ثقافة معاداة الاستعمار والعنصرية في فكر المؤرّخ أندري نوشي: من قسنطينة إلى غزّة

أندري نوشي مؤرّخ ومفكّر من مواليد قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري بها نشأ وترعرع في رحاب عائلته اليهودية، ثمّ تحوّل للدراسة بفرنسا واشتهر بتطوّعه جنديا في جبهة فرنسا الحرّة التي ناضلت بقيادة الجنرال ديغول ضدّ الاحتلال النازيّ.

بداية من ستينات القرن العشرين بدأ نوشي يخطّ لنفسه مسيرة مؤرخ مثابر ومستنير إلى أن أصبح منذ السبعينات وإلى اليوم ” سلطة” أكاديمية في مجال الدراسات التاريخية التي تُعنى بالعلاقات الدولية وبتاريخ المتوسّط تخصيصا، وهو اليوم أستاذ شرفيّ بالجامعات الفرنسية بعد حصوله على درجة الأستاذ المتميّز.

لم أدرس عند الأستاذ اندري نوشي لكنّي تعلّمت منه الكثير من خلال كتاباته ومن خلال تلامذته باعتباره قد درّس عددا من أساتذتي وزملائي سواء في تونس عهد انطلاقة الجامعة أو في نيس وغيرها من الجامعات الفرنسية.

لن أنتظر لقاء نوشي مع القبر حتى أكتب عنه أو أعدّد خصاله، هكذا قرّرت، لست من هواة التأبين والمرثيات، لذلك سأكرّمه وهو حيّ متمنّيا لصاحب الستّة والثمانين سنة عمرا طويلا وإنتاجا غزيرا.

عرفت نوشي مباشرة سنة 1994 عندما استُقدم لإلقاء درس على طلبتنا كانت فرصة لأغلب المؤرخين الشبّان لوضع الصورة على ذلك الاسم الكبير وأذكر أنّ نوشي طلب من جمعنا تعريب كتابه الموسوم: التدريب على العلوم التاريخية لإثراء المكتبة التاريخية العربية وخاصة لتمكين الطلبة العرب الذين لا يحذقون الفرنسية من الاستفادة من خبرته المنهجية وقد انطلقنا في المشروع ولازالت مسودّة التعريب على الرفوف.

يتوفّر أندري نوشي على مسيرة زاخرة ناهزت نصف قرن وتميزت بالإنتاج الفكري الوافر والتآليف التاريخية والأنتروبولوجية المتنوعة. والمتمعّن في مدونة الأستاذ نوشي يمكن أن يكتشف بدون عناء ترسّخ ثقافة معاداة الاستعمار ومناهضة العنصرية باعتبارهما من آفات القرن العشرين الذي تخيّره نوشي كحقل زمني لاختصاصه التاريخي المعاصر.

من قسنطينة : مقاربات علمية حول مخلّفات الاستعمار الفرنسي بالجزائر

كانت ذكرى قسنطينة تلك المدينة “العصيّة” والجميلة وعاصمة بايليك الشرق منحوتة في كيان نوشي فهي مهد جذوره وانتمائه رغم تمزّق الهوية الذي عاشه يهود الجزائر منذ صدور قرار كريميي سنة 1870.

كانت أنهار قسنطينة وجبالها وثلوجها كما أسوارها ومزارعها البديعة ملهمة لخيال نوشي ومغذّية لكيانه وقد تخيّر الباحث الشابّ انجاز أطروحة الدكتوراه حول تاريخ مدينته وجهتا مركزا على علاقات الإنتاج وتبدّلاتها في ظل السيطرة الكولونيالية الفرنسية وقد أنجز “مونوغرافيا ” إشكالية ومعمّقة حول : مستوى المعيشة عند الريفيين بجهة قسنطينة في عهد الاستعمار الفرنسي (1830-1919) وقد نشرت تلك الدراسة سنة 1961 وقد شبّهها أحمد توفيق المدني بجرعة ماء تهدى لمسافر ظمآن يعبّر الصحراء كناية عن عمق البحث ووضوح أفكاره وبسبب قلّة الدراسات العلمية حول تاريخ الجزائر خصوصا بعد أن سادت كتابات المؤرخين الفرنسيين العنصريين من أمثال فيليكس قوتيي الذين مسخوا تاريخ الجزائر وقولبوه حسب أهوائهم العنصرية والاستعمارية التي حقّرت الأهالي وتاريخهم واعتبرتهم من كيانات العصور المظلمة الذين منحتهم العناية الربانية فرصة الاستضاءة بنور ” التعمير الفرنسي ” لذلك فعندما كتب نوشي ما كتب حول جهة قسنطينة وتشكيلتها الاجتماعية فقد أسّس آنذاك لمدرسة جديدة تنظر إلى تاريخ الجزائر بل المغارب نظرة نقدية مستنيرة مناهضة للاستعمار.

