حـّتى لا تتحوّل حقوق الإنسان إلى جدارعزلة جديد

لم تعرف بدايات هذا القرن معنى يكاد يتوحّد حوله الأفراد والجماعات أكثر من الخوف. الخوف من الماضي الذي اختزل إلى بعد واحد أوحد تتناسل من أعماقه المظلمة قوى الكراهيّة والحقد والدّمار باسم جنّات مستحيلة الوعود. والخوف من الحاضر الذي أصبح مستعصيا على الفهم بعد أن فقد الأفراد لغة تساعدهم على فكّ رموزه وحوصرت تجارب تعقّل الواقع والحلم به بايديولوجيّات “الجموع”. والخوف كذلك من المستقبل الذي لم يعد يحضر بأحلامه وأوهامه التي تغذّي المشاريع الوجوديّة. إنّنا نعيش لحظة تذكّرنا بلوحات “جيروم بوش” الفنان الذي شهد مأساة الانتقال إلى قرن جديد في العصور الوسطى، حيث ينتفي الزّمن بمختلف أبعاده وتحتفل الكائنات بمراسم القيامة في مشاهد تجمع بين الرّعب من المصير المحتوم الذي تلقى الكائنات في أتونه والتّلذّذ بالخلاص، أي خلاص، مهما كانت آلامه.

هي لحظة قصوى يبحث فيها ” الإنسان” عن نكران أدران واقعه والاستكانة إلى قوى تداوي ولو بالوهم حيرته وآلامه. وتستثمر قوى الهيمنة الإديولوجيّة والسّياسيّة أحاسيس الخوف وهواجسه بتشجيع تعبيرات الهويّة الأكثر انغلاقا وتطرّفا وإثارة النّعرات الدّينيّة والقوميّة والقبليّة والطّائفيّة وتغليب منطق الاستهلاك على منطق الإبداع وإفراغ الثّقافة من بعدها النّقديّ ومحاصرتها بمنتوجات اللاّثقافة والتّبسيط السّاذج للمفاهيم والشّعوذة.

إنّها لحظة محاولة تعميم العزلة والإقصاء والتّهميش التي تقيم سلطتها على غريزة الخوف من المجهول وتستمدّ شرعيّتها من عجز السّياسة عن بناء أفق للعيش معا وإيجاد حلول لقضايا المواطنة والعدالة والأمن. وإذا كان جدار العزل في فلسطين ومشروع جدار العراق واقعا مرعبا في تجسّده الماديّ، فهناك عزلات أخرى عديدة وغير منظورة تستوطن فضاءات الحياة الفرديّة والجماعيّة وتدمّر امكانات المشترك الإنسانيّ والوعي بالكرامة وتضع موضع سؤال تعريف “الإنسان” بمحاولتها إعادة تأسيس التّعريف على أساس الانتماء إلى هويّة منغلقة ما لا على أساس أفق الحرّية المنفتح على كلّ الاحتمالات.

عزلة هنا وعزلة هناك تتحطّم على أسوارها الأحلام وتتبعثر. عزلة الحرمان من الموارد وترتيب فضاء المدينة حسب الثّروة والتملّك والموقع الاجتماعيّ. عزلة الإقصاء من الفعل السّياسيّ وتطويع القاعدة القانونيّة لخدمة الهيمنة والتّمييز. عزلة احتكار المعرفة والتّعليم واغتيال لغة الإبداع بالدّعاية والتّهريج واستهلاك منتوجات الهذيان المنحطّ. عزلة حدود الدّول الغنيّة المنغلقة أمام الذين لا يملكون سوى أجسادهم يمنحونها قربانا لجنّات أوهامهم. عزلة تقنوقراط التّكنولوجيا التي حوّلت البعض في اليوتوبيا الرّقميّة إلى مدوّنين بدون مدوّنة للتّواصل والإعلام الذي يحتكر رؤية الواقع ويستلب الثّقافة في الدّعاية وفي اللّهاث وراء الخبر العاجل الذي يحرم مبدعي الفكرة ولحظات الحياة من مساعدة الإنسان على التقاط أنفاسه وإبداع مسارات معرفة تستوعب اختلاف الايقاعات. عزلة العلامات والملابس العقائديّة والطائفيّة التي تبصم الجسد بوشمها وتعرّفه بتميّز هو أقرب للعبوديّة السّعيدة بعبوديّتها منه إلى الخصوصيّة المحرّرة.

