يعتقد الأستاذ الطاهر أني تطاولت وقلت ما لا يليق بحق الذات الإلهية. ويقتبس من مقالي الكلمات التالية: “.. انعقاد التقديس والعبادة والولاء على الإسلام معرفا كأمة وعقيدة أمة، لا كإخلاص الدين لله. الله ذاته مقيد بهذه العبادة، متعادل معها، وهو يبدو حاكما سياسيا أكثرمما هو طاقة تعالٍ لا تتناهى، تفيض على الإسلام وكل دين”.ويبدو أن ما ساءه هو العبارات التي أبرزها بأن وضع تحتها خطا. لكن إذا كان ما قلته عن عبادة الإسلاميين للإسلام لا لله صحيحا، ولم أقله إلا لأني أعتقد أنه صحيح، فإن من يقيد الله بعبادة الإسلام ويذيبه فيها هو الإسلاميون وليس أنا. وكان أولى بأستاذنا الطاهر أن يناقش الفكرة الأساسية: هل يعبد الإسلاميون الإسلام؟ هل يشركون مع الله ربا آخر هو الإسلام؟
سأفرد لهذه القضية البالغة الخطورة الفكرية والسياسية تناولا خاصا، أطرح فيه فكرة أن دعوى الحاكمية تقوم وراء رفضها لما اعتبرته شركا بالله بمنح الناس حق التشريع على شرك آخر هو عبادة الإسلام ورده إلى مدونة فقهية جامدة، تخلو من الروح وتقترن بالخوف والرهبة وباستبداد مطلق رأينا نسخة منه في أفغانستان الطالبانية. والحاكمية هي النموذج الإرشادي (الباراديغم) لكل حركات الإسلام السياسي القائمة، بعضها أكثر اعتدالا وبراغماتية عمليا، لكن أيا منها لم ينتقد ويرفض نظرية الحاكمية في حدود علمي. وما الدعوة إلى “تطبيق الشريعة” إلا الصيغة التنفيذية لنظرية الحاكمية. لا “قطيعة إبستمولوجية” بين الإسلام الإخواني والإسلام السلفي الجهادي في هذا الشأن، بالعذر من الأستاذ والصديق محمد جمال باروت.
ولعل عبادة الإسلام نشأت في وقت مبكر مع تراجع علم الكلام والفلسفة والتفكير في العقيدة، لمصلحة الفقه والشريعة. وهو ما جرى في ظل سلطات استبدادية ضعيفة الشرعية وفي وسط صراع سياسي وديني محتدم وأزمة روحية حادة. وكان من ثمراته أن تقنن الإسلام إلى درجة اليباس الروحي. والبعد الروحي المهمل سينفصل عن البعد التشريعي، ويتجسد في التصوف. وسيرافق التقنين قصر العقيدة الصحيحة على هذا المذهب أو ذاك، السنة و الشيعة، وداخل السنة المذاهب الفقهية التي لم يندر أن كانت العلاقات بين أتباعها عنيفة وعدائية. وكانت لا تزال كذلك حتى وقت قريب جدا في السعودية بين حنابلة نجد وشوافعة الحجاز. ماذا يعني ذلك؟ يعني التوسع في التكفير. كل من ليس منا كافر. ماذا يعني أيضا؟ يعني أن عقيدتنا هي الدرب الوحيد إلى الله (بالمقابل يقول أهل التصوف ‘إن الطرق إلى الله بعدد السالكين إليه”). يعني أن الشيعة كفار. وبالطبع المذاهب الإسلامية الأخرى. وبالطبع جميع الديانات والعقائد الأخرى. يعني أن الله راض عنا نحن فقط. ألا يعني ذلك تقييد الله بمذهبنا؟ ألا يعني احتكاره؟ ألا يعني أنه لا يفيض بحال عن هذا المذهب أو ذاك؟ أي أنه متعادل بمذهبنا في عيننا، وبمذهب غيرنا في عينهم؟ تعلم أن المسلمين السنيين يصفون الشيعة بأنهم “روافض”، يرفضون شرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان؛ وأن المسلمين الشيعة يصفون السنة بأنهم “نواصب”، يناصبون آل بيت الرسول العداء. تعلم أكثر من ذلك أن هذا ليس من الماضي.
من معاني إسلامي، بالمناسبة، إدارة الظهر لهذه الانقسامات ورفض ميراثها. فيما يبدو أنك، أيها الأخ الطاهر، تصدر عن موقع محدد ضمنها، وتعتبر أن السلطة ينبغي أن تكون لجماعتك فوق كون لله معها وحدها، أو لأنه معها وحدها. ولم لم تكن محتكرا لله لما بلغ بك أن تحدد لي كيفية التخاطب مع من يفترض أنه رب السموات والأرض الذي وسعت رحمته كل شيء والأقرب إلينا من حبل الوريد. لا تكلف نفسك هذا العناء. فالله يناجى ويعاتب ويساءل و.. يُزعل منه أيضا! أنت في لندن أو في الرياض أو لست أدري أين، والله في كل مكان، فلا تشغل بالك بكيفية كلامي معه وعنه!
.. وتعلم بعد أن لإسلام الحاكمية، وهو اختراع حديث عمره أقل من نصف قرن ، بلوره أبو الأعلي المودودي وسيد قطب، ركيزة أخرى تضاف إلى احتكار الله وتحميه هي التكفير، وهو ما يجد معادله العملي في نصب أسوار شاهقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المسلمين أنفسهم، وبين الإسلام مفسرا تفسيرا ضيقا ومتشددا وكل ما خارج سياجه. هل تفريق البشر بهذه الصورة منفصل عن احتكار الله؟ وهل التكفير غير استخدام الله سلاحا مطلقا في صراعات إنسانية دنيوية؟
على أن تقييد رب العالمين أو “اغترابه” في دين بعينه، أي هذا النوع من الشرك الشائع جدا وغير المدروس أبدا، حالة خاصة من اغتراب المعنى أو تصنيمه في كل عقيدية دينية أو دنيوية. تنشأ دعوة أخلاقية أو عقيدة دينية أو مذهب اجتماعي فتدعو إلى الله أو الخير أو العدالة بلغة وعقل عامين، تخاطب عقل الإنسان ووجدانه محتكمة إلى قيم مقبولة وعقل مستقر مشترك بين الناس في زمنها. كانت مدركات العقل (تعقلون..) والعلم في القرآن تحيل إلى فهم مشترك بين المؤمنين والكتابيين والمشركين في الحجاز، ولعل العلم كان يحيل إلى مخزون من المعارف مشترك في الشرق الأدنى ككل. بعد حين، وإذ تتكون حول تلك القيم والمدركات أمة أو حزب أو جماعة، تأخذ العقيدة أو المذهب أو الدعوة في تكوين عقلهم وأخلاقهم، فيغدو عقل الدعوة هو العقل وأخلاقها هي الأخلاق، وتكون لنفسها نسخة خاصة من القيم والخير والعدالة. وفي طور صعودها تشكل النسخة العقل المشترك والقيم العامة، وتطال كل ممارسة عملية ونظرية بأن تبرر نفسها أمامها. فإذا توقف صعودها، أو إذا ظهرت نظم معرفة وأخلاق أكثر اتساقا وعمومية، بدت النسخة تلك حالة خاصة، يتعين إعادة هيكلتها وترتيبها بالتوافق مع النظم الجديدة من أجل أن تحافظ على بقائها أو حتى تصون ما فيها من خصوصية. هذا ينطبق على سبيل المثال على الماركسية. لقد نشأت ضمن الثقافة الأوربية الغربية فاستبطنت عقلها وقيمها، لكنها انتقدتها من موقع يقع داخلها وإن على طرفها. في طورها الشيوعي تحولت من معرفة ودعوة اجتماعية تحتكم إلى عقل مشترك ومفتوح هو عقل القرن التاسع عشر الأوربي إلى دعوة خاصة، تطالب كل معرفة وعمل بأن يسوغا نفسهما أمامها. غدت صنما. ثم دفعت الثمن حين تكشف أن عقلها وأخلاقها لا يشكلان طريق الإنسانية العام، بل هما زقاق ضيق متفرع عنه، أي أنهما عقل وأخلاق طائفيان، يسيجان من المعنى أقله ويهدران أكثره.
