حوار مع عزيز العظمة في شؤون العلمانية والدولة والتاريخ(1)



أجرى الحوار: ياسين الحاج صالح

د. عزيز العظمة أستاذ في جامعة بودابست، يدرس التاريخ المقارن، الدين المقارن، الفكر السياسي، الحضارة، نظرية التاريخ، نشوء التوحيد الديني… وقد سبق أن درس في جامعات عربية وأوروبية متعددة. وهو مؤلف العديد من الكتب القيمة مثل “الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية” (دار الطليعة، 1983)؛ “العلمانية من منظور مختلف” (مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)؛ دنيا الدين في حاضر العرب (دار الطليعة، 1996)، وسلسة كتب يوحدها كونها منتخبات من المدونات التراثية، مثل “ابن خلدون” و”ابن تيمية” و”ابن الريوندي” و”محمد بن عبد الوهاب”.. جمع فيها المؤلف نصوصا لهؤلاء الأعلام وأخرى تحدد موقع عملهم الفكري أو الديني في عصرهم وثقافته، ومقدمة ضافية لكل مجلد.

أجريت هذا الحوار عبر البريد الإلكتروني، ولأسباب فنية وردت إجابات الدكتور العظمة بالانكليزية، وقد تفضل عماد شيحة، الروائي والمترجم، بنقلها إلى العربية. ولعل الحوار مع عزيز العظمة يكون حلقة في سلسلة حوارات تسهم في تعزيز ثقافة الاعتراف بين أجيالنا الثقافية وتياراتنا الفكرية. فليس من المشرف أن يكون عزيز العظمة مريرا حيال معرفته والاعتراف به في بلده. وفي ما يلي نص الحوار…

كنت في دمشق مؤخرا لحضور مؤتمر عن العلمانية (17 و18 مايو 2007 في المعهد الدانمركي في دمشق). متى كانت آخر مرة كنت في المدينة التي ولدت فيها؟ هل تغيرت عليك؟ وهل تسنى لك رصد أجواء الاستفتاء على تجديد رئاسة الرئيس بشار الأسد (26 مايو 2007)؟

– كانت آخر زياراتي لدمشق في شهر سبتمبر المنصرم. ورغم أني أمضيت في بيروت سنوات من حياتي أكثر مما أمضيت في دمشق، فضلا عن سنوات عديدة في أوروبا، فقد كان لدمشق دوماً مكانة مركزية من عدة أوجه في حياتي، وعلى نحو خاص حينما كان والدي لا يزال على قيد الحياة. ولطالما كانت مشاعري ومداركي متنبهة لطريقة تغير المدينة، وهي قد تغيرت جذرياً في العقود الثلاثة المنصرمة. أما هذه الزيارة الأخيرة [مايو 2007] فكانت مخصصة لحضور المؤتمر ورؤية الأصدقاء القدامى والتعرف على أشخاص ما تعرفت عليهم من قبل. ولقد منحتني الزيارة فرصة لتحسس المدينة مجدداً ومن زوايا مختلفة، بعضها جديد علي. عصر أحدا أيام إقامتي، وقت القيلولة في فندقي، طرقت مسامعي فجأة موسيقى صاخبة، متواضعة التأليف، ولم أتبين شيئا من الكلمات التي كانت تُغنى معها، فقد كانت مكبرات الصوت رديئة النوعية. علمت في ما بعد أن هذا الغناء من ترتيبات الاستفتاء الرئاسي الفنية.

د. عزيز أنت من جيل شكلت الماركسية والقومية العربية أفق وعي أغلب المنتسبين إليه. وكلا هاتين إيديولوجية عمل، يترابط فيها الثقافي والسياسي بصورة وثيقة. أين أنت من شؤون بلدك السياسية، بالخصوص قضايا الحريات وحكم القانون والمجتمع المدني وحقوق الإنسان؟ لماذا يغيب اسمك عن نقاش المثقفين السوريين لهذه الشؤون وعن عرائضهم ووثائقهم الداعية إلى الحريات العامة؟

سأبدأ بالإجابة على القسم الأخير من السؤال، برده إليك، وبسؤالك وفق خبرتك المعاشة بالبلد: لماذا لا يُتداول اسمي إلا على نطاق ضيق جداً في سورية؟ سبب تساؤلي هذا أن إجابتي على القسم الرئيسي من السؤال لن تقدم تفسيراً كافياً من وجهة نظري.

قد أشير كذلك إلى تقطع تواصلي مع الوسط السوري، وتعلم أننا نعيش في مجتمع شفهي إلى حد كبير، يراكم قليلاً في مجال الكتابة بينما تزدهر فيه الانطباعات، ويطلب من ألأقوال والتصريحات أوجزها، مجتمع في حالة تدفق، يتحسس المشكلات ويرغب في حلول وتفسيرات سريعة على الأقل، أو في شكل صيغ جاهزة. وأنا لا أقدم إجابات سريعة للقضايا المطروحة، ولا أتملق أي جمهور، اللهم إلا في نقاشات أتولى فيها دور محامي الشيطان، ثم أنهي اللعبة.

