حذاء فخامة الرئيس !- مختار الخلفاوي

كان حُنين إسكافا بالحِيرة. ذات يوم، دخل أعرابيّ دكّانه ليشتري خُفّين، وأخذ يساومه ويغالي في المساومة حتّى أغلظ في القول وغضب حُنينٌ فرفض أنْ يبيعه الخفّيْن. اغتاظ الأعرابيّ فسبّ حنينا سبّا فاحشا وأقذع في الشتم، ثمّ انطلق إلى سبيله.

أبى حُنين أنْ يبيت على ضيم، فصمّم على التنكيل بالأعرابيّ. فأخذ الخفّين وسبق الأعرابيّ من طريق أقرب، ثمّ ألقى أحد الخفّين في عرض الطريق، وسار مسافة ثمّ ألقى الخفّ الآخر. وكمن له ليرى ما يصنع. عثر الأعرابيّ على الخفّ الأوّل فالتقطه متعجّبا من شبهه بالخفّ الذي أمسكه عنه حنين. وألقى به لأنّ خفًّا وحيدا لا نفع منه. ولكنّه، حين عثر على الخفّ الثاني، ندم لأنّه لم يأخذ الأوّل، فعاد ليلتقطه. وفي غمرة المسارعة قبل أن يلتقطه غيره ترك راحلته واقفة، فخرج حنين إليها من مخبئه وساقها بما عليها. أمّا الأعرابيّ فعاد بالخفّين ولكنّه لم يجد راحلته، فقفل راجعا إلى أهله ولمّا سألوه بمَ عدت من السفر؟ أجاب: بخفّيْ حنين !

وذهب قوله ذاك مثلا على الحرص واللّجاجة والعناد مع سوء التدبير والتقدير. وعلى كلّ، هذا ما يمكن أن يصدر عن الرئيس الأمريكيّ المنتهية ولايته، وقد بدأ فترة حكمه مذعورا لمشهد هجمات الحادي عشر من سبتمبر / أيلول الإرهابيّة، وودّعها مقذوفا بالنعال !

نهاية حزينة قاسية لرجل جعل من مطاردة الإرهاب أجندته المركزيّة، حتّى إذا جاء العراق ليطمئنّ على ” التحوّل الديمقراطيّ ” فيه اكتشف أنّ الكيمياويّ المزدوج الذي أعيى لجانَ التفتيش الأمميّة التنقيرُ عنه ليس إلاّ زوجين من الأحذية العراقيّة مقاس 43 بحسب روايته شخصيّا وهو ينحني ليمرّ حذاء منتظر الزيدي الصحفي العراقيّ في قناة البغداديّة قاب قوسيْن أو أدنى من رأسه في صالة المؤتمرات بالساحة الخضراء في بغداد.

حادث عاديّ هو، لو جرى في البرّ الغربيّ حيث يقذف المواطنون زعماءهم بالبيض الفاسد والكعك في ساعات الضجر، ولكنّه غير ذلك في تقاليدنا العربيّة حيث لا يُلقَى أولو الأمر إلاّ بضرب الأكفّ وصيحات الفداء. بل لو أنّ صحافيّا عربيّا عاثر الحظّ ضرط في مؤتمر يعقده حاكم عربيّ – لا قدّر اللّه – لذهبت ريحه وثكلته أمّه من ساعته!

في المحصّلة، وإذا اطّرحنا نَعْل كُليْب، ثمّة ثلاثة أحذية دخلت التاريخ: خُفّا حُنين وحذاء خروتشوف وأخيرا وليس آخرا حذاء الزيديّ! ومن الطبيعيّ جدّا، وفي ظلّ علاقة محكومة بسوء الفهم والعداء والانتقام أنْ تنصب للحادث المهرجانات. وها هي حملات التأييد والنصرة للقائد البطل الذي ضرب رئيس أعظم دولة بالشبشب تبدأ في الاشتغال، ولجان الإسناد تجمّع المتطوّعين للدفاع عن الصحافيّ، وها هي أوسمة الشجاعة من درجة أولى تسند إلى منتظر، وقد أحيت رَمْيته العظام وهي رميم.

باختصار، وفي ليل عربيّ حالك، سيأخذ يوم الرابع عشر من ديسمبر محلّه بين سائر أيّام العرب، ليتسمّى بيوم الحذاء تماما كيوم النِّسَار ويوم الجِفَار ويوم السِّتَار ويوم شَمْطَة ويوم ذِي قار ويوم جبلةَ ويوم الغَبِيط ويوم البَسُوس ويوم دَاحِس والغَبْرَاء..

أين غنية الأعرابيّة التي ورد ذكرها في البيان والتبيين لتقول، في حذاء الزيديّ، أرجوزتها:

– أحلف بالمروة يوما والصفا — أنّك خير من تفاريق العصا