
إذا كان النّور اسما من أسماء الله الحسنى “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” (سورة النّور، الآية 35) فإنّ هذا النّور قد اتّخذ في القرآن ذاته والحديث النّبويّ وبعض التّجارب الدّينيّة صفات عديدة. فهو:
-* كتاب يهدي. فالهُدى نور، والهُدى في القرآن الكريم هو “ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ” (البقرة، الآية2). وقد جاء في تفسير هذه الآية عند الطّبري ما يلي: ” فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلاّ للمتّقين، ولا رَشادًا إلاّ للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجلّ. ولو كان نورًا لغير المتقين، ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عزّ وجلّ المتّقين بأنّه لهم هدًى، بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنّه هدًى للمتّقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، وَوَقْرٌ في آذان المكذّبين، وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ، والكافر به محجوجٌ ”
-* وهو نور يُقذف في الصّدر. وقد جاء في بعض الحديث ” ولهذا سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على [الشرح] ومعناه في قوله تعالى: ” فمن يرد الله أن يهديهُ يشرح صدرهُ للإسلام ” قال: ” هو نور يقذفهُ الله تعالى في القلبِ. فقيل: وما علامته؟ قال: التّجافي عن دار الغُرُورِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود ”
-* وهو أيضا دواء وشفاء. ففي كتاب “المنقذ من الضّلال” كان النّور شفاء. يتحدّث أبو حامد الغزالي عن شفائه بهذا النّور من حيرته : “(…) فلمّا خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النّفس حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسّر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدّليل،(…) فأعضل الدّاء، ودام قريباً من شهرين، (…) حتّى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النّفس إلى الصّحّة والاعتدال، ورجعت الضّروريّات العقليّة مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين (…)”.
مهما تكن صور النّور الّتي وردت في القرآن والحديث وتجارب الدّين المختلفة فإنّها تحيل جميعا على صفة مخصوصة للذّات الإلهيّة هي صفة الإله المنقذ المنجّي المخلّص. وهي لمن أشدّ الأخيلة imaginations المكوّنة للحياة الدّينيّة اطّرادا ورسوخا. فجميع الدّعوات في كلّ الصّلوات تتّجه إلى الله بوصفه ذاك الّذي ينجّي من مِحن الحياة وقلق الموت. ولكن لمّا كان الله لا يُنجّي إلاّ إذا توفّرت بعض الشّروط كأن يسع ملكوته العالم بأسره فإنّ صورة المنجّي (الإلهي) قد اختلطت بالتّجارب الإنسانيّة المتمثّلة في الحماية والرّعاية والحكم. من ذلك أنّ صورة المسيح الشّائعة قد اتّخذت هيئة الرّاعي الطّيّب. وخلال التّاريخ الدّيني الطّويل اضطلعت الآلهة ببعض المسؤوليّات باشرت فيها سلطانها إمّا بالسّيطرة على عنصر من عناصر الطّبيعة كالبحر والنّهر والرّيح والغابة والقمح… أو بالسّيادة الكونيّة على العالم المخلوق. وفي جميع الأحوال مهما تكن الصّور الّتي تجلّى فيها الله فإنّها تظلّ في معظم الثّقافات الإنسانيّة مجرّد تمثيلات أرضيّة أسقطت projeter على السّماء. يكفي للبرهنة على ذلك أنّ الآلهة الإفريقيّة قد كانت سوداء الجلدة، أمّا الآلهة الآسيويّة فقد كانت عيونها مشدودة الأطراف على غرار بوذا.
وباكتشاف إواليات الإسقاط يكون النّقد الدّيني قد قدّم لحركة الأنوار سلاحا ناجعا. وهو نقد لم يعتن بطرح السّؤال المتعلّق بـ”وجود الله” (هل الله موجود أم لا؟)، مادام اهتمامه قد انحصر في الحدود الّتي رسمها السّؤال الكانطي “ما الّذي يمكنني معرفته؟” أضف إلى ذلك أنّه نَقد قد كان محكوما منذ القرن18 باستراتيجيّة انقلابيّة عرفت باسم “نظريّة الخديعة الإكليريكيّةthéorie de l’imposture cléricale”. ومعها أصبحت حركة الأنوار تنظر إلى الأديان وتعالجها من منظور أدواتيّ، بطرح أسئلة من قبيل: من يخدم الدّين؟ وما هي الوظائف الّتي يؤدّيها (الدّين) في حياة المجتمع؟ ولم يكن العثور على الجواب عسيرا. فقد كان مجرّد الاطّلاع على ألف سنة من السّياسة الدّينيّة كافيا حتّى نقرأ الجواب في آثار دم العنف الدّينيّ.