لكني في المجمل، قررت منذ ثلاثين عاماً النأي بنفسي عن الانشغال المباشر بالسياسة، وليس أهون أسباب قراري هذا أن شخصيتي لا تؤهلني للسياسة. وقد حزمت أمري على توجيه ما يولده اهتمامي بالشؤون العامة لدي من قدرات نحو العمل الثقافي والعلمي. وأود القول إن القدرات هذه معروفة، وهي تحفزني على متابعة أدق التفاصيل في الشؤون السياسية، السورية واللبنانية والعربية، إضافة للسياسة الدولية، وذلك عبر قراءة الصحف والتحدث إلى عدد متنوع جداً من الأشخاص.

وإنها لحقيقة أني “حاضر”، بكلمتك أنت، في العالم العربي كله، ويستعصي على فهمي سبب مقاطعة بلدي لي؛ هذا ولست ميالا بشدة إلى الإجابة السهلة أو المستسهلة (وهي تتضمن شيئاً من الحقيقة بالتأكيد)، التي تقرر أن الثقافة السورية عانت في العشرين عاماً المنصرمة من العزلة والانغلاق على الذات.

وأنا على بينة تامة من الصلة بين الثقافة بالسياسة في معانيها الأعرض والأبعد مدى زمنياً بالخصوص في بلدان تشبه بلدنا، حيث تخضع القضايا (ومن ضمنها الدين) لتسييس كثيف، وحيث لم يتطور التمايز الوظيفي بين مكونات البنى الاجتماعية، التطور المضارع لما حصل في تواريخ أخرى – بلدان في حالة تدفق متواصل، حيث السياسة هنا هي الحيز الحاسم التأثير في نهاية المطاف. ثمة عنصر سياسي معين في التزامي الثقافي، غير أني أراه عنصرا بعيد المدى وتراكميا، والصلة فيه بين القومي والاجتماعي حاسمة.

لكن عليك أن تدرك أن التزامي القومي أو الوطني، لم يكن يوماً من زخرف القول، ولم يكن أبداً عشائرياً. فلقد حفزته القضية الفلسطينية، وشاركت قسطنطين زريق وآخرين رأيا مفاده أن المشروع القومي ليس مخصصا لتمجيد أمة أو عرق أو ثقافة، ولا هو فعل نرجسية قومية، وإنما هو وسيلة لتكوين مواطنين معاصرين، وهي في النهاية نموذج جمهوري على النمط الفرنسي. لا شأن لي بالقومية المقتصرة على الهوية.

بلى، لقد كانت القومية العربية موجهة ضد السيطرة الاستعمارية بالتأكيد، بيد أن اللازمة التي اشتقت من ذلك مؤخراً، والتي تجعل من القومية العربية حركة ثقافية تسعى وراء الانقسام والتهرب من مسيرة التاريخ العالمي كانت غريبة دوما عني. ولقد ازداد موقفي هذا رسوخا في السنوات القليلة الماضية مع انسياق الخطاب والممارسة القوميين في مزلقين رئيسيين. أولهما نكوصي اجتماعيا وثقافيا، وشعبوي، يتملق جمهوراً متخيلاً، ويرى في السياسة الدولية والهجمة الأميركية على منطقتنا نزاعاً ثقافياً ودينياً، نزاعاً بين ملائكة وشياطين، نزاعا يستدعي منا تلفيق ورعاية ذاكرات رجعية يسكنها حنين إلى الأسلاف، وتحويل مجتمعاتنا في وجهة معاكسة لمقتضيات التقدم، وتاليا لفرص الاقتدار التاريخي، اللهم إلا ما يتعلق منها بسياسة “فشة الخلق” والمرجلة البدائية، والمبتورة الصلة بالعقلانية السياسية. غير أن هذه إستراتيجية خاسرة، مدمرة للبلدان ومحطمة لحياة الأفراد. إن اعتبار الحرب والسياسة وكأنهما من الفروسية والكر والفر ـ والفروسية والمرجلة وغيرهما لغة ولعبة اجتماعية معروفة أصبحت فولكلوراً ـ أليق برقصة الدبكة وببعض البرامج التلفزيونية الهابطة منها بالحرب والسياسة: الفولكلور صور تشكيلية منمطة عن الذات. فإن حوّلنا أنفسنا وحولنا سلوكنا إلى محاكاة هذه الصور، ازداد انفصامنا عن الواقع: أين حروب النشامى من مجتمعات ضعيفة عليها في مرحلتها المقبلة أن تستجمع قواها للاقتدار؟ وماذا يصنع النشامى وأصحاب المراجل غير المنازلة الانتحارية، والعمل على قيادة مجتمعاتهم إلى الانمحاق والخروج من التاريخ؟

أما المزلق الثاني فيستخدم القومية ذريعة للجمود السياسي، للانعزال عن العالم، ولتسويغ سياسات خارجية لا تبتغي غير المصلحة والنفع المحليين الضيقين. استخدام القضية الفلسطينية نموذجي في هذا الصدد.

