
يرى جاك رنسيار Jacques Rancière، أحد كبار المنظّرين للظّاهرة السّياسيّة إلى جانب إتيان باليبار tienne Balibar وآلان باديو Alain Badiou وإرنستو لاكلوErnesto Laclau وغيرهم ممّن لا نستحضر أنّ السّياسة قد برزت لأوّل مرّة باليونان القديمة لمّا طالب أعضاء من الشّعب “الدّيموس démos”، لم تكن لهم منزلة محدّدة في السّلّم الاجتماعيّ، أن تكون أصواتهم مسموعة ضدّ الماسكين بزمام الأمور من ذوي السّلطان السّياسيّ، وأن يكونوا أطرافا مندمجين في الدّائرة السّياسيّة، ومتساوين مع أعضاء الأولغرشيا والأرستقراطيّة المهيمنة. ولم يكتفوا بمجرّد المطالبة بأن يكونوا ممثّلين سياسيّا بل قدّموا أنفسهم بصفتهم مفوّضين من الشّعب لتمثيل كامل المجتمع.
ويجسّم هذا المثال أنموذجا من النّزاع السّياسيّ، أو هذا التّوتّر الشّديد بين الجسم الاجتماعي المشيّد على نحو يجد فيه كلّ عضو مكانا يتنزّل فيه، وبقيّة الأعضاء الّذين “لا نصيب لهم”، ممّن لم يجدوا لهم مكانا في الجسم الاجتماعيّ. فهذا “التّوتّر” الّذي يربك نسق العلاقات داخل الجسم الاجتماعيّ، ويتماهى في الّذين “لا نصيب لهم”، أو في الّذين لا يشغلون مكانا محدّدا في المجتمع، إنّما هو الفعل الأوّل البسيط لكلّ عمل سياسيّ، أو لكلّ تسييسpolitisation . ويمكن الإحاطة به من خلال الأحداث الدّيمقراطيّة الكبرى منذ الثّورة الفرنسيّة إلى سقوط الأنظمة الاشتراكيّة بأوروبا الشّرقيّة. فالسّياسة والدّيمقراطيّة سيّان. ولأجل ذلك كان الهدف الأساسيّ للنّظام “الضّدّ ديمقراطيّantidémocratique” دائما وأبدا هو اللاّتسييس la dépolitisation، أو إبطال العمل السّياسيّ، أي المطالبة اللاّمشروطة بأن “تعود الأشياء إلى مجراها الطّبيعيّ” حيث ينشغل كلّ فرد بشأنه الخاصّ. فالصّراع السّياسيّ عند جاك رنسيار لا يتمثّل عنده في التّفاوض العقلاني بين مصالح متعدّدة، فهذا موقف هابرماس Habermas، وإنّما في الصّراع من أجل إبلاغ أصوات المقصيّين وجعلها مسموعة والاعتراف بهم بوصفهم طرفا شرعيّا. فعندما احتجّ كلّ “مقصيّ”، من الدّيموس الإغريقي إلى العمّال البولونيّين، ضدّ النّخبة الحاكمة لم تكن الرّهانات متعلّقة بالمطالب العاجلة فحسب، كالتّرفيع في الأجور وتحسين ظروف العمل، وإنّما كانت تتعلّق كذلك بحقّهم في أن تكون أصواتهم مسموعة، وأن يعترف بهم على أساس كونهم أطرافا متساوين مع غيرهم في عمليّة التّفاوض.
