حول كتاب (ارسطو في جبل سان ميشال) (3) لماذاغربت شمس العرب وأشرقت شمس الغرب ؟

{سان ميشال}

“هل سطعت شمس االله على الغرب حقا؟” تحت هذا العنوان الجميل كتب الأستاذ محمد الحاج سالم تعليقا نقديا حول مقال تطرّقت فيه لقضية سيلفان غوغنهايم والزوبعة التي أثارها كتابه ‘ أرسطو في جبل سان ميشال، الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية’ و كان تحت عنوان “هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء؟”

يكتب الناقد باديء ذي بدء أن النقاط التي طرحتها حول الكتاب لم تكن متعلقة حقيقة بمضمون الكتاب بقدرما كانت متعلّقة بموقف تعاطف مع صاحبه. ويضيف أنّ العرض كان دون ضابط من معرفة بالتاريخ ولا بأساليب العرض العلميّ الأمين للرأي والرأي المخالف. باختصارلا تستحقّ الورقة في نظرالأستاذ المصحّح أدنى علامة.

لكن كيف قرأ الأستاذ المقالة وهل كانت قراءته منهجية؟ من أين استنتج الأستاذ أنني رميت إلى عرض الكتاب والتطرّق إلى مضمونه؟ هل هو أسلوب علميّ في الطرح ذاك الذي يتخيّل أسئلة ويلوم الكاتب على عدم مناقشتها؟ هل من الأمانة أن يتّهمني الأستاذ بالتعاطف مع أفكارغوغنهايم في حين أنّني تعاطفت فقط مع حقّه في التعبير عن أفكاره ولا زلت متعاطفا ورافضا للعرائض في مجال العلم والثقافة ؟ لست أدري من أين استوحى فضيلة الأستاذ ذلك؟ ليس في مقالي انتصار واحد لغير الانتصار لحرية التعبير. لم يكن المقال يهدف إلى عرض أطروحة الكاتب ومناقشتها بقدرما كان يهدف إلى الحديث عن قضيّة حرية التعبير في فرنسا وعلاقتها بما يسمّى ‘إسلاموفوبيا’ والمد الأصوليّ في فرنسا ومحاولة الأصوليين للوقوف أمام أدنى نقد يوجه للإسلام في بلاد الحرية وكان كتاب غوغنهايم نموذجا في تحوّله إلى قضية إعلامية سياسية. لم أصدرأحكاما بل طرحت في المقال أكثر من 10 أسئلة وهو ما يشكل أكثرمن خمسين في المائة من النصّ. وقد أنهيت مقالتي بالتساؤل عن صمت المؤرّخين العرب وسبب تركهم مهمّة الدّفاع عن تاريخنا للآخرين أو كما يسمّيهم أخينا ‘العلماء الأجلاء’.

كتب صديقنا أنّني لم أفهم المسألة قط – وإن اعترف أنّ المقال قد حفزّه على قراءة مؤلّف غوغنهايم المثير للجدل – أتقبّل رأيه بكلّ روح رياضية ما دامت القضية نسبية بل ذاتية بدليل أنّ أستاذ التاريخ الوسيط بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجندوبة التونسية السيد الطاهرالمنصوري لم يقرأ ما كتبت بنفس طريقة السيد محمد الحاج سالم، وقد عبرعن ذلك في الحيز المخصّص للتعليقات، وتعميما للفائدة أشيرإلى ردّ الأستاذ الشيّق على كتاب غوغنهايم على صفحات (جورنال ريالتي . عدد31/07/إلى 06/08/2008).