فلا عجب إذن أن نرى أنّ أحداث أغلب البرامج والمسلسلات والمنوّعات التّلفزيونيّة والأفلام السّينمائيّة التي تلقى رواجا كونيّا رهيبا تدور في فضاءات مغلقة بين جدران الغرف وزنزانات السّجون والجزر المفقودة والمدن المهدّدة بالدّمار القياميّ وتركّز على معاني الخطيئة الفرديّة والخوف من الآخر وكرهه والتّنافس العنيف وغياب قيمة القانون وانفراط أسس العقد الاجتماعيّ ولا جدواه في مواجهة الأخطار المحدقة بالفرد ومخاوفه.

في أقصى درجات العزلة تقام سياسات التمييز التي تحرسها عين السّلطة السّاهرة بأدوات التبرير والدّعاية والإغراء. فلم يعد القمع السّافر وتعذيب الجسد وانتهاك كرامته الأدوات الوحيدة لتنظيم العزلة ومسارات الخوف وإدامة الهيمنة، بل انضافت إليها وسائل أشدّ خبثا وسرّية. إنّها وسائل تنتزع من جسد الفرد ذاكرة مقاومة التّسلّط كفعل حرّية يتأسّس في فرادة تجربة الذّات التّاريخيّة وبالاشتراك مع المختلف وتلقي على بصيرته غشاوة كثيفة تمنعه من رؤية خصوصيّات “الآخر” وهي مسكن كرامته المتأصّلة وجحيم تجربته الفريدة.

إنّنا في حضرة مشهد كونيّ لانتزاع الأرواح بجمالها القاسي وقبحها الإنسانيّ الرّهيف، بصبواتها ورغباتها المنفلتة من إكراهات الواقع حينا وسعيها إلى البحث عن” الحقيقة ” والتنظّم في اشكال مختلفة من العقد الاجتماعيّ حينا آخر. إنّه مشهد الفردالجماعة الذي أسلم أساطيره الخاصّة إلى آلة العزلة لتعيد تشكيلها بواسطة سيرورة الهذيان الجماعيّ في صورة كليانيّة من كره الأنا وكره الآخر.

{{حتّى لا يتحوّل خطاب حقوق الإنسان إلى عزلة أخرى}}

وتزداد العزلة قسوة حين توصد أبواب تعقّل الواقع وعقلنته وتتهافت اللّغة وتعجز عن الفعل التّاريخي في الأنماط الثّقافيّة التقليديّة. كما تفقد السّياسة أحد امكانيّاتها وهي إرباك المسلّمات والمطلقات وتفكيك خطاب التّسلّط وإذابة جليد الهويّات السّميك في لهيب العقلانيّة والتّجربة المتعدّدة. إنّ ما نشهده اليوم من “صحوة” للظّاهرة الدّينيّة المخلوطة ببقايا شعارات قوميّة وتحوّلها إلى أداة احتجاج أساسيّة ضدّ الهيمنة لا يمثّل في حقيقة الأمر علامة تحرّر بل يعبّر عن أقصى درجات الارتباك الحضاريّ ويؤكّد وهو في عنفوان غلوّه عن عمق الأزمة وليس عن تباشير الحلّ. فهذه “الصّحوة”هي آخر حشرجات جسد ثقافيّ يحتضر وتنبعث من أنّات غيبوبته مشاهد تدمير الكينونات وعنف مطلق يحاصر خصوصيّة الفرد وإبداعاته ويحطّم امكانيّة بلورة مشاريع المواطنة والكرامة والعدالة والمساواة. إنّها العزلة التي تتزيّن بمساحيق مصلحة الجماعة والخصوصيّات الثّقافيّة وقد اختصرت إلى تعبيراتها الأكثر لاتاريخيّة.

إنّ هذه “الصّحوة” التي تسعى إلى تأثيث الفراغ الذي تركه انسحاب اليوتوبيات والانساق السّياسيّة والثّقافيّة الكبرى التي أدارت على مدى قرنين أحلام وأوهام ومشاريع المجتمعات الحديثة، لا يمكن أن تملأ الفراغ ولا أن تداوي الخوف. فهي كذلك تقوم على فراغ جوهريّ وهو غياب المشروع التّاريخيّ الذي يقترح سبلا لفهم الواقع ومواجهة مخاطره بسياسة ترتكز على المقاومة المدنيّة والتّضامن والحوار التّفاوضيّ بين الأفراد والكيانات المتعدّدة والمساواة في المواطنة. إنّها فراغ على فراغ يتغذّى من آلام الجموع الغائمة ويسحب في مسيرته العمياء أثقال إعاقته الكبرى ألا وهي استحالة معرفة الحرّية واختبارها.

