تأملات في الحب والحرب والأنتروبيا

الأنتروبيا كما أوردها (إسحق عظيموف) في كتابه “أفكار العلم العظيمة” هي الحصيلة الكونية من الطاقة المبددة عشوائياً وغير القابلة للإستغلال او الإسترجاع. وتقوم جميع العمليات النافعة في الحياة على فكرة تحويل الطاقة. وعادة ما تكون الطاقة المنتجة أقل مما استخدم في إنتاجها كما يحدث في الآلات الحرارية، إذ تتبدد فيها الطاقة بالتسرب الحراري وتآكل الأجزاء والإهتزازات والأصوات، فيكون الناتج أقل من الطاقة المستخدمة… كل ما حولنا عرضة للزوال، كل ما حولنا عرضة للتبدد، وكل ما فينا متجه إلى فناء. ولا يعمل كيان أو جسد حي، إلا على نظام الحصول على طاقة مسبقة للوصول إلى ناتج ما، مع شرط تبدد دائم للطاقة العشوائية خلال فعل الحدوث. أستعير هنا مفهوم “الانتروبيا” الفيزيائي جرياً على انزياح الحدود بين العلوم والأفكار لتأمل حالات ونظم غير فيزيائية.

نعرف أن التبدد هو شكل من أشكال النهايات المؤجلة، نهايات بطيئة لكنها متواصلة ودونما توقف. فالمواد التي تتكون منها الأشياء والعناصر التي تشكل الأنظمة والأفكار التي تكوّن المفهومات، تتوهج وتعمل في مداها الزمني وتتجه بحتمية فيزيائية صوب الفناء والتبدد على نحو تلقائي وبوتائر مختلفة.

يخبرنا العلم أن وتيرة التبدد تزداد على نحو عشوائي خلال الزمن. فإذا علمنا أن جميع نظم الحياة تخضع لفكرة الأنتروبيا، وأولها النظم البيولوجية التي تميل إلى التشتت والتلاشي بشكل طبيعي، وكذلك نظم المعلومات التي تمتلك ميلاً للتبدد والتلاشي والعشوائية، فإن “الأنتروبيا” هي السلطة الخفية التي تسيّر الوجود.

نتحدث عن فكرة التبدد في سياقات مختلفة افتراضية ومفهومية، ونكتشف خلال التأمل في فكرة “الأنتروبيا” أن الكون والموجودات حصراً تتجه من هيولى التكون الأول، إلى التشكل المتعدد الأشكال والأنواع لتمضي من جديد إلى التبدد والتشتت في عشوائية هيولية مبددة، وكل فعل أو حركة أو فكرة أو شعور يتطلب وجود طاقة تقوم بإنتاجه، طاقة بدئية أولية أو تركيبية ليجري تبديد قسم منها ويكون الناتج أقل من الطاقة المبذولة. فالمروحة التي تعمل على بطارية تشحن بالكهرباء تحتاج إلى أربع وعشرين ساعة من الشحن لتشتغل المروحة نحو ست ساعات بالطاقة المخزونة، والفرق بين الطاقتين المستهلكة والناتجة هو “الأنتروبيا”.

كل فعل وحركة وفكرة وعاطفة ندفع ثمنها وتجليها لدينا من طاقة كونية أو معنوية مبددة تقودنا خطوة نحو النهاية. والميل إلى التبدد والفناء أكبر من الميل إلى النظام والبقاء، لذا تنفلت الأفعال المدمّرة ما أن تجد لها ثغرة في نظام الكون أو النظم السياسية أو العلاقات الإنسانية.

الأنتروبيا : المضاد الأبدي للخلود

كابد الإنسان منذ أول ظهوره على الأرض من فكرة الفناء والموت، وقد شغلته فكرة الحصول على الخلود والبقاء المؤبد، ودفعته إلى اجتراح المآثر وتأسيس الحضارات وابتكار الأعمال الأدبية والفنية والتشبث بموضوعة “الحب” التي تعد المضاد الأساسي لسلطة “الانتروبيا”. كل ذلك ليخفف من وتيرة التبدد العشوائي في عالمه الذي يرجو له البقاء، لكنه يرى الموت يتربص به والفناء يسري من جنباته كل آونة وحين، فينغمر في تعلقات وأنواع من الشغف والإنجازات الإبداعية والعلمية والفكرية، لعله يحتال على التبدد والفناء المحتوم.

