
“لم يسبق لفيلسوف أن قتل رجل دين. ولكنّ رجال الدّين قتلوا فلاسفة كثرًا.”
دينيس ديدرو
1. نمذجة خطاب العنف:
تستنكر حركة النّهضة ومشتقّاتها -أعني حزب المؤتمر والرّوابط- اتّهامها بالتورّط في جريمة اغتيال القائد شهيد العدالة والحريّة شكري بلعيد. واستنكارهم ذاك سببه اختزال الاغتيال في إطلاق رصاصات الغدر على الشّهيد. ولابدّ لي أن أسجّل أنّ هذا تسطيح وتمييع لا ينطلي إلاّ على الأتباع والمريدين فقط لأنّ المجرم القاتل مازال طليقا والكشف عنه بيد القضاء التّونسيّ والدّوليّ، بينما المسؤوليّة المتّهمة بها حركة النّهضة هي المسؤوليّة عن الاغتيال في مستوى الخطاب الذي درج عليه قادتها منذ فوزهم الأغلبيّ بانتخابات 23 أكتوبر التأسيسيّة.
فهم لم يستوعبوا فوزهم الأغلبيّ ولم يروه مسؤوليّة وطنيّة. فاستكانوا لإيهام الغلبة والفوز. ولم يقدّروا حجم المسؤوليّة الوطنيّة والإقليميّة والدّوليّة التي ألقاها شعب تونس الطيّب على عواتقهم. فدفعتهم إيهاماتهم إلى إنتاج مصطلحات شعبويّة سياسويّة فقهيّة عنيفة وترويجها بين مريديهم الذين تلقّوها وأوّلوها وحوّلوا أكثرها إلى ممارسة ميدانيّة.
لقد بادرت حركة النّهضة الإسلاميّة ذات الأغلبيّة بإنتاج خطاب العنف حين أنتجت مصطلحات وعبارات وتصريحات عنيفة من نوع: “جماعة الصّفر فاصل”، “الشّرعيّة الانتخابيّة تلغي الشّرعيّة الثّوريّة”، “جرحى الانتخابات”… و”الجيش والدّاخليّة والإعلام بيد العلمانيّين فيما لا نتحّكم سوى في وزارة الشؤون الدّينيّة” -راشد الغنّوشي- و”السلفيّون يذكّرونني بشبابي وهم يبشّرون بثقافة جديدة” -راشد الغنوشي- و”الحزب الفائز هو من يتولّى التّعيينات في مفاصل الدّولة” و”ليكن في علم الجميع؛ ما عادش عندنا ديڤاج” -حمّادي الجبالي- و”احمدوا ربّي ما عطيناش البوليسيّة الرّصاص الحيّ في مكان الرشّ” -حبيب اللّوز- و”حيثما حلّ الأستاذ شكري بلعيد انفجرت الاحتجاجات” -عليّ لعريّض- و”الجبهة الشعبيّة توزّع الأموال على المحتجّين في مناطق وجهات مختلفة” -حبيب اللّوز- و” شكري بلعيد يدّعي البطولة وهو من كان عميلا أمنيّا يحصل على المال من بن علي” -حبيب اللّوز- و”موتوا بغيظكم يا علمانيّين” -وجدي غنيم ضيف النّهضة مخاطبا مريديها- و”سنظلّ جاثمين على صدوركم سنة بعد أخرى ننتج دستورا عقب دستور حتى تقبلوا” -حبيب خضر- ونظريّة “التّدافع الاجتماعيّ” -راشد الغنّوشي- و”المعارضون تقطّع أوصالهم” -الصّادق شورو- و”هؤلاء خصومنا ونعرفهم ولكن لن نواجههم مباشرة لأنّ غايتنا أبناؤهم ونساؤهم وأحفادهم. نحن لا نرغب في هؤلاء، نحن نرغب في أبنائهم يا سيّدي الكريم. سنفرّق بينهم وبين أطفالهم”. -عبد الفتاح مورو مخاطبا وجدي غنيم- … إلخ
ولم تكن هذه المنتجات الخِطابيّة العنيفة مخفاة، وإن كان بعضها قيل سرّا. ولكنّها انتشرت على العموم بعد أن أذيعت بين الأتباع والمريدين. ولم نسمع من منتجيها تردّدا ولا اعتذارا ولا نقدا ذاتيّا، بل إمعانا في الصلف والتّعالي والاستخفاف بالشّعب وبمعارضته الوطنيّة وبرموزه السّياسيّين والحداثيّين وبالدّولة ومؤسّساتها. ولم نرصد لأجهزة الدّولة حامية المواطنين نيّة للتّحرّك من أجل التتبّع والمساءلة والمقاضاة.
