الأمر الملفت أن هذا الرجل يتقشف في أمور الحياة على نفسه قبل غيره، فهو مدفون بذكرى حبيبة أو زوجة ميتة، يقضي يومه في العمل على تطبيق الطقوس الدينية، وفي خلوته يتذكر الميتة ويتأمل في صورتها الموجودة دائماً وأبداً على مكتبه الخشبي المعتم. وجهه مقطب متشدد باستمرار. طعامه لقيمات من أكل الصوم، وكأس ماء. المهم في قصة الفيلم، أن هذه القادمة الجديدة والتي تتقن صنع الشوكولا والابتسام بلطف لجميع الناس، لم ترق لهذا القس، فهي تضحك وتدعو للحب والحياة، وسيلتها هي صنعتها: إعداد الشوكولا وتقديمها مع وصفة نافعة للسعادة.
حاربها هذا القس وحارب مشروع الشوكولا واعتبر حبة الشوكولا عدواً حقيقياً للدين المسيحي، وصار يحث الناس على مقاطعتها ليجبرها على ترك القرية والرجوع من حيث أتت.
في آخر لقطة من الفيلم وفيما راح بثورة غضب يحطّم واجهة المحل المزينة بأجمل حبات الشوكولا، سقط وطمس وجهه في قالب عامر بالشوكولا الذائبة. حين نال اللسان الصائم دهراً لحسة الشوكولا، شهق الرجل، وانهار كل شي. فتح فمه على آخره وراح يلتهم كنز الشوكولا عن جوع سنين طويلة.
قرأت لأحد الرحالة الأوروبيين، يقول إنه حين حط في بلاد الشرق لاستكشافها وتأليف كتابه عنها. أجبرته صاحبة البيت الذي أقام فيه، كي تصون بيتها، أن يرضع منها وبالتالي يصبح أخاً لبناتها. كتب يقول إنه أذعن للأمر، وكان خجلاً جداً. لكن حليب منع الشهوات لم يؤد الغرض منه، فقد وقع المحظور وأحب الرجل ابنتها التي ما فتئت تغمز حتى أوقعته فيها.
لاتلبسي هذا، لا تخلعي ذاك، لا تختلطي مع هذا، لا تتركي ذاك! لا تتعطري لا تتحدثي لا تلتفتي.. قدمك، ركبتك، عينك، نظرك، شعرك، حاجبك، غرتك، أصابعك، أظافرك، صوتك، رائحتك.. كلّك.
مغالاة في التحريم حتى يستشعر أن هذا المحرِّم يشتهي شطب الأنوثة، وكأنها لعنة حلت في حياته، أو أنه تعب من جوعه لفتنتها.
بخصوص فتوى الرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه في علم الحديث والسنة.
بخصوص اختلاط الزملاء بالزميلات..
بخصوص كل تلك الأمور المستحيل تصديقها، والتي تجعل من شرقنا مسرحاً لكل ماهو غير معقول لكل ما هو معذب للبشر.
قصصت النادرة على إحدى الصديقات الأوروبيات، وكنت أظن أني أخبرها أمراً صاعقاً، لكنها ابتسمت بانتشاء. فهمت أن صاحب فتوى إرضاع الكبير، رجل متحرر وأنه يدعو الزملاء لأخذ استراحة من العمل وقت “اللنش” مثلاً ونيل قسط من الحب والعودة إلى الشغل بهمة. قالت إنها حل جيد للتخلص من الاشتهاء والكبت الجنسي الهائل الذي يرزح تحته النساء والرجال. وأضافت، من خلال قراءاتها في تاريخنا: فليسترجعوا المواهب الجنسية القديمة، فهي التي كانت تخفف من حدة الأيديولوجيا، قالت: نعم كانوا يحاربون، لكنهم يتنعمون بالجنس أيضاً. قالت: لم عليكم أن تحاربوا هذه الفتاوى الآن؟ لقد كانت عادية في ذلك الحين، ومقبولة مع الغزوات. قالت كانت الحياة الدنيا في معتقداتهم معارك ولذة حياتية: طعام وجنس، وحلم بآخرة عامرة أيضاً بالطعام والجمال، فلماذا تتوارثون المعارك فقط؟ وأضافت: كانوا يحبون الحب، وربما إشباعهم الكافي لشهواتهم هو ما دفع عندهم الطاقة على الانتصار. هناك الكثير من المخطوطات والكتب القديمة التي تهتم بالجنس علماً كضرورة حياتية وربما أساسية، وهناك أيضاً الكثير من الأحاديث التي تشرح هذا الأمر بأريحية وبدون عقد، فلماذا لا يرددها الإسلاميون اليوم، قصدت الذين يرغبون باستعادة العهود الماضية، قالت: ربما بهذا تلتقي عقيدتهم مع حداثة العالم الآن.