من هذا المنظور، نعتبر الانتفاضة الفلسطينيّة، انتفاضة أطفال الحجارة، والمقاومة الفلسطينيّة اليوم بصرف النّظر عن أسماء المنظّمات الّتي تمثّلها، إنّما هي عمل سياسيّ بامتياز لأنّه صادر من الّذين “لا نصيب لهم” ولا مكان لهم في الجسم الاجتماعيّ. غير أنّ هذا العمل السّياسيّ، أو هذا التّسييس قد جوبه دوما بفعل مضادّ من اللاّتسييس نعتبره شكلا من أشكال “لاتسييس السّياسة La dépolitisation de la politique” يمكن أن نسمّيه في سياق الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ بـ”التّطرّف السّياسيّ L’ultra- politique” (1 ). وهي محاولة تميل إلى لاتسييس النّزاع La dépolitisation du conflit وذلك بالبلوغ به إلى حدوده القصوى عبر “العَسْكَرَةLa militarisation ” المباشرة للسّياسيّ، أي بصياغته في شكل حرب بين “نحن” و”هم” (عدوّنا) عندما تنعدم الأرضيّة المشتركة للنّزاع الرّمزيّ. فـ”التّطرّف السّياسيّL’ultra-politique” يستعمل منوال الحرب، لأنّه ينظر إلى السّياسة على أنّها حرب اجتماعيّة، أو بوصفها علاقة مع “هم”، مع العدوّ. غير أنّ ما حدث في غزّة في نسخة 2008-2009 يصعب تسميته بالأسماء المعهودة (مجزرة أم إبادة أم محرقة أم عدوان أم حرب؟) لأنّ الفلسطينيّ قد فقد اليوم في سياق الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ صفة العدوّ وأصبح بذلك الفقدان في منزلة “المجرم Le criminel”. وعندما تفقد الحرب خلفيتها السّياسيّة، أو مظهرها السّياسيّ، تنقلب إلى عنف محض شبيه بعنف الطّبيعة الأعمى لا يجرّ وراءه ولا يخلّف سوى الكارثة.
—
ينبغي أن نذكّر بأمر بديهيّ وهو:
1 أنّ الحدث الكارثيّ الّذي صنعه بصفة خاصّة جهاز إسرائيل العسكريّ، وكابده فلسطينيو غزّة بمفردهم (مثلما كابده قبلهم اللّبنانيّون)، وتابعه العرب والعالم عبر الصّور بردود فعل متفاوتة الفتور والحدّة، إنّما هو حدث قد فَقَدَ الكثير من “كارثيّته” إن صحّت العبارة.
2 وأنّ جمهور المتفرّجين من مستهلكي الصّور الواردة عليهم عبر شاشات التّلفزة أو مواقع الأنترنيت المختلفة أو الصّحف بأنواعها لم يكونوا أيّام الحرب على عين المكان، لا في العراق ولا في لبنان ولا في غزّة الآن. كانت الحرب آنذاك (لبنان 2006) وحتّى اليوم في غزّة قد انقلبت إلى مجرّد صور تتفسّح في أرجاء الأرض بواسطة الأقمار الصّناعيّة. وعندما تصبح الحرب صورة، أو صورة صادمة، أو مشهدا أُخرج بإتقان وحرفيّة، أو عرضا تلفزيّا مبرمجا، فإنّ “الكارثة” تنقلب إلى “فرجة”. ومعلوم أنّ “الكارثة” ليست فرجة لأنّها تقتضي حضورا كاملا مطلقا في قلب الحدث. ولأجل ذلك لم تكن الحرب مجرّد صور تُرى بالعين وإنّما رائحة تُشمّ، رائحة الموت والجثث والأجساد المحترقة والنّيران. وعندما لا نشمّ هذه الرّائحة فإنّ كارثة الحرب تفقد الكثير من واقعيّتها الرّهيبة وفظاعتها الّتي لا تطاق، وبشاعتها الّتي لا تحتمل. فتصبح أشبه شيء بلعبة في ملاعب الكوريدا الإسبانيّة أو حلبة المصارعة في المسارح الرّومانيّة، لا هدف من بثّها سوى المتعة الفرجويّة الّتي تمتصّ بعنفها الرّمزيّ هيجان الجماهير الغاضبة. فالحرب اليوم ليست مجرّد صناعة تهتمّ بإنتاج الجثث فحسب وإنّما هي أيضا سوق لترويج بضائع الموت. وما الصّور الّتي نستهلكها سوى إحدى تلك البضائع تصنع حتّى تبعث في كلّ متفرّج غضبا قابلا للامتصاص والتّرويض السّريع.
هل ينبغي أن نفهم من كلّ ذلك أنّ الحدث الكارثيّ الّذي يجري الآن في غزّة:
1 لم يُنقل بعد لأنّه غير قابل للبثّ ولا للنّقل؟
2 أم ينبغي أن ندرك أنّه قد آن الأوان لنفهم أنّ ما يحدث في غزّة في نسخة 2008-2009، وما حدث في لبنان في صائفة 2006، وما حدث في العراق بعد سقوط بغداد، وغير ذلك ممّا حدث ويحدث وسيحدث، إنّما هو شكل جديد من عنف الدّولة الحديثة الّتي تمثّل “إسرائيل” اسما من أسمائها؟ وشكل جديد في التّعامل مع العدوّ (الفلسطينيّ؟) مادامت صورة العدوّ في منظور هذه الدّولة قد تغيّر جذريّا؟ وشكل جديد في الإبادة والقتل يحتاج إلى أن نكتشف تكنولوجيّاته وتقنيّاته؟ وهذه الأشكال الجديدة تقتضي منّا التّفكير في أشكال جديدة من المقاومة غير الّتي عهدناها. فعندما يصبح الموت صناعة والشّرّ تافهاla banalité du mal فإنّ الإنسان الفلسطينيّ/العربيّ يضحي بالضّرورة ـ ومن هذا المنظور العنصريّ الّذي يبرّر القتل ويجعله مقبولا ـ إنسانا آخر ينضمّ إلى قافلة البشر “الزّائدين عن الحاجة”les humains superflus على حدّ عبارة الفيلسوفة حنّا أرندت Hannah Arendt.
