائد الأمن في العاصمة ومكانة تونس على الساحة الدولية..؟! ولعلّ هذه التداعيات وقد عبرت خاطر الشرطي هي التي جعلته يصفع الشاب ويقلب له عربة الخضار، وكمخرج من هذه الجدالات العقيمة كلها وبحثا عن منطلق جديد للحوار قام البوعزيزي بحرق نفسه أمام الجميع والبقية يعرفها الآن كل سكان (سيدي بوزيد) وسكان العالم.. فها هو شعب عربي ينتفض دون أن تكون مسألة الإسلام في صلب تحركه.
***
في الجزائر كان النظام قد توصل إلى التسليم عام 1992 بأنّ القوّة المعارضة الوحيدة هي "جبهة الإنقاذ الإسلامية"، ودعا في الوقت نفسه إلى انتخابات حرة "على غير العادة". وقف الجزائريون خلف جبهة الإنقاذ لأنهم لم يجدوا غيرها منافسا للنظام وحين فازت الجبهة بالانتخابات، ألغت السلطات نتائج الإقتراع واعتقلت زعماء الجبهة.. ولم تمض سوى فترة وجيزة حتى بدأت أعمال العنف والتفجيرات والمذابح، وظهر النظام بمظهر من يواجه حملة من الإسلاميين الذين يريدون الاستيلاء على السلطة لإقامة دولة دينية شأن الإسلاميين في أفغانستان ومصر وباكستان، إلى آخره. استبدل الغرب صورة العرب السلبية بصورة أكثر سوءا هي صورة "الأصولية الإرهابية". وتوصّل النظام المصري إلى مقارعة الأخوان المسلمين وإظهارهم بمظهر المعارضة الجدية الوحيدة للحكم وتهميش القوى الأخرى، وطوال سنوات تتكرّر أنباء عن اعتقال أعضاء الجماعة خمسة عشر يوما ثم أخبار تمديد اعتقالهم خمسة عشر يوما، ثم خبر إطلاق سراحهم ثم اعتقال آخرين مددا أخرى..
وكانت قناة الجزيرة تتكفّل بنقل هذه الأنباء وهي القناة التي تحتكر إذاعة رسائل بن لادن. حتى إسرائيل، وهي في استرخاء، لم تخش الظهور العلنيّ في الكرنفال الوحشيّ، وأعلنت عن تخوّفها من تسلّل عناصر القاعدة إلى مناطق فلسطينية. وكانت ليبيا قد توصّلت بعد اثنتي عشرة سنة من الحصار إلى قبول المطالب الغربية ووصل الغرب بعد ثلاثة عشر عاما من الحصار إلى أنّ العراق لا توجد لديه أسلحة دمار شامل، وتحت دخان الحادي عشر من أيلول عام 2001 المنسوب للإرهاب الإسلامي حصلت إسرائيل على غطاء جديد لمشروعها القديم بعد تراجعها أمام الانتفاضة الفلسطينية وتأييد الرأي العامّ لها، واجتاحت إسرائيل كلّ مدن الضفة الغربية ودمّرت كلّ ما أنجزه الفلسطينيون في الانتفاضتين الأولى والثانية. وبدا أنّ كلّ شيء على ما يرام بالنسبة للأنظمة وللإسلاميين ولقناة (الجزيرة) التي أخذت، والحالة هذه، جانب المقاومة الإسلامية(!). وفي الجزائر توقفت المذابح وأعمال العنف وجاء رئيس جديد نادى بالمصالحة وأطلق سراح الإسلاميين المعتقلين. لكنّ الشعب الجزائري لم يعرف من المسؤول عن أعمال العنف لأنّ زعماء الجبهة قالوا إنّهم كانوا في السجن حين كان العنف في ذروته.. حتى أنّ زعيم إحدى المجموعات الصغيرة يعترف بما اقترفته جماعته لكنه لا يعرف سبب ارتكابها للعنف أثناء وجوده هو في المعتقل. وفي مصر فاز الأخوان وحدهم من بين المعارضين في انتخابات المجلس النيابي عام 2005 مما أعطى مصداقية للنظام بإظهاره القلق من الإسلاميين.
