
-1-
انتهت الإنسانية بعد الحربين العالميتين اللتين وقعتا في القرن العشرين إلى الوعي بالطابع التدميري لمثل هذه الحروب وضرورة البحث عن كل السبل المؤدية إلى تجنب الوضع الذي نجم عن الحربين العالميتين، وإلى العمل بصفة مشتركة لتحقيق الشروط التي تسمح بالتعاون الدولي من أجل ضمان سلام دائم وعادل، يكون فيه ضمان لحقوق جميع الشعوب والأمم ولما يضمن حياة إنسانية كريمة لكل سكان الكوكب الأرضي، إلى فكرة تأسيس منظمات دولية تطرح عليها المشكلات المتعلقة بنظام العالم، وبالعلاقات بين الدول، ثم عبرها بين الشعوب. فهذه المنظمات هي التي بدا في زمن تأسيسها أنها كفيلة بالبحث في شروط الحياة المشتركة على عالم أصبح أكثر من أي وقت مضى أكثر وحدة وتواصلا، بل وتدافعا أيضا، كما تبحث في الوسائل التي يمكن أن تساعد في حل المشكلات المطروحة على هذا الصعيد. هذا مثال وأمل وضعته الإنسانية مجتمعة أمامها، دون أن نغفل أن السعي إلى تحقيقه واجه بعض الصعوبات، ومنها بعض المواقف المعارضة للسير في الطريق لذي يقود نحوه.
بدأ تأسيس المنظمات الدولية في غالبها بعد الحربين العالميتين في القرن العشرين: عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وحين تبين أن بعض القضايا المطروحة على إنسانية القرن العشرين، وعلى مستقبل الإنسانية بصفة عامة، تتطلب تأسيس فروع للأمم المتحدة خاصة بها تم تأسيس تلك الفروع.
يهتم مجلس الأمن داخل الأمم المتحدة بالحفاظ على السلام العالمي. ولذلك، فإنه يتابع كل النزاعات التي تقوم في الجهات المختلفة والتي تقوم فيها بصفة خاصة نزاعات مسلحة تهدد حياة وأمن المدنيين، ويعقد اجتماعاته باستعجال عندما يبدو الحل غير ممكن بالنسبة للجمعية العامة للأمم المتحدة للبحث في تلك النزاعات والخروج بصددها بقرارات أو بتوصيات لإيجاد الحلول أو لاتخاذ الطريق نحو ذلك. ولمجلس الأمن، كما نعلم، الحق في إرسال قوات أممية تعمل على حماية المدنيين وعلى الحرص على تنفيذ كل اتفاق حاصل بين الأطراف المتنازعة.
تهتم منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة بالتفكير في توفير التغذية الكافية والمتوازنة التي تتوقف عليها حياة الإنسان وصحته، والتي يلحقه الأذى الذي يصل إلى حد الوفاة عند غيابها أو عدم توفر الحد الأدنى منها على الأقل. وقد سادت المجاعات في عصور مختلفة، وهي تسود اليوم في أنحاء من العالم رغم ما حصل من التقدم العلمي والتقني بصفة عامة وما يهم منه تطوير الزراعة بصفة خاصة. وتنسق هذه المنظمة المعلومات، وتشرف على عقد الاجتماعات والمؤتمرات، بل والقمم، التي تبحث في الموضوع، كما تقترح على البلدان المختلفة توجها في السياسات التي تقودها نحو تجاوز الأزمات الغذائية. وعلى العموم، فإن هذه المنظمة تهدف إلى تحقيق أمن غذائي للإنسان في كل جهات العالم دون تمييز.