شرحت لها الكثير حتى فهمت أن هذه الفتوى هي لمنع الشهوة وليس للتنفيس عنها، وأخبرتها باقتراح أحد الناس بأن تستحلب الموظفة ثديها ويشربه زميلها الموظف. قضينا وقتا نضحك، وسألتني: وبعد أن يأخذ الموظف من حليب زميلته هل ستنتهي شهوته؟ ألا يدعو هذا إلى التفكير بعمق بأمر العلاقات الأخوية مثلاً، هل كل الحالات قابلة للاشتهاء؟ كل الرجال وكل النساء قابلون لإقامة العلاقات بينهم؟
كان السويديون من حولنا يتخاطفون المساحة المشمسة كي يستلقوا بأجساد عارية. كنت أتلفت حولي، والصديقة تستهجن تلفتي، قلت: إنهم عراة ولا يستحون. قالت: من حقهم بعد يوم طويل من العمل أن يأخذوا قسطا من الراحة تحت الشمس، ثم إن الشمس دواء لأجسادهم، كي لا يمرضوا.
تركتها ورحت أقلب صفحات المواقع الالكترونية، كي أقرأ صدى الخبر الذي أثير كأنه ابتلع حبة منشط.
قيل القصة صراع بين مؤيدي الحديث ومؤيدي القرآن.
ينتقل الصراع بين رجال الدين إلى صراع بين الناس، كل التعليقات التي كتبت كانت تعبر عن نوازع أصحابها، منهم من عبر عن غيرته الشديدة من الغرب وعلومه وغيرته على البلاد، ومنهم من استغل الأمر كي يشتم ديكتاتور بلاده، ومنهم من شرح فهمه الخاص ورأيه حول هذه الفتوى، وكثيرون كانوا غيورين بشدة على دينهم ويعتبرون أن هذه الفتوى مؤامرات خارجية على الدين الإسلامي. منهم من جير الفتوى لطائفيته ومنهم من جيرها لقوميته، ومنهم من جيرها لفلتانه.. وهناك من كتب تحت عنوان “فلسطينيون للأبد” أن الهدف من هذه الفتوى هو إلهاء الأمة عن قضيتهم الأساسية.
وهناك من تمنى العمى لقلب هذا المفتي المسكين. ومنهم من تساءل بكل تعقل: هل ترضى لأختك أن ترضع زميلها؟ أو ترضاه لزوجتك؟.. أسئلة تعبر بالضرورة عن قناعة تامة بأن الأخت والزوجة والأم والابنة هن بالضرورة ملك يمين الرجل المفتي وغير المفتي.
ولم أقرأ لا في مقالات الكتاب ولا في تعليقات الناس أي إشارة لمقابلة الرجل المفتي ودراسة ظروفه النفسية والاجتماعية، ومناقشته في فهمه للقصة التاريخية وإن كان يراقب العالم الآن؟ ألا تنطوي تلك الفتوى على جوع؟ وكل يفتي من جوعه؟
أليس الأجدى التفتيش وراء هذا المفتي؟ ووراء من استفتاه؟ من هي تلك الموظفة التي سألته؟ من هو هذا الموظف الذي استفتاه، ماهي تلك الوظائف التي تفرض خلوة؟ أفترض ستكون في دوائر البنوك أو الحاسبات أو مجالات البحوث العلمية، فهل يقبل عقل وجود موظفين وموظفات منهكين بالكبت الجنسي في هذه الأماكن، بحيث يتساءلون عن أمر الخلوة؟ أصحاب هذه الأعمال بالضرورة قد نالوا تحصيلاً علمياً جيداً، ودرسوا عدداً من السنوات جعلت دماغهم أكثر وسعاً، بحيث لا يذهبون إلى شيخ كي يستفتوه في أمر الشهوات، أليس الأمر هائل الغرابة والخطورة؟
هل هو تقوقع على الغرائز، أم هو تعذيب للنفس! ومالذي أنتجه مايسمونه حماية للأخلاق من الانحلال؟ شكلاً وشكلاً فقط.
كأن مهمة أصحاب الفتاوى هو الاحتيال على القصة التاريخية بحيث تظل سارية المفعول آلاف السنين؟
على هذه الكرة الأرضية يحيا هؤلاء الذين يدللون أجسادهم بدفء الشمس ويسترخون، يتابعون ما يحدث حولهم، لكن ما شأنهم بهذا الهراء. فإجازة الصيف اقتربت وسيبحثون عن بلاد آمنة يستمتعون بها ليرجعوا بعدها إلى أشغالهم ليبنوا ويبنوا. وعلى هذه الكرة الأرضية يستمر الاشتغال في الماضي، محاولين بدون أي موهبة أن يجعلوه نافعاً لكل زمان ومكان.
أفلا تتصدع هذه الأرض من شدة الحياة غرباً ومن شدة التعذيب حتى الموت شرقاً؟