أخيراً، مسألة عرائض المثقفين السوريين. لقد وجدتُ العديد منها ساذجة. تتخللها أجواء أزمة (ولذلك تفسيرات)، شعور بالاستعجال، أو ارتياح لأية كلمة قد تعد بانفراج، انفراج نفسي قبل كل شيء. وجدت فيها سذاجة بصدد الإخوان المسلمين، باسم الاشتمال والجماعة الوطنية العامة، باسم الشعبوية (وهذه، كما أؤكد باستمرار، مبنية على وهم الشعب، على النظر إلى الشعب كرعاع يعاد تشكيلهم وفق الصورة الشعبوية للشخصية القومية). على أن هذه التوهمات لا تنبثق من فراغ، إنها تنشأ من انطباعات سطحية، تسبغ عليها النزعات الإسلامية السياسية شيئا من التماسك، ما يدفع بعض المثقفين، دونما فطنة، إلى تسخير أنفسهم جنودا مجهولين في صفوف الإسلاميين أو انقلابيين أو ثأريين يعتقدون أنه باستطاعتهم امتطاء هذه الموجة. هنالك سذاجة أخرى: افتراض أن ديمقراطية بغير حدود هي الحل السحري، بشارة عصر ذهبي غافل عن اعتبار علاقات القوة، وغير متنبه إلى أن الديمقراطية عملية سياسية تتضمن عمليات اجتماعية، ولا يمكن تصورها دون دولة أو خارج دولة، أياً كان نوع الدولة هذه.

ولقد شاهدنا تجارب أفضى فيها التفكير السحري إلى كوارث: منها الهروب إلى الأمام الذي شاهدناه في جزائر الشاذلي بن جديد، والذي آل إلى فجائع لا تحصى؛ ومنها الثورة الإيرانية، وقد آلت إلى ديكتاتورية رجال الدين، وقامت بذبح القوى التي أيدتها أثناء الثورة (وهنا أقول مستطردا: ليس من الحكمة التحدث عن الثورة الإسلامية في إيران، أو عن الثورة البلشفية في روسيا؛ ففي كلتا الحالتين كانت هنالك تحركات واسعة النطاق أطلق عليها لاحقاً اسم الحزب المنتصر). ليس تقليد النعامة هنا بالأمر المستحسن.

باختصار، ؤثلار أؤثر التفكير والعمل على المدى البعيد، ومواهبي ذات طبيعة ثقافية وتاريخية وعلمية وليست سياسية مباشرة. هذا رغم أن لي وجهات نظر سياسية محددة بوضوح تام. يبقى أن ما هو حاسم بالنسبة لي هو أن للصعيد القانوني القول الفصل.

يبقى من العرائض شأن آخر قد يفوق في أهميته الشأن الأول: ليست القضية في النهاية، وببساطة، قضية العلمانية ونقائض العلمانية، بل هي ترتبط بطابع الكيان السياسي المرجو لسورية. تلك قضية القبول بمقولة “التعددية” بالمعنى المتعارف عليه والمتداول في أميركا وفي المنظمات الدولية وغير الحكومية، على النحو المبسط الواسع التداول. يستتبع هذا الفهم الإذعان للمقولة الذاهبة إلى أن الديمقراطية نظام توافقي بين الطوائف والإثنيات. وهذا شأن لن يعترض عليه الإسلاميون ذوو النظرة الفئوية حكماً. إن القبول بهذا الأمر يفيد قبولاً، من حيث المبدأ على الأقل، بإعادة تشكيل سورية على شاكلة جارتيها لبنان والعراق. ولا يعني ذلك إلاّ تشكيل جسم سياسي جديد على أنقاض سورية الدولة ـ الأمة التي ما زالت قائمة. وهذا أمر لن أقبل به. أما علاقة سورية الدولة – الأمة بسورية بوصفها قطر عربي، فهذا شأن أصبح قابلاً للنقاش في ضوء التاريخ الحديث للعرب. وقد آن الأوان لفتح هذا الموضوع. إن الدولة الوطنية دولة ـ أمة، أو مبنية على نموذج الدولة ـ الأمة، وهي حكماً، إن كانت لها مقومات الاستمرار، مشروع أمة، وهذا الوضع لا يتفق مع ابتكار الأقليات المتميزة عن الجماعة الوطنية القائمة على المواطنة وليس على الدم.

هذا سؤال مركب وطويل.

مرارة تساؤلك عن ندرة تداول اسمك في بلدك مفاجئة وتثير الأسى. إلام تعزو الأمر؟

يبدو لي أنك تقدم نقدا خارجيا لمقاربات الديمقراطيين السوريين الفكرية والسياسية، خارجيا بالمعنى الوجداني (نقد غير متعاطف) وبالمعنى المعرفي (ربما غير متابع بصورة كافية). فهو يغفل الصعوبات الهائلة لأبسط أشكال العمل العام المستقل في البلاد، ويلوم المعارضين على ما هي في الواقع أوجه قصور وضعف في الثقافة الوطنية وفي الإدراك السياسي في سورية. من أين للديمقراطيين أن يتجاوزوا الشعبوية دون تدخل من المثقفين النقديين مثلك؟

أسجل أيضا أنك تدخلت تدخلا سياسيا مباشرا بكتابة مقال مع فيصل دراج، نشر في جريدة “الحياة” في يونيو 2001، كان ينتقد تداول مفهوم المجتمع المدني في الحراك السياسي الثقافي السوري أيام “ربيع دمشق”، لكنه اكتسب في الحقل السياسي الإيديولوجي السوري لتلك الفترة وظيفة تتصل بتسخيف الحراك الديمقراطي الذي كان معرضا دوما للقمع الحكومي. وسؤالي هنا يتصل بما إذا كان من شأن مقاربة للشأن العام في بلادنا تتمحور حول العلمانية أن تضفى قيمة نسبية على قضايا القمع والحريات، بينما تمنح قيمة مطلقة لقضايا الدين وحضوره في الحياة السياسية والثقافية.