هذا حال الإسلام اليوم. وهذا مبرر الإصلاح الديني الإسلامي. ويعني الإصلاح الديني في هذا المقام إعادة هيكلة المعاني والعقائد والقيم الإسلامية بما يتيح لها أوسع تفاعل مع الحداثة. وأرجو ألا تندفع إلى القول إني أقارن بين دين الله وأباطيل العباد. فهذا موقف إيماني يستطيع صاحب كل عقيدة أن يقوله. ثمة ماركسيون متعصبون سيرفضون المقارنة أيضا لأنهم يرفضون وضع “علمهم” و”أفيون الشعب” في علاقة مشتركة. وسيرفض مسيحيون متدينون أن يضعوا دينهم في علاقة تقابل مع أي دين آخر. فالمسيح هو الله، وتاليا الله نفسه مسيحي، وهو منبع تعصب هائل ورثه الغرب الحديث. واليهودي المتدين يحتكر الله، مثلما يفعل مسلم متدين اليوم. هذا يفتت الإنسانية ويحطم المشترك بين البشر، أي العقل، ويفتح بابا واسعا للاعتباط والعنف. وقبل كل شيء، يسد الدروب على الله. ألا ينبغي أن نوسع دروب الله كي نغلق دروب العنف والانقسام؟ لا ريب عندي في أنه يمكن أن تكون للإسلام كلمة في ذلك.
مسألة استملاك رب العالمين ليست خاصة بالإسلام إذن. ما يبدو أنه سمة إسلامية خاصة في أيامنا هو رفض التفكير في هذه المسألة: كيف نوفق بين اعتبارنا الإسلام (بأي من مذاهبه..) دين لله، وبين كون الله هو رب الأديان والبشر والأكوان جميعا؟ كيف يكون السبيل إلى اللامتناهي هو عقيدة متناهية؟ يعني بالعربي، كيف يكون، أيها الأستاذ الطاهر، الإسلام السني هو السبيل الوحيد إلى الله الذي هو أكبر من الإسلام السني، ومن الإسلام ذاته، ومن كل دين، ومن كل البشر، ومن كل العوالم، بما لا نهاية له؟ هل الله هو الذي يضيق الدروب إليه؟ المسألة حقيقية. ومن شأن الاضطلاع بها، وأمثالها كثيرة، أن يحرك الفكر الإسلامي وربما يؤسس لفلسفة دينية إسلامية لا غنى عنها. اليوم ثمة رفض للتفكير واستسهال للتكفير. ويقيني أنه كلما تحرر الفكر نهض العقل وضعف إغراء العنف وانكسر احتكار المقاربة الفقهية الضيقة للإسلام، هذه المقاربة التي تخبرك بأن الصح هو كذا وكل ما عداه مما خلق الله باطل. ليس فقط أن دربك يفضي إلى الله بل إن الله لا يحيد عن نهاية دربك. تكف عقيدتك أن تكون سبيلك إلى الله لتمسي السبيل الحصري إلى الله لكل الناس. دستور يقيد الله ذاته وليس دستورا يحكم سلوكك إليه. كأن اللامتناهي يقيم في نقطة معينة لا يعرف أحد غيرك الطريق إليها. كأن الله ملكك أنت بدل أن تكون أنت وكل شيء ملكه. آن الوقت لإعادة نظر جذرية في المقاربة الفقهية التي تخنق الإسلام وتقضي على روحه.
هل هذه لغة حداثية كما تفضلت؟ إنها لغة تتصارع مع “المعنى” وتحاول أن تمسك به. لا تنجح أبدا. لكنها لا تكف أبدا. لو نجحت لأنتجت مذهبا متزمتا للحقيقة، نوع من حاكمية المعنى إن شئت. وإذا استحال الإمساك بالمعنى نهائيا حصلنا على عالم بابلي، مقسم بعمق ولا يطل على مبدأ يوحده. إذا عرفنا اللغة الحداثية بأنها اللغة المتوترة في صراعها مع المعنى، فلغتي تسعد بأنها حداثية.
لكن، هل لك أن تشرح لي معنى قولك إن هذه لغة “لا نقبلها عند التطرق إلى الشأن الذي يتناول أمر العقيدة”؟ أو قولك إن “عليه [على كاتب هذه السطور] أن يحتاط في كلماته، فإن فيها ما ليس مقبولا أبدا”. مقبول ممن؟ باسم من تتكلم أيها الزميل الكاتب المعارض المنفي؟ وبأي حق تقرر ما يقبل وما لا يقبل؟ وماذا يعني بالضبط أنكم لا تقبلون؟ من أنتم؟ هل كنت سأستدعى إلى فرع الأمن المختص بالعلمانيين والحداثيين (على غرار الفروع الأمنية بالأحزاب المعارضة اليوم في سورية البعثية) للتحقيق معي في مغزى عبارات كهذه لو كان الأمر بيدك؟ وهل سيطلب مني أن أثبت إسلامي كما تطلب فروع الأمن اليوم من المواطنين أن يثبتوا وطنيتهم أمامها؟ وإذا رفضت أن أوضع في هذا الموضع هل سأعود إلى بيتي، أم أحال إلى محققين فقهاء يتولون استتابتي؟ وهل سيكون علي أن أوقع في النهاية على التعاون مع المخابرات الدينية، وأشي بأصدقائي “الحداثيين”؟ فإذا “يبّستُ رأسي” وعاندت، هل سأعدم؟
أصارحك القول بأني أجد كلامك غير مقبول، وأنه فهم مني وليس من أحمد الطيار فقط كتهديد، وهذا بالطبع مرفوض.
من يملك الإسلام؟
لم يخرجني أخونا الطاهر من الإسلام. اكتفى بالقول: “إننا لا نتهمه ولا يحق لنا أن نخرجه عن الإسلام لأنه كتب ما كتب، لكن عليه أن يحتاط في كلماته، فإن فيها ما ليس مقبولا أبدا”. غير أن إشكاليته، الإسلام السني الحركي القائم على سيادة الشريعة، لا تتسق إلا إذا أخرج أمثالي من “الإسلام”. وسأناقش في هذه الفقرة هذا الشأن.
هناك إسلام لا يستطيع أحد إخراجي منه، لا الأستاذ إبراهيم ولا الفقهاء جميعا ولا “الحاكم المسلم”. إسلام وجدت آبائي عليه ولا أنوي هجره. هو ليس إسلاما تعبديا أو معياريا. وأقر أن نصيبي من الإسلام التعبدي، إسلام الفقهاء والإسلاميين، شحيح جدا. الإسلام الذي أنتمي إليه ورثته ثم اخترت أن اضطلع بما يستطاع من مشكلاته بحكم اشتغالي في مجال الثقافة. في وسعك أن تسميه إسلاما ثقافيا، يصدر عن تضامن حر، لكن نقدي، مع إنسانية سكنت روحها إلى الإسلام وأسكنته في روحها. وبحكم تكوينه المفتوح لا يتعارض هذا الإسلام مع أن يكون المرء علمانيا أو يساريا أو ليبراليا. لعله يتعارض مع التكوينات المذهبية المغلقة، بما فيها الأصولية أو الإسلاموية.
