حوار مع عزيز العظمة في شؤون العلمانية والدولة والتاريخ(2)



أجرى الحوار: ياسين الحاج صالح



يبدو أننا ندخل، أو دخلنا، طورا تاريخيا جديدا بعد 11 سبتمبر واحتلال العراق. نرى اليوم مجتمعاتنا تتفجر ودولنا تتفسخ، ونحن نتفرج. أين الثقافة؟ لماذا لم تتمكن من توقع شيء مما جرى، ولا تبدو قادرة على تقديم أدوات تحليلية مناسبة لاستيعابه؟ ما الذي تراه مفيدا في المجال الثقافي في سبيل محاولة استلام زمام المبادرة؟ وهل ثمة ما يفيد في مجال السياسة؟

أرى أننا دخلنا طوراً تاريخياً جديداً، لكن ليس بعد الحادي عشر من سبتمبر واحتلال العراق، بل بالأحرى منذ العام 1989، وعلى نحو خاص بعد حرب الخليج الأولى في العام 1991. لقد أظهرت تطورات العراق في عقد صدام الأخير خصائص عديدة نراها في أماكن أخرى، وكانت موجودة سابقاً، لكن في مقاس أصغر وأقل حدة: خصخصة السلطة، رد الدولة إلى أداة سلطة، تطييف و”تعشير” المجتمع كطريق مختصرة لممارسة السلطة من قبل الدوائر الحاكمة، رد الشعب إلى رعاع وإلى عامَّة، “أتباع كل ناعقٍ” بعبارة الجاحظ (يلاحظ المرء، على سبيل المثال، الاحتفالات الجماهيرية في عراق صدام، وكيف أن رجالا بالغين يهتفون ويرقصون ويلوحون بأذرعهم.. على صورة تذكر بجمهرة من القردة لا بابتهاج عام).

لقد أمسى السلوك السياسي غير عقلاني في المحصلة النهائية، ويوفر صدام حسين مثالاً معبراً عن تطرف لاعقلانية الدولة هذه، وكان يمكن لأخطائه المتكررة في الحساب السياسي أن تدفع، في حالات أخرى وبلدان أخرى، إلى استقالة القادة أو انتحارهم. وما مصير هتلر غير مثال بين مصائر مماثلة كثيرة للاستجابة لإخفاق تاريخي. وتفضي لاعقلانية الدولة إلى ضمور وظائفها، وتنكسها إلى سلطة، وإلى قوى ما قبل سياسية وما قبل مدنية، مثل العوائل والعشائر والطوائف وتكوينات عصبوية أخرى، وهذه لا تشكل مجتمعا مدنيا وإنما مجتمع أهلي. ولقد سبق لي أن افترضت أن هذا نزوع عالمي. بيد أنه يسعنا كذلك أن نرى ارتباط هذا النزوع بالإمكانيات الاقتصادية. فقد حولت دول خليجية صغيرة الثروة إلى أداة في خدمة عقلانية الدولة، ولتعميق وظائف الدولة في مجتمع وتكوين دولتي من طبيعة باتريمونيالية.

تقرر في سؤالك أن ما تدعوه بالثقافة العربية لم تنجح في توقع ما جرى، وأنا لا أتفق معك. ثمة أصوات شتى تحدثت حول ذلك، محذرة من هذه التطورات، وأحيل هنا على نحو خاص إلى بعض المثقفين العرب الذين كثيراً ما يميلون للتشاؤم والتفجع وجلد الذات، ويؤمنون بأننا مطبوعون على التخلف، وهم ليسوا قليلين. كما أشير إلى أصوات أكثر صحوا، بعضها من عشرينات القرن الماضي. مثل قسطنطين زريق ورئيف خوري وكامل عياد وعبد الرحمن الشهبندر من الجيل الأقدم.

