
مع إعلان رئيسي الحكومة والجمهورية التركيين، رجب طيب أردوغان وعبد الله غل، تأييدهما إدخال مادة في مشروع الدستور الجديد، تلغي الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الجامعات، انحدر النقاش من مشروع الدستور إلى الحجاب. وإذا كان مفهوماً أن تلجأ الفئات المصنفة علمانية، إلى حرف النقاش بهذه الطريقة للتمويه على رفضها تغيير الدستور النافذ، فقد أخطأت الحكومة، بالمقابل، في توقيت وسياق طرحها لموضوع إلغاء حظر الحجاب. والحق أن آلاف الفتيات تضررن من الحظر المذكور، فحرمن حقهن في التحصيل العلمي، في الوقت الذي يزعم فيه العلمانيون المتشددون أنهم من أنصار المساواة بين الجنسين وتحرر المرأة.
ليس مفهوماً كيف يمكن أن تتحرر المرأة بحرمانها من دخول الجامعة، إذا كان عدد كبير من النساء في المجتمع يرتدين الحجاب. وإذا كان هدف من قرروا حظر الحجاب في الجامعات، إرغام النساء على خلعه، فقد بينت التجربة العملية أن عدد المحجبات قد ازداد، ربما كردة فعل أو كفعل احتجاج، منذ القرار المذكور، بدلاً من أن ينقص. ويقدّر كثير من الكتّاب، انطلاقاً من هذا التفسير، أن نسبة المحجبات يمكن أن تتناقص إذا رفع الحظر.
على كل حال، بات السؤال المقلق الذي يروّج له العلمانيون اليوم، في هذا السياق، هو: ألن يشكل وجود المحجبات في الجامعات ضغطاً على غير المحجبات، بما يؤدي إلى إرغامهن على التستر؟ وقد لجأت جريدة “حرّييت” واسعة الانتشار إلى استنطاق عالم اجتماع رصين، صاحب مؤلفات مهمة في علم الاجتماع السياسي، مشهود بقيمتها المعرفية، في تركيا والغرب، هو البروفسور شريف ماردين. أجرت الحوار كاتبة مقالات خفيفة من نوع الماغازين، وبذلت جهداً جباراً لاستدراج محاورها إلى قول ما يؤكد مخاوف العلمانيين من تحول تركيا إلى دولة إسلامية. لم يقلها الرجل تماماً، لكنه قال إنه لا يضمن لها شيئاً، وأنه ليس بمقدور أحد أن يضمن شيئاً. كان هذا كافياً بالنسبة للصحافية وإدارة الجريدة، لتضع عنوان الحوار: “لا أستطيع التأكيد بأن تركيا ستتحول إلى ماليزيا أخرى، ولا أنها لن تتحوّل” ولتنشره كمانشيت على الصفحة الأولى.
وهكذا، انشغلت الصحافة طيلة الأسبوع الماضي بفكرتي “تحول تركيا إلى ماليزيا أخرى” و”ضغط المجتمع المحلي”. الغريب أنه بينما كان يتم التعبير سابقاً عن الخوف من تحول تركيا إلى دولة إسلامية، بوساطة إيران، شاع في الآونة الأخيرة استخدام النموذج الماليزي. طبعاً ليس شريف ماردين من جاء بماليزيا إلى السجال التركي، بل فرضته الصحافية عائشة آرمان من خلال سؤالها. أما بالنسبة لفكرة ضغط المجتمع المحلي، فهي تستحق، من وجهة نظر مشاغلنا المتشابهة في الجغرافيا الإسلامية، وقفة خاصة.
في أوائل العام الحالي التقى صحفي آخر من جريدة الوطن، بشريف ماردين في الولايات المتحدة حيث يعمل في إحدى جامعاتها، دار بينهما حديث (لم ينشر كحوار، بل كانطباعات) حول الوضع السياسي في تركيا، طرح فيه، للمرة الأولى، فكرة ضغط المجتمع المحلي، كمفهوم غير متبلور بعد، يشتغل عليه لتفسير بعض ظواهر الاجتماع السياسي في تركيا. وتقوم الفكرة على افتراض تقابل بين “مركز” يتشكل من الطبقة البيروقراطية العسكرية والمدنية، هي النخبة المحظوظة صاحبة السلطة والثروة، تعد نفسها مؤسسة الجمهورية و”صاحبتها” وحامية النظام، تتمسك بإيديولوجيا هي مزيج من علمانية وقومية متشددتين ونزعة تقديس للدولة؛ و”محيط” مهمش تاريخياً، هو سائر الشعب، وخاصةً في الأناضول، يتسم عموماً بالنزعة المحافظة ورفض العلمانية. وتمثلت هذه النزعة المحافظة، وفقاً لماردين، في تديّن (إسلامي) اتخذ، في فترات تاريخية معينة، أشكالاً منظمة ذات نفوذ، أهمها الطريقة النقشبندية في أواخر القرن الثامن عشر وطيلة التاسع عشر، وقد تجلت قوتها، وفقاً لماردين، في أحداث محددة كتمرد الشيخ سعيد الكردي في العام 1925.