وأود أن أمثل على مضمونه الأخلاقي والكوني بحكاية سمعتها من والدي وأنا طفل، كمثال على سعة رحمة الله وتعدد الدروب إليه. تتحدث الحكاية عن امرأة لم تفعل خيرا قط في حياتها وليس في سجلها ولو حسنة واحدة، وطبعا اقتيدت يوم الحساب إلى جهنم، مثوى الأشرار. بعد وقت تفطنت المرأة إلى أنها أعطت ذات يوم في حياتها الدنيا عذق بصل أخضر لعابر سبيل. فأخذت تنادي حراس الجحيم، ورجتهم أن تُلقى نظرة مدققة في سجلاتها. عاد الملائكة إلى السجلات، وتبين أن ما تقوله المرأة صحيح، وأنهم إنما سهوا عنه لأنه أشبه بعشبة خضراء وسط بيدر يابس. وبقرار إلهي صدر الأمر للملائكة أن ينتشلوا المرأة من قعر جهنم بأن يمدوا لها عذق البصلة الذي كانت جادت به في دنياها. وهكذا كان. أمسكت المرأة بطرف العذق وأخذ الملائك يسحبونها. ولم يلبث أن تشبث بها نزلاء الجحيم الآخرون. ومن لم يستطع التعلق بها تعلق بمن تعلقوا بها. عناقيد من الناس متسلسلون، والعذق الأخضر الصغير صامد يرفع الكل. غير أن لؤم الشريرة وأنانيتها غلبا أمل الخلاص لديها حين كانت على وشك أن تنجو وينجو معها أهل النار، فأخذت ترفس المعذبين البائسين المتعلقين بها. فكان أن سقطوا وسقطت هي معهم في الهوة من جديد.
لو كنت داعية إسلاميا لما شرحت الإسلام كله بغير هذه الحكاية البديعة (على ما فيها من تحيز ضد المرأة، وتحميلها مسؤولية جهنم). ومغزاها الذي لا يفوت أخانا الطاهر هو أن دروب الله كثيرة. عذق البصل أحدها. ولا ريب أن الصدق مع النفس ومع الناس ومع الله أحدها. وأن نقاء القلب أحدها. ولأن الدروب كثيرة جدا فإن أهل جهنم قليلون، وكان من شأن عذق بصل أخضر لا قيمة له في حياتنا الدنيا أن ينقذهم جميعا. ويقيني أنه ليس من دروب الله إكراه الناس على الإيمان أو سلبهم حرية الاعتقاد. أما استتابة وقتل من ترك الإسلام فليس دربا إلى الله. إنه درب إلى الدنيا. إلى السلطة. إلى الشهرة. أقنعة إبليس الكثيرة.
وأخمن أن تغليب عدالة الله على رحمته متولد من الرغبة في استخدام الدين سلاحا سياسيا للفوز بسلطة ما، سواء سلطة الفقهاء على الجموع أم سلطة الحركات الإسلامية على الجمهور المسلم. الله الرحيم فائض عن حاجة الإسلاميين السياسيين.
كلمة عن العقل الطائفي
قد يتساءل أخونا الطاهر أيضا: ما الذي يدفعني ويدفع أمثالي إلى الدفاع عن حق مسلم في التحول إلى غير دين الإسلام، ونحن مسلمون؟ ليس إلا تعميما للموقف الذي يدفعنا لإدانة القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم على كل منتسب للإخوان المسلمين بالإعدام. لا أستطيع أن أدين القانون غير الإنساني هذا وأغض الطرف عن إنكار حق محمد حجازي في تغيير دينه. ولا تستطيع أنت، كما سلف القول، أن تنكر موقفي دون أن تقوض في الوقت نفسه حقك بمطالبتي في أن أدين القانون 49. لماذا؟ لأن اتساق موقف كل منا هو شرفه وعدالته. لأن العدالة تتحطم، مبدأ وواقعا، حين يكون ثمة عدالة خاصة بنا وعدالة للآخرين. أي حين نرفض المساواة. إن كوني مسلم هو ظرف تشديدي لوجوب الدفاع عن الحرية الدينية لحجازي وأمثاله. لو كنت مسيحيا لكان دفاعي ملتبسا بالمصلحة، ولحق لك أن تشتبه في دوافعه.
يحق لك نقد موقفي فقط إذا كنت أنتقد موقف الإسلاميين المعاصرين من حرية الاعتقاد مستندا إلى معايير مختلفة عن المعايير التي تسند نقدي للسلطات الحاكمة في سورية أو مصر مثلا. أو نقد مواقف تيارات فكرية وإيديولوجية أخرى. والطائفية في حكمي هي ازدواج المعايير أو تعددها، أي الاستناد إلى قيم خاصة في تقييم الغير تختلف عن تلك التي نعتمدها لتقييم الذات. الدفاع عن الإسلاميين والمطالبة بمحكمة عادلة لجميع المعتقلين بمن فيهم معتقلي الإسلاميين (وليس فقط عن المعتقلين “الوطنيين”، وفق لغة كانت رائجة في أوساط يسارية سورية في الثمانينات) يصدر عن رفض الطائفية بهذا المعنى المخصوص، المعنى الذي يجدر بنا أن نسميه الطائفية العقلية. هذا المعنى المخصوص يطل مباشرة على المعنى الشائع الذي يجعل طوائفنا معايير لمواقفنا في الشأن العام. أما موقفك أنت حين تنكر على الآخرين حقوقا تبيحها لنفسك فطائفي بلا ريب وفقا للمعنيين. وهذا ليس اتهاما لك، بل هو مؤدى تحليل موقفك. فأنت من جهة تستثني جماعتك من قاعدة عامة، حرية الاعتقاد الديني، ما يردها إلى جماعة خاصة أو طائفة. ومن جهة ثانية تجعل من عقيدة جماعتك معيارا موجها لسلوكك وتفكيرك في المجال العلم، وكذلك معيارا عاما للمجتمع ككل، وتطلب لها فوق ذلك السلطة العمومية. هذا لا يستقيم. ما بتزبط السلطة العامة والاستثناء معا. من يريد الاستثناء “ينزل” إلى المجتمع المدني، ومن يريد السلطة العمومية عليه ألا يقبل أو يطلب لنفسه أي استثناء. فإذا جمعت السلطة العمومية والاستثناء معا، وهذا قوام “المعجزة البعثية” في سورية وقبلها العراق، كانت النتيجة كارثة أو وعدا بالكارثة لم نعد نطمع في أكثر تلطيفه.
والواقع أني أجد موقف مساجلي الإسلامي مشابها لموقف مساجلين “علمانيين” في أوقات سابقة. يمكن وصف هؤلاء بأنهم علمانيون مطلقون أو، بما يناسب نقاشنا هنا، علمانيون طائفيون. أعني بذلك أنهم لا يستندون إلى معايير موحدة في نقد الإسلاميين والسلطات والتيارات السياسية والإيديولوجية الأخرى. تجدهم يحكمون على الأفعال والسياسات بدلالة فاعليها، فيهولون من كل ما يتصل بالإسلاميين، ويهونون مما تفعله السلطات أو يعفونها من المسؤولية، ما يعوق تكون ضمير وعقل عام متجرد. وما يسهم في تعميق انغرازنا في الطائفية والاعتباط بدل مواجهتهما.