وفي وقت أقرب في السبعينات، تحدث العديد من المثقفين، اللبنانيين بخاصة والعراقيين لاحقاً، عن “سلم أهلي بارد” [لوضاح شرارة كتاب بهذا العنوان] مشيرين إلى أن الطائفية وما يشابهها من التكوينات العصبوية حبلى بالحروب الأهلية، وأن مدنية المجتمع تتعرض لخطرٍ كبير ما إن تتسيس الواقعة الاجتماعية الخاصة بوجود أناس ولدوا في طوائف مختلفة، علما أن هذه من وقائع الحياة التي تجاوزتها سياسياً أو كادت العديد من مجتمعاتنا (ومنها سوريا) في سياق البناء الوطني. والأشخاص الذين أحيل إليهم لا ينظرون بالضرورة إلى العصبوية (والطائفية تحول العصبيات إلى أحزاب سياسية. وقابلية تحولها إلى ميلشيات) كما لو كانت قدراً لا مفر منه، وإنما يعتبرانها نتيجة تطورات محددة.

وبصرف النظر عن هذه المسألة، أعتقد أنه علينا أن نكون سعداء لكوننا نحن العرب لا نزال متأخرين بضع مراحل عن أوروبا، ولا نزال محافظين على مفهوم قديم وإنساني عن الثقافة، أياً كانت دائرة الثقافة صغيرة؛ ولم نخضع بعد لتعميم الرقمية، وإن كنا على بداية الدرب، خاصة في الأجزاء الأكثر ثراءً (كبلدان أو كطبقات اجتماعية)، وعلى الرغم من أن بعض مجلاتنا الرقمية تحافظ على غالبية القواعد الرسمية والأدبية للكتابة، إنشاءً وبنيةً. يقودنا تعميم الرقمية إلى عالم ما قبل اختراع الطباعة، إلى عصر اقتصرت فيه المطالعة، المطالعة الجدية، على دائرة صغيرة. وتعمل الرقمية على وفرة غير محدودة من معلومات متناثرة لا رابط بينها إلى درجةٍ تجعل إن بناء وجهات نظر متماسكة يغدو أمراً عسيراً. أنا أستخدم هذه المعلومات، لكني أزعم أيضاً القدرة على تقييمها، على معرفة ما أبحث عنه، وعلى عدم استخدامها بصورة سلبية تجعلني أسيرا لقواعدها. وبصورة عامة، تغدو وظائف معرفة القراءة والكتابة مختزلة بشدة، مقتصرة على اللعب وعلى تحقيق أغراض عملية مباشرة دون إمكانية جدية للتفكير المثمر؛ تغدو كذلك موسومة بنزوع نحو صنع الصور النمطية والخفة المميزان للتلفزيون، بل نحو الرموز لا نحو ما وراء الرموز: فالإسلام نفسه، على سبيل المثال، يصور على هيئة سلسلة من رجال ملتحين عنيفين ونساء على هيئة خيم، كما على صورة سوبر مسلمين. هذه ثقافة يحفز إنتاجها التسليع والترفيه استجابة لطلب السوق، وغالباً ما يتولد هذا الطلب من اعتبارات إعلامية. وهكذا نجد في مجال الدين، على سبيل المثال، تحولا من صنمية السلعة إلى تسليع الصنمية، والتحول هذا عمل ناجح تجاريا.

ومن الواضح أن هذه التطورات تضعف التفكير المنهجي في الشؤون العامة، وكذلك ما دعي يوما “المثقف العضوي” (باستثناء دعاة الأحزاب الإسلامية)؛ وهذا اتجاه يلقى الدعم والتنشيط من انكماش المجال السياسي، وتَنَكُّسِه إلى مصالح قطاعية صغيرة، بما في هذه في حالتنا من مصالح عصبوية. وهذه سمة بارزة للنظام السياسي الأميركي، يتم الترويج لها بفخار تحت عنوان التعددية الثقافية. إضافة إلى ذلك، اخترقت هذه التطورات على نحو شامل منظمات دولية ومنظمات غير حكومية، وشكلت مضمون جدول أعمالها السياسي والاجتماعي. وهو ما يطرح اليوم مفهوماً غير إنسانوي للثقافة، الثقافة كصيغة للترقي الإنساني، ويقيم محلها تصورا إثنوغرافيا للثقافة بوصفها عادات وأعراف وما شابه، فتمسي بذلك فولكلوراً، وتغدو عنصرا مكونا لسياسة الهوية. وإنني أزعم أن قران الديمقراطية والأسلمة في لب السياسة الخارجية الأميركية التي يزعم الإسلاميون عداوتها. العراق مثال ساطع على ذلك؛ ولا يغير من هذا الأمر انحسار الدعوة الأميركية إلى الديمقراطية.