ولكن المهمّ في هذا التّصوّر الأدواتيّ أنّنا نجد نصوصا تتساءل عن جدوى الدّين ونفعه؟ ولأيّ شيء يصلح؟ وهي أيضا تقترح بعض الأجوبة منها أنّه يصلح:
1 ـ للتّغلّب على مخاوف الحياة. و
2 ـ لتسويغ الأنظمة الاجتماعيّة القمعيّة الّتي تستخدم الدّين وسيلة للهيمنة السّياسيّة. ومعنى ذلك أنّ هذا التّصوّر يسند نشأة الأديان إلى عجز الإنسان الأصليّ عن الخلاص من محنه (وهو عجز يمثّل دائما شرطا لوجود إسقاط هو إسقاط المنقذ projection du secoureur) (1).
يسمّي فيلسوف الأنوار إيمانويل كانط هذا العجز قصورا Minorité. يقول في تعريف الأنوار:
“ما هو (عصر) الأنوار؟ هو خروج الإنسان من حالة القصور الّتي هو نفسه مسؤول عنها. و(هذا) القصور، أي العجز عن استخدام الذّهن (القدرة على التّفكير) دون توجيه من الغير، إنّما هو قصور يتحمّل بنفسه مسؤوليته لأنّ العلّة لا تكمن في عيب في الذّهن، وإنّما في عجز عن اتّخاذ القرار وخذلان في استعمال (الذّهن) دون توجيه من الغير. Sapere aude ! (فلتتجاسر على التّفكير) ولتكن شجاعا في استعمال ذهنك الخاصّ بك. ذلك هو شعار الأنوار”(2).
—
يعلّق ميشال فوكو على هذه الفقرة بإسهاب (3) مبيّنا أنّ حالة القصور هذه لا ينبغي أن تلتبس: 1 ـ بحالة العجز الطّبيعيّة مثل الطّفولة البشريّة الّتي لم تكتسب وسائل استقلالها وإمكاناته، لأنّ النّاس قادرون على أن يقودوا أنفسهم بأنفسهم.
2 ـ أو بمفهوم قانونيّ أو سياسيّ قانونيّ يستند إلى أنّ النّاس يوجدون في الحالة الرّاهنة إمّا محرومين من الممارسة الشّرعيّة لحقوقهم بسبب بعض الظّروف وإمّا لأنّهم تخلّوا عن حقوقهم أو جرّدوا منها بسبب المكر أو الخديعة أو العنف. ولكنّ كانط لا يتحدّث عن هذا السّبب، فالأمر لا يتعلّق بحرمان من الحقّ ولا بحالة قصور قانونيّة. فما يدلّ على أنّ القصور ليس هذا ولا ذاك هو الأمثلة الثّلاثة الّتي يعرضها كانط بوصفها نماذج من القصور. يقول:
“وإنّه من السّهل أن يكون المرء قاصرا. فإذا كان لي كتاب يسدّ مسدّ الذّهن، وإمام يحلّ محلّ الوعي، وطبيب يدبّر لي أمري… فلست في حاجة إلى أن أجشّم نفسي ما يُعنيها بنفسي”. فاتّخاذ كتاب مكان الذّهن، وإمام مكان الوعي وطبيب يملي ما يصلح لي هو في واقع الأمر ما يخصّص ذاك الّذي يكون في حالة قصور ويظهره بوضوح ويمثّله. فكلّ هذه الأمثلة لا تدلّ على خضوع طبيعيّ ولا على حرمان من حقوق قضائيّة أو سياسيّة بتجريد الإنسان منها، ولا على شكل من التّسلّط يعتبره كانط نفسه غير شرعيّ. وحينئذ يمكن أن نتساءل: أين ننزّل حالة القصور هذه؟ إنّها تكمن في الطّريقة الّتي يتعامل فيها الفرد مع هذه السّلطات الثّلاث، أي سلطة الكتاب، وسلطة الإمام، وسلطة الطّبيب. فالفرد الّذي يستخدم الكتاب بدل ذهنه الخاصّ، أو يستخدم إماما بدل ضميره الأخلاقيّ، أو يستخدم طبيبا يملي عليه ما يفعل بدل فنّ الحياة الخاصّ به إنّما هي أمثلة على حالة القصور، ولكنّها في تأويل فوكو لنصّ كانط توافق أنواع النّقد الثّلاثة، أي نقد الذّهن في المثال الأوّل (نقد العقل المحض)، ونقد الضّمير في المثال الثّاني (نقد العقل العملي)، ونقد الحكم في المثال الثّالث (نقد ملكة الحكم). وعلى هذا النّحو نرى كيف يلتقي مشروع النّقد الكانطيّ مع حركة الأنوار بحيث أنّ أحدهما يستدعي الآخر على نحو ضروريّ. فنقد العقل الخالص على سبيل المثال يعلّمنا ما نصنع بذهننا، أي يعلّمنا كيف نستخدم ذهننا استخداما مشروعا داخل حدود العقل، أي كيف نستعمله على نحو مستقلّ دون أن نعتمد على سلطة كتاب. وبهذا التّقريب يلتقي المسار النّقدي بمسار الأنوار في مسألة الذّهن على الأقلّ. فلا نستعمل ذهننا إلاّ داخل حدود العقل المشروعة ولكن على نحو مستقلّ. فإذا ما تجاوزنا حدود العقل المشروعة سنضطرّ حينئذ إلى استدعاء سلطة تجعلنا في حالة قصور. فتجاوز الحدود النّقديّة مع جعل النّفس خاضعة لسلطة الآخر إنّما هما اتّجاهان سلّط كانط ضدّهما نقده، وجعل حركة الأنوار تعمل لتحرّرنا منهما. فالخروج من حالة القصور وممارسة النّشاط النّقدي هما في نظر فوكو عمليّتان مترابطتان تجلّى ارتباطهما من خلال الأمثلة الثّلاثة، أو المثال الأوّل على الأقلّ. وبصفة عامّة تتحدّد حالة القصور الّتي حاولت حركة الأنوار إخراجنا منها بطريقة استعمالنا لعقلنا وإدارتنا أو سياستنا للآخرين. ففي حكم الذّات وحكم الآخرين، أو في هذه العلاقة بين حكم الذّات والآخرين Le gouvernement de soi et des autres تتحدّد حالة القصور.
—
في حوار مع تودوروف أجري معه في شأن الأنوار والمبادئ الّتي ابتدعتها ودافعت عنها والانتقادات الّتي تواجهها اليوم نراه يعرّف هذا الفكر بقوله: ” النّقطة المركزيّة لفكر الأنوار هي نقد الوصايات الخارجيّة وإثبات الاستقلاليّة. فهي قبل كلّ شيء حركة انعتاق émancipation تتضمّن أنّ من شأن الذّات البشريّة أن تمسك بزمام مصيرها السّياسيّ والفرديّ. فليس على العُرف وإنّما على البشر أن يضعوا القانون ويضطلعوا به، فالسّيادة للشّعب. ذلك هو معنى “الإرادة العامّة”، هذا المفهوم الّذي أدرجه روسو في (كتابه) العقد الاجتماعي. فإرادة الشّعوب لا يجوز التّصرّف فيهاinaliénable، ولا يمكن أن تسلّم إلاّ مؤقّتا، وحتّى الملك نفسه مسؤول أمام الشّعب.” (4). ولكنّه من ناحية أخرى ينبّهنا على ما يواجهه فكر الأنوار من مخاطر الرّفض والانحراف والتّحريف. يقول: ” ينبغي أن نميّز بالفعل بين الرّفض rejets والانحراف détournements اللّذين يدفعان ببرنامج الأنوار إلى حدّه الأقصى، وإلى قلبه إلى نقيضه.”.
فأشكال الرّفض والانحراف المختلفة هي الّتي تعترض اليوم فكر الأنوار الّذي ما فتئ يغذّي الفكر العربيّ/الإسلاميّ منذ أن أصابته “صدمة الحداثة” على حدّ عبارة أدونيس البديعة.