ضمان حياة الإنسان، من جهة أخرى، هو ضمان صحته. ويعني هذا العمل من أجل محاربة الأمراض والأوبئة التي قد يصل ضررها حين تنتشر في أي مجتمع إلى حد القضاء على الحياة الإنسانية أو جعلها غير محتملة، ثم العمل فوق ذلك من أجل توفير الصحة الجيدة لكل إنسان بضمان شروط العلاج والوقاية والمتابعة. وقد أصبح هذا المطلب أكثر ضرورة بالنسبة للأوبئة الفتاكة التي زاد خطرها بالنسبة للعالم أجمع مع ما وفّره تقدّم وسائل النقل وحرية التنقل من إمكانية انتقال الناس من أي موقع في العالم إلى أي موقع آخر. وكما نلاحظ اليوم، فقد أدى انتشار الأوبئة وبعض الأمراض القابلة للانتقال من شخص إلى آخر عبر العلاقات الجنسية، وكذلك بعض الأمراض المنتقلة من التغذية الحيوانية،إلى تزايد عدد الوفيات الناجمة عنها بصورة واضحة، إضافة إلى الأمراض فير المعدية، ولكن الخطيرة والتي يتفاقم انتشارها في مختلف جهات العالم. فإذا كان العالم قد أصبح بفضل ما حصل من تقدم أكثر وحدة من أي زمن مضى، فإن هذه الوحدة لا تعني المكتسبات فحسب، بل تعني المشكلات أيضا ومن بينها المشكلات الصحية. هذه هي الدواعي التي قادت نحو التفكير مباشرة بعد تأسيس الأمم المتحدة في تأسيس المنظمة العالمية للصحة، وهي منظمة تهتم بالوضع الصحي في العالم، وتبحث على هذا المستوى عن السبل والوسائل المساعدة على إبعاد كل ما من شأنه أن يلحق الضرر بالإنسان أو يقضي بانتشاره بالعدوى على حياة جزء من الإنسانية ويكون فيه في نفس الوقت تهديد للجزء الآخر منها.
المجتمع الدولي في حاجة لحل النزاعات التي تقوم بين الدول إلى الحكم فيها، وهو في حاجة إلى هيئة قضائية. ولذلك تم تأسيس محكمة العدل الدولية التي تستند إلى المواثيق التي تأسست عليها الأمم المتحدة للحكم في القضايا المعروضة عليها. وتظهر وظيفة محكمة العدل الدولية مكملة لوظيفة مجلس الأمن من حيث طابعها السياسي.
نذكر أخيرا لا آخرا وعي الإنسانية بأن وحدتها المتحققة بفضل التقدم العلمي والتقني المستمر والسريع لا تنفي تنوعها على الصعيد الحضاري والثقافي. وقد تبين بفضل ذلك أنه لا غنى لكي يمضي تطور الإنسانية في إطار سلام دائم وعادل من وجود عمل منسق لتعايش الإنسانية باختلافها الثقافي الذي هو، في نفس الوقت، مظهر لغناها وتنوع أشكال التعبير والإبداع لديها، كما عبرت عنه الحضارات والثقافات المختلفة. والإطار التنظيمي الذي أوكل القيام بمهمة التنسيق في هذا المجال هو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة( اليونسكو).
مهام اليونسكو متعددة على الصعيد الثقافي والتربوي والعلمي، وهي في جوهرها متممة للأهداف العامة للأمم المتحدة التي رأينا أن غايتها الأساسية هي خدمة السلام بين الشعوب والبحث في كل السبل والوسائل لجعل شعوب العالم تتعايش في سلام. وما سعت إليه اليونسكو منذ تأسيسها هو العمل على دعم مجهودات السلام، ولكن انطلاقا من مجال الثقافة. وزيادة على أن التعريف بجميع ثقافات العالم من شأنه المساعدة على تعرف الإنسان حيثما كلن بالتراث الثقافي الواسع، فإن من الآثار المطلوبة من ذلك تقارب الشعوب عبر التبادل الثقافي في كل الأنحاء. لهذا عملت اليونسكو على الاهتمام بالتراث الثقافي الإنساني وإبرازه في غناه وتنوعه، كما وضعت البرامج للحفاظ على ثقافات الشعوب في كل المجالات الإبداعية والعلمية والعمرانية وغيرها.
