
على الرّغم من حداثة العصر، فإنّ خطاب الإسلاميين مازال يدور حول المطلق من المأثور من الأقوال والنّصوص، ونادرا ما تخرّجت منه مدارس فكريّة نقديّة على نهج الأوائل مثل المدرسة الشّافعيّة أو المالكيّة أو الحنبليّة أو الحنفيّة والتي تؤكّد أعمال أئمّتها أنّهم كانوا روّادا في اتّباع المنهج العلمي في تناولهم قضايا الدّين على عكس ما يفعل اليوم “المتأسلمون”… وما يزيد في التّناقض أنّ العصر الحديث بات أسير ثورة معرفيّة في كافّة المجالات وبالأخصّ في مناهج البحث في ظلّ هذا الجمود…
ومع هبوب الثّورات في المجتمعات العربيّة، بدأ هذا “التّناطح” يظهر بشكل واضح، بين فئة تصرّ على السّير إلى المستقبل، وفئة أخرى تصرّ أن تُسيّر الحاضر بمنظور الماضي، ونظرا لتوغّل أصحاب المنظور الأخير في مجتمعات تقليديّة ومتديّنة بطبيعتها، فقد انعكس ذلك على هذه القوى عندما اندمجت في العمل السّياسي عقب الثّورات العربيّة فوجدنا هذه القوى بعدما وصلت إلى الحكم بالآليات الحديثة للدّيمقراطيّة في كلّ من تونس ومصر لم تظهر الاهتمام والاحترام الكافي للمعرفة الإنسانيّة بقدر إصرارها على خلق دساتير تّقيد العقل وتحفظ لها اعتمادها على المطلق في تفسيرها للحاضر من الماضي…
وكما هو واضح إنّ الاهتمام وتطوّر الدّراسات العلميّة في المجتمعات العربيّة ارتبطت بشكل كبير بنشأة الجامعات مثل جامعة القاهرة في مصر، وجامعة بغداد في العراق، وبيروت في لبنان… الخ. فتطوّرت بوجود هذه المؤسّسات الجامعيّة مدارس مختلفة في العلوم الاجتماعيّة مثل علوم الاجتماع والقانون، وفي مجالات مختلفة في العلوم الطّبيعيّة مثل الطبّ والهندسة وغيرها…
وبدأت على هذا النّهج تبزغ في منتصف السّتينيّات من القرن الماضي في جامعة القاهرة مدرسة جديدة للعلوم السّياسيّة، لم تكن موجودة من قبل بإنشاء كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة التى كانت ومازالت تشترط الحصول على المتفوّقين من الحاصلين على الثّانويّة العامّة ممّا أعطى ميزة نسبيّة لخرّيجيها… ومن هنا استطاعت هذه الكلّية السّير على نهج كليّة الحقوق في النّصف الأوّل من القرن العشرين بأن تمدّ مؤسّسات الدّولة بكوادر على درجة كبيرة من المهنيّة في إدارة الشّأن العام وبالأخصّ في وزارة الخارجيّة، وفي الأجهزة السّياديّة، فضلا عن ذلك، استطاعت عن طريق مدرّسيها الذين حصلوا على الدّرجات العلميّة من الخارج أن يتعلّموا ويتقنوا بحرفيّة كبيرة مناهج العلوم السّياسيّة الحديثة ويعودوا إلى جامعاتهم ليشكّلوا نواة جديدة من نخبة تمتلك أدوات التّحليل السّياسي بشكل علمي في مجتمعات جزء كبير من سلطويّة وديكتاتوريّتها نابع من غياب المعرفة العلميّة فيها…
ومن خلال هذه الكليّة أيضا تمّ تخريج كوادر من الباحثين السّياسيين وإعدادهم، سواء من خلال مراكز البحث، التي أنشئت بداخلها أو من خلال باحثيها الذين اشتغلوا في أماكن بحثيّة مشابهة… وقد توازى مع إنشاء كليّة الاقتصاد إنشاء منبر مهمّ آخر في هذه المدرسة متمثّل في مجلّة السّياسة الدّولية داخل مؤسّسة الأهرام 1965، والتى استطاعت أن تكون بحقّ منبرا للباحثين في كتابة الدّراسات العلميّة الرّصينة ونشرها، وقد ساعد صدورها على نجاحها وانتشارها من مؤسّسة الأهرام