تكريس الثنائية الضدية

يحيلنا عنوان إحدى أجمل روايات الكاتب الإيطالي إيتاليو كالفينو: ألفيسكونت المشطور 1951 إحالة مباشرة إلى مضمونها، حيث يعمل على تفكيك تلك الثنائية التي تكتنفها الذات الإنسانية، والتي كرّست باعتبارها ثنائية ضدّية متخاصمة: الخير/ الروح، والشرّ/ الجسد، وكتكريس أيضاً لعمل الذاكرة الجمعية، التي حفرتها الأديان عميقاً منذ آلاف السنين، يُحَمّل الطرف الأوّل من المعادلة كل إرثه من تعفّف وسموّ وزهد وما إلى ذلك من الخصل المقدّسة المنوطة بالروح، ويحمل الطرف الثاني كلّ الإرث، الذي أُثقل عليه أيضاً، من متع ومجون وموبقات وشهوة للحياة الدنيوية. في نهاية النوفيلا يكتشف كلّ شقّ من الشقّين أنّه لن يستطيع العيش دون الآخر، ذلك أنّ الخير/ الروح يمنعه إيمانه عن الغوص في مغامرات الحبّ والعشق التي يعيشها الجسد، وبالتالي أضحت حياته خالية من النكهة، مملّة رتيبة صغيرة ضيقة بحيث غدت لا تحتمل، أمّا حسّية الشر/ الجسد المغرقة فجعلته يعيش الحبّ دون متعة التحقّق، أو لنقل دون حقنه بذلك السحر الذي يجعل الإنسان يحلّق في متعه إلى مصافي الآلهة، الروح والجسد/ الخير والشرّ مكوّنا النفس الإنسانية، حيث لا يتأتّى جمال الحياة وإمكانية الاستمتاع بسمتها الفانية إلا عبر مزج هذين الضدّين، في محاولة لمدّ هذه الفكرة الأصيلة لتغدو أكثر اتساعاً، فعبر إقصاء وتغييب الجسد قرباناً لخلود الروح نشأت تلك الثنائية الضدّية الروح/ الجسد، والتي تمثّل نسق تفكير بطريركي كامل كانت الثنائيات الضدّية أساس فلسفته: الأنا/ الآخر، الأبيض/ الأسود… تمّ العمل على إذكائها منذ أن راحت السلطات الثيوقراطية القديمة تحاول السيطرة على الأفراد، ومن ثمّ المجتمعات الإنسانية حديثة العهد آنذاك، عبر سلاحها الأمضى وهو الدين، وأناطت بأمزجة القوى الخارجة الخالقة قدرة الثواب والعقاب، فنجحت في إقامة ذلك الحاجز الفاصل بين الروح والجسد، هكذا حيث الروح هي المقربة من خالقها/ ربّها والمربوطة بالقوى المقدّسة كلية القدرة، ولرفع تلك الروح إلى مصافي الآلهة وحصولها على الخلود الفردوسي ينبغي تحقير الجسد وتهميشه. كانت تلك المحاولات البدئية في السيطرة على الجسد الإنساني باعتباره الحامل الأوّل للحرية والنواة الأولى لكلّ تغيير، وللسيطرة على فاعلية الأفراد كان يتحتّم على السلطات المتعاقبة السيطرة على أجسادهم أوّلاً كي تضمن السيطرة على أيّة نزعة فردانية كفيلة بتقويض تلك السلطات، وبالتالي تضمن السيطرة على المجتمعات وإخراجها من حالة الحرية البدائية التي كانت تعيشها قبل نشوء الحواضر المستقرة وقبل نشوء السلطات بالتالي. فتحول الجسد الممجّد قبلاً إلى قيمة ملحقة، مجرّد كتلة من اللحم ستترك متعفّنة حين تعود الروح الهائمة إلى خالقها راضية، ولكن شرط المحافظة على أسر الجسد وعدم السماح له بتسيير تلك الحياة بكلّ غوايته.