ذكرنا الأمم المتحدة ومنظمات أخرى أساسية تابعة لها، وهي المنظمات التي تأسست بعد الحربين العالميتين المدمرتين اللتين عرفهما القرن العشرون. لكننا لا نغفل بعض المجالس الأخرى التابعة يدورها للأمم المتحدة وكذلك بعض المفوضيات السامية المختصة بالقضايا الناتجة عن الفعاليات الإنسانية. فإذا كان الزمن المعاصر يعرف وجود مجتمع دولي تحكمه قوانين متوافق حولها من أجل حفظ السلام، وهو الغاية الأسمى للإنسانية مجتمعة، فإن العالم يعرف أوضاعا اقتصادية عامة تتضمن علاقات بين الدول، ولا بدّ من النظر فيها بصورة مشتركة. ومن هنا جاء المجلس الاجتماعي والاقتصادي. كما أضيف أخيرا مجلس يهمّ النظر في وضع حقوق الإنسان في العالم، ومفوضية للنظر في شؤون اللاجئين. وكل هذه الهيئات والمنظمات والمجالس تم تأسيسها للعمل من أجل السلام وتثبيت التعاون بين البلدان لبلوغ هذا المطلب الإنساني العام، علما بأن البرامج ينبغي أن تشمل كل جوانب حياة الإنسان. لذلك لن ننسى ذكر المجلس المتعلق بحقوق الإنسان، وهو الذي يتابع وضع هذه الحقوق في كل البلدان من أجل معرفة مدى التزام سياساتها بالعمل وفقا للحفاظ على الحقوق.
إذا كانت المنظمات الدولية التي ذكرناها تأسست لإبعاد خطر الحروب، وللبحث باستمرار عن السلام والأمن بدراسة النزاعات المسلحة التي تقوم في جهات العالم المختلفة، فإنها مطلوبة اليوم بنفس القدر الذي كانت مطلوبة به عند تأسيسها. غير أن هناك مظاهر حرج في وضعية تلك المنظمات وفي شروط أدائها لمهماتها.
هذه المنظمات وما تفرّع عنها أو ماثلها من منظمات جهوية دالة على وعي الإنسانية المعاصرة بالتطورات التي وحدت العالم، وجعلت إمكانيات تهاون دولها سبيلا لتحقيق غايات مشتركة، ودالة أيضا على الصراعات المدمرة التي تنتشر في العالم المعاصر والتي ينبغي التنسيق من أجل إبعاد أخطارها.
-2-
نلاحظ في البداية أن الحروب والصراعات السياسية التي تعتمد على القوة في أحيان كثيرة لم تهدأ بعد نشأة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها. كان هناك دائما عرض للنزاعات على مجلس الأمن الذي اتخذ بصددها قرارات فيها ما يوجه الأحداث نحو استتباب الأمن ويخدم السلام، وتلك مهمة الأمم المتحدة الطبيعية. لكن حيث لم تنجح الأمم المتحدة في وضع حد للحروب التي اندلعت في أماكن مختلفة، فإن هذا الأمر يضع مؤسساتها موضع سؤال ويشكك في جدواها.
الشرق الأوسط مثال واضح على عدم الوفاء بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة عامة ومجلس الأمن بصفة خاصة، وخصوصا في الحالات التي كان الأمر فيها يتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث لا تطبق إسرائيل تلك القرارات أو يتم الاعتراض على مشاريعها بفضل حق الاعتراض الذي لدى الولايات المتحدة وبعض البلدان الأخرى، والذي كانت الولايات المتحدة هي الأكثر استخداما له لصالح إسرائيل في حالات كثيرة، وهذا ما دعا أطرافا متعددة إلى المناداة بإصلاح المنظمات الدولية مثل توسيع مجلس الأمن أو مراجعة حق الاعتراض.