ألا ترى أخيرا أن نقد ما وصفته “هروبا إلى الأمام” يمكن أن يكون أكثر إقناعا لو كانت بلادنا تتجه نحو ترسيخ كياناتها الوطنية وتأهيل “البنى التحتية” للدولة- الأمة الحديثة. الحال، إن ما يجري في مصر وسورية اليوم، وما كان يجري في عراق صدام، وربما في جزائر بن جديد، هو عكس ذلك. أي راهن هذا الذي يلام الهاربون على الهروب منه؟

القضايا التي تثيرها هامة، ومعبر عنها جيدا، وعلي القول أنني توقعتها في هذه المداولة – سنرى حين نتابع إن كانت بقية توقعاتي في مكانها.

المسألة الأبسط أولاً: سبق أن أشرت إلى عدد من العوامل المحتملة التي جعلت اهتمام بلدي بي محدودا، ولا أظن أن تلك العوامل عديمة الأهمية. قد أضيف أمراً ثانويا، كالعداء الشخصي من قبل زيد أو عمرو. ففي بلد مثقفوه قليلو العدد، تربطهم شبكة كثيفة من علاقات شخصية أنا على هامشها، يغدو عامل العداء الشخصي شديد الأهمية.

والآن أتحول إلى قضايا أكثر أهمية تستدعي أجوبة مفصلة. رداً على لومك القاسي، وإن يكن مهذبا وموزوناً، دعني أقول أولاً إن حكماً قد يكون مجحفاً لكنه مع ذلك صائب: مجحف فيما يتعلق بالمسألة التي أثرتها، حيث نتعامل مع بلد شهد في الماضي القريب قمعاً مركزاً، مع بلد معزول نسبياً، وحيث يحظى أي متنفسٍ بالتقدير بصرف النظر عن مأتاه ومآله، وبصرف النظر أيضا عن كيفية وعن نسبة الطموحات إلى التقييدات. بهذا المعنى، فإن نقدي ونقد صديقي القديم فيصل دراج لم يكن خلوا من التعاطف فيما يتعلق بالأهداف العريضة، بيد أنه كان غير متعاطف فيما يتعلق بصوغ الوسائل، ولقد رأيناه، ولا نزال، صوغا مشوهاً. وردا على كلامك على نقد خارجي، على نقص في التعاطف المعرفي، أقول: لقد وقع على ذاك النقد غير المتعاطف التعامل مع اللجوء السهل وغير المتروي إلى تصورات من قبيل “المجتمع المدني” والـ “التعددية “. ولم يكن للأمر صلة بنقص الاطلاع: فالبعد المكاني عما يجري مسألة نسبية، والخبرة المعاشة لا تنير بالضرورة أكثر من امتياز البعد. ليس البعد أسمى من الخبرة ولا العكس، وليس القول الفصل لأي منهما. الشيء الحاسم هو التوسط بين المحاكمة العقلية والتجربة، دون أن تكون هذه شخصية بالضرورة. وبعامة، أجد اللجوء إلى التجربة الشخصية المباشرة أمراً محنقا، كأنما المرء يحتاج لاختبار الألم الجسدي ليفهم الألم، وهذه في المحصلة النهائية محاولة من يرى نفسه على حق للاستغناء عن التفكير، وهذا شيء لا وقت لدي أخصصه له، ومع ذلك يبقى تعاطفي غير منتقص.

ليس من الضروري أن يتفق المرء مع آراء البعض لمجرد كونهم مقموعين، وهذا لا يضمر تسفيهاً للألم أو المآسي الشخصية، ولا انتقاصا من أهمية التضامن. أعتقد أن التأمل في “ربيع دمشق” أمرٌ ملح، وهنالك حالات مشابهة بعض الشيء قد يأخذها المرء بعين الاعتبار. أخبرني مؤخراً مثقف بارز من أوروبا الشرقية، ذو خلفية شيوعية، كان ناشطاً وشديد الفعالية في ثمانينات القرن العشرين وبداية تسعيناته، أخبرني بينما كان يتأمل بشيء من المرارة في محادثة مطولة معي حول تجاربهم، “أننا – أي هو وصحبه ـ تحولنا في المحصلة النهائية إلى أنماط ثلاثة، مجتمعة في الشخص نفسه أحيانا: أبطال وحمقى وأوغاد”؛ وقد وافقني حين علقت بأن التحولات التاريخية تتطلب الأدوار الثلاثة، وأنه قد يحصل أن تنطوي شخصية كاريزمية على ثلاثتها معاً. وقد وصف لي عدة سير من هذا القبيل، سير حيوات كئيبة وبائسة، وختم بأن الوحيدين الذين طفوا على السطح كانوا من النمط الأخير، أي الأوغاد. أثناء ذلك كانت البلدان التي تحدث عنها تواصل مساراتها الموضوعية. هنالك أشياء قليلة جدا تنير عقل المرء في هذا الخصوص أكثر من قراءة روايات دستوفسكي. وتظهر التجارب الأخيرة في سوريا أن الكثيرين وصلوا إلى استنتاج مفاده أن المرء يحتاج إلى التفكير في مواضيع تتجاوز تحري الحدود التي تضعها السلطات أمام العمل العام، وأن أدوارا أخرى غير البطولة مطلوبة.