ولعلّ أبرز أنواع الرّفض هي الّتي تجلّت في العودة القويّة إلى الكتاب، ونعني لا محالة الكتاب المقدّس: القرآن. والغريب أنّ هذه العودة قد جعلت من النّجاة والخلاص أفقها. فهي تعامل هذا الكتاب كما كان قدامى المفسّرين والمتكلّمين… يعاملونه. فهي تستحضر عن وعي أو دون وعي صور الكتاب المنجّي المخلّص بما هو هدى ونور يقذف في الصّدر (موضع القلب) وشفاء. وهي بهذا الاستحضار تجعل الإنسان (الدّينيّ بصفة خاصّة) مذعنا لسلطة الكتاب، أو النّصّ، وفي أمسّ الحاجة إليه لأنّه مدين له. ففي بعض الكتابات الحديثة يجعل بعض المفكّرين علاقة الإنسان بالكتاب قائمة على الدَّين La dette. يقول هذا المفكّر: ” إنّنا لا نقصد في هذا الكتاب الدّفاع عن القرآن. القرآن يدافع عن نفسه، ولا حاجة له إلينا، وإنّما الحاجة حاجتنا إليه. فهو الّذي هدانا، “وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله” (الأعراف،7.43). نحن المدينون للقرآن، وليس القرآن بمدين إلينا (…) ” (5).
ولا نعزو هذا الرّفض إلى موقف شخصيّ مرتبط بهذا المفكّر أو ذاك، فالأسماء لا معنى لها، وإنّما هي علم وأمارة على نوع من التّفكير قد اجتاح فضاءنا الفكريّ والسّياسيّ. فعندما يُهيكل الفكر ليكون على منوال “أنت تسأل والشّريعة تجيب” فتغيب من جرّاء ذلك روح الجدال والحوار الحيّ لغياب الفضاء السّياسيّ الملائم (أي الدّيمقراطيّ غير الاستبداديّ) القادر على احتضان تضارب الآراء بالشّكل الّذي كان عليه الأمر في أثينا مثلا أو في عصر النّهضة الإيطاليّة فإنّنا لا نعجب حينئذ من رواج نوع من الأقوال يزعم أصحابها أنّهم وجدوا الحقيقة في الكتاب من قبيل ” نحن طلاّب حقيقة وجدناها في القرآن، ومن يخالفنا وجدها في غير القرآن، وكفر به وكذّبه (…) ” (6). وعندما يصبح الكتاب مستودعا للحقيقة فمعنى ذلك أنّ الفضاء الفكريّ السّياسيّ قد أضحى خاضعا لهيمنة النّصّ لا الرّأي، أو سلطة النّقل لا العقل كما يقال في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وفي هذه الحالة لا فائدة من البحث عن الحقيقة لأنّها موجودة في الكتاب. ولا فائدة من إعمال العقل. فمهما نبحث وننظر ونفكّر وندبّر فإنّ جهد الإنسان يظلّ مقصورا ما لم يكلّل بنور يقذفه الله في الصّدر كما أكّد أبو حامد الغزالي في المنقذ من الضّلال: ” (…) ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بـنور قذفه الله تعالى في الصدر “، أو بالإيمان كما يؤكّد بعض مفكّرينا اليوم حين يقول: ” الإنسان كائن ذو عقل ورويّة، لا يحصل له الاقتناع الشّخصيّ اليقينيّ إلاّ عن طريق العقل حتما بعد شكّ. لكن مهما كان الإيمان يضطرّ إلى العقل كي يكون إيمانا حقّا مُستبطنا. فالعقل لا ينتهي حتما، مُسلما لذاته وبمحض سلطانه، إلى الحقّ. في نهاية المطاف لا بدّ أن تعضده العناية والهداية. في نهاية المطاف، بعد بذل كلّ الجهد وأقصى ما في الوسع، الإيمان هبة من الله وفضل: “وأنّ الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم” (الحديد،57:29).” (7). وليس هذا النّور الّذي يقذفه الله في الصّدر أو هذا الإيمان الّذي يكون هبة من الله سوى دخول من جديد في حالة القصور لا خروجٍ منها. فروح الأنوار لا تقتضي من الإنسان أن يكفر بالكتب المقدّسة أو أن ينكر وجود الله أو ألاّ يؤمن بما جاءت به الرّسل وإنّما تتمثّل روح الأنوار، والأنوار الكانطيّة بصفة خاصّة، في أنّها ترسم حدود ما يمكن العلم به. فليس العلم الّذي سطّره فكر الأنوار سوى العلم بحدود العلم. ولمّا كان العقل