خليل صويلح في ” دع عنك لومي “- ملحمة ضياع المثقف الحداثوي

شاع عن فنّي الرواية والقصة السوريتين، منذ منتصف القرن الماضي، الميل المزمن إلى الترميز، والإغراق في لعبة ” التقية الأدبية ” كتقنية أجادها ويجيدها السوريون، كما يجيدها عامّة الكتاب والأدباء العرب، وإن يكن بدرجة أقلّ، إلى الحدّ الذي أمكنهم فيه من السّير وسط حقول مزروعة بالألغام، بخطوات حذرة، ورقيب داخليّ يحذف ويضيف، مخففاً عن الرقيب الخارجيّ الرسميّ الكثير من أعباء عمله.

في روايته الثالثة المعنونة ” دع عنك لومي ” الصادرة عن دار الآداب عام 2006 يتصدّى الأديب السّوري خليل صويلح، وفي مكاشفة غير مسبوقة، لتشريح مجتمع – أو عرض مقطع طولي عميق من مجتمع – قلما تمّ التعرّض له، هو ” مجتمع المثقفين الشوام ” أو الشلل الثقافية في العاصمة السورية دمشق، متعرّضاً فيها لأدقّ التفاصيل الحياتية لأبطاله ( شبه المارقين. الفقراء. الذين يرتادون المقاهي ويدمنون الخمرة والرغبة في المرأة والجنس. ويكشف بعضهم عن لصوصية مادية وثقافية – أدبية ).

ثمّة شلّة نموذجية، يدعوها الكاتب بـ ” شلة الثعالب “، يمتح من حوارات وأفعال شخوصها من أجل بناء روايته والسير بها حتى النهاية، يقصّ الراوي في ص 29 بداية تعرّفه على هذه الشلة، واختلاطه بهم:

( كنوع شائع من الضجر التاريخي، والتمرد على أيام متشابهة، وأيضاً كعلاج لكآبة طويلة … قررت أن أجرب حياة أخرى، لا تخلو من العبث والبوهيمية، وفي حقيقة الأمر، كانت مائدة شلة الثعالب في مطعم ” الكهف ” هي الاقتراح الأوّل الذي خطر في بالي، متجاوزاً عن قصد، المسافة التي تفصلني عنهم . )

ثم يخبرنا وبغير ترتيب سابق أنّ هذه الشلّة تتألف من:

– عماد معصراني: الكذاب، التابع لسمير شكري، الدخيل على الشلة، صديق كريستين الفرنسية التي ضاجعها ثم نبش حقيبتها في الصباح وسرق منها مبلغ مائة يورو، والذي زعم مرةً، أو اعترف، أنه سطا على نصّ مسرحي كتبته ” حنان متولي ” صديقته المصرية.

– سمير شكري: الماكر، زير النساء الناجح، زعيم الهامشيين الذي يعتبر نفسه كابتن القصيدة الجديدة، وحارس مرماها من المتسللين. وما يدعم سطوته الشعرية، الصورة التي تجمعه بمحمود درويش في بهو فندق الشيراتون.

– أنس عزيز: المأخوذ بـ ” اللحظة الفلسفية ” والموصوف بـ ” ملك العادة السرية “، الذي يعترف بعد سيل من الغزوات الجنسية المتخيّلة أنه ” يخشى فعلاً، أن يكون قد فقد بصمات أصابعه من فرط ممارسة العادة السرية. ” ص 42

– ماهر غزال: القادم من دبي بحقيبة مليئة بالأكاذيب والادعاءات، والذي يدير موقعاً إلكترونياً هو ” حافة الهاوية ” ينشر فيه ما هب ودب لمن هب ودب.

وزيادة في التوضيح، يعيد الراوي توصيف هذه الشخصيات من جديد في ص 121 بناءً على أسماء كتب لفرويد، بما يتفق وبناء كل شخصية على الشكل التالي:

سمير شكري ” مقدمة في التحليل النفسي “

أنس عزيز ” ثلاث مقالات في نظرية الجنس “

عماد معصراني ” تفسير الأحلام “

ماهر غزال ” ما فوق مبدأ اللذة “

ثم هناك أيضاً :

منى جابر : القاصّة، القبيحة الأشبه بضفدعة، الشبقة، التي ترتّب الحواس ابتداءً من اللمس، وتتطرّف إلى الحدّ الذي تتخذ من جملة ” لكل جسد توقيع ” شعاراً لها، وتكشف فيه عن رغبتها الغريبة في مضاجعة أعمى .