كلّ تلك الفلسفات الأبستيمولوجية، التي ضافرتها السلطات الثيوقراطية والاجتماعية والسياسية، أوصلت البشرية إلى قرون من الحروب ضدّ الجسد، ووصل تحقيره إلى مصاف يصعب على الخيال الإنساني تصورها أحياناً. وأنا إذ أتحدث عن التاريخ الأوروبي فباعتبار أن كل مجتمعات الأرض تمر في أطوار متشابهة من التطور، حيث لا يختلف إلا الزمان والمكان والخصوصية لكن الجوهر واحد، وباعتبار أن المجتمعات العربية تجتر منذ بدء النهضة في أوروبا فتوحات الغرب الفكرية والفلسفية، كما أنها تعيش أزماناً متعددة في زمن واحد، حيث يتجاور عصر محاكم التفتيش مع عصر الأنوار مع تيّارات ما بعد الحداثة على الرقعة العربية ذاتها.

في الوقت الذي سيطرت فيه الديانات المتعددة الأولى كالإغريقية ومن ثمّ الرومانية بدأت حينئذ وبشكل حقيقي منظّم أسفار إقصاء الجسد، فأضحى كل ما هو مادّي من لذّة ومتعة مرتبطة بالجسد مرذولة، خصوصاً فيما يتعلق بالجنس باعتباره لغة الجسد الأكثر تفرداً والأكثر جلباً للسعادة والقادرة على تسليح الإنسان بقوّة الآلهة وشجاعتهم، واعتبرت الروح، تلك القدرة الإلهية، محركة وحيدة لهذا الجسد عبر خيوط خارجية. أمّا الترهيب من متع الجسد وجماله فكان الخطوة الأولى في سبيل تهميشه، فاختطاف الموت واختطاف اللذّة، حسب ما كان يرى اليونانيون القدماء، شيء واحد، وكلاهما ينقل المرء عبر حشرجة الرغبة أو حشرجة الموت إلى الظلام، والظلام لا عودة منه، فالإنسان هو نظرة تشتهي نظرة أخرى، ومتعة تشتهي متعة، ومن غير الممكن أن نبقى ممسكين بأغلال الجسد إن سمحنا له بالنهل من ورد المتع كيفما شاء. في الأخلاق البطريركية الرومانية أيضاً كان الحب الجسدي يعتبر خطراً كبيراً (كاتون) لأنّ العاشق يسمح لروحه بأن تعيش في جسد آخر. ولأنّ متع الحبّ الجسديّ لا تمسك مسك اليد فهي مفتوحة على الأبستيمولوجيا، على الدلالات والتنظيرات والأفكار والتعريفات المتوالدة التي لا تنتهي، استمرت هذه الأنساق الأخلاقية المهمّشة للجسد حتى نهايات عصور محاكم التفتيش التي لاقى الجسد فيها ويلات العنف المعروفة من قتل وتمثيل وتشويه ونفي وحرق وحروب، وخصوصاً أجساد النساء التي اعتبرت شياطين فارّة تعيث في الأرض غواية وشبقاً.

منذ مجيء عصر الأنوار في القرن الثامن عشر الذي تأثّر بفلسفة ديكارت العقلانية، قبل ذلك بأقلّ من قرن، راحت تلك الثنائية القديمة الروح/ الجسد تتبدّل، أو لنقل تبدّل قطبا المعادلة فحسب لكنّ كنه الثنائية الضدّية المتخاصمة ظلّ موجوداً، فمن حيث أتت سيطرة العقل محاولة للتغلّب على غيبية الدين أضحت الثنائية تتمثّل في الضدّين الجديدين: العقل والقلب، حيث العقل المجرّد والمطلق والقادر والمحمل بكلّ الأخلاق الذكورية العظيمة والقلب هو مكمن الحدس والمشاعر والأحاسيس والإيمانات الروحية والميتافيزيقية والمحمّل بكلّ السمات الأنثوية المقموعة والمغيّبة والمحتقرة. ولكنّ العقل البطريركيّ الإقصائيّ، من حيث أراد التغلّب على التسليم الدّينيّ وطغيانه على الجسد الإنساني والتفكير الفرداني، خلق تمثالاً حجرياً للعقل مقصياً القلب الذي اعتبره السبب في كلّ التخلّف والخراب الذي كان موجوداً. ورغم عدم قدرتنا على إغفال الانحرافة الكبيرة التي أجبر فيها عصر الأنوار ومن ثم تيارات الحداثة الثقافة الأوروبية على المضي قدماً، فإنّ تلك الثنائية التي جاءت بها استخدمت آليات الإقصاء ذاتها التي استخدمتها الأديان. أنا أعتقد، وربما خالفني الكثير، أن المعادلة الجديدة هي محاولة للسيطرة أيضاً على الإنسان، وقسره على تأليه العقل فحسب وبالتالي إغفال جانب كامل هو نافذته الإبداعية التي تضفي الكثير من تفرد الذات الإنسانية على الحياة، ذلك أن القلب، أو لنقل الروحانيات الإنسانية، هي المحفز الأول للخيال، والخيال انعتاق كما الجسد ولا يمكن قوننته، ولو سجن الإنسان في العقل فحسب لترمد بين الجمادات. هذه الفكرة في الصراع ضدّ العقل كانت أساسية في الدراسات النسوية التي ازدهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والتي اعتمدت على محاولات تيارات ما بعد الحداثة وفلاسفتها من أمثال فوكو ودريدا في خلخلة هذه الثنائيات الضدّية، وفي خلخلة تأليه العقل وإفساح المجال للتخييل والميتافيزيقيا والمشاعر والأحاسيس والإبداع غير المرتبط بحجرية العقل في قول كلمته.