—
يمكن أن نعتبر أنّ الفكر الحديث قد جعل من “الهولوكست” Haulocauste (إبادة النّازيّين لليهود) أنموذجا للحدث الصّادم الّذي يستحيل أن يروى أو أن يقصّ أو أن يقصّد في قصائد. فعندما يقول أدورنو “لا شعر بعد أوزويتش” فإنّه لا يجرّد الحدث من كلّ إمكانات تسميته وترميزه وإنّما يقصد استحالة أن يدمج ما حدث في أوزويتش في الكون الرّمزيّ الّذي سبقه. فما وقع هو من قبيل ما لا ينقال ineffable، فلا يمكن أن يسرد في قصّة ولا يندب في قصيدة ولا يروى في رواية، ولا ينقل في خبر، ولا يصوّر في شريط ولا أن يلتقط بالصّورة. فلهذا الحدث وقع صادم يجعل كلّ إمكانات تسريده الّتي وجدت من قبل مستحيلة. فهو يقاوم كلّ تأريخ. ولعلّ هذا التّصوّر المخصوص للواقع هو الّذي وسم بطابعه “الموجة الجديدة” من الأفلام الوثائقيّة المنجزة في أواخر الثّمانينيّات وأوائل التّسعينيّات من القرن المنقضي، تلك الّتي يمثّل شريط “Shoah” لـ”كلود لنزمان” Claude Lanzmann الّذي كتبته “شوشانة فلمان” Shoshana Felman، أنموذجها الأمثل أو طرازها الأوفى. وهي أفلام تتجنّب كلّ إحالة ساذجة أو عفويّة على العالم الخارجيّ أو المفارق للتّخييل السّينمائيّ لأنّها تعتبر الهولوكست حدثا صادما يتجاوز كلّ تمثيل ومحاكاة. وهي تسلك بطريقة من الطّرق نفس المسلك الّذي سلكه أدورنو مع الشّعر. فهذه الأفلام تطرح على الفنّ من جديد نفس السّؤال الّذي طرحه أدورنو على الشّعر “أيّ فنّ بعد أوزويتش؟” (2).
ينبغي أن نحذر من هذه الطّريقة في إخراج جرائم الحرب والمعتقلات والسّجون لأنّه لا يوجد تفاضل في الجرائم والفظاعات الّتي ترتكب ضدّ الإنسانيّة. فمهما كانت فظاعة الموت فإنّ فرادة كلّ جريمة في التّاريخ لا تجعلها تحظى بفرادة أخلاقيّة. فلكلّ حياة قيمة لا تفوق قيمة حياة أخرى (3). وحتّى في مستوى الوقائع ليست جرائم أوزويتش Auschwitz أشدّ فظاعة من جرائم صبرا وشتيلا ولا قتلى اليهود في معتقلات النّازيّين أشدّ موتا من القتلى الفلسطينيّن في “صبرا، كفر قاسم، دير ياسين، شاتيلا” أو جينين أو غزّة اليوم. فلعبة التّفظيع والتّهويل والتّشنيع هي لعبة من ألعاب الخطاب ليس الشّعر والفنّ والكتابة التّاريخيّة والخطابة الفلسفيّة والحقوقيّة سوى صنف منها ( 4).
ونشير في هذا السّياق أيضا إلى الصّعوبة البالغة الّتي يجدها بعض رجال الدّين اليهود في تقبّل حدث “الهولوكست” الصّادم. فلم يعد “الهولوكست” كما كان في التّصوّر العبريّ القديم، أُضحية تقدّم لآلهة أو إله معتّم un Dieu obscur، وإنّما نظر إليه على أنّه لعنة من السّماء أصابت اليهود الأوروبيّين. ففي سنة 2000 انفجرت في إسرائيل فضيحة هائلة لمّا صرّح أحد الحاخامات الأرثودوكسيّين بأنّ الملايين السّتّة من اليهود الّذين أبادهم النّازيّون ليسوا أبرياء، فإعدامهم له ما يبرّره، إذ لا بدّ أن يكونوا مذنبين لأنّهم خانوا الرّبّ ( 5).