ولن أتحدّث هنا عن عنف الصّفحات الفايسبوكيّة الموالية لحركة النّهضة والتي تدعو جهارا إلى الذّبح والاغتيال ولا عن بعض المنتمين إلى الرّوابط الذين يمارسون العنف جهارا ويهدّدون حياة المناضلين المعارضين للنّهضة علنا، ولا عن غيرهم من المنحرفين الذين يعتدون على المتظاهرين وعلى الأملاك علنا أيضا في كلّ مناسبة لا تحضر فيها النّهضة. نشير فقط إلى أنّ هذا العنف الجماعيّ المنظّم لم يحدث قبل اعتلاء النّهضة سدّة الحكم. لقد كان الجميع يلتقون في شارع بورقيبة في حلقات نقاش لا تنتهي حول المسائل الخلافيّة. وكان الجميع آمنين على أنفسهم وعلى ممتلكاتهم رغم ضعف الدّولة وتعثّر أجهزتها.
ولابدّ من التّدقيق بأنّ افتتاح هذا العنف المنظّم تاريخَه في تونس رسميّا كان يوم 09 أفريل 2012 في حضن حكومة النّهضة الشّرعيّة. ولابدّ أن نتذكّر أنّ حركة النّهضة لم تشارك في تلك المظاهرة. ومن يومها، صار هذا العنف الجماعيّ المنظّم خبز المعارضين اليوميّ لا يستثني ندائيّا ولا جمهوريّا ولا مساريّا ولا جبهويّا ولا علمانيّا ولا حداثيّا ولا صحفيّا ولا سينمائيّا ولا مغنّيا ولا مبدعا. وتبقى حركة النّهضة محصّنة محروسة سليمة معافاة من هذا العنف دون سواها!! وكان الشّهيد شكري بلعيد من أكبر المتفطّنين لهذا الخطر. فاقترح عقد مؤتمر وطنيّ ضدّ العنف.
2. العنف استراتيجيّة ميدانيّة لمحاربة العلمانيّة:
إنّ الخطاب السّياسيّ الصّادر عن الحزب الحاكم وعن مسؤوليه في الدّولة المشحونَ بالعنف السّياسيّ شرّع للعنف الاجتماعيّ تحت أعين أجهزة الدّولة التي تتحكّم فيها حركة النّهضة الحاكمة. وقد عمل حزب حركة النّهضة الحاكم على شنّ حرب شعواء على مفتاح الصّراع المدنيّ على السّلطة في تونس؛ أقصد العلمانيّة. واغتيال شكري بلعيد يدخل في هذا الإطار. فخطاب محاربة العلمانيّة وجعلها صنوا للشّرك والإلحاد هي مغالطة مقصودة لأنّ حركة النّهضة تعلم جيّدا الفرق بين العلمانيّة وبين الكفر والإلحاد! ولكنّها تخفي علمها بذلك الفرق عن منتسبيها والمنتمين إليها ربّما لأنّها تراهم غير مؤهّلين لذلك العمق، فيما تكتفي بدفعهم إلى محاربة العلمانيّة والعلمانيّين تحت شعار “الإسلام في خطر”.
