حين لا يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود!

لا أدري إن كان “العمّ بشير” (والذي يكنّى بـ”الأطرش” بسبب نقص كبير في السمع قالت زوجته أنّه من أثر لغم انفجر قريبا منه خلال الحرب العالمية الثانية) قد نسي برمجة منبّه الساعة لوقت السحور، أمّ أنّه بفعل إرهاق يوم كامل من العمل بالميناء غرق في نوم عميق تفوّق خلاله شخيره المدوّي على صوت منبّه الساعة فلم يوقظه، ولكن الثابت أنّه نهض مسرعا إلى المطبخ لأمر ما خصوصا واللّيلة كانت من من ليالي شهر رمضان الذي جاء في عز الصيف.

كان ذلك منذ سنوات.

قد يكون الشكّ تسرّب إلى ذهنه بفعل ضوء النهار الذي انتشر في أرجاء البيت. لعلّه تردّد قليلا أو تباطأ، لعلّه بفعل شيخوخته المبكّرة لم يعد قادرا على تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود أو لعلّ عقله الذي كان يقوده إلى شرب الماء قد أصدر أمرا مباغتا للعين بأن لا ترى سوى ما يؤكّد أن الأوان مناسب للسّحور.

ولغموض التركيبة البشرية وتداخل الوعي واللاّوعي فيها فإنّنا نسمح لأنفسنا بأن نقول أن “العمّ بشير” قد عاش لحظات نادرة يقوم فيها الوعي واللاّوعي أو الملاك والشيطان بعقد صفقة سريعة يتواطأ بموجبها كلاهما (من باب التعاطف والشفقة) على السماح للعم بشير العجوز بشرب الماء دون أن يعتبر الملاك ذلك ذنبا مقصودا أو يجعل منه الشيطان ذريعة لإغوائه بالإفطار كامل اليوم.

مع ذلك فإنّنا لا نستطيع أن نجزم بأنّه أسرع لشرب الماء فربّما قصد إلى غسل وجهه أو إلى أمر آخر لا نعلمه. نقول ذلك لأن من روى لنا هذه الحادثة ابنه “نبيل”. فحين سألناه عن سبب صياحه في ذلك الوقت المبكر من الصباح، قال أنّه نهض فجأة ورأى والده يهم بشرب الماء وقد أضاءت الشمس بأشعتها المكان. وخوفا على والده من أن يفطر عن غير قصد صاح محذّرا فما كان من الوالد سوى أن أهوى عليه بعصا غليظة، وكاد أن يهشّم رأسه لولا تدخل الوالدة وتوسلاتها له بالكف عنه.

لم ندخل بيت جارنا مع أنّنا نهضنا جميعا على صياح “نييل” ولم تستفسر أمّي عن الأمر ولا الوالد أيضا. لم يكن صديق طفولتنا “نبيل” جازما بأن والده أفطر عن غير قصد، وقد يكون رغبة منه في إبعاد تهمة الإفطار عن الوالد أو من أثر الضربات التي تتالت على رأسه قد نجحت في إرباكه، فلم يعد قادرا هو أيضا على تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود بحيث اختلط عليه الأمر فلم يعد متأكّدا من شيء خصوصا وأن الوالد قد أكد أنّه ضربه لتأخره في السهر وأن تناوله لمادّة مخدّرة جعلته غير قادر على تمييز ضوء المصباح البلدي من ضوء الشمس.

قد يسأل بعض القراء هل أفطر “العمّ بشير” أم لا، ولهؤلاء نقول أن شهادة نبيل لا يعتد بها لصغر سنّه في ذلك الوقت. ثانيا، في ذلك الوقت لم يكن هناك سوى “العمّ بشير” وخالقه وكما يقول المثل التونسي “ربي يعرف ميمونة وميمونة تعرف ربي”

نبيل هاجر بلا رجعة إلى ايطاليا. أمّا عم بشير الذي كان يتأفّف كثيرا من شهر رمضان فقد استجاب له خالقه عندما دعاه لأن يأخذه إلى جانبه قبل مجيء شهر رمضان، وفي ذلك دليل قوي على رحمة الربّ بعباده.

رحم اللّه عمّ بشير.