ويحصل أن يكون بينهم طائفيون بالمعنى الشائع أيضا، يتصرفون في المجال العام بدلالة انتماءاتهم الجزئية. وهو ما لا يستطيع الأستاذ الطاهر إبراهيم، من بين كل الناس، الاعتراض عليه. لماذا؟ هو نفسه يصدر عن انتماء جزئي محدد، أي طائفي، ويناضل من أجل هيمنته في المجال العام الوطني.
العلم الديني والسلطة العمومية
يقول الأستاذ الطاهر إبراهيم في مقاله: “كثيرا ما كان علامة سورية الشيخ “علي الطنطاوي” رحمه الله يقول: القضاء يعاقب على الاشتغال بالطب لمن ليس طبيبا، أو الاشتغال في الهندسة لمن ليس مهندسا، ولكن لا أحد يعاقب من أفتى في الدين وهو غير عالم فيما يفتي”. مغزى الكلام أن العلم الديني اختصاص علمي مثل الطب والهندسة، يتولاه أناس مؤهلون تأهيلا خاصا. لا بأس. لماذا عليّ، والحال كذلك، أن أمتثل لسلطة هؤلاء الناس؟ ليس لي أن أتدخل في شغل الطبيب لأن الطب اختصاص نوعي، لكن الطبيب لا يفرض علي شيئا إلا حين ألجأ إليه مريضا. وحتى هنا هو لا يكرهني على شيء. كل ما يقوله إن علي أن أفعل كذا وكذا كي أتعافى. هل عالم الدين مثله؟ أنا راض بأن يكون مثله، فهل ترضى أنت؟ أليس كل نقاشك مبنيا على أن ما يراه “العالم” هو ما ينبغي أن أراه أنا أيضا؟
مشكلة. فإذا كان العلم الديني اختصاصا نوعيا فينبغي ألا يتدخل رجاله في شؤوني، وإن تدخلوا في شؤوني لزم ألا يكون علمهم اختصاصا نوعيا، وحق لي التدخل فيه برأيي. الفقيه وصاحب الفتوى يتخذ قرارات تمسني في صميم حياتي وعملي، مثل كيف أكتب، وما هو مقبول وما هو غير مقبول من مواقف وطرق في التعبير، ويطلب مني أن أخضع وأطيع. لماذا؟ لأنه ينطق باسم الله! من قال ذلك؟ هو الذي يقول! هل أصدقه؟ الأستاذ الطاهر إبراهيم، وهو مهندس وكاتب وعضو في جماعة الإخوان المسلمين، يلزمني بالتصديق. لماذا؟ لا يشرح، لكن يبدو أنه يظن أن له الحق في ذلك. إذن، الفقيه أو المفتي أو العالم ليس صاحب اختصاص علمي فقط، وإنما هو صحب سلطة عامة أيضا. طيب، وماذا إذا تصرفت السلطة الفقهية هذه على هواها، سعيا وراء مصالح مادية أو معنوية أو سياسية خاصة بها؟ ما هي الضمانة بأن لا تفعل ذلك؟ أليس توسل الدين لدعم سلطات فاسدة واستبدادية مألوفا؟ أليس الاتجار بالدين شائعا في تاريخنا وتاريخ غيرنا؟ أخونا الطاهر لا يجيب على سؤال لا يطرحه. لكن ثمة خبرة إنسانية عريقة تفيد أن السلطة التي لا تجد ما يضبطها ويحد منها تجنح نحو التوسع و”الفرعنة”. والمثل الشعبي يعرف ذلك جيدا: “قيل يا فرعون من فرعنك؟ قال تفرعنت وما حدا ردني!” السلطات تتفرعن إن لم يردها أحد. وما يرد السلطات عن الفرعنة ليس عقيدة القائمين عليها أو بها، ولا دينهم، ولا إعلانهم أنهم ليسوا فراعنة. فكم عرف التاريخ، ومنه تاريخنا، طغيان حكام مؤمنين! بل إن الدين أو الوطنية أو الثورة أو الشعب .. هي التسويغات الأنسب للطغيان. فلا طغيان من غير عقيدة تبرره، وكلما كانت العقيدة أكثر قداسة، وكلما كانت متحررة من الرقابة، كانت أشد إغناء عن التعاقد الحر بين بشر متساوين، و كان الطغاة الحاكمين باسمها اشد إطلاقا وطغيانا وفسادا. لذلك تجد كل الطغاة أخيار أبرار صلحاء مؤمنون في عين أنفسهم وأتباعهم. ولذلك أيضا فإن نظرية الحاكمية هو وعد بطغيان أشد قسوة من أي طغيان آخر لأنها تصادر على أن “الحاكم المسلم” آلة تنفيذية لـ”حكم الله”، آلة بريئة من الغرائز والمصالح والأهواء. لكن هذا بالضبط ما يقوله كل الطغاة. نحن آلات بيد “الجماهير”، بيد “الأمة”، بيد “قوانين التاريخ”… كلا يا إخوان! كونوا بشرا عاديين مثلنا كي نعرف كيف نعترض عليكم وننتقدكم، ونثق بكم ونسحب الثقة منكم. فالثقة بناء إنساني صنعي، مبني على عدم الثقة بالإنسان، على أن نفس الإنسان أمارة بالسوء. وعلى أن النفس هذه قد تستخدم الدين والله ذاته لتحقيق مطامعها وشهواتها.
ما الذي يضبط السلطة إذن؟ سلطة أخرى مستقلة عنها وموازنة لها. من هنا مبدأ فصل السلطات الذي استقر ركنا من أركان كل حكم ديمقراطي.
والسؤال الآن: بم تنضبط سلطة الفقهاء؟ وقبل ذلك، ما موقع هذه السلطة ضمن الدولة؟ ثمة واحدة من إجابتين. إما أن سلطة الفقهاء واحدة من سلطات الدولة، ويتعين في هذه الحالة أن تخضع لمبدأ فصل السلطات، بحيث لا تجتمع السلطة الدينية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية في يد واحدة، لأن هذه سيفضي إلى الاستبداد و”الفرعنة”. أو أن سلطة الفقهاء خارج سلطات الدولة، وفي هذه الحالة ينبغي أن تنضبط بمبدأ العلمانية، أي الفصل بين الدين والدولة، بحيث تقتصر سلطة الفقهاء على المؤمنين وتفقد أي طابع قسري. خارج الدولة، أين؟ في المجتمع المدني. وإحالة الدين من السلطة السيادية والعمومية إلى المجتمع المدني هو.. العلمانية. فإذا حصل العكس، أي ترقت سلطة اجتماعية من المجتمع المدني إلى الدولة، ماذا يحصل؟ العين المجردة تكفي للإجابة: الطائفية وخراب الدولة.
لدى الإسلاميين جواب ثالث: ليس الإسلام سلطة من سلطات الدولة، ولا هو سلطة اجتماعية جزئية، الدولة أداة في خدمة الإسلام. مرة أخرى نجدنا وجها لوجه أمام باب الاعتباط، الوجه العقلي للاستبداد. ومرة أخرى يمكن تفادي هذا الباب لو فكرنا أن لدينا مشكلة حقيقة. وأن التفكير فيها أفضل من فرض جواب جاهز لها. ومن التكفير طبعا. وأكثر اقتصادا في الحياة البشرية والكرامة الإنسانية.