دعني أتكلم بالملموس: انتقدنا فيصل وأنا الدعوة إلى “المجتمع المدني” والطريقة التي استخدم فيها هذا المفهوم، وفي أذهاننا اعتبارات خاصة جدا. دعنا لا ننسى أن “المجتمع المدني” مفهوم معقد، ذو تاريخ معقد، وأريد أن أحيلك إلى كتاب عزمي بشارة حول هذا الموضوع[1]، وهو كتاب لم يحظَ بالتقدير والأثر الذي يستحق، ربما لأنه لا يبسّط المسائل. دعنا لا ننسى أيضاً الموضع الذي عاد فيه هذا المفهوم إلى الظهور مؤخراً، أي في السنوات العشرين المنصرمة: هذا الموضع هو أنقاض الحرب الباردة، حيث استُخدم المفهوم كجزء من خطاب سياسي ليبرالي تقليدي، وكأداة سياسية لصوغ عملية قلب الأنظمة السوفياتية في أوروبا الشرقية. بعض فُتات هذه الحمولة انتقل إلينا على نحو مبسط ومختزل، كما تنتقل الأشياء إلينا عادة؛ يفاقم من تبسيطها الأمل المتحمس، وبالترابط معه قسوة سيطرة النظم الحاكمة على الحياة السياسية في بلداننا.

هكذا انبثق أمران، أحدهما أطروحة واهية مفادها أن المجتمع والدولة نقيضان، وأن المجتمع المدني هو رد المجتمع على الدولة. وقد شاع هذا التصور في سوريا قبل 20 عاماً في كتيب عالي النبرة لكن غير مقنع لبرهان غليون[2]. حقيقة الأمر أنه يتعذر التفكير في المجتمع المدني أو تعريفه دون الدولة، وبالعكس، وهذا حتى في بلد مثل سوريا ذي سلطة قوية وفعالة ودولة رثة ومعطلة، دولة تخدم السلطة عمليا وغير حائزة على استقلال كافٍ. وإنه لمن السخف افتراض انعدام القاعدة الاجتماعية للسلطة في بلدنا، أو أن هذه القاعدة طائفية فحسب. لم تكن الحرب التي شنت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات على الإخوان المسلمين دون قاعدة اجتماعية واسعة وقوية، سواء عبرت عن نفسها بفعالية أو كانت تستحسن ضمنا إجراءات السلطة. لا يكذب هذا أن الثمانينات شهدت توسعاً في المجموعات التي استهدفتها السلطة، كما ليس من الصحيح القول اليوم إن في سوريا سلطة فعالة دون قاعدة اجتماعية. هذه مسألة تتطلب تأملاً عميقا: لا تنازلا لتقييدات تفرضها السلطة على النشاط السياسي والثقافي، بل لبلورة وجهة نظر معتبرة حول حياتنا العامة في سوريا.

أما الأطروحة الأخرى فمفادها أن “المجتمع المدني”، منظماً أم غير منظم، هو المجتمع ذاته، وأن المجتمع السوري مكون من أية مجموعة تعلن عن نفسها وتقدم ناطقين باسمها. وهذا بالطبع لا شأن له بأي فهم سليم للمجتمع المدني، لأن هذا الفهم يخلط بين المدني وما قبل المدني (الطائفي والإثني). علاوة على ذلك، فإننا نجد في سياق حركة المجتمع المدني لدينا، مزاجا ساذجا ومستميتا يدعو لاستيعاب “التعدد”، مزاجا يعترف بالحركات السياسية الإسلامية ويحاورها، هذه الحركات التي يتمثل أحد أهدافها الرئيسة، علانية أحيانا وضمنا دوما، في التراجع عن كل التقدم الثقافي والاجتماعي والمعرفي الذي اكتسبته مجتمعاتنا منذ قرن ونصف، وهو تقدم فرضته الدولة في الغالب الأعم من الأحوال. وما من نتيجة أخرى يمكن للمرء أن يتوقعها من إسباغ طابع روحاني على المجال العام. وهكذا فإن هذا المزاج يقدم تنازلات لحركات سياسية لا تتعاطف معه غالبا. هذا ما عنيته بالهروب إلى الأمام: فلا يكفي وجود هذه الحركات للمصادقة عليها. فالنموذج السياسي الاجتماعي الإجمالي للتفكير في شأن المجتمع المدني باطل. وهو في صيغه الحميدة أكثر من غيرها بمثابة إيماءة تهذيب ولباقة، أو قل مجاملة، ترحب بقوى ستمحو الآخرين في المحصلة النهائية. إن الحركات الإسلامية السياسية أكثر سياسية، من عدة وجوه، من حركة المجتمع المدني، وهذا لأنها تبدو متنبهة أشد التنبه لمسألتين حاسمتين من مسائل السياسة: التوقيت والحساب وإجادة الانتظار من جانب؛ وإدراك أن الحياة السياسية ليست مودة فقط، وإنما هي كذلك صراع وإخضاع وغلبة من جانب آخر. لا مكان في هذه اللعبة للملائكة، ولقد خشيت وقتها أن “المجتمع المدني” تحركه أيادٍ أكثر خبرة وأدق حسابا. كما أن المنظمات العصبوية ليست بحال من الأحوال ملائكية. وما عراق اليوم في المحصلة النهائية غير النموذج الناجح لإعادة تشكيل مجتمعاتنا على هذه الصورة العصبوية ما قبل المدنية. بلى، إني أشاركك القلق بشأن الدول العربية التي تتهرأ كياناتها الوطنية السياسية. غير أني متيقظ بشأن اشتداد هذه العملية، وما ستفضي إليه في حال واصل الناس تأييدهم لها باسم “المجتمع المدني”: الانجراف نحو تديين المجال العام وغزوه من قبل العصبيات. معذرة، ليس بوسعي تقديم أفضل من ذلك؛ ما من حلول سهلة، وأخشى جديا أننا نمضي في طريق مسدود.