كانت هذه الأطروحة المنجزة في أواخر الخمسينات عبارة عن انطلاقة وتسجيل لاختصاص صاحبها في تاريخ المجتمع الجزائري وكان نوشي يتوفّر مقارنة بغيره على زاد اللغة العربية والدراية بالوثائق واللهجات المحلية خاصة في الشرق الجزائري فخبر تاريخ الجزائر بالعلم والمعايشة وسرعان ما درّ قلمه بحوثا عديدة ومبتكرة حول الجزائر مثل كتاب: نشأة الحركة الوطنية الجزائرية 1914-1954 الذي نشر سنة 1962 وقد أرّخ فيه لميلاد الوطنية المعاصرة بالجزائر متعقبا الجذور البعيدة لثورة نوفمبر 1954 وقد نشر نوشي كتابيه المذكورين انطلاقا من جامعة تونس التي انتدب فيها كمتعاون لتدريس التاريخ زمن الخطوات الأولى لتأسيس الجامعة.

وألّف أيضا في “المرحلة التونسية ” كتاب : الحياة الريفية في الجزائر قبل 1830 ( نشر سنة 1963) وكتاب : مكانة الفلاحة في الحياة الاقتصادية بالجزائر (1964) ثم أنجز بمعية إيف لاكوست وأندري برينان كتاب “الجزائر الماضي والحاضر (1960) .

لم تكن كتابات نوشي حول الجزائر وليدة لحظة الإحساس بتصفية الاستعمار وركوب غمار الحدث بل تزامنت تقريبا مع تبلور فكرة حركة التحرر الجزائرية ويمكن القول إن المادة العلمية التي قدمها أندري نوشي كانت مزدوجة فهي في تؤرخ لمخلفات الاستعمار الفرنسي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما تقدم في الآن نفسه مادة تحليلية للتشكيلة السياسية والبيروقرطية الجديدة التي حكمت للجزائر المستقلة.

وعندما وسّع نوشي دائرة اختصاصه وكبُر اسمه لم ينس تاريخ الجزائر ولا ذكريات قسنطينة فقد آب من جديد في مطلع التسعينات وفي معمعان الحرب الأهلية والمجازر والمذابح التي رافقتها إلى دراسة المجتمع الجزائري وكتب مؤلفه الشهير: الجزائر المريرة 1914-1994 الذي نشر سنة 1996 وتعمّق في تحليل ظاهرة العنف والإقصاء والتهميش بالجزائر محاولا فهم جذور التطرف الديني المسيّس الذي عرفته الجزائر حينها.

نحو فرنسا والبحر المتوسط : الاستراتيجيات الاستعمارية الجديدة

بداية من سبعينات القرن العشرين وإلى اليوم تمكّن نوشي من نحت مكانة مرموقة في الساحة الأكاديمية وخاصة في حقل الإنسانيات فقد انتصب للتدريس والبحث بجامعات الجنوب الفرنسي وانطلق في التآليف الموسوعية المهتمة بالمدى الطويل والشاملة لفضاءات جغرافية ممتدّة .

فقد ألّف أكثر من عشرة كتب حول تاريخ فرنسا المعاصر بمفاصله الكبرى التي تبدأ من ثورة 1848 وتتواصل مع كومونة باريس سنة 1871 ومع الحربين العالميتين وقد كان خلال تحاليله يقرن أغلب المنعطفات التي عرفتها السياسة الداخلية الفرنسية بأوضاع الحركة الاستعمارية وهو نفس المسلك الذي اتبعه في مؤلفاته المنهجية حول علم التاريخ وتقنيات تحليل الوثائق فقد كان يختار أمثلته ووثائقه من ترسانة التاريخ الاستعماري والمستعمرات وخاصة الجزائر وتونس.

ويمكن القول إن هذا الاهتمام الرّاسخ بقضايا الاستعمار الكولولونيالي ومخلفاته هو الذي هيّأ له المجال للخوض في الدراسات الإستراتيجية وتاريخ العلاقات الدولية مركّزا خاصة على الفضاء المتوسطي وعلى الشرق الأوسط فقد ألّف عدّة كتب في هذا المجال من أبرزها :- الصراعات البترولية في الشرق الأوسط 1992

– حرب البترول السرية : الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط (1880-2006)

– البحر الأبيض المتوسط

– فرنسا والعالم العربي

– فرنسا والبترول

لقد أيقن نوشي منذ حرب 1973 أنّ رهانات البترول هي المحددة في العلاقات الدولية بالشرق الأوسط وبالبحر الأبيض الموسط وقد عمّق قناعته هذه بعد أزمة الكويت في أوت 1990 وبعد اندلاع الحرب ضد العراق سنة 1991 وكان يعتبر أنّ حركة الاستعمار الجديد والاحتكارات العالمية أصبحت مرتبطة بموارد النفط وأسواقه وسياساته.