ختاما، هناك واحد من نموذجين اثنين لضبط العلاقة بين الشرعيتين الإسلامية والحداثية في مجتمعاتنا: نموذج حكم ذاتي إسلامي أو علماني في دولة واحدة علمانية أو إسلامية، وكنت أطلقت عليه اسما غير موفق هو الكونفدرالية الدينية؛ أو نموذج استقلال الدين الذاتي في المجتمع المدني مع كون الدولة علمانية. أما الإكراه فلا يحل أية مشكلة، فقط يحل مجتمعاتنا، وينذرها للحروب الأهلية والطائفية.
وبعد، لعل أخانا الطاهر علم كم أنا “متورط” في ما اعتبره سقطة، ولعله عرف الآن بعض أسباب تورطي.
سأفرد لهذه القضية البالغة الخطورة الفكرية والسياسية تناولا خاصا، أطرح فيه فكرة أن دعوى الحاكمية تقوم وراء رفضها لما اعتبرته شركا بالله بمنح الناس حق التشريع على شرك آخر هو عبادة الإسلام ورده إلى مدونة فقهية جامدة، تخلو من الروح وتقترن بالخوف والرهبة وباستبداد مطلق رأينا نسخة منه في أفغانستان الطالبانية. والحاكمية هي النموذج الإرشادي (الباراديغم) لكل حركات الإسلام السياسي القائمة، بعضها أكثر اعتدالا وبراغماتية عمليا، لكن أيا منها لم ينتقد ويرفض نظرية الحاكمية في حدود علمي. وما الدعوة إلى “تطبيق الشريعة” إلا الصيغة التنفيذية لنظرية الحاكمية. لا “قطيعة إبستمولوجية” بين الإسلام الإخواني والإسلام السلفي الجهادي في هذا الشأن، بالعذر من الأستاذ والصديق محمد جمال باروت.
ولعل عبادة الإسلام نشأت في وقت مبكر مع تراجع علم الكلام والفلسفة والتفكير في العقيدة، لمصلحة الفقه والشريعة. وهو ما جرى في ظل سلطات استبدادية ضعيفة الشرعية وفي وسط صراع سياسي وديني محتدم وأزمة روحية حادة. وكان من ثمراته أن تقنن الإسلام إلى درجة اليباس الروحي. والبعد الروحي المهمل سينفصل عن البعد التشريعي، ويتجسد في التصوف. وسيرافق التقنين قصر العقيدة الصحيحة على هذا المذهب أو ذاك، السنة و الشيعة، وداخل السنة المذاهب الفقهية التي لم يندر أن كانت العلاقات بين أتباعها عنيفة وعدائية. وكانت لا تزال كذلك حتى وقت قريب جدا في السعودية بين حنابلة نجد وشوافعة الحجاز. ماذا يعني ذلك؟ يعني التوسع في التكفير. كل من ليس منا كافر. ماذا يعني أيضا؟ يعني أن عقيدتنا هي الدرب الوحيد إلى الله (بالمقابل يقول أهل التصوف ‘إن الطرق إلى الله بعدد السالكين إليه”). يعني أن الشيعة كفار. وبالطبع المذاهب الإسلامية الأخرى. وبالطبع جميع الديانات والعقائد الأخرى. يعني أن الله راض عنا نحن فقط. ألا يعني ذلك تقييد الله بمذهبنا؟ ألا يعني احتكاره؟ ألا يعني أنه لا يفيض بحال عن هذا المذهب أو ذاك؟ أي أنه متعادل بمذهبنا في عيننا، وبمذهب غيرنا في عينهم؟ تعلم أن المسلمين السنيين يصفون الشيعة بأنهم “روافض”، يرفضون شرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان؛ وأن المسلمين الشيعة يصفون السنة بأنهم “نواصب”، يناصبون آل بيت الرسول العداء. تعلم أكثر من ذلك أن هذا ليس من الماضي.
من معاني إسلامي، بالمناسبة، إدارة الظهر لهذه الانقسامات ورفض ميراثها. فيما يبدو أنك، أيها الأخ الطاهر، تصدر عن موقع محدد ضمنها، وتعتبر أن السلطة ينبغي أن تكون لجماعتك فوق كون لله معها وحدها، أو لأنه معها وحدها. ولم لم تكن محتكرا لله لما بلغ بك أن تحدد لي كيفية التخاطب مع من يفترض أنه رب السموات والأرض الذي وسعت رحمته كل شيء والأقرب إلينا من حبل الوريد. لا تكلف نفسك هذا العناء. فالله يناجى ويعاتب ويساءل و.. يُزعل منه أيضا! أنت في لندن أو في الرياض أو لست أدري أين، والله في كل مكان، فلا تشغل بالك بكيفية كلامي معه وعنه!
.. وتعلم بعد أن لإسلام الحاكمية، وهو اختراع حديث عمره أقل من نصف قرن ، بلوره أبو الأعلي المودودي وسيد قطب، ركيزة أخرى تضاف إلى احتكار الله وتحميه هي التكفير، وهو ما يجد معادله العملي في نصب أسوار شاهقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المسلمين أنفسهم، وبين الإسلام مفسرا تفسيرا ضيقا ومتشددا وكل ما خارج سياجه. هل تفريق البشر بهذه الصورة منفصل عن احتكار الله؟ وهل التكفير غير استخدام الله سلاحا مطلقا في صراعات إنسانية دنيوية؟
على أن تقييد رب العالمين أو “اغترابه” في دين بعينه، أي هذا النوع من الشرك الشائع جدا وغير المدروس أبدا، حالة خاصة من اغتراب المعنى أو تصنيمه في كل عقيدية دينية أو دنيوية. تنشأ دعوة أخلاقية أو عقيدة دينية أو مذهب اجتماعي فتدعو إلى الله أو الخير أو العدالة بلغة وعقل عامين، تخاطب عقل الإنسان ووجدانه محتكمة إلى قيم مقبولة وعقل مستقر مشترك بين الناس في زمنها. كانت مدركات العقل (تعقلون..) والعلم في القرآن تحيل إلى فهم مشترك بين المؤمنين والكتابيين والمشركين في الحجاز، ولعل العلم كان يحيل إلى مخزون من المعارف مشترك في الشرق الأدنى ككل. بعد حين، وإذ تتكون حول تلك القيم والمدركات أمة أو حزب أو جماعة، تأخذ العقيدة أو المذهب أو الدعوة في تكوين عقلهم وأخلاقهم، فيغدو عقل الدعوة هو العقل وأخلاقها هي الأخلاق، وتكون لنفسها نسخة خاصة من القيم والخير والعدالة. وفي طور صعودها تشكل النسخة العقل المشترك والقيم العامة، وتطال كل ممارسة عملية ونظرية بأن تبرر نفسها أمامها. فإذا توقف صعودها، أو إذا ظهرت نظم معرفة وأخلاق أكثر اتساقا وعمومية، بدت النسخة تلك حالة خاصة، يتعين إعادة هيكلتها وترتيبها بالتوافق مع النظم الجديدة من أجل أن تحافظ على بقائها أو حتى تصون ما فيها من خصوصية. هذا ينطبق على سبيل المثال على الماركسية. لقد نشأت ضمن الثقافة الأوربية الغربية فاستبطنت عقلها وقيمها، لكنها انتقدتها من موقع يقع داخلها وإن على طرفها. في طورها الشيوعي تحولت من معرفة ودعوة اجتماعية تحتكم إلى عقل مشترك ومفتوح هو عقل القرن التاسع عشر الأوربي إلى دعوة خاصة، تطالب كل معرفة وعمل بأن يسوغا نفسهما أمامها. غدت صنما. ثم دفعت الثمن حين تكشف أن عقلها وأخلاقها لا يشكلان طريق الإنسانية العام، بل هما زقاق ضيق متفرع عنه، أي أنهما عقل وأخلاق طائفيان، يسيجان من المعنى أقله ويهدران أكثره.
