بطلي لايصلح أن يكون زوجا مخلصا

ليس ثمّة امرأة طاهرة أوعاهرة… مقدّس أومدنّس، في كلا الشّخصيتين اختلاط الإنسان، تداخل الإنسان، تعدّد الإنسان، الإنسان الأحادي، ذو البعد الواحد لايصلح أن يكون بطلا روائيّا.

“هذه الرّواية لعوب، وشجاعة، وقذرة، وشريفة، ومليئة بثياب الفضيحة الممتعة، ولأوّل مرّة لا تكون أصابع الكاتب غليظة في التدخّل بتصنيع الشّخصيات… إنّه يتركها كقطيع من الحيوانات البريّة، تسرح في أهوائها وفي خيارات المكان/ الحيّز الذي يصنع مصائرها، ثم يهتم حانياً بثغائها الأخير”… هكذا كتب الشّاعر السّوري عادل المحمود عن رواية لنبيل الملحم هي: “موت رحيم”، وعلى صفحة نبيل الملحم في الفيس بوك نقرأ رسالة: “كيف يمكن انجاز خمسة أعمال روائيّة في سنتين”؟ يجيبها الرّوائي السّوري نبيل الملحم”: هي محاولة للملمة ماتبقّى من أثاث في بيت يحترق”، وأتوجه إليه بنفس السّؤال فيجيبني:” ليس سنتان، هذا حصيلة عمر ربّما أطول من العمر الموضوعي… هو عمر استطلاع المكان والنّاس”، وحين أقرأ روايته الجديدة: “موت رحيم” الصّادرة عن دار أطلس – بيروت، أكتشف هذا الكم الفظيع من الأسئلة عبر شخصيّة بطل العمل، رحيم، الرّجل العجوز وقد تخطّى سؤال الشّيخوخة نحو سؤال آخر، هو سؤال:

– الله، الوقت.

وفي ثنايا الله – الوقت، نقرأ كلّ المحرّمات، وبطبيعة الحال ستكون: السّياسة، الدّين، الجنس، وهو ثالوث مجموع أعماله الروائيّة:

– آخر أيّام الرّقص، دار الجمل 2012

– سرير بقلاوة، دار أطلس 2012

– بانسيون مريم دار أطلس 2012

– موت رحيم، دار أطلس 2012

مايجمع بين مجموع أعماله الرّوائيّة هو هاجس العمر، الزّمن، ففي آخر أيّام الرّقص صراع ما بين العمر البيولوجي، وعمر الرّغبة، وكذا الحال في بانسيون مريم، وربما سيكون الأمر أكثر وضوحا في روايته موت رحيم، والغريب أن أحداث الثّورة في سوريا اليوم، هي أيضا تشكّل خطّا مشتركا مع مجموع أعماله، ففي سرير بقلاوة، نقرأ ذاكرة السّجن، ومن ثم وصولا للحظة السوريّة الرّاهنة، حيث سيخرج في اللحظة الرّاهنة بطله أدهم من الحياة السياسيّة ليلقي به إلى المجهول، وليتحوّل إلى مجرّد متفرج، وفي بانسيون مريم سيخرج بطله المنسي من صمت المكان وستائره، إلى الشّارع، ليكون شريكا في الحدث وفي وقائع الحراك الشّعبي ليعود في نهاية الرّواية، ويقفل باب البانسيون مجدّدا، وفي رحيم وموته، سيذهب بطله ليكون مجرّد اسم افتراضي لحالة افتراضيّة، وفي مجمل أعماله، يحضر سؤال الله، إن كان موجودا أم غائبا، وفي كل الإجابات، ومع مجموع أعماله، لن نعثر على جواب.

– ما الذي تبحث عنه في اللّحظة السّوريّة الرّاهنة؟ نسأله.