وكما أنه لا ملائكة في هذه اللعبة، أو أية لعبة أخرى، كذلك لا مطلقات. تقول أنني أضفي قيمة مطلقةً على مسائل تتعلق بالدين وأغض من قيمة مسألة الحريات: هذا يتصل بما ذكرته آنفاً، والاعتراض الذي تطرحه أنت زائف من وجهة نظري. فتثمين قضايا الحريات لا يمكن أن يتوافق مع إقحام الدين في السياسة. بل هو في الحقيقة عكس ذلك. أما القمع فلا دين له، لأنه يتبع تكوين السلطة سواء كانت دينية أم غير دينية.

أود القول بداية أني حريص كل الحرص على نقاش راق ومحترم وبعيد عن سوء النية والمخاصمة، ليس كمبدأ عام فقط، ولكن أيضا احتراما مني لمثقف متميز التفكير والنبرة والحضور. لكني تعهدت منذ بداية هذا الحوار بأن انتحل دور الخصم وأن.. أستفز.

أعتقد أنه يمكن استخلاص سوسيولوجية تاريخية تتمحور حول العلمانية من كتابك الأساسي “العلمانية من منظور مختلف”. تعنى هذه السوسيولوجية بجملة التحولات والتصورات والمؤسسات التي واكبت اندراجنا في الحداثة منذ أيام التنظيمات العثمانية، والتي آلت إلى تهميش دور الدين في الحياة العامة وحضور مؤسسات وأدوار حديثة. لكن إذا صح أنه لا تقوم سوسيولوجية أو سياسة متسقة على أرضية غير علمانية، فإني لم أتبين في السوسيولوجية العلمانية لعزيز العظمة تفسيرا متسقا لواقعتين أساسيتين: صعود الحركات الإسلامية (أستبق بالقول إن الكلام على “حلف بغداد الثقافي” لا يبدو لي تفسيرا كافيا)، والطائفية. وأخشى أن السياسة المتمحورة حول مفهوم العلمانية لديك إما استئصالية، أو هي لا تجد ما تقوله عن الاستئصالية، أي عن الموت والتعذيب المتمادي سنوات طوالا للمعتقلين على يد “الدولة”، وهو ما حطم الفكرة والوطنية وأفسد السياسة والثقافة إلى حد لا يصدق. مثلا في كتابك “دنيا الدين في حاضر العرب” تتحدث عن “استئصال شأوة السياسات الانقلابية والإرهابية للحركات الإسلامية في سورية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، قبل أن تستفحل”. لدي مشكلة مع هذا الكلام. أجده غير متوازن، يغفل أن العلمانية لم تكن أبدا رهانا في ذلك الصراع خلافا لما يوحي به سياق إشارتك له (ص 152، الطبعة الثانية، دار الطليعة، 2002)، وأنه كان فاتحة اكتساح عام هائل الكلفة البشرية للمجتمع السوري، وكان فيه بعد طائفي بارز. والأهم أنه يكاد يكون كل ما قلته في هذا الشأن الذي ما زالت ملفاته غير المعالجة تنتظرنا عند أقرب منعطف.

لا مشكلة لدي مع المخاصمة، ولا مع المشاكسة أو الاستفزاز، طالما انطلقت من حسن النية ولها غاية، ولو كانت غايتها المعابثة. ذاك حال المداولة معك، وعليه إنني أعفيك من لزوم التوضيح، أو إزجاء الثناء. قد يرضيني الثناء، مثل كثيرين، حين استحقه. وخلافا لكثيرين، فأنا بغنى عنه ولا أسعى إليه. غير أن القضايا التي طرحتَها تمضى إلى ما وراء أصول اللياقة وعلم النفس. وإني لأتفق معك تماماً في قولك أن فكرة “حلف بغداد الثقافي” هي توضيح غير كافٍ لصعود وتوسع الحركات الإسلامية وأمزجتها. على أن ذلك الحلف ووارثيه كان حاسماً (تأوج في نشوء طالبان، ويتواصل بمداعبة حركات شبه طالبانية تولدت من الوضع الذي نشأ في المنطقة بعد غزو العراق)، وما من تفسير واف بدونه. هذا لأن ذاك الحلف وورثته وفروا بنية تحتية عالمية، ومالا غزيرا، وقدرات لوجستية، ومنشآت ثقافية وتعليمية وإعلامية. ويتعين على المرء أن يضيف عددا من العوامل الأخرى لإكمال جملة الظروف التي أفضت إلى هذا التمدد الإسلامي.

