تعقيب على عبد السلام بنعبد العالي: قوة المعرفة .. وحروب المعاني

المعرفة هي محصلة قدرة الإنسان على المعرفة وقابلية الطبيعة لأن تعرف، محصلة مشروطة بالعمل والنشاط والفاعلية؛ فالعمل أبو المعرفة والطبيعة أمها. الطبيعة، والطبيعة المؤنسنة، وعالم الإنسان، والإنسان ذاته (موضوعات المعرفة) وفق هذا المنظور، ليست موضوعات سلبية هامدة ومنفعلة ومطاوعة تستجيب لأي إرادة تعسفية، بل هي ذات وحياة، يجب أن نطيعها لكي تطيعنا؛ وسلبيتها، بالأحرى، كسلبية القطب السالب في المغنطيس، الذي يشرط وجود القطب الموجب وينشرط به. قابلية الموضوعات لأن تعرف هي شرط قدرة الإنسان على المعرفة؛ ومن ثم فإن المعرفة هي وحدة الذات والموضوع وحدة جدلية، وما يتوسط العلاقة بينهما.

القدرة على المعرفة هي خاصية الإنسان النوعية، مقرونة بالحرية والأخلاق، ذلك أن الإنسان لا يتحدد بمعارفه ومعلوماته وأفكاره وتصوراته فقط، بل بقدرته غير المحدودة على المعرفة والتفكير والفهم والعقل والتصور، قدرة تمكنه من إنشاء صورة العالم في ذهنه وإعادة إنشائها مرة تلو مرة. هي طاقة روحية تتضافر فيها جميع ملكات النفس وقواها وحواسها، بغية تأسيس ذاتها في العالم، وتملكه بالعمل؛ نشاط يوجه فاعلية الفرد والجماعة ويحدد مدى نجاعتها، في الواقع وفي الحاضر؛ مغامرة فيها من البراءة والصبوة والهوى والطيش والجنون بقدر ما فيها من الرشد والحكمة والتعقل والسمو؛ تركيب مدهش من العقل واللاعقل ليس من سبيل لنفي أحدهما بغير نفي الآخر؛ تجل رائع لقوة الحياة وإرادة الحياة وإرادة الحرية؛ ذهاب ومذهب في المجهول، لا في المعلوم.

ولما كان الإنسان طبيعة تعي ذاتها، فإن غاية المعرفة، غايتها القصوى، هي وعي الذات، وحذف جميع أشكال استلابها، المقدسة منها وغير المقدسة، وحذف اغترابها عن عالمها وعن ذاتها.

ومن ثم فإن المعرفة غائية من البداية، حتى حينما تكون غايتها هي المعرفة ذاتها، (وهذه، أي المعرفة من أجل المعرفة، هي أساس الاستنارة والتنوير). ولذلك فإنها تتعين في مستويين متداخلين: أولهما مستوى البنية وثانيهما مستوى الوظيفة، فضلاً عن تعيُّنها في منتجات العمل البشري، عمل الرأس واليدين، وفي الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي، تعيناً يدرجها في مجال الموضوعية بنية ووظيفة، فيمكننا القول: إن عالم الإنسان هو الإنسان مموضعاً، بتعبير ماركس. هذان المستويان هما بالأحرى مستوى الفكر النظري (بنية المعرفة) والمستوى الأيديولوجي (وظيفة المعرفة).

المستوى الأول يعيِّن حقولاً ومجالات مستقلة، ومترابطة، ومتداخلة، كالفلسفة والعلم والدين والأدب والفن، ويتعين فيها؛ والمستوى الثاني يعيِّن حركة التاريخ ويتعيَّن فيها؛ يا للمفارقة! نقصد بالتاريخ هنا تحول ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل، و”توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى”؛ فالتاريخ هو ظل الإنسان، أو ظل العمل البشري، ونحاول أن نميز التاريخ العام، أي تاريخ انبساط الروح الإنساني ونموه في العالم، التاريخ الذي يصنعه العمل البشري، وتتجلى فيه قوة المعرفة، من التاريخ السياسي، الذي يصنعه متوسطو الذكاء والممسوسون، ممن يستولون على السلطة بالعصبية وقوة الشوكة، أو بقوة آخرين، أو بالوراثة، أو بالمكر والوغدنة، ولا يُعنَون بالمعرفة، حين يعنون، إلا من حيث وظيفتها، ما يجعل التاريخ السياسي، حتى يومنا، تاريخ ما قبل الإنسان، أو تاريخ الإنسان ذي البعد الواحد. تاريخ الحروب والمنازعات والاستثمار في الكم، بغية الاستحواذ على مزيد من “كم الواقع” وأشيائه، وحرمان الآخرين منها.

