حرّية التعبير مرة أخرى…ولكن ما ذنب الغرب؟

لكلّ مهرجان ثقافي تاريخه وحكاياته. ومهرجان دبي الدوليّ للكتاب، لم يخرج عن القاعدة، بل قد نشرتْ مقالات عن نجاحه الباهر قبل انطلاقته. وسارعت جميع الصحف ومواقع الإنترنيت العربية إلى نشر الأخبار عنه، وتسابقت جيوش من الكتاب والصحفيين والناشرين للوصول إليه. على أنّ هناك أخبارا، لا يريد أحد أو لا يتجرّأ على نشرها، وكأنّ الإعلام العربي موجود ليكرّس ما لا يحلم به الرقباء في الثقافة العربية.

الخبر الأوّل عن مهرجان دبي الدولي للكتاب هو منع كتاب ” الخليج بيننا ” للصحافية والكاتبة البريطانية ” جيرالدين بيديل “، وهي تعمل لصالح اليومية البريطانية ” ذي أوبسرفر “. ولكن لماذا؟ يقول الإماراتيون، إنّه كتاب يتضمّن أشياء من شأنها إحداث بعض الحساسيات في الأوساط الثقافية في الإمارات (والعالم العربيّ بطبيعة الحال )، مثل حرب العراق والإسلام، وقالت مديرة المهرجان “إزوبيل أبو الهول “: بعد قراءة المخطوط، اتّضح لنا أنّ الرواية تمسّ، أو تسيء، إلى بعض الحساسيات الثقافية، وليس من مصلحة المهرجان بالتالي عرضها. لكنّ هناك أخبارا أخرى، نشرت في الصحافة ” الكندية ” الإليكترونية والورقية، تقول غير ذلك، وتشير إلى أنّ رفض الكتاب، وهو رواية كوميدية رومانسية، يتعلّق بشخصية شيخ خليجيّ مثليّ تتناول الكاتبة علاقته بصديق إنجليزيّ في الرواية التي تدور أحداثها في إحدى الدول الخليجية .

ثمّ جاء الخبر الثاني، وهو تفصيل للأوّل، وفيه تتّضح أسباب منع رواية (الخليج بيننا)؛ إنّ الروائية الكندية ونائبة رئيس نادي القلم الدولي ” مارغريت أتوود ” رفضت حضور المعرض والمشاركة في طاولة مستديرة حول الرقابة ستقام ضمن الأنشطة الثقافية والفكرية التي تتخلّل المهرجان. وسبب الرفض هذا، كما صرّحت الكاتبة نفسها إلى الوسائل الإعلام الكندية هو أنّ رفض رواية الكاتبة “جيرالدين بيديل” يدخل ضمن قمع حرية التعبير وهذا ما لا تقبل به.

ولذلك أعلنت إلغاء رحلتها إلى دبي. كما أعلن الكاتب والروائي الإنجليزي ” أنتوني هورويتز ” أنّه حائر بين حضور المهرجان أو عدم الحضور، وأوضح بأنّه لا يستطيع المشاركة في مهرجان يعارض حرية التعبير .

لقد تجاهلت الصحافة العربية ووسائل الإعلام هذا الخبر الذي يُحلّ، على نحو ما، الحديث عن الفشل، محلّ النجاحات المسبقة التي اكتسبها المهرجان قبل انطلاقته. ذاك أنّ سلطة الرقيب والرقابة (وإن خصّص لها المهرجان فضاء في الندوات التي ستقام خلال أيامه)، بدت هي الأقوى في هذه الدورة، وهي الأولى من المهرجان الذي يبدأ في bf من الشهر الحالي وينتهي في الأوّل من آذار المقبل .