ويربط ماردين مفهوم ضغط العامل المحلي بالمشهد السياسي التركي كما يلي:
يشبّه ماردين النخبة المؤسسة للجمهورية التركية بالحركة الشعبوية الروسية في القرن التاسع عشر، فقد بدأت حركتها من خلال نخبة مثقفة تحلقت حول مجلة “إلى الشعب” بإدارة المفكر يوسف آك تشورا، عملت من أجل تحقيق أحلامها المثالية في تنوير الشعب الذي لم تكن تعرف عنه شيئاً، وأصيبت بخيبة أمل كبيرة حين تعرفت إليه. منذ تلك الحركة، انفصلت النخبة عن الشعب وفقدت ثقتها به، وأخذت تنظر إليه كمصدر للخطر على أحلامها الراديكالية، الأمر الذي ينطبق على كل من “جمعية الاتحاد والترقي” التي استلمت السلطة في العام 1908، وأقامت أول مجلس تمثيلي (اقتصر على تمثيل النخبة) ووضعت أول دستور؛ وجمهورية أتاتورك التي ولدت في أعقاب حرب الاستقلال.
منذ ذلك الوقت أصبح حزب الشعب الجمهوري هو حزب الدولة وحزب النخبة التي تمسك بالدولة، وحكم بمفرده حتى العام 1946، تاريخ الانتقال إلى تعدد الأحزاب. جميع الأحزاب خارج حزب الشعب الجمهوري، استطاعت، وفقاً لماردين، أن تصل إلى الشعب وتتبنى مطالبه، ولذلك نجحت بسهولة في الانتخابات واستلمت السلطة (الحزب الديموقراطي في الخمسينات)، الأمر الذي دفع بنخبة الدولة إلى القيام بأول انقلاب عسكري (1960) وتغيير الدستور للوقوف في وجه تكرار السيناريو نفسه. لكن خط “حزب المحيط” إذا جاز التعبير، استمر في صيغ مختلفة، بدءًا من حزب “العدالة” الذي أسسه سليمان ديميريل، في الستينات، مروراً بحزب الوطن الأم الذي أسسه تورغوت أوزال في الثمانينات، وانتهاء بحزب العدالة والتنمية الذي أسسه رجب طيب أردوغان في الألفية الجديدة. ويسمى هذا الخط، في الأدب السياسي التركي، بخط يمين الوسط. لقد وجدت الدولة، وفقاً لماردين أن أذرعها أقصر من أن تصل إلى الشعب، فأوجدت نظام تعدد الأحزاب لتلافي هذه المشكلة. وهكذا بقي حزب الشعب الجمهوري حزب المركز، أو حزب الدولة، في حين لعبت الأحزاب الأخرى دور الأذرع التي تبني الجسر بين الدولة والشعب. ولكن كلما عبرت تلك “الأذرع” عن طموح الشعب إلى السلطة، أي نمت قوتها، كانت الانقلابات العسكرية تعيد الأمور إلى نصابها، من وجهة نظر النخبة الحاكمة. المشهد السياسي اليوم، تكرار للتجارب السابقة ولكن في بيئة جديدة، هي بيئة العولمة ونمو ما يسمى بنمور الأناضول، وعصر الشفافية الإعلامية ونمو قوى المجتمع المدني الجديدة.
ليست لدى ماردين مخاوف من “حزب العدالة والتنمية” بحد ذاته، بل من “ضغط المجتمع المحلي” ذي الطابع المحافظ، أي الإسلامي، على حزب السلطة، الأمر الذي قد يشكل انقلاباً على سياساته الليبرالية وغير المتصادمة مع الطابع العلماني للنظام. يذكر بهذا الصدد بأن وسائل الإعلام العلمانية تسعى لاتهام النخبة القيادية في حزب السلطة بالعلاقة مع جماعة فتح الله غولن، وهذا مرشد لطريقة إسلامية هي الأكثر نفوذاً في ميدانها، يعيش في الولايات المتحدة، ولديه الكثير من المريدين في تركيا. وعلى الرغم من اعتدال غولن في أفكاره الإسلامية، وعدم تدخله المباشر في السياسة، يخشى العلمانيون من نفوذه الواسع وعلاقته المفترضة مع قيادات حزب أردوغان.
أما التيار الثقافي الذي يطلق عليه “تيار الجمهورية الثانية” ويتألف من مثقفين ليبراليين، بعضهم ماركسي سابق، فيدعم “حزب العدالة والتنمية” بضمانة مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ففي رأيهم أنه مهما كانت أفكار النخبة القيادية في حزب العدالة والتنمية، إسلامية، فإن تمثيله لمصالح رأس المال الأناضولي الصاعد، المرتبطة مصيرياً بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تشكل ضمانة الحفاظ على علمانية النظام، من جهة؛ وضمانة التحول الديموقراطي، من جهة ثانية.
بانزلاق السجال السياسي من النقاش حول الدستور، إلى فتح ملف الحجاب، يخاطر الحزب الحاكم بإدخال تركيا في توتر جديد، ما دامت النخبة الدولتية قد استعادت زمام المبادرة، وليست لديها النية بالتسليم بفقدان مواقعها الواحد تلو الآخر.