غائية المعرفة تضع غائية التاريخ، بحسب زاوية النظر إلى التاريخ، وبحسب هذا التعريف المفترض أو ذاك للتاريخ نفسه.

والأيديولوجية، أي إدماج المعرفة في العمل، هي علم الأفكار الغائية أو علم الغايات والمقاصد. نحاول أن نشير هنا إلى العلاقة الوثيقة بين الأيديولوجيا والتاريخ السياسي مدخلاً إلى نقد الأيديولوجيا، على افتراض أن التاريخ السياسي، حتى يومنا، هو حجاب الحقيقة، وأن نقد السياسة، بوصفها علم السلطة، ثم علم الدولة، أو علم إدارة الشؤون العامة، هو المدخل الموضوعي الوحيد لنقد الأيديولوجيا. إن تأسيس علم السياسة، أو تأسيس السياسة علماً، من شأنه أن يقيم الحد على الأيديولوجيا، ويحد من سطوة العناصر الحصرية والإقصائية والعدوانية، التي تنطوي عليها، ويردم الهوة شيئاً فشيئاً بين بنية المعرفة ووظيفتها، ويعيد بناء العلاقة بين ما هو عام وكوني، تعبر عنه بنية المعرفة، وبين ما هو خاص وحصري تعبر عنه وظيفتها. الأيديولوجيا من هذه الزاوية هي توظيف ما هو عام وكوني وإنساني في ما هو خاص وحصري، وذلكم هو جذر الاستبداد في جميع الأيديولوجيات.

هل تتصاقب دوماً بنية المعرفة ووظيفتها؟ لا جواب مؤكداً وشافياً. ولكي لا يظل السؤال معلقاً نقترح إجابة أولية مفادها أن بنية المعرفة ووظيفتها تتصاقبان غالباً في التاريخ العام، وقلما تتصاقبان في التاريخ السياسي، حتى في أيامنا. فإن غلبة الأيديولوجيا على الفكر تكاد أن تكون سمة مشتركة بين مختلف الحقب التاريخية.

الركون إلى قول نيتشه أن “المعرفة هي إرادة قوة، وأنها قوة وتسلط”[1]فعل التملك (وكل إنتاج هو تملك) هو الفعل الذي يغدو به العالم عالم الإنسان والتاريخ تاريخه، وهو مختلف عن فعل الحيازة ووضع اليد أو الاستيلاء، الذي تنشئه القوة الوحشية، ولا يدوم إلا مدة دوامها. ولذلك كان “التأويل” سمة ملازمة للأيديولوجيا، بما هي قناع السياسة، وليس “بحثا عن معنى أول”، بل “فرض أولويات وأسبقيات وتفاضلات تعود لإرادات القوة والتسلط” اللتين تتلبسان التأويل من البداية.. “فيغدو إنتاج المعنى خوضاً لحرب”، ولا تعود “علاقة التأويل بالنصوص، بما فيها نص العالم، علاقة تأمّل ونظر، بل علاقة استحواذ وفرض الأسماء والمعاني”. “السيادة والتسلط يبدأان (هنا) بمجرد إطلاق الأسماء، لأن السادة هم الذين يُسمُّونَ فيَسْمُونَ”[2]والقول بأنه “ليست هناك درجة صفر للمعنى”، أو “ليست هناك درجة صفر للدلالة، يفضي إلى موت المعنى بثبات الدلالة، كما هي حال الفكر القومي والفكر الإسلامي، عندنا، وهو قول لا يتوقف عند دلالة الصفر، حامل اللانهاية. الصفر هو نقطة التقاطع بين لانهايتين: اللانهاية السالبة واللانهاية الموجبة، نقطة التقاطع بين الماضي والمستقبل؛ الصفر هو الحاضر حضور الله في الكون وفي تاريخ البشر؛ الصفر هو الحاضر، أي هو اللحظة التي تنبثق فيها معطيات جديدة ومفاهيم جديدة ودلالات جديدة، وتأويلات جديدة أيضاً (بالعودة إلى بداية ما). فإن حذف الصفر هو حذف اللانهاية والازورار عن الحاضر. وليس صحيحاً أنه “ليس هناك إلا منظورات متفاضلة متناحرة”، إذ هناك منظورات غير متفاضلة وغير متناحرة، إلا من حيث وظيفة المعرفة، أي من زاوية نظر أيديولوجية فحسب. وليس صحيحاً بإطلاق أن “الواقع ذاته ليس إلا كمية من القوة سبق الاستحواذ عليها بعنف التأويل”، وأن “العالم مسكون بقوى تتناحر بغية الاستحواذ على كميات الواقع” إذ ليس ثمة كم بلا نوع سوى الكم الزائف، الذي يفضي إلى اللانهاية الزائفة، كما في مجموعة الأعداد الطبيعية. فإن تصور العالم على أنه مسكون بقوى تتناحر بغية الاستحواذ على كميات الواقع هو تصور أيديولوجي خالص يسوغ العسف والقهر والاستبداد، ويقرن الحقيقة والحق بالقوة العارية، ولا يفسر إلا وجهاً واحداً من وجوه التاريخ السياسي، أعني الاستبداد والغطرسة والتسيُّد وعبادة القوة.

