
في غمرة حراك سياسيّ ميّز العشر الأواخر من رمضان في تونس، مرّ في شبه صمت رسميّ وإعلاميّ حكمُ أصدرته المحكمة الإداريّة التونسيّة يطعن في دستوريّة المنشور 102 الذي يحظُر ارتداء الحجاب للموظفات والطالبات. فقد أعلم القضاء الإداريّ، مؤخّرا، وزارة التربية والتكوين بحُكمه القاضي بإبطال قرارها إيقاف مُدرّسة ثانوي عن العمل إيقافا مؤقّتا وحرمانها من راتب ثلاثة أشهر لارتدائها الحجاب.
وكانت المُدرّسة رفعت دعواها القضائيّة، فيما بعد، ضدّ الوزارة لدى المحكمة الإداريّة تحت عدد 10976/1 بتاريخ 25 يونيو 2002 . وعلّل الوزير في تقرير قدّمه إلى المحكمة قراره بإيقاف المُدرّسة عن العمل، بأنّها عمدت إلى ارتداء لباس ” يُوحي بالتطرّف ” استنادا إلى المنشور 102.إلاّ أنّ المحكمة اعتبرت أنّ تطبيق المنشور “قد ينتج عنه تهديد للحرّيات الأساسيّة واستعماله مطيّة للتضييق من الحقوق الفرديّة”.
ورأت المحكمة أنّ المنشور 102 لسنة 1986 الخاصّ بمظهر المدرّسين والأعوان الإداريّين والتلاميذ يتضمّن دعوةَ رؤساء الإدارات التعليميّة إلى حثّ الأعوان الراجعين لهم بالنظر مِن مدرّسين وإداريّين على أن يكونوا، أثناء عملهم و في مستوى العلاقات العامّة، ملتزمين بما يفرضه قانون الوظيفة العموميّة من “واجب الظهور بالهندام السويّ الذي لا يوحي بما يعدّ تطرّفا أو خروجا عن المألوف”. رأت في هذا المنشور تدخّلا “في مجال الحريات الفردية نظرا لما يتميّز به اللّباس من تعبير عن الانتماء الحضاريّ والدينيّ والفكريّ وما يعكسه من ميولات شخصية”. وقدّرت المحكمة أنّ المنشور المذكور يتضمّن قاعدة تتعلّق بالهندام “وردت في صيغة مُبهمة لم يسبق التعرّض لها بنصّ تشريعيّ يضبط، في كنف احترام المقتضيات الدستورية (إشارة إلى دستور البلاد وخاصّة في فصله السابع وإلى القانون عدد 65 المؤرخ في 29 يوليو 1991 المتعلّق بالنظام التربويّ) ما يمكن اعتباره تطرّفا في الهندام، الأمر الذي يفتح للإدارة سلطة تقديريّة غير محدودة في تطبيق ذلك المنشور ممّا قد ينتج عنه تهديد للحرّيات الأساسيّة ومنها حرّية المعتقد المضمونة دستوريّا واستعماله مطيّة للتضييق من الحقوق والحرّيات الفرديّة… وبذلك يكون المنشور 102 مخالفا للدستور الذي يعطي الحقّ للمواطن في التمتّع بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبيّنة بالقانون.” وقضت المحكمة، تبعا لذلك، بإلغاء القرار المطعون فيه وبحمل المصاريف القانونيّة على الدولة.”
والحقّ أنّ هذه المعركة التونسيّة التي غلب فيها الخيال والمبالغة على الواقع والحقيقة ليست بدعا، فلم تكن حرب الأزياء لتنقطع مِن سراويل الفتوّة على عهد الناصر لدين اللّه العبّاسيّ (تـ 622هـ) إلى أكمام النساء في القرن الثامن الهجريّ أيّام المماليك (رجاء بن سلامة: لماذا قطعوا أكمام النّساء في القرن الثّامن الهجريّ؟) مرورا بحرب العمائم والطرابيش والبرانيط على عهد مصطفى كمال أتاتورك وصولا إلى معارك التشادور الأفغانيّ وحرب داحس والغبراء حول الحجاب البورقيبيّ المستمرّة إلى اليوم في تونس.