– لا أبحث، كل ما في الأمر، أنّ أبطالي هم من يبحثون، لست شريكا فيما يحدث، وما يحدث لايشبهني، غير أنّ ثمّة ذاكرة ممتدة في اللّحظة وفي الماضي، هي التي تحشد هؤلاء الذين تتساءلين عنهم، وأظن أن السؤال كان يجب أن يتوجه إليهم… ما الذي تريدونه من اللّحظة؟

– ما الذي يريدونه؟ هل تستطيع الإحابة بالنّيابة عنهم؟

– أستطيع افتراض الإجابة… في بانسيون مريم، كان أنيس قد اعتكف لسنوات طويلة في ظل مريم، وأنيس وفق السّياق الرّوائي، شخصيّة تمتدّ في سؤال الوجود الأوّل… رجل عاش حياته بفرنسا في لحظة كونيّة كان السّؤال الخلاق هو سؤالها، سؤال يتّصل بماهية الوجود، بسؤال سبقه إليه هاملت شكسبير، كما سبقه إلى السّؤال مجموعة من الشّخصيات الخالدة في التّراث الرّوائي من ميرسول بطل البير كامو، إلى نيجنسكي راقص الباليه المنتحر العظيم، وكان السّؤال يتّصل بماهية الوجود، وحين عاد إلى دمشق محمّلا بالأسئلة، كانت الطغمة العسكريّة مطلع الثّمانينات تصادر هذا النّوع من السّؤال لحساب وقائعها، تكريس مجدها، إلغاء السّؤال المتشكّك لحساب يقين البطل، الفرد، الدّكتاتور، وكان أن انسحب ليعيش في ظلّ مريم، المرأة المنسية، الأنثى المهجورة، وفي المكان الواحد كانت الأسئلة تخرج وتعود إلى ذات المكان، ومنه كان بالوسع الانطلاق إلى المدينة، إلى دمشق بما تحمل من متاهات السّؤال ومتاهات الخوف، وهجر الحركة…

– في موت رحيم ثمّة شخصيّة مختلفة إلى حدود النّقيض، رحيم شخصيّة عابثة، تستلهم قيمها من قيم الحركة، من تفكيك عناصر اللّحظة، من المجون الخلاق الأقرب إلى العبث، والعبث في لحظة ما قد يأخذ طريقه ليسجّل إجابات بمنتهى الوضوح عن عوالم ربّما ستبدو غامضة… رحيم رجل يعبث باللّحظة، رجل مواجهة اللحظة عكس أنيس، وكلاهما سيلتقيان في تقاطع ما، وكنت أتمنّى لو التقيا في عمل روائي واحد، رحيم هو نموذج ربما سيكون فريدا عن رجل يدرك أن ليس ثمّة قيمة لما يتجاوز اللعب، هو رجل لاه يلعب ومن لعبته يفكّك عناصر الحياة اليوميّة، ذاكرة العنف، وذاكرة الاستبداد، وذاكرة الجنس، وكل ذلك يأتي من طبيعته لا من خارجها، رجل لايقسر نفسه على شئ، ولكنّه يقودنا إليه بما يحمّلنا الكثير من مشاعر الحيرة.

– ونزار في بانسيون مريم؟

– نزار سيتقاطع مع رحيم بحس السّخرية وحسّ اللعب، ولكنّه رجل أكثر استخفافا بنا، واكثر استخفافا بالقارئ، وربما هو اكثر استخفافا بسجّانه مما يمكن لسجين أن يفعل.

– في الشّخصيات الثّلاثة، هنالك تركيز على الاستبداد، هل ذهبت في أعمالك هذه لدعوى سياسية ما؟ لتبشير ساسي ما؟

– لست مبشرا، وانا كقارئ قبل أن أكون كاتبا، لست من أنصار أدب القضية.. القضيّة تسقط الأدب… القضيّة يمكن التّعبير عنها ببيان سياسي، ولكن الأدب والرّواية على وجه خاص، ليست بيانا سياسيّا، وليست تبشيرا، هي بشر من لحم ودم، وليس من حقك كروائي أن تأخذهم إلى المكان الذي لايرغبون في الذّهاب إليه… السّياسيّة للسّياسيين، والسّياسيون أقلّ شأنا وحكمة من البطل الرّوائي، من العار ومن المجحف أن تقلل من شأن أبطالك لتحيلهم إلى رجال (حزبيين) أو (دعويين).