معنى الشيء ليس هو القوة التي تستحوذ عليه فتطلق عليه اسماً، ثم تأتي قوة أعظم تستبدل بهذا الاسم اسماً آخر وبدلالته دلالة أخرى، “فيغدو إضفاء المعنى غزوا وتسلطا”، إلا إذا افترضنا أن المعرفة لا تعدو كونها عملية تأويل تستحوذ بعنف على تأويل سابق. بل هو، أي معنى الشيء، لحظة تعيُّن الذات في الموضوع وبه، وتجرد الموضوع من جميع تعييناته في الذات، سواء بالإدراك الحسي والحدس أو بالتجربة العملية أو بالفهم والعقل. هو لحظة اقتناص اللامتعين من المتعيِّن، وتذويته، وصيرورته مفهوماً يندرج في نسق من انساق الفكر لغةً يمكن أن تكون مسالمة ومحاورة ومتضامنة مع الحقيقة، ويمكن أن تكون اختزالية وعدوانية وغازية ومتسلطة.

هنا يتعلق الأمر “بتحديد وظائف المعارف وتطبيقاتها”، لا “بالتسليم بأننا نعيش حروبا لا متناهية لإضفاء المعاني على الأشياء وإطلاق الأسماء عليها، وبأننا لا نفكر ولا نعمل إلا في أنظمة معينة للحقيقة” هي أنظمة تفاضلية تؤبد حالة الحرب، لا يمكن الخروج عليها أو نقدها أو التحرر منها. فالحقيقة ليست نظام وجود فقط، بل فوضى الوجود وعشوائيته وشدة حساسيته للذات العارفة أيضاً، وهذه مما يحدد شروط الإمكان. أجل، الحقيقة ليست خاصية خطاب، ولكنها قضية منطق هو منطق الواقع. وإن “أنظمة الحقيقة” لا تنفي نظام الحقيقة أو نظام الأنظمة، إلا إذا اعتبرنا أن المنطق والفلسفة نافلان، وضربان من ضروب الترف إن لم نقل من ضروب العبث، وأن العلم و”المعرفة العلمية” مجرد تأويل. المعرفة العلمية، لا “النظريات العلمية”، شاهد إثبات في محكمة العقل، حينما تستدعي هذه الأخيرة “أنظمة الحقيقة” التفاضلية والتناحرية للمثول أمام عدالتها. . ما يلفت النظر، في الرؤية الفوكونيتشوية، هو تقليص المعرفة واختزالها إلى “تأويل” وإلى توليد نسق أيديولوجي من نسق أيديولوجي آخر، ومن النظر إلى العالم على أنه “نص”، كغيره من النصوص، التي تحتمل التأويل. ما يعني أنه ليس ثمة عالم موضوعي خارج الرأس يمكن تعرُّفه كما هو بطرق شتى. الواقع حمال احتمالات؛ أجل ولكنه ليس حمال أوجه. وقد وضع العلم حداً لجميع التأويلات الأيديولوجية، فضلاً عن مكر التاريخ.