سنراقب بعض حركيات الوجود، سواء الحركيات المؤدية في جوهرها الى إستمرار الحياة ــ كالحب ــ وعملية الإنبات أو تلك الحركيات المؤدية إلى تدمير الوجود ــ كالحرب والحرائق ــ تبدو لنا صورة العالم في حضوره الحي وكأنها تبذل أقصى جهودها لتتشكل وتتطور أو تبلغ مستوى من التناسق والجمال. ولكن، ثمة شيء ما خفي ومستور في أعماقها يدفعها على نحو لا ارادي بإتجاه “العشوائية”، من هنا يسارع الإنسان المتحضر وإنسان الكهف على حد سواء لإيجاد “امتدادات” أو زوائد أو توصيلات لإطالة أمد “الوجود” المتناسق والجميل.

وتتجلى هذه الامتدادات أول ما تتجلى في “الحب” وفكرة “الأمل” و”الحل”)، وعلى مستوى آخر في “الابداع” والمواقف المبتكرة التي تضاعف افتراضاً مدى الزمان وتكثفه، فكأنها تطيل عمر الإنسان وتمنحه امتدادات في الزمان والمكان.

تبدو لي قصص الحب العظمى وحكايات العشق الباهرة وحالات الإبداع الرفيع وحالات الكشوف الرؤيوية والفكرية والمجازفات والمغامرات والأحلام، توازيات تضاف لإطالة أمد الوجود قبل أن يحدث التبدد والفناء النهائي ثم التلاشي في العدم.

الانتروبيا “فخ العدم”

العاشق الذي يتوقف عن العيش في فكرة الشغف والتعلق والشوق، يتحول إلى إنسان بخطى ثقيلة وأحلام منكسرة، ولا يعود يتشبث بالخدع العجائبية التي يوجدها الحب لمراوغة “الأنتروب”). ولكن، كلما اتسعت أو نشطت أو تضاعفت هذه التوازيات أو حلقاتها، تنشط مقابلها المضادات التي تعاكس فكرة التوسع الوجودي وتبدأ العمل متضافرة من مواقعها لإسناد فعل “الانتروبيا” الخفي، فتكوّن صدوعاً وتقاطعات وقطيعة وحدوداً، وتوجد أطراً وحواجز وأدوات تحجيم للحب والفكرة والإبداع.

ولا بد أن تؤدي هذه الإجراءات التي نفسرها على الصعيدين السياسي والإجتماعي بأنها “أفعال محافظة” أو سلوكيات متزمتة، إلى إعاقة ازدهار التوازيات “الابداع ــ الحب، الأفكار ــ المجازفات” أو تسبب إبطاءً أو توقفاً فيها. حالات إنسانية باهرة مثل الحب، وأفعال بشرية شنيعة مثل الحروب، ومفهومات مثل الثقافة والأفكار، ومسميات فيزيائية مثل “الزمان”، تتعرض جميعها لأنتروبيا التبدد وتعجز في مرحلة معينة عن إيجاد وسيلة تتجنب بها تسارع الأنتروبيا والوصول إلى الغايات القصوى التي نختلف جميعاً بشأنها. فنهايات الحب لدى الصوفية هي “الفناء” في “المحبوب” وهو أعلى حالات “الأنتروبيا”، ونهايات الحرب لدى الفاشيين والقتلة هو “النصر” أمام مشهد مروع من الجماجم والجثث وأنهار الدماء، وهو مشهد بالغ السواد لفوز “الأنتروبيا” على الحياة. وكل محاولات الانسان لتجنب الفناء ــ ياللمفارقة ــ تؤدي به الى تسارع وتيرة حياته وبالتالي إلى تسارع الأنتروبيا.