وهكذا، في الإجابة على القسم الآخر من سؤالك، أعتقد جازماً أننا نملك أدوات لتحليل الوضع الراهن. أما أن تفلح تحليلاتنا في تأسيس ثقافة سياسية،أو تمنح المثقفين القدرة على المبادرة، فتلك مسألة أخرى. مع ذلك يتوجب عليّ التحذير من فكرة مفادها أن بوسع الثقافة والمثقفين اتخاذ المبادرة بأنفسهم؛ بلى، إن لهم وظائف نوعية، وفي وسعهم القيام بمبادرات، بيد أن العملية مجتمعية في آخر المطاف، وترتبط على نحو وثيق بتطور الدولة أو تقهقرها.

أعتقد أنه يمكن أن نميز بين تصورين للعلمانية في التفكير العربي المعاصر: تصور يدرجها ضمن مفهوم للتاريخ كتقدم وسيطرة على الطبيعة واكتساح للخرافات والأساطير والعقائد الدينية وانتصار للعلم..، وتصور آخر يدرجها ضمن منظور اجتماعي سياسي يولي اهتمامه لمسائل الحريات السياسية والدينية والمواطنة والمساواة والتوازن الاجتماعي والثقافي.. ويتميز التصور الأول الذي يبدو لي أنك قريب منه بأنه ينزع إلى إقصاء الدين أو تهميشه من الحياة العامة، فيما يعني التصور الثاني باستقلال الدولة الديني وحيادها. كتابك عن العلمانية يشتق مفهوم العلمانية من العلم، ويقع في تصوري على خط كتاب الدكتور صادق جلال العظم “نقد الفكر الديني”. وفي الوقت نفسه تقريبا صدر كتاب لبرهان غليون (نقد السياسية: الدين والدولة) يبدو لي أنه أقرب إلى التصور الثاني. وبشيء من التبسيط يبدو أنك تعتبر الدين هو المشكلة، وتتحدث مرارا عن تهميش الدين في وصفه أبرز تعبيرات العلمانية. وتوحي صيغك أنه كلما كان هذا التهميش أشد كان أفضل، وأنك لا تمانع من تحقيق ذلك بأية طريقة، وتنحاز صراحة إلى التصور الفرنسي النضالي للعلمانية..إلخ. لدي سؤالان هنا: هل تعتقد أن مقاربتك للعلمانية تتفوق على غيرها في فتح أفق أوسع لمزيد من البحث والتفكير في شأن العلاقة بين الدين والدولة والسياسة والمعرفة والثقافة والقانون؟ وهل تغني هذه المقاربة عن غيرها؟ والسؤال الثاني: أي موقع تحتفظ به للدين في الحياة العامة في بلادنا؟ وما سيكون مستقبل الدين، الإسلام، في عالم القرن الحادي والعشرين؟ هل ترى أن عالما بلا دين هو عالم مرغوب؟

لا ينبني فهمي للعلمانية على الاشتقاق، لغوياً كان أم مفهومياً. وأن يفترض سؤالك هذا الفهم يبدو لي لازمة نمطية مكرورة وبالعملة الدارجة أكثر مما هو مبني على إجاباتي على أسئلتك السابقة، أو متنبه إلى التحليلات المتضمنة في كتبي التي ذكرت، أو مع ما قلته أثناء مؤتمر دمشق.