أبو ليلى: الذي لا يجد لديه، وهو في آخر العمر، ما يفخر به سوى ادعاء معرفته بأقطاب الأدب في العالم العربي، ومشاركته الفعالة في تغسيل بعضهم ودفنه، بل وطموحه النهائي في تغسيل ” حنا مينة ” رغم أنه مسيحيّ، أي إنه باختصار، ( مغسّل موتى ) كما يرد وصفه على لسان أنس عزيز .

حسني حمام: دكتور الأدب العربي الجاهلي في جامعة ” جيزان “، أو إنه ( مجرد شخص فاشل ومحتال، كان يصطاد العجائز الثريات من واقع عمله كمعقب معاملات عقارية، على خلفية دراسته الثانوية التجارية ) ص 81

وبالطبع فإنّ لا شيء حول شخصيات الرواية وأحداثها يمكن أن يسمو فوق مستوى الشبهات والشكّ والتكذيب، كلّ رواية لحادثة يمكن أن تكون اختلاقاً، وكل بطولة يغلب أن تكون قفزة في الهواء، كل حركة يجوز أن تكون تصنّعاً، وكلّ قول ادّعاء. على أنّ كل ذلك في النهاية لا يعدو أن يكون جزءًا من لعبة مضاعفة، يلعبها الكاتب مع قرائه، ربّما ليوضّح بشكل مبالغ فيه، مدى انغماس مثل هذه الشلل الثقافية في حمأة الانحراف والتكاذب الواعي .

يضاف إلى هذه الشخصيات جميعها شخصية الروائي / الراوي الذي يقدّم نفسه، منذ بداية الرواية، كمتدخّل حياديّ تقتصر مهمته على المراقبة والسرد والتدوين، دون أن يتلوّث بأوحال الواقع الروائي الذي يرصده، رغم أنه جزء منه، وإن كان جزءًا غير فعّال.

يقدم صويلح كاريكاتيرات نموذجية، لا يهمّه فيها أشكالها الخارجية بقدر ما يهتم بصفاتها وعوالمها الداخلية الأكثر حميمية، إنه يعالجها من الداخل بأصابع جرّاح، إلى الدرجة التي يتدخل فيها بصفته الروائي / الراوي في أحلام أبطاله وتخيّلاتهم ( الجنسية على الأغلب ) في عملية تشريح كان لا بدّ أن يقوم بها أحد ما، ويكون موضوعها جسد الشباب السوري ممثل البنية الثقافية الفوقية الذي يتخذ من شعار ” مديح الكسل ” و” اليوم خمر وغداً خمر”، مرجعية عبثية يعبّر بها عن انطلاقه واختلافه وتمرده، لا على المؤسسة فحسب ولكن على العالم بأسره.

يعرّي الروائي – وهو ابن الجزيرة السورية – الجوّ الثقافي، العامّ والموبوء، الذي تعيشه العاصمة دمشق على أعتاب القرن الواحد والعشرين عبر توصيفه لحالات محددة من الضياع / التشتت / الانتهازية / انعدام القيم التقليدية لدى معظم شخصياتها – باستثناء الراوي طبعاً – وهو ما تحيل إليه التسميات المختارة بعناية للأشخاص والأمكنة ( حانة الكهف – شلة الثعالب – شلة الغربان – طاولة العشاء الأخير – مطعم المحاربون القدماء – … ) حتى يخيل إليك أنه قد عالج دفتر يومياته المدونة بلغة أدبية لم تغادر صغيرة ولا كبيرة، ولم يفعل أكثر من أنه غيّر أسماء الأشخاص والأمكنة تجنباً للمساءلة والزعل، على عادة جبرا ابراهيم جبرا في بعض رواياته، وقد كانت النتيجة موفّقة بالفعل إن لم نقل باهرة.

يتحرك أبطال الرواية في فضاء واحد، متعدد المستويات، هو فضاء الحانات ( هناك بشكل أساسي حانة – الكهف – ومائدتا الثعالب والعشاء الأخير ) والبارات والمقاهي الشامية التي جرى العرف أنها ملتقى المثقفين، أو بتعبير أدقّ، ميدان الصيد الرئيسي لتجمع المثقفين، الذين يلعن واحدهم المثاليات والثقافة والحظّ، إذا فرغ من سهرته وعاد إلى غرفته المستأجرة دون أن يكون بصحبته ثريّ عربيّ ( تسميه الرواية خروفاً )، أو امرأة ما ( تسميها الرواية نصاً ) ينهي معها الساعات الأخيرة من الليل، وبتعبير الرواية ” يضع توقيعه عليها “.

