
كلّف حديثٌ صحيح عالمًا تونسيّا فوق ما يحتمل البشر. هذا ما يمكن أن يقالَ عن الخبر الذي سارت به الركبان في تونس وخارجها عن عالم النازا التونسيّ محمّد الأوسط العيّاري من الصحف المحلّية والعربيّة وصولا إلى الموسوعة الإلكترونية الشهيرة الويكيبيديا. يتعلّق الخبر باختراع ” الشاهد ” وهو منظومة متكاملة ودقيقة لرصد الأهلّة تمكّن من تحديد منزلة الهلال ورؤيته رؤية العين انسجاما مع النصّ الدينيّ من جهة وتوقّيا من الخلافات بين الدول الإسلاميّة في تحديد الأشهر القمريّة وبخاصّة شهر رمضان والفطر من جهة ثانية.
وفي خطوة لاستمزاج رأي فقهاء الحرميْن، أدلى العالم التونسيّ لجريدة ” المدينة ” السعوديّة بتصريح ذكر فيه أنّ ” الشاهد ليس منظارا وإنّما هو منظومة متكوّنة من برج مراقبة ومحطّات استطلاع. وهو كجهاز يعمل بدقّة عالية لرصد هلال رمضان وباقي الأشهر القمريّة. لكنّ وظيفته لن تقف عند هذه النقطة فقط، بل تتجاوزها إلى قياس درجات تلوّث الكرة الأرضيّة ورصد حالة الطقس… هذه منظومة كاملة متكوّنة من مركز مراقبة ومن مراكز للاستطلاع متواجدة في كلّ أنحاء المعمورة. لمّا يدخل الليل مركز الاستطلاع يخاطب مراكز الرصد الموجودة في خطّ الغروب بصفة مستمرّة، وكلّ جهاز للرصد فيه إمكانية النظر في الأفق، ثمّ يقع تعديله، ثم يبيِّن مكان تواجد الهلال، ثمّ يحلّل في ذلك المكان بطريقة أوتوماتكية ويعطيك صورة، وتلك الصورة ترسل عبر الأقمار الصناعية. وهناك جهاز اتصال يرسل الصورة بالأجهزة المكبّرة يظهر الهلال في ذلك المكان، فالشاهد له القدرة على معرفة المكان بالتحديد حتّى في ظلّ تحرّك الشمس قبل غروبها. وللشاهد عدسة وعين إلكترونية. هذه العدسة تتغيّر من عدسة مكبّرة إلى عدسة توازي العين المجرّدة..”
وحول إمكانية توحيد المسلمين في شهر رمضان رغم فوارق التوقيت بين الشرق والغرب يقول د. العياري: ” الهلال واحد. أنا سوف أسبق الحدث، ولكنْ لو وضعت منظومة الشاهد تكون حساباتنا صحيحة 99 بالمائة. نحن لدينا البرهان بصورة ومكان تواجد الهلال، إن شاء الله 99.9 بالمائة..”
بصرف النظر عن هذا الرقم المخيف والمرعب لنا نحن شعوب جنوب الحداثة، وبانتظار أنْ ينبريَ عالمُ دين لمناظرة عالم الدنيا، أجد من المناسب التذكير، على الحساب، باعتراضيْن سياسيّ وفقهيّ إلى أنْ نقرأ الكتاب بعد عامين تاريخ الدخول الفعليّ للشاهد في العمل والإنتاج.
– إنّ رصد الأهلّة من صميم عمل السلطان وممّا يدخل في خطط السلطة التي تتمسّك بها من أجل إثبات سيادتها. ولن تسمح الدولة، أيّة دولة، بأن تنتزَع منها هذه السلطة، أي سلطة إعلان بداية الشهر وانتهائه.
– هذا الاختراع التونسيّ، في ظاهره، ملتزم بالنصّ الدينيّ المؤكّد على الرؤية، ولكنْ دون ذلك الحديث البيّن الذي يذكره البخاري في صحيحه من كتاب الصوم: عن ابن عمر رضي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: جعل الله الأهلّة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين يوما..إنّا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا يعني مرّة تسعة وعشرين ومرّة ثلاثين..”
أنْ يحكم رسول اللّه بأنّنا أمّة أمّية حكمٌ واضح لكلّ ذي عيان وبصيرة، ودعك من تآويل المستشرقين عن أمّية من غير أهل الكتاب. ومقتضيات السنّة السير على نهج السلف، وقد درج فقهاء الأمّة على أنّ رؤية الهلال هي ما تنعقد عليه مواقيت الناس بالعين المجرّدة لا بالمناظير فما بالك بالحساب. وعليه، فإنّ الاعتماد على الحساب الفلكيّ لإثبات دخول الشهر القمريّ يتضمّن مطعنيْن جسيميْن، أوّلهما إسقاط العلّة الشرعيّة الموجبة للصّوم والإفطار وهي الرؤية بلا منازع. وثانيهما إحداث علّة للصوم والفطر لم يرد بهما شرعٌ وهو الحساب الذي يقوم عليه ” شاهد ” عالم الدنيا الدكتور محمد الأوسط العيّاري بالأساس.
وبيْن ذينك المطعنيْن ماذا نصنع بتراثنا في الرؤية:
– يُرْوَى أنّ جماعة فيهم أنس بن مالك الصحابيّ حضروا لرؤية هلال رمضان وكان أنس قد قارب المائة فقال أنس: قد رأيته هو ذاك وجعل يشير إليه فلا يرونه ! وكان إياس القاضي حاضرا – وهو من الذكاء والفراسة – فنظر إلى أنس وإذا شعرةٌ بيضاء من حاجبه قد تدلّت فوق عينه ! فمسحها وسوّاها بحاجبه ثم قال: انظر أبا حمزة فجعل ينظر ويقول: لا أراه.
– وصعد الناس ليلة لرؤيته فلم يروه فلمّا همّوا بالانصراف رآه صبيّ وأرشدهم إليه، فقال له أحدهم: بشّرْ أمّك بالجوع المضني.
– واجتمع الناس ليلة لرؤيته فكانوا يحدّقون في الأفق ولا يرون شيئا، فصاح رجل من بينهم: لقد رأيته ! لقد رأيته ! فتعجّب الناس من قوّة إبصاره وهتفوا: كيف أمكنك أن تراه دوننا فطرب الرجل لهذا الثناء وصاح: وهذا هلال آخر بجواره !
– وخرج الناس بالبصرة يوما لرؤيته فرآه واحدٌ منهم ولم يزل يومئ إليه حتّى رآه الناس معه فلمّا كان هلال الفطر جاء الجمّازُ صاحبُ النوادر إلى ذلك الرجل وقال له: قمْ أخرجنا ممّا أدخلتنا فيه.