إنّ محاربة العلمانيّة والحرص على تصويرها صنوا للكفر والإلحاد ولّد تداخلا في مستوى الخطاب بين الدّينيّ الفقهيّ، من جهة، وبين السياسيّ، من جهة ثانية. وهذا التّداخل أدّى إلى ممارسة سياسيّة غير مدنيّة استدرجت الدّين إلى السّاحة السّياسيّة وجرّت السّياسة إلى مقرّ العبادة الدّينيّة. ولم تكن الأطراف الحداثيّة العلمانيّة سببا في هذه الفوضى المدمّرة، وإنّما الأطراف السّياسيّة ذات المرجعيّة الدّينيّة، هي التي كانت تعادي العلمانيّة وتدفع المجتمع إلى الخروج من المدنيّة ودولة القانون والحقوق والواجبات إلى مجتمع الجماعة العموديّ ودولة السّمع والطّاعة.
لقد أصرّت حركة النّهضة على إجبار الدّين على أن يلعب دورا سياسيّا لفائدتها هي الطّرف السّياسيّ المتأسلم الذي عجز عن الحوار المدنيّ وعن إنتاج مشروع سياسيّ مدنيّ ديمقراطيّ حداثيّ معاصر لاسيّما بعد تبيّن خواء خطّة الاقتداء بالنّموذج التّركي الذي كان قد نجح في ترويض الإسلام والعلمانيّة وفي عصرنتهما ودفعهما إلى التّنازل والتّقارب. وكسِب من وراء ذلك تعايشهما سلميّا ممّا أثرى المدنيّة التّركيّة ودعّمها.
وفي حوار أخير مع راشد الغنوشي، بعد اغتيال الشّهيد الرّمز شكري بلعيد، تحدّث رئيس حركة النّهضة عن الخلاف بين الإسلاميّين والحداثيّين. وهو ما يعني أمرين:
– الأوّل: إمعانه في خطاب شقّ التّونسيّين صنفين مختلفين متدافعين.
– الثّاني: إقراره بأنّ الإسلاميّين غير حداثيّين، يعني أنّهم سلفيّون. وما ربطات الأعناق والبدلات الإفرنجيّة (رمز الحداثة في مستوى المظهر) إلاّ للتّمويه المرحليّ حتى يحين الوقت لإسدال اللّحى وشحن الملاءات والسّراويل الأفغانيّة.
لقد رفعت حركة النّهضة الإسلاميّة التّونسيّة النّموذج التّركي شعارا وهي تضمر النّموذج الإماميّ الإيراني. ودليلنا على ذلك هو مؤسّسات هذا الحزب/ الحركة وأجهزته التّنظيميّة المنقسمة بين مجلس شورى فقهيّ دعويّ وبين مكتب تنفيذيّ سياسيّ. فيما تعود سلطة الحركة إلى رئيسها لا إلى رئيس مجلس شورى الحركة ولا إلى الأمين العام للمكتب التّنفيذيّ للحزب1. لكنّ الحركة فقدت النّموذجين التّركي والإيراني لتجد نفسها غارقة في النّموذج الأفغانيّ الجهاديّ المعادي للمدنيّة والعلم والحضارة والفنّ! ويبدو أنّ الحركة استطابت هذا النّموذج فشجّعت عليه.
وبعد فشل مشاريع حركة النّهضة المعلنة والخفيّة، اتّكأت على بردة الدّين الحارقة فخلقت منها خطابها ومشروعها وحجاجها مع الخصوم. وشرّعت لنفسها ما منعته عن غيرها. وهو ما يعني، في نهاية التّحليل، أنّ حركة النّهضة لا تتدرّب على الدّيمقراطيّة كما تروّج وإنّما تتمرّن على الاستبداد؛ وأيّ استبداد… استبداد الأصول والحدود والطّاعة!
إنّ رفض العلمانيّة ومحاربتها ليست ممارسة فقط بل هوس استبدّ بخطاب حركة النّهضة. وقد تجلّى هذا الهوس في احتلال المساجد وتوظيفها في خطب سياسيّة وتحريض أئمّتها على ممارسة السّياسة بإنتاج خطاب معادٍ لخصوم النّهضة بل محرّض عليهم بل دفع الأئمّة إلى الشّارع لمساندة حكومة النّهضة والتّشهير بخصومها السّياسيّين وشركائها الاجتماعيّين. ولا تخلو هذه الخطابات من انفعالات ومشاعر تأثّر كثيرا ما تشحن بالدّعاء على الخصوم والبكاء من “شرّهم” على الإسلام. وكم من دمعة تحوّلت إلى قطرة دم!