وفي آخر مؤلفاته: الاستعمار الفرنسي وتصفيته:الأسلحة المعكوسة، 2005

شبّه نوشي السياسات الاستعمارية الفرنسية بالقوس الاسترالي الذي يعود بالضرر على راميه وركّز على النموذج الجزائري لكنه لم يهمل الفيتنام وكمبوديا وتونس والمغرب

وسوريا ولبنان. وقد كثّف تحاليله ليقف على خطورة الإرث الكولونيالي وليعرّج على

الأيادي المضرّجة بالدماء وعلى الفظاعات الاستعمارية الفرنسية التي جاوزت المدى في الظلم والعنصرية فخلّفت أحقادا قابلة للانفجار في رياض الأطفال ومحطات الميترو وعلى ملامح الوجوه والأزياء والهويات المتشنجة.

كان نوشي يحوم بتحاليله في فضاء المتوسط وتخصيصا بين مثلث زاويته الأولى في فرنسا (ومعها أوروبا الغربية) بلاده بالتبني والتي أعطته الجنسية والثقافة والشخصية أما الزاوية الثانية للمثلث فهي الجزائر (ومعها البلاد المغاربية) وطنه الأمّ المنحوت في كيانه والزاوية الثالثة هي الشرق الأوسط (بعربه وأقلياته) وبما فيه من معان بادية وغامضة ورموز مختلفة .

يصرّ أندري نوشي في كتاباته على التركيب والتكثيف ويحلّل بروح علمية غير متشنجة مخاطر الاستعمار والهيمنة والعنصرية ماضيا وحاضرا ومستقبلا ولم يفت شيخ السادسة والثمانين أن يرفع صوته مندّدا بالجرائم الصهيونية المرتكبة في فلسطين وتحديدا في الفضاء الغزّاوي.

إلى غزّة : قناعات راسخة لا فقط وخز ضمير عابر

برز إصرار أندري نوشي على إدانة الاستعمار ومناهضة العنصرية في الأحداث الأخيرة التي عرفتها فلسطين وتحديدا خلال مذابح غزّة فقد وجّه في مطلع شهر جانفي رسالة شهيرة وشديدة اللهجة إلى سفير إسرائيل في باريس وقد أذاعتها وكالة رويتر للأنباء وهذا نصها معرّبا :

” في 3 جانفي 2009

السيد السفير،

بالنسبة إليكم فهو شاباط الذي من المفروض أن يكون يوم سلم ولكنه يوم حرب وبالنسبة إلي منذ عدّة سنوات فإنّ الاستعمار والسطو الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية يغيظني .

إني أكتب إليكم بصفات متعدّدة كفرنسيّ وكيهوديّ المولد وكراعي للاتفاقيات بين جامعة نيس وجامعة حيفا…

لم يعد ممكنا السكوت أمام سياسة الاغتيالات والتوسع الإمبريالي لإسرائيل، إنكم تتصرفون تماما مثلما تصرف هتلر في أوروبا تجاه النمسا وتشيكوسلوفاكيا. إنكم تحتقرون قرارات الأمم المتحدة كما فعل هو مع قرارات عصبة الأمم وتغتالون- بلا عقاب – نساء وأطفالا.

لا تتذرّعوا بالعمليات المسلحة أو الانتفاضة. إنّ كل ذلك ينتج عن الاستعمار اللاشرعي واللاقانوني الذي هو لصوصية.

إنّكم تتصرفون كلصوص للأراضي وتديرون ظهوركم لقواعد الأخلاق اليهودية. الخزي عليكم، الخزي على إسرائيل. إنكم تحفرون قبركم دون أن تشعروا لأنه محكوم عليكم أن تعيشوا مع الفلسطينيين والدول العربية. وإذا كانت تنقصكم هذه الفطنة السياسية إذا فأنتم غير جديرين بممارسة السياسة وعلى حكّامكم أن يحالوا على المعاش. إنّ بلدا يغتال رابين ويمجّد قاتله هو بلد بدون أخلاق ولا شرف.

فلتعدم السماء وإلاهكم شارون المجرم.

لقد لحقت بكم هزيمة في لبنان في 2006 وستلحق بكم هزائم أخرى وهذا ما أتمنّاه، وسترسلون إلى الموت شبانا إسرائيليين لأنّه ليست لديكم الشجاعة لصنع السلام.

كيف لليهود الذين تألّموا إلى حدّ كبير أن يقلدّوا جلاديهم الهتلريين؟ بالنسبة لي ومنذ 1975 يذكّرني الاستعمار بكوابيس قديمة هي ذكريات الهتلرية. إنّي لا أرى فرقا بين حكّامكم وحكّام ألمانيا النازية؟”

لم يقم أندري نوشي كعادته بتحاليل معمّقة بل آثر المسارعة بالتعبير والإدانة ولبس هذه المرّة لا فقط ثوب المؤرخ الأكاديمي بل أيضا ثوب الأنسنة وواجباتها الأخلاقية.

قد يقال بأني “بنيت من الحبّة قبّة ” وبحثت بالمجهر عن يهوديّ يعارض غطرسة عشرات الملايين من بني عرقه فأجيب باني لا أؤمن بنظرية العرق وسأظل أفرّق رغم مجازر الأمس واليوم وغدا بين اليهوديّ والصهيونيّ وبين التقدّميّ المستنير والمتزمّت القروسطيّ في كلّ دين وحضارة وزمان.