ومهما يكن الأمر فإنّ اعتبار “الهولوكست” لعنة أو أضحية إنّما هو طريقة في تفريد هذه الكارثة الإنسانيّة وجعلها تتمتّع بفرادة تاريخيّة لا تضاهى. فإبادة اليهود ليست لعنة ولا أضحية من الأضاحي الّتي تقدّم إلى الرّبّ وإنّما هي حدث يمكن أن ينتمي إلى صنف يطلق عليه الرّومانيّون القدامى تسمية “الإنسان المقدّس ـ Homo sacer”. وليس الإنسان المقدّس سوى صنف من البشر أطردتهم الجماعة وأقصتهم الأمّة من مجالها وأهدرت دمهم بحيث أنّه يمكن أن يقتلوا دون أن يُعاقب قاتلهم. ولهذا السّبب لا يمكن التّضحية بهم لأنّهم مجرّدون من كلّ شئ يمكن أن يضحّى به. وهذا التّعريف الّذي أعاد الفيلسوف الإيطاليّ جيورجيو آقمبن Giorgio Agamben استعماله يبيّن أنّ حياة المواطن المخصوصة المحميّة بشتّى الحقوق لا توجد إلاّ في منوال المدينة الّذي يفترض أنّ السّياسة الغربيّة قد نهضت عليه منذ أمد مديد. ففي مجال المدينة يمكن أن نتحدّث عن حقوق ومواطن. غير أنّ هذا المنوال القديم قد اُستبدل في سياق الدّولة الحديثة، وحلّ محلّه منوال آخر يمثّل ناموس الحداثة، هو منوال المعتقل le camp. وهو منوال يقوم على العزل والإقصاء وإسقاط الحقوق المدنيّة Le ban. فلا عناية في هذا المنوال بحقوق المواطن، وإنّما بالحياة وقد اختصرت في صمت اللاّجئين والمعتقلين والمطرودين المبعدين. هي حياة “الإنسان المقدّس Homo sacer” المُهرق دمه ( 6) الّذي بُذل جسمه البيولوجيّ على نحو سافر، دون أدنى وساطة، لقوّة التّأديب وقسوة العزل وبشاعة الموت. فالإنسان المقدّس ليس بعيدا من جهة وضعه السّياسيّ عن جماعة البشر “الزّائدين عن الحاجة” les humains superflus.
—
يمثّل اليوم الإنسان الفلسطينيّ أنموذجا حيّا للإنسان المقدّس، أي الإنسان المجرّد من كلّ حقّ، الّذي يمكن أن يقتل ويهدر دمه دون أن يحاكم قاتله. وهو يمثّله بطريقتين:
1 عندما كان الفلسطينيّ في وضع اللاّجئ السّاكن في المخيّمات، لمّا أطرد من الأرض وجرى تهجيره من الوطن، فأضحى في وضعيّة اليهوديّ في زمان الشّتات. وبمقتضى هذا الإقصاء انقلب وضعه القانونيّ برمّته. فهو بلا أرض، ولا وطن، ولا حقّ له في المواطنة، ولا أن يكون مواطنا.
2 عندما أصبح الفلسطينيّ ذاك السّاكن في المدن المحاصرة، لا يحقّ له الدّخول أو الخروج بحرّيّة، صار وضعه شبيها بوضع المحتجزين في المعتقلات النّازيّة أو الرّوسيّة. وليست المدن الفلسطينيّة اليوم سوى معتقلات، حوصرت معابرها على نحو جعلت الفلسطينيّ خاصّة أيّام الحصار أو الحرب ينقلب إلى معتقل قد جرّد من حقوقه المدنيّة. فهو معرّض يوميّا دون حماية للرّصاص والصّواريخ والقنابل وعنف الجنود الإسرائيليّين وعدوانهم.