3. إجبار الدّين على لعب دور سياسيّ لفائدة حركة النّهضة:
لم يكتف النّهضويّون القياديّون في حركة النّهضة بتوظيف المساجد سياسيّا. وإنّما تورّط في ذلك مسؤولون منهم ممّن تقلّدوا مناصب في الدّولة أو ممّن صاروا نوّابا منتخبين مسؤولين عن التّشريع للشّعب التّونسيّ. ولكنّ أغلب النّهضويّين من قياديّين حزبيّين أو من مسؤولين حكوميّين تغلب عليهم صفة الفقيه وتَضمُر فيهم صفة السّياسيّ. ففسدت فيهما الصّفتان! فبأيّ شرعيّة يحتكر النّهضويّون مؤسّسات الشّعب التّونسيّ للتّحريض على الحداثيّين والعلمانيّين منهم؟ أين المدنيّة في ممارستهم؟ أين الدّيمقراطيّة التي يلوكونها شعارا مُرّا في أفواههم؟ بل أين العدل؟
العدل أن يتولّى الخصوم الردّ عليهم على نفس المنابر أو أن يمتنعوا من استغلال المنابر المدنيّة. فتكون لهم المنابر الدّينيّة باعتبارهم يحملون مرجعيّة دينيّة وتكون للمدنيّين المنابر المدنيّة. العدل أن يكفّوا عن استغلال المساجد أو أن يستغلّ المدنيّون دونهم كلّ الفضاءات المدنيّة التي يرتادها النّاس. أمّا أن يحتلّوا المساجد وأن يحتكروها ليبثّوا فيها خطابا تحريضيّا مستغلّين العاطفة الدّينيّة للمتديّنين من عامّة النّاس المفتقرين لحصانة الوعي الفكريّ النّقديّ وأن يشاركوا المدنيّين الفضاءات المدنيّة بل يحاولون منعهم منها بالتّحريض على اجتماعاتهم2 خفية وجهارا فهذا ظلم تمارسه السّلطة المتحكّمة في الدّولة.
لقد مارس النّهضويّ دور السّياسيّ والمسؤول الحكوميّ والفقيه المفتي والإمام الخطيب في الوقت نفسه منتشيا بصيحات التّكبير من حوله، مارسها بصفته السّياسيّة مستكينا لصورة الضحيّة المناضل في سبيل الله التي رسمها النهضويّون لأنفسهم والتي اتّكأوا عليها لتبرير خطابهم التحريضيّ العنفيّ المجيّش المحفّز على الاغتيال. وفي المقابل لم يعتلِ مدنيّ واحد ولا علمانيّ واحد ولا حداثيّ واحد منصّة مسجد للخطبة الدينيّة ولا السياسيّة! بل إنّ المسؤول النهضويّ يقيل الإمام الخطيب مؤقّتا ليلقي خطبته السياسيّة المشحونة التي تستلب ألباب جماهير المؤمنين “الغيورين” على دينهم. فيرتكب بذلك خطرين اجتماعيّين: الأوّل دمغجة المصلّين وتجييشهم واستقطابهم سياسيّا، والثّاني رسم معالم الخطبة للإمام فلم يعد المصلّون المجيّشون يرضون بأقلّ ممّا استمعوا إليه من السّياسيّ الإمام.
فأن يتوجّه إلى المنتمي المتديّن المستلب خطابٌ عاطفيّ مجيّش يظهر فيه الإسلام في خطر، وأن يُدعى هذا المنتمي لحماية دينه ونصرة رسوله ضدّ أفراد يسمّون بالاسم ويدعى للقصاص منهم لأنّهم ضدّ الشّرع والشرعيّة ولأنّهم علمانيّون ضدّ الإسلام ولأنّهم حداثيّون تغريبيّون ضدّ السّلف الصّالح، فماذا يبقى؟ سيبقى أن يدير المحرِّضون ظهورهم حتّى لا يروا من فاز بشرف الضّغط على الزّناد. هذه هي المسؤوليّة الجنائيّة التي يتحمّلها المحرّضون والتي يجب أن يقاضوا بسببها.