لا يصدر موقفي عن مفهوم غائي للتاريخ، بل بالأحرى عن قراءة للعمليات التاريخية العالمية والموضوعية. نعم، ترتبط هذه العمليات بموقع مركزي من الوجهة المعرفية يشغله العلم، علم الطبيعة كما علمي التاريخ والاجتماع. كما يرتبط بها تهميش وجهي الدين السياسي والعام، وكذلك تهميش المؤسسات الدينية أو قصرها على تأدية وظائف خاصة. لذلك أخالف ما دافعت أنت عنه في مقالة أخيرة لك، رأيت فيها أنه يتعين أن تغدو المؤسسات الدينية مستقلة ذاتياً[1]كذلك قلت في إجابتي على سؤال سابق، إننا نمر اليوم بمرحلة محافظةٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ، مرحلة انكفاء وانطواء، مرحلة تتوفر فيها قوى اجتماعية وسياسية فاعلة تسعى وراء النكوص كبرنامج إجمالي، وتعبر عن حالة صراع اجتماعي حاد. هي ذي المسألة التي تجعل العلمانية قضية ملحة: فتلك القوى تتبنى موقفاً عدائياً من العلمانية (التي تأخذها علماً على رقي المجتمع وتفتعلها بذلك كمشكلة وكحلبة صراع) يشكل دافعا إيديولوجيا أوليا لها، ومعظم المكاسب الاجتماعية التي أحرزناها في القرن الماضي، والتي تمثل مصادر تمكننا الحقيقي على المدى البعيد، تتعرض للخطر على يد تلك القوى. إن تصورها الشعبوي للديمقراطية يفترض ضمناً انهيار الدولة، الذي يشرط ما تخاله من انبعاث العنقاء التي يسمونها الأمة الإسلامية، الممثلة حصرا بتلك القوى، والمعتمدة في قوتها على ميلشياتها، المتموضعة دولا داخل دول. أشخاص من أمثالك سيكونون أول ضحاياها حالما تظفر بالسلطة السياسية التي تسعى إليها. يجب ألاّ يسمح المؤمن أو غير المؤمن لنفسه أن يلدغ من جحر مرتين، وعلينا الاعتبار بما حصل في إيران بعد عودة الخميني إليها.