إنّ عجز حركات التّبشير بالصّحوة الديّنيّة عن التّعامل الجريء والواضح مع مسألة الحريّة وتحويله إلى سياسة إبداع سينعكس في ردّ فعلها العنيف على مفاهيم حقوق الإنسان والحرّيات وسعيها لتسفيه الحركات المطالبة بالمساواة وعزلها باسم خليط عجيب من الاستيهامات الدّينيّة والقوميّة والثّقافيّة وحتّى القبليّة والطّائفيّة.

ولعلّ هذا الهجوم يذكّرنا بحقيقة أنّ حقوق الإنسان والحرّيات قد كانت في القرنين الأخيرين مجال إنكار وانتقاد لاذع من عديد التّيارات الفكريّة والدّينيّة والأنظمة السّياسيّة. فلقد شكّكت نظريّة ” العبقريّة القوميّة” مثلا في مدى كونيّة مبادئ حقوق الإنسان، وهاجمت التّيارات الدّينيّة مرجعيّة حقوق الإنسان المتمحورة حول الإنسان المطلق الكرامة والمساواة في مواجهة الإرادة الإلهيّة. أمّا الأنظمة السّياسيّة الشّموليّة فلقد انتقدت حركات حقوق الإنسان باستعمال مفاهيم السّيادة والواجب والأولويّات.

ولكنّ حقوق الإنسان ومسيرة المطالبة بالحرّيات لم تكن فقط مجال هجوم عنيف وتشكيك مثلما يريد البعض أن يوهمنا بذلك، بل إنّها شهدت تطوّرا في النّظريّة وفي الممارسة ملفتا للانتباه من خلال حوارها المبدع مع مدارس فكريّة وقانونيّة وسياسيّة عديدة ومحاولتها الدّائمة الإجابة عن تساؤلات تطرحها مطالبات فرديّة أو جماعيّة بالحرّيات في لحظات تاريخيّة مختلفة. فلقد تمكّنت حقوق الإنسان من الانسحاب تدريجيّا من هيمنة الإرث الحقوقيّ اللّيبراليّ لترتاد آفاقا أخرى يسكنها المطالبون بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والعدالة والتّنمية والتّضامن والسّلم وتقرير المصير. كما اجتهدت محاولات لزعزعة الاحتكار المعرفيّ لحقوق الإنسان من طرف “أخصّائيي” الحقوق وإبراز حقوق الإنسان كمجال لتعدّد المعرفة.

لقد تمكّنت حركة حقوق الإنسان بمجموع مفاهيمها وتجاربها وبنجاحاتها وإخفاقاتها، من النّجاة من مدفن اليوتوبيّات والمشاريع الإيديولوجيّة والأنساق الذي شهده القرن الأخير. فهي حاضرة الآن وهنا في مختلف المجتمعات وفي رغبات الأفراد المنتزعة من الخوف والعزلة. وهي حاضرة في هشاشتها الظّاهرة لمساءلة منطق السّياسات المهيمنة والهويّات المنغلقة والعنيفة.

إنّ تواصل حياة حقوق الإنسان والمطالبة بالحرّيات كنافذة مفتوحة على مشاريع الأمل في مواجهة مشاريع الموت يعود إلى أنّها تقوم في جوهرها على الحرّية واسّتمدّت قدرتها على التّجدّد من حضورها العمليّ في بعض أهمّ الحوارات التّفاوضيّة حول تطوير القاعدة القانونيّة والسّياسيّة باعتماد مبادئ الحريّات. كما أنّها اخترقت جدران العزلة في أماكن قصيّة لتدافع عن تجارب الحرّيات وتصاحبها.