إنّ اتّهام النّهضة بفتح أبوابها أمام المهمّشين من المقصين والجانحين لا أتّفق معه. بل لا أرى في ذلك تهمة أصلا، وإنّما أعتبر ذلك من أدوارها وأدوار كلّ الأحزاب. بقي لابدّ من التّنبيه إلى أنّ الاحتواء وجب أن يكون للتّأطير والتقويم خدمة للمجتمع. أمّا الاحتواء للتّجييش والتّوظيف والشّحن ضدّ الخصوم والمعارضين فهذا هو الخطأ الذي ارتكبته النّهضة.
4. استلاب الطّبقات الفقيرة:
لابدّ من الإشارة إلى أنّ حادثة اغتيال الرّفيق الشّهيد القائد شكري بلعيد كشفت عن تحوّلات في عمق الخطاب لابدّ من متابعتها ومناقشتها. فالخطاب السياسيّ شهد تحوّلا في مستوى المصطلح وجب أن يتلوه تحوّل في مستوى الضّبط المعجميّ. أقصد أنّ مصطلح البروليتاريا، مثلا، يشهد تحوّلا في دلالاته بفعل تدخّل العامل الدّينيّ الحاسم في تعطيل التّأسيس للعلمانيّة. إنّ هذه المسألة دقيقة جدّا تكاد لا تُرى ولا تُدرك. وتحتاج إلى تأنٍّ وتدقيق.
سأضرب لذلك مثل مصطلح البروليتاريا3. فإنّه بقي غائما في الأدبيّات اليساريّة العربيّة لاسيّما في تونس. ولم يكن مصطلحا مهمّا في تأسيس الفكر الاشتراكيّ الثّوريّ. والسّبب ناتج في نظري عن منافسة الخطاب الدّينيّ للخطاب العمّالي البروليتاريّ. فلقد تحالف رأس المال مع الخطاب الدّينيّ لاستثمار الدّين في تهفيت الصّراع الاجتماعيّ بينه وبين الطّبقة العاملة عبر توظيف مفاهيم العبادة وتأجيل الأجر والمقابل إلى ما بعد الحياة. وهنا كان لمفهوم الثّواب دور مهمّ في خدمة الرّأسماليّة غير الوطنيّة المنتهِكة لحقوق العمّال.
إنّ هذه الجماهير التي كانت مستلبة في عهد الاستبداد كانت تركن إلى الوعد الأخرويّ بالفوز الفردوسي. وبعد أن حرّرتها نخبها الشبابيّة من الاستبداد وسلّمت هذه النّخب السّلطة إلى أصحاب خطاب الوعد الآخرويّ بموجب ممارسة انتخابيّة ديمقراطيّة، تحرّكت في هذه الجماهير المستلبة التي كانت معدودة في صنف البروليتاريا انتهازيّةُ الفوز باللذّتين الدنيويّةِ والآخرويّةِ. ولابدّ أن نذكّر بأنّ هذه الجماهير لا تخلو من انتهازيّة بحكم انتمائها الطبقيّ المسحوق الذي أحسن توظيفه أصحاب السّلطة مالكو مفاتيح السّماء ثمّ مفاتيح الأرض منذ الانتخابات. ومن هنا بدأ خطر تحويل مفهوم البروليتاريا لإعداد الجماهير للانقلاب على مراجعها العمّاليّة الثّوريّة.
لقد تعرّضت البروليتاريا إلى تحويل وجهة باستلالها من جذورها العمّاليّة وتجييشها لصالح الإيديولوجيا الإسلاميّة من خلال دمغجتها بورقة الشرعيّتين الدّينيّة والانتخابيّة الدنيويّة يعني بمفاتيح السّماء والأرض. هكذا نجد أنفسنا أمام خطاب قروسطيّ جاءت فلسفة الأنوار لفضحه وتدميره باعتبار تعاليه وأوهامه الإلهيّة وهو خطاب الحقّ الإلهيّ في السّلطة. ولنا أن نعود إلى موسوعة ديدرو الفلسفيّة لنرى أنّ الحداثة الغربيّة حسمت أمرها منذ قرون مع مفاهيم السّلطة والمدنيّة، فيما يجبرنا الإسلام السّياسيّ الذي تسلّم ثمرة الثّورات الشّعبيّة العربيّة على النّكوص قرونا إلى الوراء في مستويي المجتمع وتنظيمه والسّلطة والدّولة وإدارتهما.