ثمة أمثلة صارخة أمام أعيننا عن تلك القوى، والأمر ليس حكماً على النوايا، الحكم الذي يزدريه يسخر منه كثيرا رغم أنه مكون أساسي لكل تقييم سياسي. إن إعلان حماس عملياً وقبل وعي الأثر الإعلامي لذلك تفضيلها إقامة إمارة إسلامية في غزة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني عبر قيامها بتدنيس العلم الفلسطيني وتدمير بقية الرموز العامة للفلسطينيين – تماثيل الجندي المجهول، صور ياسر عرفات.. بمعزل عن انتقادات قد توجه إليه – مثال صارخ أول. واحتجاز حزب الله للبنان رهينة لأغراضه الخاصة في يوليو الماضي، ومواصلته لذلك، مثال صارخ ثان. لقد كانت لهذا الحزب سمعة لا تضاهى، لكنه أرغم خلال العام المنصرم على كشف أوراقه، وهي أوراق تدمر مصالح الشعب اللبناني. لقد استحال كل ذلك الكلام عن المقاومة إلى حماقة سياسية، إلى دمار شامل – كما هو الحال مع حماس وصدام حسين – بل انتحار شامل في المحصلة النهائية. كنا مبتهجين لما تلقته إسرائيل من لطمات، إلا أن السياسة ومصير الأمم ليست ببساطة “فشة خلق”، علينا أن نتذكر أن الحركات السياسية الإسلامية، ومع كل خطابها الوطني المنمق (وقد ظهرت بالفعل على خلفية أوضاع وطنية وفي ظروف الاحتلال) هي عابرة للأوطان من حيث الجوهر وأممية، وهي حركات هويتية وشعبوية ومعادية للأجانب أكثر مما هي حركات وطنية بالمعنى الصحيح للكلمة، بل لقد اشتملت دوما على دافع قوي مناهض للقومية العربية. وهنا من المناسب استحضار فكرة حلف بغداد الثقافي. فلطالما أشيع عن مساهمة رابين في تأسيس حماس خلال الانتفاضة الأولى كبديل عن فتح وباقي الفصائل الوطنية، لكن المساهمة هذه تم توثيقها في الأشهر الأخيرة. ولا يثير استغرابنا أن نرى مجددا الظاهرة الفرانكنشتاينية.، وهو يعارض بجلاء المصلحة العامة في العالم العربي الراهن، لكون هذه المؤسسات أسيرة اليوم للراديكالية الدينية، أو أقله لأنها على درجة كبيرة من المحافظة والتقليدية، بحيث يقتضي الأمر إصلاحاً جذرياً من غير الممكن أن تؤتمن المؤسسات الدينية عليه. فوق ذلك، المؤسسات هذه بدائية ثقافياً مقارنة بالفقه الإسلامي التقليدي، مقارنة بالشاطبي والشافعي وابن تيمية (وهو شخصية أشد تعقيداً وإثارة مما تشيعه سمعته العامة). ولنمعن النظر في تلك الدعوة لاستقلال المؤسسات الدينية في ضوء النموذج التالي، الناجح في السعودية ومصر، وفيما بعد في الجزائر، والصاعد بقوة في سورية: نموذج تفاهم تحتكر فيه الدولة السلطة وتلغي بالتالي الصعيد السياسي (رغم أن ذلك مسألة عسيرة في مصر)، وتتشاطر المنافع الاقتصادية مع برجوازيات المدينة القديمة والحديثة، فيما تترك المجتمع والضبط الاجتماعي لمؤسسات دينية رسمية وغير رسمية تجنح نحو التعصب بقدر ما تحس أن القوى الجهادية المتطرفة تكتسح مجالها. لكن ثمة قوى عاقلة ضمن تلك المؤسسات، وإن كنا لا نزال في انتظار البرهان القطعي على فاعليتها. وفي نهاية المطاف، ليس الدين ومؤسساته هو ما يصلح من شأن الدين عموماً: الإصلاح الديني يُفهم على أنه عودة ارتكاسية إلى أصول، بينما في الواقع التاريخي، فأننا نجد أن ما أصلح الدين (وأتكلم هنا عن المسيحيين، وعن الإسلام حتى السبعينات، والثمانينات في القرن الماضي) هو رقي المجتمع ومدى اتساع هذا الرقي مما يجبر المؤسسة الدينية وفكرها على الإصلاح.

وبصدد الديمقراطية، أرجو أن تلاحظ ما سبق وقلته حول البواعث الإيديولوجية للأحزاب السياسية الإسلامية. حين اعتبرتها فاشية لم أستخدم ذلك المصطلح على نحو سجالي، بل كمصطلح تقني يشير لحقائق تاريخية وسياسية تتصل بالحركات الشعبوية والفاشية التي استعملت ما نطلق عليه اليوم سياسة الهوية: تصور تعاضدي متجانس للمجتمع، تصور للتاريخ كرجوع إلى العصر الذهبي، شهوة سلطوية سياسة حصرية وإقصائية. نبصر ذلك عملياً حين نشهد استخدام خطاب سياسي ديمقراطوي كتعلة للاستحواذ على سيطرة سياسية حصرية.

وليس إلا عارضا اعتراض هذه الأحزاب على النظام الإمبريالي الجديد؛ وما أنا بالمنحاز بأية حال إلى فكرة أن عدو عدوي صديقي: هذا تصور سياسي، لكن على خلاف التنظيمات السياسية الإسلامية، تنزع القوى الديمقراطية غير الإسلامية إلى فهمه على نحو ساذج، فتقدم تنازلات استراتيجية في وضع مشحون يستحسن أن يسعى المرء فيه إلى بناء تحالفات سياسية محددة دون تنازلات إيديولوجية. ويتمثل التنازل الإيديولوجي الرئيسي في قبول التصور الانتحاري والمانوي للسياسة الذي تواليه تلك التنظيمات، وكذلك تبني تصوراتها للمجتمع (إسلاميته) والتاريخ.