وهذه بعض منها. أولها السّعْودة النسبية للحياة العامة، نتيجة للهجرة والأثر المتولد عن تعليم الأطفال العرب في المدارس السعودية. وثانيها، عامل شديد الأهمية، هو التحولات الداخلية. مثل سوريين كثيرين، وكما أشرت أنت على نحو صائب، ما كنت حزينا لرؤية الحركة السياسية الإسلامية وهي تُعامل بشدة. بيد أن النتيجة كانت ذات وجهين. فمن جانب قررت السلطة، في الثمانينات لأسباب لا أفهمها ولا يسعني التغاضي عنها، توسيع نطاق القمع وتدمير العناصر الحاسمة في الجسم السياسي السوري، عناصر ما كانت تشكل موضوعياً تهديداً منهجياً للوضع القائم. وقد فعلت ذلك أيضاً بوحشية ضاهت ما يمكن توقعه من القوى الإسلامية: همجية قضاء استثنائي، حولت المواطنين إلى إمعات مرتعدة، إلى أوغاد، إلى حمقى، إلى قطيع، في عالم غير سوي ولا قانون له. وتشي تلك العمليات الانتخابية التي تدعى بيعة باحتقار عميق للمواطنين وللسياسة. أولئك المواطنون الذين يملئون أوراقاً انتخابية ويأخذون دبابيس (مشكوك بنظافتها) تزودهم الدولة بها لاستخراج دم من أصابعهم يبصمون به تلك الأوراق؛ هذا الشكل البدائي من التضحية، ما هو إلا مصادقة على كونهم أوغاداً أو خرافاً؛ خياران أحلاهما مر.

من جانب آخر، قررت السلطة تجربة اللعبة الإسلامية والفوز بها عبر تملق جمهور افترضته قطيعاً إسلامياً- هذه عملية تمت تجربتها في عدة بلدان فكانت لها نتائج كارثية (يخطر على البال هنا مصير السادات. لك أن تفكر أيضاً بالسياسة الأميركية والسعودية في أفغانستان، وأنا أدعو ذلك ظاهرة فرانكنشتاين)، وهي (العملية) تتفاقم بقدر ما أرى. إنها شكل من الشعبوية يتطلب ترقية مشايخ وشيخات من الدرجتين الثانية والثالثة، ومنحهم فسحة لمنع كتب ولنشر ثقافة وعلاقات اجتماعية ظلامية ونكوصية. ويبدو أن السلطة واثقة من قدرة أجهزة الأمن على السيطرة على هذا التيار في المدى البعيد. لكن هذا خطأ تاريخي فاحش. لا أعتقد أن طالبان دمشق الذين خرجوا ببيارقهم الخضراء والسوداء، وهاجموا السفارات في قلب العاصمة دمشق، يشكلون قوى مأمونة الجانب في المدى البعيد، لا بالنسبة للدولة ولا للسلطة ولا للمجتمع. أما بالنسبة للحركات الإسلامية فلا مشكلة لديها بالتحالف مع أي طرف (حزب الله مثال ساطع على ذلك)، بانتظار المنازلة أو لحظة الانقلاب كما في حالة حماس وغزة؛ إن سياستها ـ عندما لا تكون تكفيرية في شكل مباشر ـ تتضمن مرحلتين، التمدد الاجتماعي ثم محاولة الاستئثار بالسلطة.

دعني أضيف عوامل أخرى لها الأهمية نفسها. لقد غدت الحركات العصبوية والأصولية عاملاً هاماً في السياسة العالمية منذ العام 1989، مع انحسار أفكار التنمية (ومن ضمنها التنمية الاجتماعية والثقافية)، والتقسيم الهمجي للعالم على محاور تحددها الثروة والثقافة. لا يتطلب الأمر أكثر من التفكر في الهند، والولايات المتحدة ويوغسلافيا السابقة، وصعود الحركات اليمينية في أوروبا الغربية بطريقة تذكر بالأوضاع التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وحركة السكان الأصليين في أميركا اللاتينية (موراليس [الرئيس البوليفي الحالي، وهو أول رئيس لبلاده من أصل هندي أحمر]، والكومندانتي ماركوس في جنوب المكسيك وكثيرون غيرهم). وإن نظر المرء إلى العناق الغريب بين أحمدي نجاد وهوغو شافيز، الذي حصل مؤخراً، سيرى بوضوح كيف تنساق النزعات الوطنية ومقاومات النهب الأميركي إلى اللاعقلانية. وهكذا لن نستغرب مزاوجة العروبة بالإسلام. إلا أن هذه مزاوجة تنتحل شكلا إيديولوجيا خاصا: إنْ نظر المرء إلى حصيلة الحركات الإسلامية العربية أو الإيرانية أو أياً تكن، فسيرى أن تصوراتها حول الأمة والمجتمع والتاريخ وممارسة السياسة موافقة لنموذج الشعبوية اليمينية، لا بل الفاشية في مختلف أشكالها؛ أما الإحالات إلى محمد والقرآن فعارضة وحسب. دعني ادلل على كلامي الذاهب إلى أن الشعبوية تعيد تشكيل الشعب على نحو هوى إيديولوجياتها، بالإشارة إلى مثال فصيح. ادعت سلطات حماس منذ بضعة أشهر أن كتاب الثقافة الشعبية الرسمي الفلسطيني فاحش ومفسد، وحاولت إتلاف كل ما وزع منه من نسخ على المدارس. الكلام باسم الأخلاق والأصالة، وكأنما الثقافة الشعبية الحية – والمدونة في أجزاء منها في هذا الكتاب- ثقافة كاذبة خارجة عن “ثوابت الأمة”، وأن ما من ثقافة أصيلة إلاّ في الكتب الصفراء والمنسية. في هذا بالطبع انقلاب على التاريخ وعلى المنطق السليم في آن.