غير أنّه وجب التّمييز بين الإنسان الفلسطينيّ المعتقل داخل مدنه والإنسان في المعتقلات النّازيّة. فإن كان منوال المعتقل le camp هو السّائد في سياق الدّولة الحديثة فإنّ المعتقلات لا تنتج بالضّرورة نفس الإنسان. فالسّاكن في المعتقل النّازي قد أنتج صورة قصوى من البشر “الزّائدين عن الحاجة”، هي صورة الإنسان “المسلم”. وليس “المسلم” المقصود ها هنا هو ذاك الإنسان الّذي ينتمي إلى ملّة الإسلام والمسلمين، وإنّما “المسلم” في لغة المعتقلات تسمية شائعة للدّلالة على الكائن الّذي بلغ عنده الهلع مبلغا انتزع منه كلّ وعي أو إحساس بشخصيّته إلى حدّ البلادة المفرطة. فليس “المسلم” ذاك الّذي أقصي على غرار رفاقه في المعتقل من السّياق السّياسيّ والاجتماعيّ الّذي كان ينتمي إليه سابقا قبل الاعتقال، ولا هو ذاك الّذي نذرت حياته إلى الموت وإنّما هو الّذي أصبح لا ينتمي إلى عالم النّاس ولا حتّى إلى عالم سكّان المعتقل. فهو الّذي انتقل إلى عالم آخر بلا ذاكرة ولا إحساس إلى حدّ أنّه صار لا يميّز بين لذعات البرد الشّديد ولا قساوة الحرّاس النّازيّين. ولعلّه بفضل هذا الاستسلام المطلق يكون “المسلم” في المعتقل قد ابتدع إلى حين شكلا من المقاومة لا مثيل له يقف كلّ حارس عاجزا أمامه (7 ).
بيد أنّ الإنسان الفلسطينيّ لا يشبه في شيء إنسان المعتقل النّازيّ، لأنّ سكّان المخيّمات والمدن الفلسطينيّة قد أنتجت صورة قصوى أخرى من البشر هي صورة الإنسان “المقاوم”. وهو بدوره قد طوّر شكلا من المقاومة مستمدّا من إيطيقا الجهاد الإسلاميّة. وهي إيطيقا حربيّة قد تمكّنت من تأسيس آلة حربيّة مقاومة لإرهاب terreur الدّولة الإسرائيليّ بإرهاب مضادّ، تسمّيه الدّولة الإسرائيليّة إرهاباterrorisme ، يقوم في بعض مظاهره القصوى على عمليّات انتحاريّة/استشهاديّة. وهي لهذه الأسباب تعامل منظّمات المقاومة الفلسطينيّة (الّتي لا تعترف بها) على أنّها منظّمات إرهابيّة شأن “حماس”، وتعتبر المقاومين بجميع فصائلهم مجرمين لا أعداء. وحين يصبح الإنسان الفلسطينيّ مجرما أو في منزلة المجرم فإنّ كلّ وسائل الإبادة الممكنة تصبح مشروعة للقضاء عليه.
إنّ هذا التّحويل الّذي دشّنته أمريكا بجعل أعدائها مجرمين منتمين إلى “محور الشّرّ” هو في الواقع أنموذج سياسيّ جديد صار فيه العدوّ الّذي كان يمثّل الخصمl’adversaire بالمعنى السّياسيّ التّقليديّ مجرما يجسّم الخطر الخارجيّ والدّاخليّ الّذي يهدّد حياة السّكّان. ولذلك كان أيّ اعتداء إسرائيليّ على الفلسطينيّين لا يخضع في نظر دولة إسرائيل للقوانين الدّوليّة، لأنّ أعداءها الفلسطينيّين ليسوا أعداء حرب وإنّما هم مجرمون، ولذلك تعاملهم معاملة المجرمين. هذه المعاملة هي عنصريّة في جوهرها. ولا فائدة في استحضار الأسس الصّهيونيّة الّتي نهضت عليها الدّولة الإسرائيليّة لإثبات جوهرها العنصريّ، وإنّما ينبغي أن نفحص نوع الأسلحة الّتي جرّبتها في حربها الأخيرة على غزّة. فقنابل الفسفور الأبيض على سبيل المثال الّتي تصيب المتضرّرين، من بين ما تصيب، بالعقم الدّائم لَكافية بمفردها للتّدليل على أنّ العدوّ الفلسطينيّ قد انقلب من هذا المنظور اللّوجستيكيّ إلى عدوّ بيولوجيّ. فالحرب الإسرائيليّة الفلسطينيّة هي في بعض مظاهرها حرب ديمغرافيّة. وليس موت العدوّ مجرّد ضمانة لحصانته، وإنّما هو إبادة لعرق فاسد يمثّل موته شرط وجود لحياة العرق الآخر.