، يؤدي، على طريقة عبد السلام بنعبد العالي، إلى اعتبار “المعرفة عملية / عمليات استحواذ واستئثار واحتكار، مضمونها غلبة واستيلاء وعنف. وهذا لا يصح إلا على وظيفة المعرفة، أي على الأيديولوجيا، وعلى التاريخ السياسي، الذي تغدو معه المعرفة “فضاء تفاضلياً (وتناحرياً) يكثّف سلسلة لامتناهية من التأويلات”. في حين تتجلى المعرفة، بدلالة بنيتها، دوماً على أنها إرادة الحياة وإرادة الحرية، وعلى أنها قدرة الذات على تعرِّف ذاتها في الموضوع وتعريفها به، فهي من ثم فعل تملك، بل فعل اتحاد، هو فعل خلق وإبداع، لا فعل استحواذ أو حيازة.

[1] – عن عبد السلام بنعبد العالي، من مقالته المنشورة على موقع الأوان.

[2] – عن المصدر نفسه. يقول عبد السلام بنعبد العالي: عندما بيّن نيتشه أن إرادة المعرفة هي إرادة قوة، وأن المعرفة قوة وتسلط، فهو لم يكن يشير إلى تطبيق أو توظيف، وإنما كان يؤسس لطرح جديد مغاير للطرحين السابقين فينظر إلى المعرفة ذاتها على أنها استحواذ وفعل، بل وفعل عنيف. القوة والتسلط لا يوضعان هنا “خارجا”، وإنما في مستوى كل منظور، بل في مستوى كل علامة ودليل. الدليل والعلامة ميدان تناحر واختلاف. إنه الفضاء التفاضلي الذي يكثّف سلسلة لامتناهية من التأويلات.

من هنا يغدو التأويل، ليس بحثا عن معنى أول، وإنما فرض أولويات وأسبقيات وتفاضلات تعود لإرادات المعرفة التي هي إرادات قوة وتسلط. لا تأتي القوة هنا بعد حين، وإنما هي تتلبس التأويل ذاته. هنا يغدو إنتاج المعنى خوضا لحرب. ولن تعود علاقة التأويل بالنصوص، بما فيها نص العالم، علاقة تأمّل ونظر، وإنما، منذ البدء علاقة استحواذ وفرض الأسماء والمعاني. السيادة والتسلط يبدآن بمجرد إطلاق الأسماء، لأن السادة هم الذين يُسمُّونَ فيَسْمُونَ.

على هذا النحو، ليست هناك درجة صفر للمعنى، ليست هناك درجة صفر للدلالة. ليس هناك إلا منظورات متفاضلة متناحرة. والواقع ذاته ليس إلا كمية من القوة سبق الاستحواذ عليها بعنف التأويل. العالم مسكون بقوى تتناحر بغية الاستحواذ على كميات الواقع.

معنى الشيء هو القوة التي تستحوذ عليه فتطلق عليه اسما، أو لنقل على الأصح: إنه القوة التي تستبدل الاسم الذي كانت تطلقه عليه قوة أخرى استحوذ عليها. هاهنا يغدو إضفاء المعنى غزوا وتسلطا. في هذا الباب يؤكد فوكو: “إن التأويل لا يكشف خفايا مادة للتأويل تعطي نفسها بشكل سلبي منفعل. التأويل لا يمكنه إلا أن يستحوذ وبعنف على تأويل آخر سبق وجوده من قبل فيقلّبه ويقلِبه ويُنزل عليه ضربات المطرقة”.

لا يتعلق الأمر إذن بتحديد وظائف المعارف وتطبيقاتها، وإنما بالتسليم بأننا نعيش حروبا لا متناهية لإضفاء المعاني على الأشياء وإطلاق الأسماء عليها، وأننا لا نفكر ولا نعمل إلا في أنظمة معينة للحقيقة، وأن الحقيقة ليست خاصية خطاب، وهي ليست قضية منطق واستدلالات، بل إنها نظام وجود. إنها ليست نتيجة استدلال، وإنما فاعل الفواعل، ما دامت أنظمتها تشكل القبلي التاريخي الذي يحدد شروط الإمكان، إمكان الفعل، أو على الأصح إمكان القول كفعل.