
“بوكو” حسب الترجمة الواردة في نشرات الأخبار، هي التعليم الإفرنجي، حرّمته جماعة إسلامية بنيجيريا فقُتل زعيمها على يد قوات بلاده، ومات معه العشرات من فريقه.
هذه حكاية جديدة مع التنظيمات السلفية، جماعة يقتصر “جهادها” على عنوان جزئي، لعلّه يختزل رؤيتها كلّها، ويدرجها في قائمة الجماعات الإسلامية، لكنّه يميّزها أيضا. رفضها للحداثة وتمسكها بالسلفية، ورغبتها في جعل المجتمع ماضويا، ينطلق من رفض الفكر والعلم والحداثة، حركة استباقية، وتحديد لما تراه الداء الأساسي، فتتوجه إليه مباشرة.
فبالتصدى للتعليم الحديث يمكن أن يكون المجتمع في مأمن، والإسلام في طهر، والأفئدة بلا شوائب، والعقول بلا شك… لعل هذا ما قالوه، أو ما شابه!
“بوكو حرام”، ليست حركة سلمية، أو تجمعا لمشائخ أو ملالي ومتدينين، إنها تنظيم مسلح، واجه الدولة النيجيرية وقاتل القوات النظامية وله “شهداؤه”، وهنالك من تأسف لموتهم، ومن اتهم القتلى، وربما من صلى الغائب على أرواح لا يعرفها ولا يعرف أصحابها.
وأن تكون جماعة ضد التعليم الحديث وضد أنظمة التعليم الغربية، كأحد توجهاتها وتصوراتها وأعمدة أيديولوجيتها، فهذا أمر يسير على الفهم، أما أن يكون كلّ الجماعة من عنوانها إلى جثث على شاشات التلفزيون، هذا وحسب ففي الأمر إيذان بحلقة أكثر تعقيدا لجنون متطرف يأكلنا منذ سنين.
أستغرب، وأحيانا أستغرب دائما، وليس فقط مع الجديد. واذكر، قبل سنوات كان جاري ضارب طبل في الأعراس، أصبح بعد ليلة صاخبة وسكر شديد بلحية على صدره وجلباب يكسوه وسمة على جبينه نبتت (سبحان الله)، ثم سكن المسجد. هل أستغرب؟ أستغرب، ولا أستغرب. وبعد أيام من التقوى، قلع بلاط أرضية بيته، وأهدي التلفزيون والراديو، وأعاد بيته إلى البداوة، والإجابة واحدة: ” لم يكن لمحمد مثلها، وقد كان صلى الله عليه وسلم، وكان وكان…”
هل أستغرب؟ لا أستغرب، فضارب الطبل، الشيخ الجديد، أفسد بيته، وهنالك من يفسدون بلدانا بأكملها. قد يزيدون من البلاط الجميل والبناءات الشاهقة والعطور الفواحة والسيارات الفاخرة، لكنهم يُصحّرون العقول، ويرتدون بالجَمْع ما قبل قرون.
“بوكو حرام” جماعة حاولت وقُتلت، وقد تعود، لكنها لم تنجح إلى حد الآن في ثورتها ضد الحياة… لكنّ جماعات تمسك بمؤسسات التربية والتعليم والثقافة ببلداننا نجحت في حرب ضد الـ”بوكو” وضد كل فكر متنور أنتجته الإنسانية، جماعات تقتل بلا طلقة، وتُميت بلا مأتم، وتنثر الجثث المتحركة لأبناء شعوبنا، تبقيهم على قيد حياة، بلا حياة.