أمّا قول الأستاذ بأنّني أستغلّ مساحة الحرية المتاحة لي على الموقع لسبّ ‘علماء أجلاّء’. فأوّلا لا أفهم كيلا أقول أستهجن معنى استخدامه كلمات مثل ‘استغلال مساحة الحرية المتاحة لي على الموقع’ وثانيا لست أدري أين عثرعلى السباب؟ هل حينما تساءلت: “لماذا نغضب عندما يقول صاحب الكتاب أنّ العربية لغة شعر وليس لغة مصطلح فلسفيّ إذا كانت الفلسفة محرّمة في دول الخليج وإذا كان تدريسها مهزلة في البلدان التي لا تحرّمها لحدّ الآن؟ أم عندما كتبت: ألا تعتبر عريضة الــ56 وما تلاها من ردود ضدّ أطروحة لها الحقّ في الوجود كباقي ما يطرح، بمثابة فتوى ضدّ المؤرّخ؟” وهي أطروحة ليست مرفوضة في كلّيتها:” قد أتّفق مع مقولات غوغنهايم جزئيا وأتّفق مع هونكه جزئيا..لكن تظلّ الحداثة الأوروبية براءة اختراع أوروبيّ (شئنا أم أبينا )”. هكذا علّق الأستاذ نادر قريط على المسألة. فهل نتّهمه بمعاداة الإسلام وبالجهل، هو المدقّق في تفاصيل التفاصيل وباعتراف السيد محمّد الحاج سالم ذاته؟ (أنظر تعليقه وردّ الأستاذ محمد الحاج سالم تحت نفس المقال)

كتب السيد محمد الحاج سالم أنّ أحد الأساتذة المشتغلين بالتاريخ الإسلاميّ بكلية العلوم الإنسانية بتونس قد عبّر عن امتعاضه من مقالي وتساءل إن لم يكن ينمّ عن “حقد مرضيّ” لكلّ ما يمتّ للإسلام دينا ثم حضارة بصلة، بل تعدّى “الأستاذ المشتغل بالتاريخ الإسلاميّ” المقالة حول غوغنهايم ليؤكّد أني لا أفرّق بين “مسلم” و”إسلاميّ” و”متأسلم” في مجمل مقالاتي. على خطورة التهمة فلا أمتعض منها كما امتعض صاحبها من مقالي لأنّها جاءت في صيغة تساؤل، وكلّ تساؤل بريء حتى يثبت العكس. لكنني أشيربسرعة أنّ هذه التهم لم تعد تعني شيئا، فقدت شرفها منذ زمان من كثرة ترديدها من قبل الأصوليين، فلا يرجى منها سوى القتل. اتهام المخالف بالمرض مورس دوما تحت الأنظمة الشمولية وإلى اليوم ففي برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية مثلا نقرأ أنّ السفيه ليس له الحقّ في الانتخاب وعندما نعرف أنّ كلّ من يعادي أفكارالجبهة يعتبرسفيها في رأي أنصارها نفهم كل شيء. أمّا بخصوص عدم تفريقي بين مسلم ومتأسلم وإسلاميّ، فأنا لا أفرق فعلا ذلك التفريق اللغويّ البائس الذي لا طائل منه. كما أجد صعوبة في الفصل الحاسم بينها لأنني لا أنظر إلى القضية نظرة استاتيكية، فالرابط هو واحد، لاالمتأسلم ولا الإسلاميّ من دين آخر، فهما مسلمان.

بما أنه رسول بيننا، أرجو من الأستاذ محمد الحاج سالم أن يطلب من الأستاذ المحترم أن يتفضل بوضع خط فاصل بين “مسلم” و”إسلاميّ” و”متأسلم”، وسأكون له من الشاكرين. يعطيني الأستاذ محمد الحاج سالم الحقّ مشكورا مطلق الحرية في أن أماثل بين “الحرية والفقه” وبين “العقلانية والخرافة” وبين “المصطلح الفلسفي والبسملة والحمدلة” ويغفر لي حتى اعتباري الواحد منها متعارضا مع الآخر أو بالأحرى ينتمي إلى ذات المجال. لئن كانت لا تنتمي إلى نفس المجال في حضارات أخرى، فهي إلى نفس المجال تنتمي في البلدان الإسلامية لسبب بسيط هو أنّ هناك مجالا واحدا مهيمنا هو الدين. يتصادم الفقه بالحرية في كلّ لحظة ويجد العقل نفسه محاصرا بكل ضروب الخرافات والخزعبلات في معظم بلداننا. أما الورع اللفظيّ فقد احتلّ كلّ المساحة ولم يترك للمصطلح الفلسفيّ إلا الزوايا.