تقودنا علاقة الكرّ والفرّ والشدّ والجذب مع الجسد البشريّ إلى أنّ تاريخ الجسد لم يكن، في أيّ وقت من أوقاته، بمعزل عن إشكاليّة السلطة، وأنّ الحرب السرّيةَ، بعيدا عن سوح الجهاد والفتوح والواجهة العلنيّة، كانت تخاضُ في فضاء المدينة لسياسة هذا الجسد البشريّ وتدبيره بواسطة من الدين من خلال مفهوم العورة والسوأة أو السلطان من خلال الإخضاع والإدراج أو ما سمّته رجاء بن سلامة الصراع حول امتلاك الجسد البشريّ (من يمتلك الجسد البشري؟). كما أنّ تاريخ هذا الجسد الذي هو من تاريخ السلطة لم يكتب إلى اليوم بقدر ما كتب تاريخ الرسل والملوك. على أنّ كتابة تاريخ الجسد ليس يمكن إلاّ من خلال كتابة تاريخ اللّباس، إذ الجسد البشريّ لا وجود له دون استحضار مسألة اللّباس أو “اللّحظة التي يُضحي فيها المحسوس دالاًّ “، كما قال هيغل ذات مرّة. وهذا يعني أنّ اللّباس هو ما يتّخذه الجسدُ البشريّ لكيْ يصبح دالاّ محمّلاً بالعلامات. لا يوجد الجسد البشريّ العاري بالمطلق، ولم يوجد العُري المطلق باستثناء بعض الطقوس الدينيّة العارضة حين كانت النساء يطفن بالكعبة عاريات، فتنشد إحداهنّ وهي تضع إحدى يديْها على قُبُلِها والأخرى على دُبُرها:
اليومَ يبدو بعضه أو كلّه *** وما بدا منه فلا أحلّه
على أنّ هذا التعرّي ليس أمارةً على الفجور أو الفحش إنّما بسبب من الغلوّ في تقديس الحرم ورغبة في التخلّص من الذنوب والآثام، ولذلك قالوا، على ما يذكر صاحب اللسان في مادّة ( ح. ر. م. ):
” لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها “. الثياب، بهذا المعنى، عنوان التجربة التاريخيّة للأجساد، بينما تمثّل حالة العُرْي المطلق حالة التعالي على الدنس والارتقاء إلى منازل القداسة والطهارة. ولمّا كان اللّباس عنوان التجربة التاريخيّة فإنّه، بذلك، يستوي عنوان تمايز في الجنس أو المراتب أو المهن أو الطبقة الاجتماعيّة أو النحلة الدينيّة. ومن بعدُ، راحتْ دُرْجَة اللّباس (أو موضة اللّباس)، في أثناء التجربة التاريخيّة وخلل التفاعل المستمرّ بين النصوص والنوازل، في الاتّساع والامتداد من جهة وفي التباين والافتراق من جهة ثانية. ولئن بدت رياضة الجسد الذكوريّ مرنة سلسة فقد كانت أحكام الفقهاء بخصوص جسد المرأة تنطق عن تشدّد تبعث عليه هواجسهم الأخلاقيّة في التفرقة بين الجنسينوالتمييز بين الحرائر والإماءوتسييج المنظومة القيميّة عامّة. وعلى هذا النحو، نظر الفقه “الحديث” إلى الجسد الأنثويّ على أنّه رمز لهويّة مهدّدة بالذوبان تحت رياح الغرب العاصفة، ولذلك وجب الجهاد لـتأكيد هويّة هذا الجسد وتغايره في آنٍ.
ولم يكنْ للرجل والمرأة عهدٌ بالسراويل، وإنّما يلفّ الرجال على وسطهم إزارا أو يلبسون رداءً، تماما كما كانت النساء يلبسن الجلابيب والأثواب الفضفاضة. وعلى عهد الرسول، كانت النساء يصلّين خلف الرجال بلا حاجز يفصل بينهم، ولمّا كان الرجال يأتزرون أو يلبسون رداءً (بلا سراويل) ممّا يمكن معه أنْ تبرز أعضاؤهم التناسليّة عند السجود فقد قال النبيّ للنساء: لا تعجلن برفع رؤوسكنّ، حتّى يقوم الرجال من سجدتهم فيقمن، بعد ذلك. بل إنّ اضطرار بعض النساء للبس السراويل في أمور طارئة أو عارضة، على ما يذكر الشيخ خليل عبد الكريم في شدو الربابة “، حملت الرسول على أنْ يطلب لهنّ المغفرة،: اللّهمّ اغفر للمتسرولات من أمّتي.
هذه السراويلات التي كان لباسها ممّا يتطلّب شفاعة الرسول وطلب المغفرة ستنقلب، في فترة من تاريخنا، إلى علامة على الانتماء إلى حركة سياسيّة واجتماعيّة مخصوصة.