– ولكنّك أخذت اللحظة السياسيّة الرّاهنة، وبطريقة ما، وكأنّك تؤرّخ للحظة؟

– لا أبدا، لست مؤرّخا، وليس التّاريخ مهنتي… التّاريخ ملك للمؤرّخ، في التّاريخ أمّا أن تأخذ صفرا أو تنال مائة بالمائة، فالتّاريخ إمّا أنّه حدث، أو لم يحدث… العمل الرّوائي هو فسحة أوسع للمتخيّل، وليس من واجب المتخيل أن يكون أمينا على الحدث التاريخي، ولكن عندما تتناول اللحظة، يمكنك أن تتناولها بالشّرط الرّوائي بما يضعها لا في اليوم أو الأمس، أو في مكان ما من زمن الماضي… إذا كنت روائيّا بحق، فالتّاريخ بالنّسبة إلى روايتك هو الزّمن الذي تستدعيه أنت.

– احدى المقالات كتبت عنك وجاء في عنوانها… نبيل الملحم يقبض على اللحظة.

– هذا عنوان غبي… متكرّر… نمطي… عنوان كسول.

– ولكنّه يمتدحك.

– ليس هنالك من هو أسوأ ممّن يمتدحك بغير حقائقك… يمتدحك بوعي زائف بك.

– لننتقل قليلا إلى السّياسيّة… إلى الثّورة السوريّة… ما موقفك منها.

– لنصحّح قليلا… مبدئيّا لنتوقّف عن المصطلح، مايحدث في سوريا هو ثورة، ولكن ثورة من؟

– أجبني أنت.

– وجهة نظري أنّها ثورة مختطفة.

– لحساب من؟

– لحساب اجتياح الفكر الدّيني والعشوائيّات… العشوائيّات والمسجد تحالفا على اختطافها.

– هل لك بأن تفسّر ما تقول؟

– ليس الأمر بحاجة إلى تفسير، هنالك تحوّلات يجب أن تحدث في بلاد محكومة لعقيدة متآلكة، هالكة، هي عقيدة البعث، وفي لحظة تاريخيّة تتداعى فيها قيم العالم القديم لحساب قيم عالم جديد، القوى التنويريّة والعلمانيّة غائبة عن البلاد، والطبيعي أن اليأس يفتح أبواب المسجد ويطلق ساكني العشوائيّات… المسجد هو مأوى اليائسين بعد أن ضاعت أحلام الثّورات الورديّة… كان على الشّارع أن يذهب نحو الثّورات السّوداء.

– هل تسمّي هذه الثّورة بالسّوداء؟

– بنتائجها نعم.. بالنّتائج تذهب البلاد اليوم نحو توطيد الفكر الدّيني والخطاب الدّيني والمشروع الدّيني

– هل يعني ذلك أنّك متعاطف مع النّظام القديم؟

– لا أبدا، ولكن النّظام الجديد لن يكون سوى إعادة إنتاج للنّظام القديم، القديم بصفته عقيدة قوميّة مغلقة، والجديد بصفته عقيدة دينيّة مغلقة، كلاهما مصّممان لقتلي، ثم من قال إنّ على المرء أن يكون أسيرا لواحد من رصيفين.. من قال أن ليس بوسعه اختراع رصيفه بيده؟

– أين ستعثر على رصيفك إذا كانت المعادلة على النّحو الذي تتكلّم عنه؟

– أعثر عليه في أعمالي الرّوائيّة.. في الكشف، وفي إنتاج رؤى، وفي استمرار الكفاح الشّخصي من أجل عالم أكثر عدالة لامكان فيه لا لاستبداد العقيدة، ولا لاستبداد الحزب والفرد، هل انتهى التّاريخ ومات الزّمن.

– المرأة في أعمالك الرّوائيّة، أمّا طاهرة أو عاهرة؟

– لا.. أبدا.

– بلى.. هي كذلك.. بقلاوة عاهرة، توازيها بنت طهرانيّة هي مريم في بانسيون مريم؟

– ليس ثمة طاهرة وعاهرة.. مقدّس ومدنّس، في كلا الشّخصيتين اختلاطات الانسان، تداخل الانسان، تعدّد الانسان، الانسان الأحادي، ذو البعد الواحد لايصلح أن يكون بطلا روائيّا.

– من هو الذي يصلح أن يكون بطلا روائيا.

– كل من لايصلح أن يكون زوجا مخلصا.

– أوف.

– بالظبط.

– أنت زوج مخلص؟

– لا ..

– إنسان مخلص؟

– لا..