لا يشتغل على نحو ثابت إلاّ داخل حدود المعرفة التّجريبيّة وبشروطها فإنّ بعض المواضيع والأفكار الميتافيزيقيّة كالله والرّوح والآخرة والجنّة والنّار والجنّ والملائكة… تظلّ من منظور النّقد المنطقي مجرّد قضايا تتجاوز حدود التّجربة، ولا يمكن طرقها بما يوفّره الفكر من وسائل. فعندما يقول مفكّر ومؤرّخ عربيّ مسلم في تأويل الآية “عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوَى” (سورة النّجم، الآية5) ما يلي: ” رأى محمّد جَبْر – إِيل أي قوّة الله بالعبريّة، ولذا نعت بـ “ذي قُوَّةٍ” و”شَدِيدُ اَلْقُوَى” ككيان، يُدركه الحسّ معلّقا في الهواء أي كشخص هوائيّ ، ورآه ثانية بـ”البصر”. والأمر واضح فهي ليست رؤيا في المنام بل رؤية بعين الرّأس.” (8)، فإنّه يصعب علينا أن نعتبر قوله هذا تأويلا صالحا لمقاربة “الحقيقة الدّينيّة المحضة… بحسّ رهيف وعقلانيّة تفهّميّة ومعرفة دقيقة” (9). فهذا التّأويل هو في نظرنا أنموذج من الانحراف بروح الأنوار، لأنّ التّوسيع من حدود العقل هو ضرب من ضروب الخيلاء والزّهو لا طائل من ورائه. فهو لا يكشف عن شيء سوى رغبة جامحة في معرفة ما لا يمكن أن يعرف وبلوغ ما لا يمكن بلوغه. وهذا الجموح يمكن أن يفهم إذا علمنا أنّ ما يريده العقل أقوى بكثير من قدراته. وعلى هذا النّحو نتبيّن الفارق بين أنوار الإسلام وروح الأنوار. فأفق أنوار الإسلام خلاصيّ لا يكون إلاّ بالإيمان أي بالإذعان لسلطة الكتاب أو للحقيقة المودعة فيه، بينما كان أفق روح الأنوار تحرّرا وانعتاقا من كلّ الوصايات والسّلطات الممثّلة لحالة القصور الّتي انتقدها كانط. ولا يكون التّحرّر ممكنا إلاّ إذا احترم الفرد حدود العقل واستعمله بكلّ شجاعة “دون توجيه من الغير”.
الهوامش:
1- انظر كتاب: Sloterdijk, Peter: (1987) Critique de la raison cynique. Traduit de l’allemand par Hans Hildenbrand, Christian Bourgeois Éditeur, p.p51-60.
2- انظر: Kant, Emmanuel: (1784) Qu’est-ce que les Lumières ? in
Kant: La Philosophie de l’histoire. Traduction de S. Piobetta, Paris, Gonthier,
1947
3- انظر درس ميشال فوكو الّذي خصّصه لمعالجة مشكليّة تدور على “حكم الذّات والآخرين”. وقد صدرة بأخرة : Foucault, Michel: (2008) Le gouvernement de soi et des autres. Cours de Collège de France, Hautes Étude, Gallimard-Seuil.1982-1983. ونجد هذا التّعليق في السّاعة الثّانية من درس 5 جانفي 1983. وقد سبق أن نشرت قطعة منه، وهي في الحقيقة جزء من السّاعة الأولى من درس 5 جانفي 1983، (في المجلّة الأدبيّة Le magazine littéraire (العدد207، ماي 1984)، ثمّ أعيد نشرها في كتاب: Foucault , Michel: ( 1994-2001 ) Dits et écrits, 1976-1988 , T2 ,Quarto Éditions Gallimard , p.p 1498-1507.. وقد عرّب يوسف الصّدّيق هذا الدّرس بعنوان: “كانط والثّورة” ونشر في مجلّة الكرمل، العدد12،1984، ص.ص66-71.
4- حوار نشر بالمجلّة الأدبيّة Le magazine littéraire (العدد450، فيفري 2006) وأجراه معه أليات أرمالAliette Armel وميشال دولونMichel Delon .
5- الطّالبي، محمّد: ليطمئنّ قلبي. سيراس للنّشر، تونس2007، ص11.
6- الطّالبي، محمّد: ليطمئنّ قلبي. م.م، ص12.
7- الطّالبي، محمّد: ليطمئنّ قلبي. م.م، ص13.
8- جعيّط، هشام:الوحي والقرآن والـنّبوّة: في السّيرة النّبوية1، دار الطليعة، بيروت، الطبعة1، 1999، ص.ص56-57.
9- جعيّط، هشام:الوحي والقرآن والـنّبوّة: في السّيرة النّبوية1، م.م، ص7.