التي كانت في أوج الازدهار والشّهرة عربيّا وعالميّا في ذلك الوقت… وبعدها بثلاثة سنوات قد تمّ تدشين العمود الثّالث من أعمدة مدرسة العلوم السّياسيّة داخل الأهرام أيضا بإنشاء مركز الدّراسات السّياسيّة والاستراتيجيّة، واستمرّت هذه الأعمدة الثّلاثة تفرغ وتملأ السّاحة البحثيّة بالدّراسات الاكاديميّة والتّقارير الاستراتيجيّة على مدار الأربعين سنة الماضية إلى أن لحقت بها مجلّة الدّيمقراطيّة الوليدة في سنة 1999 برئاسة الدّكتورة هالة مصطفى لتكون أوّل مجلّة تتحدّث عن الدّيمقراطيّة في مجتمعات تأبى أن تكون ديمقراطيّة…
وصارت الأمور على هذا المنوال إلى أن برز على سطح الحياة السّياسيّة مشروع التّوريث في العشر سنوات الأخيرة من حكم الرّئيس السّابق مبارك بإنشاء لجنة السّياسات داخل الحزب الحاكم، والتى مثلما كانت كارثة على مصر كانت أيضا لها التّأثير السّلبي على مدرسة العلوم السّياسيّة في أعمدتها الثّلاث، حيث تمّ انتقاء نخبة المحلّلين المتميّزين من هذه الأماكن سواء في كليّة الاقتصاد أو في مراكز الدّراسات أو في مجلّة السّياسة الدّولية وإلحاقهم بهذه اللّجنة التى قيّدت من حرّيتهم وقدراتهم البحثيّة في سبيل إعطاء شرعيّة لعمليّة التّوريث، والتي انتهت على يد ثورة 25 يناير2011…
ومثلما استبشرنا خيرا في سلميّة الثّورة وسرعتها في اسقاط الدّيكتاتور… إلّا أنّ تفاعلات المرحلة الانتقاليّة أصابت الكثيرين بالتّشاؤم، وخصوصا بعد أن اتّضح أنّ الإخوان يتّبعون نهجا طالما اتّبعوه وهم جماعة محظورة، واختراق المؤسّسات وتجنيد العاملين فيها ممّن يدينون لهم بالولاء بصرف النّظر عن المعايير الموضوعية… وبعدما أصبحوا يحكمون، باتوا ينفّذون مخطّطهم بشكل علني بأن تكون مفاصل المؤسّسات المهمّة في الدّولة تحت هيمنتهم… وهم في طريقهم إلى تطبيق هذا المخطّط، ونظرا لخلفيّتهم العقيمة عن المعرفة ومناهجها، ارتكبوا خطأ جسيما في حقّ مدرسة العلوم السّياسيّة في عمليّة تغيير الصّحفيّة التي أجريت مؤخّرا، ليس فقط بالاعتماد على قوانين نظام مبارك الذي سقط، وإنّما عن طريق استخدام كما هو مألوف لديهم أسلوب الورقة الدوارة ( أي المعدّة مسبقا ) في اختيار من يرضى عنه الإخوان حتّى لو لم تنطبق عليه الشّروط ليكون رئيس تحرير… وهم في طريقهم إلى تحقيق مصالحهم استطاعوا أن يبتدعوا عرفا غير مسبوق، ويعدّ جرما يحاسب عليه القانون في أن يتولّى رئاسة تحرير مجلّتين أكاديميتين زميلين ليس لديهم التّأهيل الأكاديمي الذي يتناسب مع مقام هاتين المجلتين اللّتين أنشأهما وترأّس إحداهما الدّكتور بطرس غالى الأمين العام السّابق للأمم المتّحدة، والأستاذ القدير في كليّة الاقتصاد، والمسؤول الكبير في وزارة الخارجية إبّان فترة حكم كلّ من الرّئيس السّادات والسّنوات الأولى من حكم الرّئيس السّابق…
والسّؤال هنا هل ستحسب هذه جريمة للإخوان في كونهم ضدّ البحث العلمي الذي يعدّ القاطرة لنهضة المجتمعات؟
وكيف يدافعون عن مشروع نهضة وهم أوّل من يحملون المعول لهدم المعاهد والمراكز العلمية؟
وأين هم أبناء مدرسة العلوم السّياسية المصريّة الذين كانوا هم الأبرز على السّاحة مهنيّا واعلاميّا على مدار العقود الماضية ممّا يفعله الإخوان في معاهدهم ومراكزهم البحثيّة؟