هذا حال الإسلام اليوم. وهذا مبرر الإصلاح الديني الإسلامي. ويعني الإصلاح الديني في هذا المقام إعادة هيكلة المعاني والعقائد والقيم الإسلامية بما يتيح لها أوسع تفاعل مع الحداثة. وأرجو ألا تندفع إلى القول إني أقارن بين دين الله وأباطيل العباد. فهذا موقف إيماني يستطيع صاحب كل عقيدة أن يقوله. ثمة ماركسيون متعصبون سيرفضون المقارنة أيضا لأنهم يرفضون وضع “علمهم” و”أفيون الشعب” في علاقة مشتركة. وسيرفض مسيحيون متدينون أن يضعوا دينهم في علاقة تقابل مع أي دين آخر. فالمسيح هو الله، وتاليا الله نفسه مسيحي، وهو منبع تعصب هائل ورثه الغرب الحديث. واليهودي المتدين يحتكر الله، مثلما يفعل مسلم متدين اليوم. هذا يفتت الإنسانية ويحطم المشترك بين البشر، أي العقل، ويفتح بابا واسعا للاعتباط والعنف. وقبل كل شيء، يسد الدروب على الله. ألا ينبغي أن نوسع دروب الله كي نغلق دروب العنف والانقسام؟ لا ريب عندي في أنه يمكن أن تكون للإسلام كلمة في ذلك.
مسألة استملاك رب العالمين ليست خاصة بالإسلام إذن. ما يبدو أنه سمة إسلامية خاصة في أيامنا هو رفض التفكير في هذه المسألة: كيف نوفق بين اعتبارنا الإسلام (بأي من مذاهبه..) دين لله، وبين كون الله هو رب الأديان والبشر والأكوان جميعا؟ كيف يكون السبيل إلى اللامتناهي هو عقيدة متناهية؟ يعني بالعربي، كيف يكون، أيها الأستاذ الطاهر، الإسلام السني هو السبيل الوحيد إلى الله الذي هو أكبر من الإسلام السني، ومن الإسلام ذاته، ومن كل دين، ومن كل البشر، ومن كل العوالم، بما لا نهاية له؟ هل الله هو الذي يضيق الدروب إليه؟ المسألة حقيقية. ومن شأن الاضطلاع بها، وأمثالها كثيرة، أن يحرك الفكر الإسلامي وربما يؤسس لفلسفة دينية إسلامية لا غنى عنها. اليوم ثمة رفض للتفكير واستسهال للتكفير. ويقيني أنه كلما تحرر الفكر نهض العقل وضعف إغراء العنف وانكسر احتكار المقاربة الفقهية الضيقة للإسلام، هذه المقاربة التي تخبرك بأن الصح هو كذا وكل ما عداه مما خلق الله باطل. ليس فقط أن دربك يفضي إلى الله بل إن الله لا يحيد عن نهاية دربك. تكف عقيدتك أن تكون سبيلك إلى الله لتمسي السبيل الحصري إلى الله لكل الناس. دستور يقيد الله ذاته وليس دستورا يحكم سلوكك إليه. كأن اللامتناهي يقيم في نقطة معينة لا يعرف أحد غيرك الطريق إليها. كأن الله ملكك أنت بدل أن تكون أنت وكل شيء ملكه. آن الوقت لإعادة نظر جذرية في المقاربة الفقهية التي تخنق الإسلام وتقضي على روحه.
هل هذه لغة حداثية كما تفضلت؟ إنها لغة تتصارع مع “المعنى” وتحاول أن تمسك به. لا تنجح أبدا. لكنها لا تكف أبدا. لو نجحت لأنتجت مذهبا متزمتا للحقيقة، نوع من حاكمية المعنى إن شئت. وإذا استحال الإمساك بالمعنى نهائيا حصلنا على عالم بابلي، مقسم بعمق ولا يطل على مبدأ يوحده. إذا عرفنا اللغة الحداثية بأنها اللغة المتوترة في صراعها مع المعنى، فلغتي تسعد بأنها حداثية.
لكن، هل لك أن تشرح لي معنى قولك إن هذه لغة “لا نقبلها عند التطرق إلى الشأن الذي يتناول أمر العقيدة”؟ أو قولك إن “عليه [على كاتب هذه السطور] أن يحتاط في كلماته، فإن فيها ما ليس مقبولا أبدا”. مقبول ممن؟ باسم من تتكلم أيها الزميل الكاتب المعارض المنفي؟ وبأي حق تقرر ما يقبل وما لا يقبل؟ وماذا يعني بالضبط أنكم لا تقبلون؟ من أنتم؟ هل كنت سأستدعى إلى فرع الأمن المختص بالعلمانيين والحداثيين (على غرار الفروع الأمنية بالأحزاب المعارضة اليوم في سورية البعثية) للتحقيق معي في مغزى عبارات كهذه لو كان الأمر بيدك؟ وهل سيطلب مني أن أثبت إسلامي كما تطلب فروع الأمن اليوم من المواطنين أن يثبتوا وطنيتهم أمامها؟ وإذا رفضت أن أوضع في هذا الموضع هل سأعود إلى بيتي، أم أحال إلى محققين فقهاء يتولون استتابتي؟ وهل سيكون علي أن أوقع في النهاية على التعاون مع المخابرات الدينية، وأشي بأصدقائي “الحداثيين”؟ فإذا “يبّستُ رأسي” وعاندت، هل سأعدم؟
أصارحك القول بأني أجد كلامك غير مقبول، وأنه فهم مني وليس من أحمد الطيار فقط كتهديد، وهذا بالطبع مرفوض.
من يملك الإسلام؟
لم يخرجني أخونا الطاهر من الإسلام. اكتفى بالقول: “إننا لا نتهمه ولا يحق لنا أن نخرجه عن الإسلام لأنه كتب ما كتب، لكن عليه أن يحتاط في كلماته، فإن فيها ما ليس مقبولا أبدا”. غير أن إشكاليته، الإسلام السني الحركي القائم على سيادة الشريعة، لا تتسق إلا إذا أخرج أمثالي من “الإسلام”. وسأناقش في هذه الفقرة هذا الشأن.
هناك إسلام لا يستطيع أحد إخراجي منه، لا الأستاذ إبراهيم ولا الفقهاء جميعا ولا “الحاكم المسلم”. إسلام وجدت آبائي عليه ولا أنوي هجره. هو ليس إسلاما تعبديا أو معياريا. وأقر أن نصيبي من الإسلام التعبدي، إسلام الفقهاء والإسلاميين، شحيح جدا. الإسلام الذي أنتمي إليه ورثته ثم اخترت أن اضطلع بما يستطاع من مشكلاته بحكم اشتغالي في مجال الثقافة. في وسعك أن تسميه إسلاما ثقافيا، يصدر عن تضامن حر، لكن نقدي، مع إنسانية سكنت روحها إلى الإسلام وأسكنته في روحها. وبحكم تكوينه المفتوح لا يتعارض هذا الإسلام مع أن يكون المرء علمانيا أو يساريا أو ليبراليا. لعله يتعارض مع التكوينات المذهبية المغلقة، بما فيها الأصولية أو الإسلاموية.