تعيدنا هذه الأخبار إلى مسألة طالما بقيت جوهرية في حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية أيضاً، وهي ارتهان حرية التعبير في عالمينا العربي والإسلامي بالسكوت أو الصمت. أن نصمت أمام الظواهر الاجتماعية وما يجري فيها، وخلفها، يعني أننا احترمنا حدود الحريات. وإن تكلّمنا، كنا عرضة إلى قمع الرقيب. ولا يرتبط النقاش هنا بمنع كتاب تتناول فيه كاتبة غربية واحدا من أشدّ المواضيع تعقيداً في الثقافة العربية المعاصرة، وهو ” المثلية الجنسية “، كما أنّه لا يرتبط بقرارات الحكومات والسلطات السياسية فقط. بل يتعلّق بظاهرة اجتماعية ودينية عامّة تتداخل فيها العقائد والمصالح، والتخاذل أيضاً.

فهناك اليوم نخب دينية واجتماعية داخل المجتمعات العربية، تجبر السلطة على قمع حريات التعبير؛ بالإسكات، ومنع الكتب ومصادرتها، كما في السعودية ومصر وباكستان، بينما تستقوي النخب ذاتها في دول أخرى، مثل إيران وليبيا بالسلطة المباشرة في إسكات الكلمات والأصوات وحرق الكتب وفرمها. وبموازاة الأجهزة الحكومية والنخب الاجتماعية والدينية، هناك جيش آخر غير مرئيّ في طمس حرية الرأي في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو جيش المثقفين والصحافيين الذي لا يقتصر عمل أفراده على تحريك إعلام الدولة وتمثيل سياساتها العامة، بل يتجاوز ذلك إلى رسم وتخطيط ما تفكّر فيه الدولة والمؤسّسات القمعية. وفي أحسن الأحوال يلتزم جيش المثقفين الصّمت وغضّ النظر عمّا يجري من الانتهاكات وطمس حرية الكلمة. وإن أعلن كاتب أو صحافي غربيّ موقفه حول عالمنا، أو كتب عنه شيئاً غير مستساغ لمقاسات وعينا وذهنياتنا، اعتبرناه عنصرياً واستعمارياً وامبريالياً…الخ من التسميات المُسترشَدة في ثقافتنا. وإن طُلب منّا التعبير عمّا يؤرقنا وما نُحاط به من كبت وخوف وصمت واستلاب، فإنّنا نخفي رؤوسنا في الرمال، وكأننا قادرون بذلك على إخفاء عيوبنا.

إن الإشكالية الكبرى في هذه المسألة، هي تركّز العنف والقمع تجاه حرية التعبير على المستوى الداخلي، حيث تُقَوَض مقوّماتها بقيود لم تعد سياسية أو دينية فحسب، بل طائفية وجنسية وأخلاقية، وقومية أيضاً. وعلى الصحافيّ والروائيّ والشاعر والمثقّف والناشط الاجتماعيّ والسياسيّ، التفكير ملياً بكلّ تلك القيود قبل التفكير في قول شيء ما. وهي تالياً، إشكالية ” ذهنية التحريم “، إن استخدمنا تعبير المفكّر السوريّ صادق جلال العظم.

والحال هذه، نحن أمام عهد جديد من ظاهرة طمس حرية التعبير والرأي في العالمين العربي والإسلامي، عهد تكثر فيه الفتاوى والملاحقة، بتهمة الإساءة للإسلام، أو الأخلاق العامة، أو المشاعر القومية، أو الفتنة المذهبية، أو الرموز الدينية والاجتماعية. ففي نهاية ستّينات القرن المنصرم، حين رفعت في بيروت دعوى ضدّ الفيلسوف صادق جلال العظم بتهمة “التحريض على الشغب المذهبي” في كتابه المعروف (في نقد الفكر الديني )، لم يكن هناك كما يقول ” العظم ” سوى قنوات تلفزيونية رسمية، وكانت الرقابة تركّز خاصة على الصحف والمجلاّت، حيث تمّ منع صدور بعض الأعداد أو تم استئصال بعض الصفحات. فيما اليوم، يضيف العظم في حوار أجرته معه “منى النجار “: يعيش العالم العربيّ عقلية جديدة أكثر تشدّداً، وذلك بسبب تطوّر وسائل الاتصال كالانترنت والقنوات الفضائية .