كان الخليفة العبّاسيّ الناصر لدين اللّه الذي حكم بين 575 و622 هـ قد تفتّى ( اعتنق الفتوّة ) سنة 578 هـ على يد الشيخ عبد الجبّار البغداديّ الذي ألبسه لباس الفتوّة، وما أسرع ما صار الخليفة نفسه، فيما يذكره ابن الساعي في حوادث سنة 604 هـ (في الجامع المختصر) ” القبلة في (الفتوّة)…فدخل في ذلك الناس كافّة من الخاصّ والعامّ، وسأل ملوك الأطراف الفتوّةَ فأنفذ إليهم الرسلَ ومن ألبسهم سراويلات الفتوّة بطريق الوكالة الشريفة، وانتشر ذلك في بغداد وتفتّى الأصاغر على الأكابر..” وكانت الفتوّةُ الناصريّة، وهي غير الفتوّة الصوفيّة، ظاهرة اجتماعيّة تدلّ على فئة من الرجال يتدرّبون على خصال الفتوّة ويطبّقونها. وأصبح للفتوّة مجموعة من الرسوم، فكان يستقبَل الشابّ في نقابة الفتوّة بشدّ خصره بفوطة أو محزم وبإلباسه لباسَ الفتوّة الذي يمتاز بالسراويل، وبسقيه في كأس الفتوّة الماءَ المشوبَ بالملح..ويقال إنّ هذه الجماعة التي تدّعي الانتساب إلى عليّ بن أبي طالب وترى فيه المثل الأعلى للفتى قد اشتدّ أمرُها وعظمت سطوتُها وسلطانها فكانت تروّع الأهالي حتّى اختلط ذكر الفتيان بالعيّارين. يتحدّث عنهم ابن الجوزيّ في (الناموس في تلبيس أبليس): “العيّارون يسمّون بالفتيان ويقولون الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم ولا يهتك ستر امرأة. ومع هذا لا يتحاشون من أخذ أموال الناس، ويسمّون طريقتهم الفتوّة…ويجعلون إلباس السراويل للداخل في مذهبهم كإلباس الصوفيّة للمريد المرقّعةَ..”. ويذكر الفقيه الحنبليّ ابن عمّار في “كتاب الفتوّة” والخرتبرتيّ صاحب “تحفة الوصايا” أنّ الاستقبال في نقابة الفتوّة يتألّف من “الشدّ” ( شدّ الحزام ) و”الشرب من كأس الفتوّة” الملأى بالماء المالح، وهذه هي المرحلة الأولى التي يصبح فيها الطالب ” مريدًا “، وفي المرحلة الثانية التي تسمّي “التكميل” أو “التكفية” يستطيع المريد المشدود أنْ يلبس سراويل الفتوّة. ويُذكر أنّ الفتوّة انتشرت بعد أنْ أعاد الناصر لدين اللّه بناءها وتنظيمها وتفتّى له كثيرون في شرق الأرض وغربها.. ويفسَّر التحاقُ الخليفة بهذه الجماعة المتنامية القوّة برغبته في الالتفاف على قوّة جماهيريّة متعاظمة تهدّد سلطان الخلافة، فتفتّى وصار المرجع في الفتوّة وحمل الناس على أنْ يتفتّوا من خلال منشور الفتوّة بتاريخ 9 صفر سنة 604 هـ يقنّن فيه مؤسّسة الفتوّة ويضبط شروطها وهرميّتها. وهو، بهذا الصنيع، يحاول إعادة تنظيم سلطة الخلافة المريضة بتركيزه الفتوّة في شخصه ليخلق ضربا من الكاريزما افتقدته مؤسّسة الخلافة قبيل أنْ تتداعى أمام غزو المغول سنة 656 هـ
كان سقوطٌ الخلافة مؤقّتا بسقوط بغداد، ولكنْ سرعان ما انتقلت الخّطّة الدينية لتستقرّ بعد قرون في الآستانة، ثمّ تسقط الخلافة العثمانيّة، بلا رجعة، سنة 1924 سقوطًا تزامن هو الآخر مع معركة الأزياء الرجاليّة المعروف بصراع العمائم والطرابيش والبرانيط ومع معركة الحجاب والسفور النسائيّة (قاسم أمين، الطاهر الحدّاد، نظيرة زين الدين..). ولئن حُسِم الصراع بين المعمّمين والمطربشين لفائدة “الجيش” الثاني وصار معه الطربوش شعارَ الدولة العليّة العثمانية، فإنّه سرعان ما حُسِم الأمر، من جديد، لفائدة البرنيطة (القبّعة) ملبس “الكفّار” حين ألغى أتاتورك الخلافة نهائيّا سنة 1924 ، وأصدر قرارا بمنع لباس الطربوش ودعا إلى لبس البرنيطة. وصارت البرنيطة والطربوش الواجهة الرمزيّة لصراع سياسيّ طاحن بين دعاة إحياء الخلافة ودعاة علمانيّة الدولة التركيّة واتّجاهها إلى الفضاء الأوروبيّ.