لذلك فالقضية في المحصلة النهائية هي قضية العقلانية المجتمعية والسياسية والتاريخية. أما أن تقدم العلمانية أداة لفهم ذلك، أما أنها تهمش اللاعقلانية في السياسية، أما أنها ترد على البرنامج السياسي والاجتماعي للأحزاب الإسلامية التي تنشر الخراب في مجتمعاتنا (وفي العالم أيضاً)، أما أنها ترد على كل من يريد لنا العيش في جنة دنيوية من التخلف، أما أنها تجنبنا تقديم الخيال والرغبة على الحقائق الدولية والمحلية، فتلك فوائد جمة لها. وهي فوق ذلك تتيح لنا أن نفكر على نحو جدلي، لا بمفردات ما أطلقت أنت عليه على نحو موارب، تسمية “التوازن الاجتماعي”.

ليس الدين بذاته هو المشكلة، رغم أنه ثمة مشكلات جدية مع الدين، وعلى نحو خاص الدين الإسلامي في الظروف الراهنة، (ومع الدين اليهودي). المشكلة هي تطور المجتمع أو احتباسه أو نكوصه، المشكلة هي تسييس الدين، وهي مقدرة قوى سياسية، مدمرة تاريخيا، تعبئ الناس حولها باسم الدين. في المقابل، من شأن النظام العلماني أن يجعل من الإيمان الديني وطقوسه شأناً خاصاً، وهو ما يتوافق مع ما تدعو إليه. ـ أقول ذلك على الرغم من قناعتي بأن المشكلة لا يمكن أن توصف في سياق موضوع فصل الدين عن الدولة، بل فصله عن تعريف الهوية السياسية للمواطن، فصله عن القانون والدستور والسلوك الاجتماعي ـ ورغم اعتقادي بأن عالماً يحوي قدراً أقل من الدين سيكون عالماً أكثر سعادة، فلا مجال للتفكير بعالم خالٍ من الدين. لا شك أن الدين ظاهرة انثروبولوجية، وان أصوله وبواعثه ومجالات فعله ـ على اختلافاتها البينة ـ قابلة للتحليل الانثروبولوجي والنفسي وحتى النيورولوجي (البيولوجي ـ بناء على دراسات حديثة): إن للفكر العلماني قابلية على تفسير الدين وتجلياته عقلياً وتاريخياً، بينما نرى أن للدين تفسيرات خرافية للعلمانية. ولا شك في أن الدين، خصوصاً أوقات الأزمات، أمر لصيق بما تكلم عنه ماركس ـ روح وضع لا روح فيه، أفيون الشعوب، مرجع للسلوى والرجاء توسلاً بالوهم في وقت تغيب فيه الوسائل الأخرى. كما أنه لا شك أن الديانات جميعاً قد أنتجت أشياء ثقافية أستسيغها: كالتلاوة، والأذان، وبعض أشكال العمارة، والموسيقى (خصوصاً تلك التي رافقت الإصلاح الكاثوليكي وقيام الدول البروتستانتية)، وبعض النتاج الفكري والأدبي، أستسيغها كما استسيغ الثقافات الدنيوية اليونانية والرومانية والأوروبية الحديثة. ولكن استساغتي هذه استساغة جمالية، وهي مدفوعة بحرص تاريخي على الفهم. ولبعض وجوه هذه الاستساغة صلة بالهوية: الهوية العربية والهوية الثقافية الكوسموبوليتيه أو العالمية، وليس إحساس الهوية لدي إحساساً قائداً لي. بل هو خاضع لحكمي العقلي والجمالي والحضاري، وهو حكم يعي الفوات ـ دون أسى، ودون حنين لأمور فاتت رغماً من قيمتها الإنسانية والتاريخية. إننا نعيش في عصر يجعل أحكاما كهذه ممكنة، دون أن يعني ذلك ازدراء التزام بعض الناس بطقوس الممارسة الإيمانية إن بقيت في أمكنتها، في الصدور والمساجد والكنائس وبعض بواعث السلوك القويم الذي لا تتفاضل فيه الأديان والشرائع الدنيوية، أو التدين اليومي العادي الذي كنا ألفناه قبل مجيء الإسلام الجديد المتزمت الذي غدا واسع الانتشار.