وأود أن أمثل على مضمونه الأخلاقي والكوني بحكاية سمعتها من والدي وأنا طفل، كمثال على سعة رحمة الله وتعدد الدروب إليه. تتحدث الحكاية عن امرأة لم تفعل خيرا قط في حياتها وليس في سجلها ولو حسنة واحدة، وطبعا اقتيدت يوم الحساب إلى جهنم، مثوى الأشرار. بعد وقت تفطنت المرأة إلى أنها أعطت ذات يوم في حياتها الدنيا عذق بصل أخضر لعابر سبيل. فأخذت تنادي حراس الجحيم، ورجتهم أن تُلقى نظرة مدققة في سجلاتها. عاد الملائكة إلى السجلات، وتبين أن ما تقوله المرأة صحيح، وأنهم إنما سهوا عنه لأنه أشبه بعشبة خضراء وسط بيدر يابس. وبقرار إلهي صدر الأمر للملائكة أن ينتشلوا المرأة من قعر جهنم بأن يمدوا لها عذق البصلة الذي كانت جادت به في دنياها. وهكذا كان. أمسكت المرأة بطرف العذق وأخذ الملائك يسحبونها. ولم يلبث أن تشبث بها نزلاء الجحيم الآخرون. ومن لم يستطع التعلق بها تعلق بمن تعلقوا بها. عناقيد من الناس متسلسلون، والعذق الأخضر الصغير صامد يرفع الكل. غير أن لؤم الشريرة وأنانيتها غلبا أمل الخلاص لديها حين كانت على وشك أن تنجو وينجو معها أهل النار، فأخذت ترفس المعذبين البائسين المتعلقين بها. فكان أن سقطوا وسقطت هي معهم في الهوة من جديد.
لو كنت داعية إسلاميا لما شرحت الإسلام كله بغير هذه الحكاية البديعة (على ما فيها من تحيز ضد المرأة، وتحميلها مسؤولية جهنم). ومغزاها الذي لا يفوت أخانا الطاهر هو أن دروب الله كثيرة. عذق البصل أحدها. ولا ريب أن الصدق مع النفس ومع الناس ومع الله أحدها. وأن نقاء القلب أحدها. ولأن الدروب كثيرة جدا فإن أهل جهنم قليلون، وكان من شأن عذق بصل أخضر لا قيمة له في حياتنا الدنيا أن ينقذهم جميعا. ويقيني أنه ليس من دروب الله إكراه الناس على الإيمان أو سلبهم حرية الاعتقاد. أما استتابة وقتل من ترك الإسلام فليس دربا إلى الله. إنه درب إلى الدنيا. إلى السلطة. إلى الشهرة. أقنعة إبليس الكثيرة.
وأخمن أن تغليب عدالة الله على رحمته متولد من الرغبة في استخدام الدين سلاحا سياسيا للفوز بسلطة ما، سواء سلطة الفقهاء على الجموع أم سلطة الحركات الإسلامية على الجمهور المسلم. الله الرحيم فائض عن حاجة الإسلاميين السياسيين.
كلمة عن العقل الطائفي
قد يتساءل أخونا الطاهر أيضا: ما الذي يدفعني ويدفع أمثالي إلى الدفاع عن حق مسلم في التحول إلى غير دين الإسلام، ونحن مسلمون؟ ليس إلا تعميما للموقف الذي يدفعنا لإدانة القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم على كل منتسب للإخوان المسلمين بالإعدام. لا أستطيع أن أدين القانون غير الإنساني هذا وأغض الطرف عن إنكار حق محمد حجازي في تغيير دينه. ولا تستطيع أنت، كما سلف القول، أن تنكر موقفي دون أن تقوض في الوقت نفسه حقك بمطالبتي في أن أدين القانون 49. لماذا؟ لأن اتساق موقف كل منا هو شرفه وعدالته. لأن العدالة تتحطم، مبدأ وواقعا، حين يكون ثمة عدالة خاصة بنا وعدالة للآخرين. أي حين نرفض المساواة. إن كوني مسلم هو ظرف تشديدي لوجوب الدفاع عن الحرية الدينية لحجازي وأمثاله. لو كنت مسيحيا لكان دفاعي ملتبسا بالمصلحة، ولحق لك أن تشتبه في دوافعه.
يحق لك نقد موقفي فقط إذا كنت أنتقد موقف الإسلاميين المعاصرين من حرية الاعتقاد مستندا إلى معايير مختلفة عن المعايير التي تسند نقدي للسلطات الحاكمة في سورية أو مصر مثلا. أو نقد مواقف تيارات فكرية وإيديولوجية أخرى. والطائفية في حكمي هي ازدواج المعايير أو تعددها، أي الاستناد إلى قيم خاصة في تقييم الغير تختلف عن تلك التي نعتمدها لتقييم الذات. الدفاع عن الإسلاميين والمطالبة بمحكمة عادلة لجميع المعتقلين بمن فيهم معتقلي الإسلاميين (وليس فقط عن المعتقلين “الوطنيين”، وفق لغة كانت رائجة في أوساط يسارية سورية في الثمانينات) يصدر عن رفض الطائفية بهذا المعنى المخصوص، المعنى الذي يجدر بنا أن نسميه الطائفية العقلية. هذا المعنى المخصوص يطل مباشرة على المعنى الشائع الذي يجعل طوائفنا معايير لمواقفنا في الشأن العام. أما موقفك أنت حين تنكر على الآخرين حقوقا تبيحها لنفسك فطائفي بلا ريب وفقا للمعنيين. وهذا ليس اتهاما لك، بل هو مؤدى تحليل موقفك. فأنت من جهة تستثني جماعتك من قاعدة عامة، حرية الاعتقاد الديني، ما يردها إلى جماعة خاصة أو طائفة. ومن جهة ثانية تجعل من عقيدة جماعتك معيارا موجها لسلوكك وتفكيرك في المجال العلم، وكذلك معيارا عاما للمجتمع ككل، وتطلب لها فوق ذلك السلطة العمومية. هذا لا يستقيم. ما بتزبط السلطة العامة والاستثناء معا. من يريد الاستثناء “ينزل” إلى المجتمع المدني، ومن يريد السلطة العمومية عليه ألا يقبل أو يطلب لنفسه أي استثناء. فإذا جمعت السلطة العمومية والاستثناء معا، وهذا قوام “المعجزة البعثية” في سورية وقبلها العراق، كانت النتيجة كارثة أو وعدا بالكارثة لم نعد نطمع في أكثر تلطيفه.
والواقع أني أجد موقف مساجلي الإسلامي مشابها لموقف مساجلين “علمانيين” في أوقات سابقة. يمكن وصف هؤلاء بأنهم علمانيون مطلقون أو، بما يناسب نقاشنا هنا، علمانيون طائفيون. أعني بذلك أنهم لا يستندون إلى معايير موحدة في نقد الإسلاميين والسلطات والتيارات السياسية والإيديولوجية الأخرى. تجدهم يحكمون على الأفعال والسياسات بدلالة فاعليها، فيهولون من كل ما يتصل بالإسلاميين، ويهونون مما تفعله السلطات أو يعفونها من المسؤولية، ما يعوق تكون ضمير وعقل عام متجرد. وما يسهم في تعميق انغرازنا في الطائفية والاعتباط بدل مواجهتهما.
ويحصل أن يكون بينهم طائفيون بالمعنى الشائع أيضا، يتصرفون في المجال العام بدلالة انتماءاتهم الجزئية. وهو ما لا يستطيع الأستاذ الطاهر إبراهيم، من بين كل الناس، الاعتراض عليه. لماذا؟ هو نفسه يصدر عن انتماء جزئي محدد، أي طائفي، ويناضل من أجل هيمنته في المجال العام الوطني.