في إطار من هذه الحرب التي “تتزيّى” بلبوس رمزيّ، تتنزّل معركة الحجاب البورقيبيّ. وتأكيدنا على نسبة المعركة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة يتأتّى من كونه المحرّك الأساسيّ لها سواء عندما كان الزعيم الشابّ من أشدّ المنافحين عن الحجاب أو حينما نزل بنفسه في فجر الاستقلال لنزع “السفساري” عن المرأة في شوارع تونس أو حينما أذنَ بإصدار المنشوريْن 108 لسنة 1981 و102 لسنة 1986. نشر المحامي الشابّ الحبيب بورقيبة في 11 من يناير 1929 بجريدة “اللّواء التونسيّ” الناطقة بالفرنسيّة مقالاً بعنوان “الحجاب” مندّدا بما دعت إليه على منبر جمعيّة الترقّي بالعاصمة التونسيّة حبيبة المنشاوي التي حملت على الحجاب ودعت إلى سفور المرأة التونسيّة وممّا جاء فيه قوله: “إن الحجاب دخل منذ قرون في تقاليدنا وأصبح جزءا لا يتجزّأ من ذاتيّتنا ومظهرا يميّزها عن ذاتيّات أخرى” وحمل على السفور قائلاً: “إنّ ليلة الحجاب انتهت بفشل دعاة السفور ومدبّري محو الذاتيّة التونسيّة، وهل أدلّ على ذلك من امتناع السيّدات المسلمات اللاّئي حضرن في تلك الليلة عن إلقاء خُمُرهنّ في سلّة القاذورات، فكان موقفهنّ أحسن برهان على وجود الشخصية التونسية”.
واليومَ، بهذا الحكم الأوّل من نوعه في تاريخ هذه الخصومة حول الحجاب تجد الكثير من الأصوات التي راهنت على تجييش طاقاتها للدفاع عن الحجاب والمحجّبات والنقاب والمنقّبات فرصة تاريخيّة ونصرا لا يضاهى يدلّ عليه الاستقبال الاستثنائيّ لهذا الحدث، في المواقع الإخباريّة والمنتديات الإسلامويّة، إلى حدّ اعتباره عيدا ثالثا ينضاف إلى عيديْ الفطر والأضحى أو فتحًا جديدا لتونس القيروان والزيتونة. وفي حين سارعت الكثيرات ممّن تعرّضن إلى مضايقات حول حمل أحجبتهنّ إلى التفكير في سبل التقدّم بشكاوى للمحكمة ذاتها عملت أخريات على نسخ الحكم المذكور وحرصن على حمله تميمةً في كلّ وقت للاستظهار به عند الحاجة. أمّا السيدة خديجة الشريف رئيسة جمعيّة النساء الديمقراطيّات في تونس فقالت، من جهتها، “إنّ هذا القرار لنْ يغيّر في شيء من موقفنا في مواصلة الحملة ضدّ ارتداء الخمار في بلدنا” وتابعت قائلة “إنّنا نؤكّد أنّ معركتنا هي معركة حضاريّة ورفضنا ومازلنا نرفض مواجهته عبر المناشير والقوانين والعنف بل الإقناع والحوار هو نهجنا”.
وللأمانة، فإنّ تطبيق المنشور 108 الصادر سنة 1981 والمنشور 102 الصادر سنة 1986 كان يتمّ بصفة دوريّة وغير منتظمة ويطبّق في أحيان كثيرة بمرونة وغضّ طرف، بل إنّ “الحملات” على الحجاب تثار، عادة، في بدايات السنة الدراسيّة والجامعيّة وفي نهاياتها، وفي بعض المؤسّسات دون أخرى، ولكنّها تهدأ مع الشتاء لتُسْتَأْنَف في موسم الحرّ بشكل عابر، هنا أو هناك. أمّا الحديث عن حملات منهجيّة منظّمة ومستمرّة ومعمّمة تتجاوز حرمان المحجّبة من الدراسة والعمل إلى حرمانها من المعالجة في المستشفيات العموميّة، فحديث فيه الكثير من المبالغة والافتراء، وليس أدلّ على ذلك من مشهد الموظّفات المحجّبات في مؤسّسات الدولة وإداراتها وفي معاهدها وجامعاتها، أمّا عن المحجّبات في الطريق العامّ، فمنظرهنّ صار جزءا من المشهد اليوميّ للشارع التونسيّ.