الوجود: حركية الحب، التبدد: مسعى الحرب

تتبادل مفردة “التبدد” تأثيرها مع مفردة أخرى هي “الضياع”. ألا أننا نجد مفردة التبدد أوسع وأشمل وأقرب إلى مفهوم “العدم” من “الضياع”، لأن “التبدد” يشمل التفرق والضياع والتلاشي والفناء في آن. وتشير حركية فعل “الحرب” الى أن “أنتروبياها” أكثر بملايين المرات من نواتجها، مهما حاولت النصوص والخطابات والإحصائيات المساندة لفعل “الإماتة” والقتل، تسويغ النتائج أو تمويه حقيقة “الأنتروبيا”. فالمروجون للحروب يقللون من شأن حجم “الأنتروبيا”، مقارنة بانتصاراتهم الكريهة مدفوعة الثمن حيوات بشرية ومجتمعات مفككة ونكوصا الى القبح والفوضى والخراب الشامل.

فإذا تفحصنا “أنتروبيا الاحتراب”، نجد أن الفقدان والتحلل والموت والفناء لم تكن أهدافاً لأنشطة الوجود، مثلما لم يكن المسعى الإنساني في أي زمان ومكان هو التبدد، إلا إذا “زُيّفَ) و(حُرّفَ) وموّهت حقيقته بمعانٍ مضادة لها، وهو ما دأب عليه رجال العسكريتاريا ومشعلو الحروب والنهابون والإرهابيون الذين يحاولون ــ بكل الطرق ــ إلباس فعل القتل مسحة من قداسة الواجب أوالعقيدة، وهم يبددون الحياة والساعين إليها بهذا التزوير والتلفيق.

الفقدانات عموماً هي الناتج الحتمي لإستحالة البقاء في ركود وثبات أبديين، وهي تشكل حالات عرضية وأساسية تختلف عن مسعى الحياة الإنسانية لبلوغ المحطات المنشودة.

الاحتراب البشري فعل مضاد للمستقبل ومخرب لسيولة الزمن، وهو يتطلب مدى بين الكتلتين المتضادتين ويحتاج إلى منافذ أو معابر مادية أو افتراضية تتلاقى فيها المجموعتان، ودونما حكم أخلاقي أو قيمي أو فكري، نجد أن هناك في المسافة المفترضة بينهما، تنشأ علاقة متوترة وتتكون حالة تماس ملتهبة وحلقة اتصال سريعة الانفصام، عبر الهجوم والدفاع، وتساعد على تهييج الحماسة والتعصب والتراجع وإثارة الغرائز البدائية. وتنشط الأنتروبيا في هذا الفعل البشري السلبي كأعلى ما تكون هدراً وأقل ما يمكن إنتاجاً، وتزداد العشوائية فيها بشكل مروع حتى يصبح الأمر متعلقاً بسيادة العشوائية فيها، رغم صرامة النظام في العمل الحربي ظاهرياً، إنما تفتقد النواتج إحتمالات النظام ويطال هذا التوسع العشوائي والتبدد المسافات التي تحيط ساحة الإحتراب وما فيها من بشر وموجودات. على هذا فإن “فعل الإحتراب” يشكل “لُبَّ الانتروبيا” لأنه يعمل في مجال التدمير وإفناء الوجود الحي ويحدث تراجعاً وبتراً في خط الحياة، ويتحول المفهوم الافتراضي من اللامرئي الخفي إلى المرئي المعلن القابل للقياس والحصر

الحياة: محاولة مستديمة للإفلات من الأنتروبيا

لو تقصينا في هذا السياق أنسب وأقرب المعاني والتوصيفات لمفردة “الحياة”، لعثرنا على معنى بسيط ومباشر وله قوة النفاذ والتأثير يعرّف “الحياة” بأنها: “عملية استمرار الوجود والتجدد”، بمعنى أنها نشاط تطوري يتقدم بمحمولاته المختلفة نحو “المستقبل” دوماً، مخترقاً حالات الزمان او مستوياته الثلاثة “الماضي، الحاضر والمستقبل” وتبدلات الامكنة ضمن حركة الزمان. ونجد أن مضاد هذا المعنى المباشر لمفردة “الحياة” هو “استمرار الفناء” الذي يحدث بأفعال التحلل والتلاشي والتوقف، ثم مغادرة الزمان والتبدد في المكان. ويمتاز فعل (الحياة) بأنه هو بذاته “ناتج” استمرارها، فكأن فعلها هو ماهية نشاطها وناتج هذا النشاط، لأنه يتم بحركية متلازمة ومستديمة دائبة وجوهرية. حركية تمتد خطوطها وأهدابها ومجساتها في الإتجاهات كلها.