وفي المحصّلة، تحوّلت البروليتاريا من جماهير عاملة4 إلى “إخوة” يخضعون للجماعة لا يناقشون ولا يجادلون ولا يقاومون. وتحوّل مصطلح “أخ” إلى مصطلح شعبيّ شائع بين الجماهير المستلبة دينيّا لا يدلّ على القرابة العائليّة الدّمويّة وإنّما على الانتماء الإيديولوجيّ الإسلاميّ النّهضويّ أو السّلفيّ، بينما كان النّاس يدعون بعضهم بعضا بمصطلح شعبيّ “خويا” دون أدلجة ولا دلالة على الانتماء والهويّة. بل كان التّونسيّون يتنادون بهذه الصّفة متى كان المسمّى أو المنادى أخا شقيقا أو متى كان غير معروفا بالاسم أو غريبا أو مجهول الهويّة.
لقد صار الإخوة يطمئنّون إلى الفتاوى التي تشرّع لحياتهم. ويكتفون بها. ويعملون على تنفيذها طمعا في الرّضاء العاجل والثّواب الآجل. هكذا نجح الخطاب التحريضيّ المسجديّ في استلاب الطبقة العاملة وفي تحريضها على مراجعها العمّاليّة وأحضانها الاشتراكيّة. وإلاّ من أين طلعت جماهير الأفّاقين واللصوص والمجرمين المعتدين على الحاضرين وممتلكاتهم في جنازة الشهيد؟ ومن أين طلعت تلك الجماهير الحاقدة على كلّ تظاهرات المعارضين للحكومة أو لحركة النهضة؟ إنّ مكان هذه الجماهير هو في الجمعيّات والأحزاب المدنيّة تؤطّرها وتثقّفها وتملأها بالوطنيّة وبقيم التّعايش وبثقافة الحقّ والواجب. أمّا استغلال اندفاعها وجهلها بحقوقها المدنيّة وفقرها وعوزها بشراء ذممها وتأجيرها للاعتداء على المدنيّة وعلى الخصوم والمبدعين والعلمانيّين فجرم يجب أن يقاضى مرتكبوه.
ولنفترض جدلا أنّ النّهضة للمتديّنين دون سواهم فمن أين طلع غير المتديّنين بل المنحرفون الذين يحترفون تعنيف خصومها باستمرار وتعنيف الإعلاميّين والمبدعين وتهديد حياتهم؟ ولماذا لا يعنّفون إلاّ خصوم النّهضة؟ هل يفعلون ذلك تطوّعا بمحض إرادتهم؟ وإذا كانوا كذلك لماذا لا تتصدّى لهم أجهزة الدّولة؟ أليس من واجب الدّولة أن تحمي مواطنيها بعد أن احتكرت القوّة واحتكرت استعمالها ومنعت المواطنين من حمل السّلاح للدّفاع عن أنفسهم؟ فلماذا ترى مِن بين المواطنين مَن يحمل السّلاح ولا تنهره ولا تمنعه من أن يعتدي به على غيره ولا تعاقبه؟ هل وقعت الدّولة في أسر الحزب صاحب السّلطة؟ فصار هذا المتسلّط الشرعيّ يحتكر الدّولة فيهب خدماتها لشقّ من المواطنين ويمنعها عن شقّ آخر رغم أنّ الجميع من دافعي الضّرائب؟ هل يعني ذلك أنّ الدّولة التّونسيّة قد خضعت لخطاب التقسيم الثنائي الذي درج على ترديده راشد الغنّوشي؟ هل انحازت الدّولة نهائيّا لشقّ المنتمين لجماعة صاحب الخطاب على حساب غير المنتمين لجماعته؟