– غريب

– أين الغرابة؟ لست مخلصا، ولا خائنا، أنا رجل سيعيش عمرا بيولوجيا محدودا، ربّما مئة سنة ، المئة سنة لاتكفيني لأكون مخلصا.. الإخلاص يغلق باب التّجريب والاستكشاف والبحث والخطإ.

– ألم تعشق في حياتك؟

– ما “بعرف”.

– هل تشبه أبطالك؟

– ما “بعرف”.

– هل تحاول أن تقودهم إلى مايشبهك.

– لا .

– لماذا؟

– حين سيشبهني بطلي يقتلني أو أقتله.

– بهذه الحدة؟

– غالبا.

– لمن تقرأ من الرّوائيين؟

– لـ لا أحد.

– كيف.

– لـ لا أحد.

– من أين تثقفت روائيّا؟

– لم أتثقف.

– كيف كتبت رواياتك؟

– ببراءة شيطان.

– وهل الشّيطان برئ؟

– الشّيطان ليس عكس الله.

– كيف؟

– ليسا ضدّين هما وحدة الأضداد.

– هذا فكر درزي أليس كذلك.

– أظن ذلك.

– أنت درزي.

– بالنّسب البيولوجي نعم.. بالخيار أنا متسائل.

– هل تعتقد بوجود الله؟

– لم يضغط علي هذا السّؤال.

– هل تنفيه؟

– لا.

– لاتنفيه ولا تؤمن به.

– الله مادة ثانويّة في حياتي لم أفكر به لاستحضاره أو نفيه.

– ألا يشغلك الموت؟

– ينغّص عيشي.

– هل يشكّل دافعا لك… دافعا باتجاه ما؟

– يجلعني نهم للعيش.

– ماذا تخاف؟

– أخاف الدّفن… القبر.

– برزخ القبر؟

– لا… وحدته وعزلته.

– كيف ترى مصير بلادك؟ إلى أين ستذهب سوريا؟

– نحو لا حصر من الاحتمالات، مبدئيا نحو تفكيك الصيغة، ولا ندري نحو أي صيغة جديدة سترسو

– بأي معنى؟

– بمعنى أن سوريا عاشت على التكاذب، لم تفكّك ولا واحدة من مشكلاتها، كانت دائما تواجه مشاكلها بإدارة الظهر للمشكلة، واليوم جاء وقت المكاشفة.

– بالسّياسة؟

– بكلّ شئ، سوريا غرقت في إعادة تلوين لوحة رسمتها أول مرّة، واستمرت في إعادة تلوين اللّوحة بنفس الألوان حتّى كادت الألوان أن تصبح مزبلة لونية، اللّوحة الجدّية هي التي تلوّن أوّل مرّة ثم تغادرها نحو لوحة جديدة.. مشكلة هذا البلد أنّه عاش الكثير من العطالة، وحين وقف على المنحدر تدهور، العقائد والديانات في سوريا قامت على صيغة التّكاذب، لم يعلن أحد عن حقائقه بحقائقه، حوار الدّيانات مثالا.

– هل تدعو لحوار الديانات؟

– لا… أدعو لتكشف كل ديانة عن حقائقها، حقائقها الصّريحة كي لا تستمر البلاد باستبطان الكراهيّة والعنف والتّكفير، وأن يكون التوافق على المواطنة لا على الدّيانة والعقيدة.

– ما الذي فعله العلمانيون من أجل هذا؟

– العلمانيون على اختلافهم… من ليبراليين، ويسار، وقوميين، لم يجازفوا بتفكيك النص الدّيني، لم يدخلوا مغامرة التفكيك هذه… سوريا بلاد لم تتعرف على الفلسفة.. الفلاسفة السّوريون هم أكثر من صحفيين وأقل من فلاسفة… المغامرة الفلسفيّة قاصرة ولهذا كانت المساحات للفكر الدّيني… على الدوام كانت الجامعة أقل شأنا من الجامع، وهذا ما نحصده اليوم… هذا ما يتجلّى بنتائج أبسطها أنّه حين كانت الثورة، كانت بإدارة الدّينيين لا العلمانيين.

– هذا وضع قد يكون مؤقتا؟

– كل الخوف أن يتحوّل المؤقّت إلى أبدي.