يؤكّد الأستاذ في الأخيروجود نشاط تبشيريّ واسع في الجزائرويعتقد أنّ موقف أحمد طالب الإبراهيمي لا ينمّ عن حقد دينيّ، بل هو مطابق لموقف الحكومة الجزائرية وبذلك ينفي عنه وصف “المتأسلم” الوارد في نصّي. أودّ أن أقول للصديق الكريم أنّ قضية التبشير في الجزائر قد ضخّمت كثيرا لأسباب متعلّقة بأجندة السلطة في الجزائروهذا أمر يطول شرحه، فأنت تعلم أنّ الدولة لم تسمح للسيد طالب الإبراهيمي أن يكوّن حزبا سياسيا بدعوى أنه من الإسلاميين؟ وتعلم أيضا أنه كاد أن يكون مرشح الإسلاميين للرئاسيات في الجزائر؟ ولست ضدّ تكوينه لحزب سياسيّ ولا ضدّ ترشّحه للرئاسيات. لكنني لا أسمح لأحد أن يمنعني من مناقشة الإيدولوجيا التي يبني عليها مشروعه السياسيّ في الجزائر، كما لا يمكن لأحد أن يمحو من الذاكرة كيف قدّمت المدرسة الجزائرية هدية للأصولية من طرف السيد الإبراهيمي وأعوانه حينما كان متوزّرا على قطاع التربية والتعليم. ندّدت الصحف المستقلة وكلّ القوى الديمقراطية في الجزائر بتضخيم قضية التبشيرفي الجزائرودافعت عن حرية المعتقد. للأستاذ مصادره ولي مصادري، هو حرّ في الاعتماد على الحكومة الجزائرية وإعلامها الرسمي في تكوين رأيه في المسألة.

لكن حتى وإنّ سلمنا جدلا بوجود تبشير واسع النطاق كما يقول السيد الإبراهيمي وكلّ الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الإسلام، فأين المشكلة؟ هل الدولة مسؤولة عن وعي الناس ودواخلهم؟ هل وفّرت الأمن الغذائيّ كي تحاول توفيرأمن آخر؟ هل من العدل أن تحاكم شابّة جزائرية بالغة لأنها اختارت المسيحية دينا؟ لماذا نحرّم على غيرنا ما نجيزه لأنفسنا؟ ما الفرق بين الدّعوة والتبشير؟ ألا توجد في السعودية، على سبيل المثال، كليات كاملة مخصّصة لعلم الدعوة ؟

أليس إشباعا أسطوريا للنفس ذلك التغنّي بالماضي الذي يتمّ على حساب مواجهة أمورالحاضرعقلانيا؟ ألا ينبغي فتح علبة الأسئلة وسط واقع عام يتأسلم اجتماعيا ورمزيا وطقوسيا؟ لا مهمّة عاجلة غير النضال من أجل بديل حقوقيّ مدنيّ يطوّر حياة الإنسان العربي ويخلّصه من تحالف الأنظمة الفاشلة والتيارات الدينية الفاشية.

لا يفوتني أن أشكرالأستاذ على جهده في تبيان شروق شمس الله على الغرب لكنني أودّ أن أسال سؤالا آخرأراه شديد العلاقة بحاضرنا ومستقبلنا يمكن أن يناقشه المتخصّصون: إذا سلّمنا أنها سطعت يوما، هل يمكن أن تسطع شمس الله علينا وعلى الغرب ثانية؟