—
ماذا بمقدورنا أن نفعل أمام هذا النّوع الجديد من القتل، وهذا الانتهاك اليوميّ للإنسانيّ؟ تجيبنا الفلسفة بأنّ الجريمة مهما كان غطاؤها الميتافيزيقيّ هي من قبيل ما لا يُبرّر L’injustifiable وما لا يُقبل L’inacceptable. ويجيب الشّاعر شعرا على نحو تشهيريّ وإشهاريّ بالغ القساوة يخلّد فيه بشاعة الجريمة، ويذكّرنا أنّ نسيان كلّ جريمة ضدّ الإنسانيّة يعني اقتراف جريمة أخرى في حقّ النّوع البشريّ : “بيروت – فجرا/ بيروت – ظهرا/ بيروت ـ ليلا:/ يخرج الفاشيّ من جسد الضّحيّة/ يرتدي فصلا من التّلمود: اقتل – كي تكون/ عشرين قرنا كان ينتظر الجنون/ عشرين قرنا كان سفّاحا معمّم/ عشرين قرنا كان يبكي… كان يبكي/ كان يخفي سيفه في دمعته/ أو كان يحشو بالدّموع البندقيّة/ عشرين قرنا كان ينتظر الفلسطينيّ في طرف المخيّم/ عشرين قرنا كان يعلم/ أنّ البكاء سلاحه ” (محمود درويش: مديح الظّلّ العالي، حصار لمدائح البحر، 1984).
ويجيبنا الحقوقيّون أنّ كلّ جريمة ارتكبت ضدّ الإنسانيّة وفي حقّ البشريّة لا يمكن أن تسقط بالتّقادم imprescriptible. ونجيب نحن العزّل من كلّ سلاح: لا يمكن إصلاح ما لا يمكن إصلاحه L’irréparable، فحتّى لو عاقبنا المجرمين فمن يعيد الحياة إلى ألف روح قد زهقت؟ من يعيد الحياة إلى جبال الرّماد البائسة؟ فما جرى في غزّة وغير غزّة، حين يقصف الأبرياء، هو بالحرف الواحد “لا يغتفر” لأنّه من جنس الأفعال الّتي لا يمكن التّكفير عنهاinexpiable .
الشواهد:
1- هذه التّسمية لم يذكرها جاك رنسيار في أشكال اللاّتسييس الثّلاثة الّتي اقترحها وهي: L’archipolitique و La parapolitiqueوLa métapolitique. أمّا L’ultra- politiqueفهي تسمية يقترحها تشيتجاك في كتابه: }i~ek, Slavoj: (2007) Le sujet qui fâche. Le centre absent de l’ontologie politique. ةditions Flammarion, p256.
2- انظر: Kristeva, Julia: (2005) La haine et le pardon. Fayard, p.p119-128. . وتعني كلمة Shoah الإبادة الشّاملة المنظّمة ليهود أوروبا من قبل النّازيّين خلال الحرب العالميّة الثّانية.
3- انظر:Ricoeur, Paul : (2000) La Mémoire, l’Histoire, l’Oubli. L’ordre philosophique. ةditions du Seuil , Paris, p 418
4- من نماذج هذه الخطابة الفلسفيّة كتاب:Jankélévitch, Vladimir: (1986-1996) L’imprescriptible, Points-Essais, p38الّذي لا نعرف بأيّ مقياس (موضوعيّ، علميّ؟) أمكنه أن يجعل من جرائم معتقلات أوزويتش وطريبلينكا Treblinka الجريمة الأشدّ توحّشا في التّاريخ والأشدّ وحشيّة من مجزرة الأرمن، وجحيم فردون Verdun، والتّعذيب الوحشيّ في الجزائر، والإرهاب السّتالينيّ…
5- انظر: i~ek, Slavoj: (2007) Bienvenue dans le désert du réel, Champs Flammarion, p205 .
6- انظر كتاب: Agamben, Giorgio: (1997) Homo sacer, le pouvoir souverain et la vie nue. L’ordre philosophique, Seuil الّذي يعرّف “الإنسان المقدّس Homo sacer” بكونه الإنسان الّذي يمكن قتله دون أن نقترف بقتله أيّ جرم ولكنّه أيضا الإنسان الّذي لا يمكن التّضحية بقتله في أيّ شكل من أشكال القتل الطّقوسيّة.
7- انظر: Agamben, Giorgio: Homo sacer, op.cit, p199..