ظهرت جميع الأطراف في هذه اللعبة الدموية أطرافا رابحة : السياسة الأمريكية التي أدت إلى احتلال العراق وأفغانستان.. إسرائيل التي انقضّت على نضال الفلسطينيين وحرمتهم من التعاطف الدولي.. الأنظمة العربية التي اكتسبت صورة الانشغال بمنع الإسلاميين من الاستيلاء على السلطة.. الإعلام الأوروبي الذي لم يفقد حنينه لكتابات المستشرقين، سيما أنّ هذا الإعلام يشعر هذه المرة أنه لم يختلق صورة سلبية عن العرب والإسلام كما كان حال صورة العرب السلبية في السبعينات، طالما أنّ الوقائع الجارية في الشرق الأوسط هي التي تقدّم مادّة جاهزة. وبالفعل وجد المستشرقون الجدد مناخا مثاليا لإعادة إنتاج مقولات عقيمة عن انبعاث العالم الإسلاميّ، واحتاجوا وقتا طويلا قبل أن يعترفوا بأن القضية زائفة. الخاسر الوحيد في هذه المهزلة المأسوية هو : الشعوب العربية التي ربما ظنّ القائمون على هذه اللعبة أنّهم يقومون بإرضائها هي أيضا حين يقدمون في وسائل إعلامهم أخبار عمليات (بطولية) معادية للغربيين. لكنّ حرق الشاب التونسي لنفسه احتجاجا على الأفق المسدود هو الوجه الآخر للعمليات الاستشهادية التي ظنّ الغرب أنه يسيطر على تداعياتها عن طريق إفقادها المعنى بعد تعميمها الزائد عن الحاجة.
وعندما امتدت الاحتجاجات إلى الجزائر خرج الشبان غير مبالين بموقف المنظمات الإسلامية أو الجبهات في الجزائر. واليوم تشهد مصر ثورة عارمة بعد تونس بدأت تهزّ العالم بسبب دلالات التغيير في أكبر دولة عربية، ويبدي النظام استماتة في استخدام كذبة التهديد الإسلامي حتى وهو يسقط -والتي أوجدها بالتعاون مع الأمريكيين كضمانة للمستقبل- ويبدو أنّ المستقبل رغم تأخّر قدومه على العالم العربي جاء، حين جاء، بسرعة.. ومع اندفاع المتظاهرين في الشوارع قام النظام بإعلان اعتقال أعضاء في الإخوان وشنّ إعلاميو التلفزيون والصحف هجوما منظما على الأخوان باعتبارهم قادة الاحتجاجات لكن لا أحد أبدى اهتماما جديا، وحتى قناة الجزيرة قادت الإعلام المعادي للنظام في مصر الذي اضطرّ لقطع بثّها على الـ(نايل سات) وليس هذا تناقضا في موقف القناة، فما كانت تروّج له سابقا كان لحساب صورة الانبعاث الإسلاميّ وليس لحساب النظام المصري، بينما سقطت قناة العربية في مصيدة الدفاع عن النظام في مصر. ومن المذهل أن تتقاطع في لحظة واحدة جميع الخطوط والنقاط : لقد دارت حقبة القمع دورة كاملة، كما دارت كذبة الأصولية الإسلامية دورة كاملة، ووجد الغرب والأنظمة العربية أنفسهم أمام جماهير عربية خرجت دون أن يبدو عليها أنها قد تأثرت بالقمع ولا بـ(الأسلمة). وحتى الإعلام الأوروبي اكتشف أن الخطر الإسلامي لم يكن أقل اصطناعا من صورة العرب النمطية القديمة التي كان قد اختلقها في السابق ويقوم الإعلام الأوروبي بانسحاب منظم ويبدي اعترافه بأن المتظاهرين العرب سلميون يطالبون بالديمقراطية والحرية والحياة، وأظهروا تشابههم مع الشبان الأوروبيين.. وليس كما كان يتم تصوير الجماهير العربية باعتبارها قطاعا مكبوتا يميل للعنف وللإسلاميين.
كلمة السرّ في الأحداث الجارية هي في الوقت ذاته كلمة شديدة العلانية : فلسطين.. فالشعوب العربية تراقب بصمت كيف ترك الفلسطينيون وحدهم أمام الصهيونية المدعومة بأمريكا، وتتألم الشعوب العربية من عجزها عن مدّ يد المساعدة الإنسانية لمواطنين عرب مثلهم تهدم بيوتهم أمام شاشات التلفزة منذ ثلاثين سنة. مع ذلك ألهمت الانتفاضتان الفلسطينيتان وأحيت معنويات الشعوب العربية عندما رأت الشعب الفلسطيني الذي تخلى عنه الجميع عصيّا على الموت، وينتظر تضامن إخوانه العرب. والآن قد لا تكون المفاجأة القادمة انتفاضة في إحدى الدول العربية بعد تونس والجزائر ومصر، بل انتفاضة فلسطينية جديدة لن تكون مجرّد انتفاضة ثالثة في فلسطين، بل بمثابة انتفاضة فلسطينية أولى مدعومة من الشعوب العربية التي لن تجلس هذه المرة أمام التلفزة لمشاهدة الفلسطينيين وهم يتصادمون مع الجنود الإسرائيليين، بل سوف تدعم الشعب الفلسطيني.
ومثلما قال تشرشل عندما حققت بريطانيا أوّل انتصار على القوات النازية في الحرب العالمية الثانية وتجنّبا للمبالغة : "هذه ليست بداية النهاية ولكنها نهاية البداية..".