وتحمل كل حالة تجدد وديمومة مرئية في ثناياها “أنتروبيا” تبددها الخاصة التي تتجلى لنا بإندثار ملايين الخلايا في الدقيقة الواحدة داخل الجسم الحي، وهذا هو الفعل الأنتروبي المتواتر: هدر مؤبد لصيغ البقاء ونفي قاطع لفكرة الخلود. وعلى هذا تحاول بعض الكائنات إستخدام قدرة البقاء في جوهرها، فتعمد إلى التحوّط والدفاع، أو تقاوم الموت بالتمويه أو تغيير الشكل أوتخليق اعضاء جديدة كما يفعل السمندل، أو التنقل بين الامكنة. ويبدو هنا أن ثمن النجاة المبذول في المحاولة أكبر واغلى من الناتج الذي هو “مدى زمني” معين للبقاء في مكان محدد. إنما ستعاود نتائج الإنتروبيا ظهورها بعد زوال حالة الذهول التي تسببها لحظة النجاة في مواجهة الموت المحتم. وخلال هذه الصحوة تنشط دفاعات الوعي لاعادة صياغة وبناء وتشكيل “أوساط” تقاوم “المد الأنتروبي” المتزايد، ولن تتوقف المحاولات قط ما دامت الحياة قادرة على الاستمرار، برغم انطوائها على بذرة فنائها في أعماقها.

خلود البطولة الزائف

مفهوم الخلود له سحره في الذاكرة الجمعية المشبعة بفتنة الأسطورة والحكاية والخرافة. وتشكل عقدة مساعي البشر لضمان البقاء اطول ما يمكنهم في الحياة وذاكرات الأجيال اللاحقة . لكن الخلود هنا يبدو وعاء لمضادات “البقاء”، فهو خلود زائف محتشد بالجثث والحشرجات، خلود الموت، لاخلود الحياة. ويعمل قناع المفردة على تقديم إيحاء مواز آخر، هو مفارقة مفهوم الحياة عندما يصير فعل الموت في الإحتراب “أبدياً” ومخلداً. فكأننا بذلك نحصر الخلود في فعل الموت، وننفيه في اللحظة ذاتها، إذ لاخلود مع الفناء، وهنا تفقد المفردة مدلولها وتعمل في مستوى آخر من الخداع ــ واللغة تعمل في كثير من الأحيان في ساحة التضليل والخداع بخاصة في حالات الإحتراب والقتل، لتصبح سلاحاً تدميريا يغير المعاني والمدلولات ويزيحها عن مستوياتها المألوفة. وتحفل هذه التداعيات بالتناقض، فهنا نعثر على “خلود الفناء” أو العدم المؤبد في الوجود، ويبرز التساؤل التالي:

هل الحروب هي الخلود الوحيد المستديم بعدميته وقدرته الأنتروبية؟ والحياة؟ أهي فناء مؤبد؟ إذن ما هي حدود الأنتروبيا هنا؟ وإلى أي مدى تستطيع الحياة المضي قدماً تحت طائلة هذه التهديدات؟ وأين هي سلطتها في مواجهة الانتروبيا؟.

إن الكتلة البشرية وأحلامها ونواتج إبداعها وكشوفها وحضاراتها وقصص العشق والمجازفات والمغامرات وتجليات الفنون والثقافة الشعبية ماهي إلا تحديات متواصلة لسلطة الأنتروبيا التي تمتلك سيادتها المحسومة وتتحكم بسياقات الوجود بفداحة ما تبدده وليس بعظمة ما أنتجه الإنسان طوال العصور.