اللافت للنظر كما يكشف لنا تاريخ تطور الأفكار الإنسانية أنه كلما أمعنت الأطوار الحضارية المتواصلة على البشرية في تكريس إله يسم ذلك الطور، أو تلك المرحلة، بحضوره، وكلما غالت إحدى المراحل في تكريس صفات فلسفية أو فكرية، أو حتى سياسية ودينية لها، تعمّ على كامل الثقافة، عملت المرحلة التي تليها على نسفها وتبديلها بإله آخر متناقض معه، أو يزجّ في ذلك الموقع المقابل له. فعصور الظلام ومحاكم التفتيش تلاها قرن الأنوار الذي أعقبته روحانية القرن التاسع عشر التي انقلبت عليها ثورة الحداثة وإلهها العقل في القرن العشرين التي تلتها ثورات ما بعد الحداثة في النصف الثاني منه والتي راحت تتجه إلى الميتافيزيقيات من علوم الطاقة والروحانيات وسيطرة الفلسفات الروحية على الاهتمام البشري اليوم حتى غدت أشبه بهوس عالمي.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على المشهد العربي اليوم الذي يكاد يعاني من فصام حقيقي، سنرى في الكثير من البقاع العربية، والتي تشكل الزون الأكبر، الواقع شبيهاً إلى حد بعيد بما قبل عصر الأنوار الأوروبي، وممارساتها ضدّ الحريات تشبه ممارسات محاكم التفتيش، فاحتقار كل ما يتعلق بلغة الجسد في المجتمعات المتخلفة سمة تكرّس يوماً بعد يوم، لأنّ لغة الجسد التي تقتضي التعبير عبره تقتضي الحرية، حرية المعبّر الداخلية وجوّ التعبير، وربما حرية المعبر عنه أو له، كي يستطيع فهم كنه هذه الحرية بكلّ أبعادها الداخلية النفسية والفكرية والغريزية. بدون تلك الحرية لن يستطيع المرء إيجاد مسارب للتعبير الأجدى والأكثر قرباً من صحّة ما يعبّر عنه وحقيقته. ويبدو الزون العربي الآخر، الأصغر والأكثر خجلاً بالتأكيد، ينوس بين محاولات إعادة الاعتبار للجسد ومحاولات الخروج من رتابة العيش اليوم والتفاصيل المميتة إلى عوالم أكثر ميتافيزيقية، إنّه الزون الأصغر المشتت الباحث عن السلام وعن الحرية. وكمحاولة أخيرة للتفكير في الأمر وإذا اتفقنا أنّ تغييب أيّ جزء من أجزاء الإنسان هو قمع، سواء أكان ذلك جسده أم عقله أم روحه أم قلبه، والقمع هو حرمان من الفاعلية، واللافاعلية هي صنو للاستهلاك وليس للإنتاج، وهي معادلة أيضاً للاستقبال والتلقي السلبيّ دون إبداع أو تفرّد، ربما أمكننا بذلك أن نقرب قليلاً إلى أذهاننا المشتتة واليائسة لماذا ما زلنا نتخبّط في هذا المستنقع الكبير الآسن.