العلم الديني والسلطة العمومية
يقول الأستاذ الطاهر إبراهيم في مقاله: “كثيرا ما كان علامة سورية الشيخ “علي الطنطاوي” رحمه الله يقول: القضاء يعاقب على الاشتغال بالطب لمن ليس طبيبا، أو الاشتغال في الهندسة لمن ليس مهندسا، ولكن لا أحد يعاقب من أفتى في الدين وهو غير عالم فيما يفتي”. مغزى الكلام أن العلم الديني اختصاص علمي مثل الطب والهندسة، يتولاه أناس مؤهلون تأهيلا خاصا. لا بأس. لماذا عليّ، والحال كذلك، أن أمتثل لسلطة هؤلاء الناس؟ ليس لي أن أتدخل في شغل الطبيب لأن الطب اختصاص نوعي، لكن الطبيب لا يفرض علي شيئا إلا حين ألجأ إليه مريضا. وحتى هنا هو لا يكرهني على شيء. كل ما يقوله إن علي أن أفعل كذا وكذا كي أتعافى. هل عالم الدين مثله؟ أنا راض بأن يكون مثله، فهل ترضى أنت؟ أليس كل نقاشك مبنيا على أن ما يراه “العالم” هو ما ينبغي أن أراه أنا أيضا؟
مشكلة. فإذا كان العلم الديني اختصاصا نوعيا فينبغي ألا يتدخل رجاله في شؤوني، وإن تدخلوا في شؤوني لزم ألا يكون علمهم اختصاصا نوعيا، وحق لي التدخل فيه برأيي. الفقيه وصاحب الفتوى يتخذ قرارات تمسني في صميم حياتي وعملي، مثل كيف أكتب، وما هو مقبول وما هو غير مقبول من مواقف وطرق في التعبير، ويطلب مني أن أخضع وأطيع. لماذا؟ لأنه ينطق باسم الله! من قال ذلك؟ هو الذي يقول! هل أصدقه؟ الأستاذ الطاهر إبراهيم، وهو مهندس وكاتب وعضو في جماعة الإخوان المسلمين، يلزمني بالتصديق. لماذا؟ لا يشرح، لكن يبدو أنه يظن أن له الحق في ذلك. إذن، الفقيه أو المفتي أو العالم ليس صاحب اختصاص علمي فقط، وإنما هو صحب سلطة عامة أيضا. طيب، وماذا إذا تصرفت السلطة الفقهية هذه على هواها، سعيا وراء مصالح مادية أو معنوية أو سياسية خاصة بها؟ ما هي الضمانة بأن لا تفعل ذلك؟ أليس توسل الدين لدعم سلطات فاسدة واستبدادية مألوفا؟ أليس الاتجار بالدين شائعا في تاريخنا وتاريخ غيرنا؟ أخونا الطاهر لا يجيب على سؤال لا يطرحه. لكن ثمة خبرة إنسانية عريقة تفيد أن السلطة التي لا تجد ما يضبطها ويحد منها تجنح نحو التوسع و”الفرعنة”. والمثل الشعبي يعرف ذلك جيدا: “قيل يا فرعون من فرعنك؟ قال تفرعنت وما حدا ردني!” السلطات تتفرعن إن لم يردها أحد. وما يرد السلطات عن الفرعنة ليس عقيدة القائمين عليها أو بها، ولا دينهم، ولا إعلانهم أنهم ليسوا فراعنة. فكم عرف التاريخ، ومنه تاريخنا، طغيان حكام مؤمنين! بل إن الدين أو الوطنية أو الثورة أو الشعب .. هي التسويغات الأنسب للطغيان. فلا طغيان من غير عقيدة تبرره، وكلما كانت العقيدة أكثر قداسة، وكلما كانت متحررة من الرقابة، كانت أشد إغناء عن التعاقد الحر بين بشر متساوين، و كان الطغاة الحاكمين باسمها اشد إطلاقا وطغيانا وفسادا. لذلك تجد كل الطغاة أخيار أبرار صلحاء مؤمنون في عين أنفسهم وأتباعهم. ولذلك أيضا فإن نظرية الحاكمية هو وعد بطغيان أشد قسوة من أي طغيان آخر لأنها تصادر على أن “الحاكم المسلم” آلة تنفيذية لـ”حكم الله”، آلة بريئة من الغرائز والمصالح والأهواء. لكن هذا بالضبط ما يقوله كل الطغاة. نحن آلات بيد “الجماهير”، بيد “الأمة”، بيد “قوانين التاريخ”… كلا يا إخوان! كونوا بشرا عاديين مثلنا كي نعرف كيف نعترض عليكم وننتقدكم، ونثق بكم ونسحب الثقة منكم. فالثقة بناء إنساني صنعي، مبني على عدم الثقة بالإنسان، على أن نفس الإنسان أمارة بالسوء. وعلى أن النفس هذه قد تستخدم الدين والله ذاته لتحقيق مطامعها وشهواتها.
ما الذي يضبط السلطة إذن؟ سلطة أخرى مستقلة عنها وموازنة لها. من هنا مبدأ فصل السلطات الذي استقر ركنا من أركان كل حكم ديمقراطي.
والسؤال الآن: بم تنضبط سلطة الفقهاء؟ وقبل ذلك، ما موقع هذه السلطة ضمن الدولة؟ ثمة واحدة من إجابتين. إما أن سلطة الفقهاء واحدة من سلطات الدولة، ويتعين في هذه الحالة أن تخضع لمبدأ فصل السلطات، بحيث لا تجتمع السلطة الدينية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية في يد واحدة، لأن هذه سيفضي إلى الاستبداد و”الفرعنة”. أو أن سلطة الفقهاء خارج سلطات الدولة، وفي هذه الحالة ينبغي أن تنضبط بمبدأ العلمانية، أي الفصل بين الدين والدولة، بحيث تقتصر سلطة الفقهاء على المؤمنين وتفقد أي طابع قسري. خارج الدولة، أين؟ في المجتمع المدني. وإحالة الدين من السلطة السيادية والعمومية إلى المجتمع المدني هو.. العلمانية. فإذا حصل العكس، أي ترقت سلطة اجتماعية من المجتمع المدني إلى الدولة، ماذا يحصل؟ العين المجردة تكفي للإجابة: الطائفية وخراب الدولة.
لدى الإسلاميين جواب ثالث: ليس الإسلام سلطة من سلطات الدولة، ولا هو سلطة اجتماعية جزئية، الدولة أداة في خدمة الإسلام. مرة أخرى نجدنا وجها لوجه أمام باب الاعتباط، الوجه العقلي للاستبداد. ومرة أخرى يمكن تفادي هذا الباب لو فكرنا أن لدينا مشكلة حقيقة. وأن التفكير فيها أفضل من فرض جواب جاهز لها. ومن التكفير طبعا. وأكثر اقتصادا في الحياة البشرية والكرامة الإنسانية.
ختاما، هناك واحد من نموذجين اثنين لضبط العلاقة بين الشرعيتين الإسلامية والحداثية في مجتمعاتنا: نموذج حكم ذاتي إسلامي أو علماني في دولة واحدة علمانية أو إسلامية، وكنت أطلقت عليه اسما غير موفق هو الكونفدرالية الدينية؛ أو نموذج استقلال الدين الذاتي في المجتمع المدني مع كون الدولة علمانية. أما الإكراه فلا يحل أية مشكلة، فقط يحل مجتمعاتنا، وينذرها للحروب الأهلية والطائفية.
وبعد، لعل أخانا الطاهر علم كم أنا “متورط” في ما اعتبره سقطة، ولعله عرف الآن بعض أسباب تورطي.