من المفيد في الوقت الحاضر أن يصبح وضع المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، موضوعا لدراسات مستفيضة تعيد النظر في تنظيمها وأدوارها وشروط هذه الأدوار. ونرى أن إعادة النظر هذه تقتضي أخذ التحولات التي وقعت في العالم بعين الاعتبار. فكما أن المنظمات الدولية الحالية استجابت للشروط التي كان عليها العالم غداة الحربين العالميتين السابقتين في النصف الأول من القرن العشرين، فإن الشروط التي جدت منذ النصف الثاني من هذا القرن تقتضي إعادة التفكير في لمنظمات الدولية لجعلها تستجيب للمتطلبات الجديدة. وهناك في تكوين المنظمات الدولية ذاتها ما هو في حاجة إلى مراجعة وإعادة صياغته على صعيد الواقع وعلى صعيد النصوص معا. لكن هذا الإصلاح الذي نادت به أطراف عديدة تهتم بشأن المنظمات الدولية، والذي جاء من أجل دفع تلك المنظمات للقيام بالأدوار المطلوبة منها منذ تأسيسها على أفضل وجه، هو إصلاح داخلي ويكون على الصعيد القانوني والتنظيمي فحسب. وهذا إصلاح ضروري كما تحدث عمه الخبراء الذين اقترحوه، لكنه مع ضرورته غير كاف من أجل عودة تلك المنظمات إلى الأدوار التي وجدت من أجلها. فالإصلاح ينبغي أن يشمل أيضا النظام العالمي الذي نطلب من تلك المنظمات أن تكون في خدمة قضاياه ومشاكله. وإن هيمنة بعض القوى الكبرى على تلك المنظمات ، ثم الإرادة في جعلها في خدمة الغايات المرتبطة بمصالح تلك القوى التي تهيمن في العالم المعاصر، كان مانعا من أجل أن تقوم المنظمات الدولية بما كان تأسيسها من أجله. وقد زاد هذا الوضع استفحالا بعد غياب القطب الثاني في النظام العالمي، أي الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الحليفة له، وانفراد قطب واحد بالسيادة في العالم. أصبح التعامل مع المنظمات الدولية في مجموعها، وخاصة الأمم المتحدة، وكأمها مجرد أداة لخدمة الاستراتيجيات الظاهرة أو الخفية للقوى الكبرى في العالم. ومع تسليمنا بأن الخلل كان موجودا في كل التطورات التي عرفتها المنظمات الدولية، فإننا نرى أن الوضع الحرج الذي توجد فيه تلك المنظمات اليوم برز بشكل أوضح بعد منتصف الثمانينات من القرن العشرين، وهو مستمر إلى ما مضى اليوم من القرن الواحد والعشرين.
يبدو لنا تبعا لما سلف ذكره أن استعادة المنظمات الدولية لغاياتها وأدوارها الأصلية يتطلب تغييرا في تلك المنظمات، ولكنها تقتضي أيضا تغييرا في العالم الذي وجدت تلك المنظمات من أجله، أي بناء العلاقات الدولية على أسس جديدة غير الهيمنة. هذا هو طريق السلام الذي تستطيع فيه منظمات دولية أن تلعب دورا كبيرا في الحفاظ عليه صيانة للوجود الإنساني في كل أنحاء العالم.
لا شك أن العالم كله مطالب اليوم بإعادة المنظمات الدولية إلى غاياتها الأصلية مع التفكير في الوسائل التي تجعل بلوغ تلك الغايات، ولا ريب كذلك في أن البلدان الأقوى مدعوة بفعل قوتها إلى المساعدة في تقوية المنظمات الدولية، ولكن البلدان الأكثر تضررا من الوضع الحالي، وهي البلدان الأضعف مدعوة إلى تنسيق الجهود من أجل جعل المنظمات الدولية أداة لخدمة الأهداف الإنسانية التي تم إحداثها من أجلها.