مختصر القول، ليس ذلك صحوة، وما اعتبارها كذلك إلا فهم مبسط جداً. لقد ماشى التاريخ العربي في القرن الماضي الاتجاهات الإيديولوجية العالمية: يشهد على ذلك أن أصولية الإخوان المسلمين تشابه أصولية الحزب الوطني الهندوسي في الهند والفاشية الإيطالية والاشتراكية القومية في ألمانيا، بل لقد كانت سيرة الأفغاني تزامن صعود اتجاهات مشابهة في أوروبا. حقيقة الأمر، أن تلك التحولات نحو اليمين والشعبوية تلي دوماً أزمة ثورية عظمى 1848 – 1870 – 1917، والآن أزمة العام 1989، التي محت أثر الشيوعية ووعودها. ما نشهده اليوم ليس صحوة محلية أصيلة انطلقت على نحو طبيعي من المجتمع، كما يقال لنا؛ إنها أمر آخر، جديد نوعياً وعالمي في الآن نفسه.

مما لا جدل فيه أن الدولة تقهقرت في سورية لحساب سلطة معرّفة على نحو بالغ الضيق. ولا ريب أن المواطنين عوملوا باحتقار، وأن “الشعب” صار “الشارع”، وأن ذلك قوض الفكرة الوطنية (ليس كلياً، ولكن إلى حد كبير)، وأنه شوه شخصيات خاصة وعامة، وتسبب في ازدراء معايير الشرعية. صحيح، علاوة على ذلك، جرى اللجوء إلى أشكال بدائية من العصبية، بما في هذه شبح الطائفية، واللوذ برحم جماعات انتمائية أولية أعيد اختراعها. ولقد تولد ذلك كله من نتائج خصخصة السلطة وضمور الدولة كفاعل ثقافي وكمربٍ (بل وكإداري)، لكنه انبثق كذلك من ترييف المدن السورية بينما كانت الدولة في حالة انحسار، تخلت بفعلها عن كثير من وظائفها، كما نتج عن أمزجة وسياسات دولية، انبثقت هي ذاتها من “ثقفنة” المدركات والعلاقات الدولية، ومن الميل الليبرالي المحدث إلى تحجيم الدولة والحد من وظائفها.

ختاما، علينا أن لا ننسى تعمق الصدوع الاقتصادية الاجتماعية في ظل النظام الليبرالي المحدث المعولم، المنتصر بعد العام 1989، وضمور الطبقة الوسطى في سوريا وفي غيرها، وحقيقة أن التفكك الاجتماعي في سورية وفي البلدان العربية وغيرها لمّا يجدْ بعد اتجاهاً تاريخياً يتهيكل وفقا له من جديد، وأخيرا وليس آخرا علينا ألا ننسى أن الدولة تخلت عن وظائفها، ما أفضى إلى نتائج هامة في تاريخنا المعاصر.

غير أن أياً من هذه القضايا لا يناقض ما قلته في كتبي التي تذكر. كانت الغاية من هذه الكتب معرفية ونقدية. وإذا كنت مدركا معرفياً أننا نسير في طريق مسدود في هذا الوقت من تسارع التاريخ، فهذا لا يضعف القوة التحليلية التي نشرتُ، بل بالأحرى يوسع نطاقها. والواقع أن الفصل الأخير من كتابي “العلمانية من منظور مختلف” وقد نشرت طبعته الأولى عام 1992، يشير بوضوح إلى المسائل التي اتضحت لاحقا. إن المأزق الذي نواجه بالغ الواقعية ومنذر بالخطر، وليس لدي حل؛ ولقد قلت في مستهل هذا الحوار أني لست سياسياً. مع ذلك، لن يزيد الهروب إلى الأمام الأوضاع السيئة إلا سوءا؛ إنه من أعراض الأزمة وليس حلاً لها.

——————————————



[1]المجتمع المدني، دراسة نقدية (مع إشارة للمجتمع المدني العربي)،. صدرت الطبعة الأولى للكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1998.

[2]قد يكون المقصود كتاب غليون “بيان من أجل الديمقراطية” الذي صدرت طبعته الأولى عام 1978 عن دار ابن رشد في بيروت.