أقول هذا الكلام لأنّ كثيرا من الخواطر والشهادات والتقارير صارت مقزّزة إلى حدّ القرف مستندة، فيما يبدو، على ذهنيّة تستمرئ الاضطهاد والبروز في ثوب الضحيّة وفي الوقت نفسه تضع، بأنانيّة حمقاء، أكثرَ نساء تونس في صفوف الكاسيات العاريات. إنّ بعض الأصوات التي ما انفكّت تعلن حربها على مجلّة الأحوال الشخصيّة بعلّة مخالفتها للشريعة وعلى برامج إصلاح التعليم، بشتّى عناوينها، بحجّة أنّها برامجُ لتجفيف منابع التديّن، إنّ بعض هؤلاء يشيعون أخبارا لا يمكن أن يصدّقها كلّ ذي بصيرة من قبيل أنّ المساجد في تونس في تناقص ملحوظ وبأنّ مدينة تونس لا تضمّ مساجد إلاّ في الحيّ العتيق وبأن المصلّين في تونس مطالبون بحمل شارات خاصّة للاستظهار بها في الدخول والخروج، وبأنّ تونس “الحمراء” أحدثت في الإسلام ما لم تحدثه أيّ فرقة ضالّة، وأنّ الحرمات استبيحت حتّى أنّ الغرف في المبيتات الجامعيّة صارت مختلطة شريطة توفير العازل الذكريّ وحبوب منع الحمل، وإلى حدّ صارت الأنساب مهدّدة بالاختلاط في هذه البلد المسلم!. أوليس صدور إعلان هذا الحكم في هذا الشهر الكريم استجابة إلهية لاستغاثةٍ أطلقها أحد عباده الصالحين ذات يوم: أنقذوا عفيفات تونس!
لا يمكن الحديث عن حجاب في صيغة المفرد بل عن أحجبة رأسها، بلا شكّ، ما سمّاه فتحي بن سلامة الحجاب التيولوجيّ. ومع هذا الرأس تكون المناظرة والمناقشة والمحاورة، ذلك أنّه ليس في البنية المفاهيميّة للإسلام دلالة قطعيّة للحجاب، ولو كان ذلك كذلك لما حصل كلّ هذا الاختلاف بين المفكّرين من داخل الإسلام ومن خارجه. لقد خضع المفهوم إلى تجربة تاريخيّة واجتماعيّة زحزحت معنى الحجاب القرآني، لتحلّه في دائرة تفكير بشريّ أدْخَلَ في فقه النساء سواء بعنوان الشرع أو بعنوان العرف لأنّ الحجاب لباس واللّباس تاريخيّ متحوّل بطبيعة الأمور متلوّن وفق الظروف والبيئات والعادات. وليس الحديث عن لباس ثابت نمطيّ إلاّ حديثا يجافي التاريخ ومنطق الأمور. ولكن المسألة تطرح، في الآن نفسه، من جهة الواجب الملقى على الدولة في احترام حرّية الضمير والاعتقاد وحرّية لباس ما تراه امرأةٌ لباسا شرعيّا لها، وفي الوقت نفسه احترام غير الملتزمة بهذا اللّباس وحمايتها. أمّا أنْ يُصَوّر هذا الصراع السياسيّ حول الشرعيّة على أنّه إنقاذ لعفّة المرأة وطهارتها من جانب، ثمّ تنساق الدولة، من الجانب الآخر، إلى فتوى مضادّة تريد أنْ تلزم بها طائفة من مواطنيها فذلك من صميم خلط الدين بالسياسة تبقى المرأة، فيه، الخاسر الأوّل.
لرجال الدين أن يتحدّثوا عمّا يرونه سوأة وعورة وليس لهم أنْ يُلزموا الناس بقوالب ثابتة أو باتّخاذ أجساد معيّنة، وليس من مهامّ الدولة الوطنيّة تحديد مفهوم العورة والسوأة إلاّ في إطار ما تسمح به الأخلاق العامّة وقانون المواطنة. ويبقى الحجاب واللّباس عامّة متروكا إلى اختيارات الناس الشخصيّة ومعتقداتهم الفكريّة في إطار احترام الاختلاف والتنوّع ومبادئ حقوق الإنسان. ودون هذا الطموح محاذير ومزالق جمّة لعلّ أحدها الإجابة عن سؤال: بأيّ معنى نعدّ اللّباس ولباس الحجاب بصفة خاصّة مسألة شخصيّة تدخل في إطار الحرّيات الفرديّة، وما الضمان على أنّ هذه الحرّية الشخصيّة لنْ تكون مطيّةً لاستعادة أشكالٍ قديمة جديدة من امتهان النّساء؟