أخيراً، اليعقوبية أو النموذج الفرنسي. سبق لي أن صرحت أن العلمانية ليست وصفة، ليست قائمة فروض، لكنها بالأحرى عملية تاريخية موضوعية في سياق عالمي. نموذج الدولة الفرنسية الذي يتضمن هندسة اجتماعية وتدخلاً تربوياً وثقافياً حقق نجاحاً متميزاً، رغم ما ووجه به من مقاومة. أحرز هذا النموذج نجاحاً في فرنسا وإيطاليا وأمريكا اللاتينية، وفي الإمبراطورية العثمانية وورثتها، خصوصاً في تركيا وتونس وفي سورية إلى فترة وجيزة.

والواقع أن الرافعة الحضارية التي شكلتها الكمالية في تركيا هي ما سمح بتوفر الظروف لتطور الحركة الإسلامية فيها ـ أو بالأحرى، تطور جزء من هذه الحركة، جزء صغير لكنه مؤثر ـ على شاكلة الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، دون أن يعني كلامي هذا أنني لو كنت تركياً لكنت قد صوت لحزب العدالة والتنمية في انتخابات شهر يوليو. إن فوز هذا الحزب دليل على نجاح الكمالية، وليس على فشلها. إن تحولات التعبيرات والمؤسسات الدينية تالييْن لحركة المجتمع، وليس ثمة إصلاح ديني مستديم إلاّ بتنمية ثقافية واجتماعية فيها مقومات الاستمرار.

أما في الوقت الراهن، وإذ تتخلى الدولة عن مسؤولياتها، فإني أرى أن على القوى المدنية أن تتولى قيادة تلك العملية التاريخية، عليها التحدث والعمل من أجل القضايا المرتبطة بعلمانية الدولة، ومناهضة العصبوية والطائفية، وفصل الدين عن الدولة، ومن أجل سيادة القانون التي تقتضي الضرورة أن يكون قانوناً مدنياً، دون أن يكون قانون استثناء وطوارئ، قانونا مرتبطاً بتوسيع الحريات المدنية والسياسية، قانوناً مدنياً موضوعاً للبشر، ولا يدعي التحدث باسم الإرادة الإلهية، ولا ينتقص من المساواة التامة بين المواطنين ولا من حرياتهم الشخصية، ولا يملي على المرأة زياً لترتديه، أو يحدد بأية قدم يتوجب على المرء دخول المرحاض. القوى هذه موجودة في شتى بقاع الأرض، ولا أرى سبباً موجباً لكي نبقى استثناءً، أو لكيلا تكون لدينا حوامل اجتماعية لهكذا اتجاه ووجهة نظر. نحن جزء من عالم لا يبيح الانطواء، ورغم أني تحدثت مرارا عن طريق مسدود، فما من طريق مسدود بالمطلق. وبين هذه القوى تحالفات سياسية محددة دونما تنازلات إيديولوجية. والتنازل الإيديولوجي الأكبر هو ذاك المتمثل باستبطان التصور المانوي والانتحاري للسياسة الخاص بالإسلاميين وبتبني تصوراتهم عن المجتمع (تصور أن المجتمع إسلامي) وعن التاريخ.

[1] المقصود على الأرجح مقالة بعنوان: نقد العلمانية والديمقراطية، أو مشكلتا الدين والدولة، نشرت في موقع الأوان، وورد فيها كلام على “مؤسسة دينية إسلامية مستقلة، تضع حدا للتبعثر الديني، وتضمن للمسلمين مرجعية تنظم حياتهم الدينية، وتخفف الضغط على الدولة من أجل تنظيم شؤونهم”. أضيف برسم كلام لاحق للدكتور عزيز أني لم أقل أبدا إن السلطة الدينية المستقلة هي التي ستتولى إصلاح الدين. بالعكس، تصورت أن يكون قيامها بعدا جوهريا للإصلاح الديني الإسلامي ونتاجا له في الوقت نفسه، وإن كنت كذلك افترضت أن استقلالها ربما يساعد على اتخاذ قرارات صعبة لا مناص منها في مجال هيكلة التدين الإسلامي المعاصر..