لقد طلع المعتدون جميعا من الأحياء الشعبيّة التي تستوطنها البروليتاريا المسحوقة والتي ناضل من أجلها شكري ورفاقه ومازالوا يناضلون بعده. لقد جاؤوا من المهن الهامشيّة المتروكة المهملة من قبل الدّولة ومؤسّساتها الاجتماعيّة (الضّمان الاجتماعيّ والحيطة الاجتماعيّة والتّقاعد وغيرها). وما الثّمن الذي يمكن أن يُدفع لها لتنجز المهمّة؟ وما هي الضّمانات التي تلقّتها هذه الجماهير وهي تواجه الأمن وتعلم أنّها يمكن أن تقع في قبضته بسهولة؟ إنّ من فعلوا ذلك جهارا وبوجوه مكشوفة وكلّ وسائل الإعلام تصوّر وتنقل يمكن أن يكونوا مستلبين مجيّشين منفّذين لدعاوى النّصرة. ويمكن أن يكونوا مجرمين مأجورين. وهم يحملون حجرا وهراوة وسكّينا وسيفا. وهم خارجون على القانون. وهم ليسوا ضمانة للحريّات وللانتقال الدّيمقراطيّ. والسّكوت عليهم تواطؤ وتشجيع ومكافأة لهم. ويمكن أن يوجد بينهم من يضغط على الزّناد. ويغتال مناضلا وطنيّا. ويحرم الوطن من قائد رمز مدنيّ ميدانيّ شعبيّ حداثيّ ديمقراطيّ. فييتّم طفلتين ويرمّل سيّدة حرّة تونسيّة ويدمي قلوب أبناء شعب عصيّ على الاستلاب والدّمغجة الدينيّين.
إنّ حدث اغتيال الشّهيد الوطنيّ شكري بلعيد عفّن الأزمة الاقتصاديّة وزاد عليها أزمة أمنيّة وأزمة اجتماعيّة وأزمة تربويّة وأزمة أخلاقيّة وأزمة سياسيّة وأزمة دستوريّة وأزمة بلاغة وأزمة خطاب. ومن أنتج خطاب العنف هو الطرف الحزبيّ الماسك بتلابيب الدّولة. وهو من روّجه بين مريديه وأتباعه. وهو من مارسه على الأرض في أكثر من مناسبة. وهو من وظّف بعض أجهزة الدولة لترويجه. وهو من عطّل أجهزة أخرى للدولة حتى لا تتصدّى للعنف. لا مواربة في ذلك. إنّ خطاب العنف هو من اغتال الشّهيد شكري بلعيد، فمن الخطاب ما قتل!
الهوامش:
1. راجع مقالي: “آفاق حركة النهضة الإسلاميّة في الحياة السياسيّة التونسيّة المعاصرة”، 3 تموز/ يوليو 2011، مجلّة الأوان الإلكترونيّة، فقد فصّلت رأيي في تنظّم حزب حركة النهضة وبيّنت مخاطره، الرّابط:
http://www.alawan.org/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9.html
2. آخر من تعرّض للعنف الاجتماعيّ المتمثّل في المنع من عقد الاجتماعات الشعبيّة كان الشهيد شكري بلعيد أثناء عقد مؤتمر حزبه حزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد في مدينة الكاف شمال غرب العاصمة تونس، يوم السبت 2 فيفري/ شباط 2013، قبل اغتياله بأربعة أيّام.
3. البروليتاريا بمعنى الطبقة العاملة التي تُعدّ أداة الإنتاج الأساسيّة التي تراكم رأسمال البورجوازيّة وثروتها والتي تحرم من نصيبها في الثروة التي تنتجها. وهي في الأصل تناضل من أجل تعديل قوانين العمل الجائرة التي يفرضها رأس المال عليها.
4. جماهير عاملة لها قوّة العدد تقاوم الاستغلال الرأسماليّ من أجل حقوقها المدنيّة والاجتماعيّة تساندها في ذلك نخب فكريّة اشتراكيّة تؤمن بالعدالة الاجتماعيّة وبالعدل في تقسيم الثورة وبدولة المؤسّسات.