لقد نجحت حقوق الإنسان في التّجدّد كلّما تمكّنت من الابتعاد عن إغراء تحوّلها إلى دين جديد ومن إبراز تعدّدها أمام تقديس “الواحد”: الرّاي الواحد والهويّة الواحدة والثّقافة الواحدة واللّغة الواحدة والحلم الواحد والنّظام الواحد والمشروع الواحد…

ونجحت كذلك حين ابتعدت عن مغازلة المفاهيم المنغلقة ووضعت رؤاها وأدوات عملها في مسارات لمسائلة السّياسيّ بنقد الأسباب العميقة للهيمنة وتطوير المشاركة والمواطنة وتحويل السّياسيّ من مجال الأخلاقيّات المنفعيّة إلى مجال تحكمه أيضا القاعدة القانونيّة المبنيّة على المساواة. كما نجحت حين ساءلت ثوابت الثّقافيّ وخلخلت وثوقيّته بالدّفاع عن معاني الإبداع والنّقد والتّعدّد. ونجحت حين ساءلت الاجتماعي بنقد أنساق التنظّم التّقليديّة والمناداة بالمواطنة المبنيّة على الاختيار الحرّ والمساواة والعدالة.

كلّها أمثلة دارت وقائعها في أماكن من كوننا وكان لحقوق الإنسان حضور فاعل فيها كوعي تاريخيّ ولغة تجربة للحريّة. هذا الحضور لا يمكن أن يتواصل إلا إذا حافظت حقوق الإنسان على طابعها المنفلت من التّصنيف والتّعميم والتّقديس وبقيت لغة مقاومة مدنيّة وإبداع وتفاوض وتعدّد.

إنّ زحف العزلة يهدّد بشكل كبير حقوق الإنسان والحريّات باعتبارها أداة صمود ويقظة. فنظريّة حقوق الإنسان ومفاهيمها تتحوّل عند بعض المؤسّسات والأفراد العاملين في المجال إلى كمّ هائل من النّصوص والألغاز هم فقط الذين قد يملكون مفاتيحها ويخصّصون الكتابات والنّدوات والدّورات التّدريبيّة لتفسيرها بعضهم لبعض بينما يبقى أكثر النّاس خارج أسوار هذه المعرفة المتخصّصة ممّا يزيد إحساسهم بالعزلة عن عالم حقوق الإنسان “العجيب”. أمّا الدّفاع عن انتهاكات حقوق الإنسان فهو يتحوّل أحيانا إلى مجال تنتفي فيه علاقات المساواة ويعيد إنتاج علاقات مراتبيّة قديمة وجديدة بين الإنسان الواعي بأدوات الدّفاع عن الحقّ والمانح لتجربته للآخر من أجل انقاذه والضّحيّة المستسلمة التي تتلقّى الخدمات والمساعدة لتبقى دائما وأبدا في وضعيّة الضّحيّة. هذا الانفصام في العلاقة هو في حقيقة الأمر تشويه لمعنى بناء تجارب الحريّة كمستودع لاختبار علاقات المساواة والكرامة والتّضامن. فالعزلة إذن قد تعبّر عن نفسها مثلما قلنا بأشكال أكثر رهافة وحتّى من خلال النيّات الأكثر حماسة وإخلاصا. كما يتهدّد حقوق الإنسان هذه العزلة الزّاحفة من خلال تشرذم المعنييّن بالحرّيات بين منظّمات ومراكز خاصّة وجامعات. ورغم أهمّية تعدّد المعنييّن بهذه القضايا فإنّ العودة النّقديّة إلى قضيّة تعدّد المعرفة وتداخلها والتّضامن تبدو ضروريّة لمواجهة خطر التّشرذم والإنفصال. فما هو معنى تجارب الحرّية وفضاءاتها إذا تاه جوهر حقوق الإنسان ليس بين التّجارب بل بين جدران المؤسّسات الممتنعة عن محيطها.

هذا التّيه للمعنى سنجده أيضا في قدرة حقوق الإنسان على استيعاب مفاهيم أصبحت تحفّ بها مثل التّسامح والاختلاف والعيش معا والتّعايش السّلميّ والأمن الإنسانيّ ومقاربة التّنمية المرتكزة على حقوق الإنسان. هذه المفاهيم على أهمّيتها النّظريّة والعمليّة لا يجب أن تتحوّل إلى مجرّد بلاغة مستعصية على الإدراك بل يجب أن تصبح أسئلة تدفع نظريّة حقوق الإنسان إلى مزيد الانفتاح. كما لا يجب أن تتحوّل عند البعض إلى وسيلة لتعويم قضايا حقوق الإنسان وإفراغها من بعدها السّياسيّ الأساسيّ وهو بناء تجارب الحرّية.

تُطرح هذه الأسئلة وغيرها على حقوق الإنسان التي لا يمكن أن تستعيد قوّتها التّحويليّة إلا إذا طرحت سؤال معنى وجودها بين جدران العزل