ينتقد صويلح بعض المظاهر السلبية، ويتفنّن في إطلاق التسميات عليها ( الخواء الثقافي – الاستمناء الثقافي – البلاغة الجوفاء … ) لا سيما حين تتمكن هذه المظاهر من أصحابها متحوّلة إلى ركن أساسي في تكوينهم، كما حدث لأنس عزيز، يقول سمير شكري ملقّناً أنس عزيز درساً في فنون الحبّ العصري:

” من المؤسف أن أشرح مثل هذه الأمور لرجل مثلك، في الأربعين وأصلع أيضاً، وفيلسوف ثالثاً. حين تقابل امرأة، عليك أن تضع ايكو وفوكو على الرفّ. الفلسفة تعطل الحبّ، اهتم بثقافة الكراجات، استفد من خبرتك كسائق أجرة: متى تغيّر السرعة، كيف تتراجع إلى الخلف، كيف تعبر منعطفاً بسلام، احذر الحفر ” ص 101

بالنسبة إلى شلة الثعالب، فإنّ أية امرأة هي مشروع ليلة ساخنة في الفراش، أو ” حلقة بحث ” وأيّ صديق جديد ينضمّ إلى الشلة هو مشروع فاتورة مدفوعة في البار وأجرة مدفوعة للتاكسي، وبتعبير الرواية ” طابع أجرة التاكسي “.

تحت عنوان فرعي هو ( صهيل دوت كوم )، بكلّ ما يحمل العنوان نفسه من مفارقة رعوية / إلكترونية، يجرّ ماهر غزال قدم ثريّ عربيّ، هو الشيخ سالم، إلى فخاخ شلة الثعالب، موحياً للشلة أنّ الشيخ سالم ليس خروفاً سميناً فحسب، بل كبش حقيقي. وعلى الفور تتأقلم شلة الثعالب ( الحرباوات هنا وصف أدقّ ) مع الطارئ الجديد:

( كان إبحار الثعالب يسير وفق اتجاه الريح التي يسيّرها الشيخ سالم، فهم بعد أن اخترعوا أسماء قبائل مرموقة، ينتمون إليها، تناسوا ألقابهم الحقيقية، تبعاً للتطورات اللاحقة، فقد كانت القنبلة التي فجّرها ماهر غزال، صوتية، وذات تأثير فعال، عندما أعلن أنّ الشيخ سالم ينوي إصدار مجلة إلكترونية تهتمّ باستعادة القيم الأصيلة للأجداد.

على طريقة سمير شكري، أعلنوا على الفور طيّ صفحة الحداثة وما بعدها ” أثبتت فشلها الذريع كنسق معرفي طارئ على نصّ أصيل ومتجذر – أنس عزيز – ” وفتح صفحة الأصالة بوصفهم محرّرين الكترونيين في مجلة ” الصهيل “، وهو الاسم الذي وافق عليه الشيخ سالم بعد نقاش مرتجل. هكذا تشكّلت هيئة تحرير ميدانية من سمير شكري ( الشمري )، وعماد معصراني ( العنزي )، ثم اخترعوا لأنس عزيز سلالة هلالية، بناءً على رحلة وهمية قام بها جدّه الأوّل عبر الهلال الخصيب، فصار اسمه أنس عزيز ( الهلالي ) ص124.

وكل شيء يمكن أن يتحوّل حسب الحاجة إلى بضاعة قابلة للبيع والشراء والمساومة وفق قوانين السوق، وبتعبير آخر، فإنّ أعتى حصون الثقافة وقلاع المبادئ لا تصمد أمام هجوم مركز بأسلحة المال أو الجنس.

ليست لدينا أيّة فكرة عن ماضي هذه الشخصيات أو طفولتها، ما عدا ملمح بسيط معبّر عن طفولة أنس عزيز، وكأنّه الوحيد الذي استسهل الكاتب النفاذ إلى عقدته عبر استدعاء حادثة تقليدية تركت أثراً في ذاكرته الطفولية، يقول في ص 102: ” وفيما يشبه النوستالجيا، إلى طفولة بعيدة، استعاد سنواته الأولى في الأزقة القريبة، عندما كان يتردّد إلى حمام البكري في موعد أسبوعي، وضغطت على ذاكرته صورة أخرى لامرأة بدينة كانت تداعبه في فناء خان مهجور … ” .

والوحيدة هي ” منى جابر ” التي يقول عنها في ص 138 ” فهي من النادر أن تحلق عالياً، بسبب من كآبة تاريخية طاردتها، في عائلة محطمة: أب مخمور وأمّ خاسرة في المبارزة اليومية، بمعنى أنها سليلة جنس الندم، بحسب ما قالته في هذياناتها.. ”

أمّا أقطاب شلة الثعالب، أبطال الرواية الأساسيون، فلا نعرف شيئاً عن ماضيهم البعيد، أي إنّنا شهدنا مصباتهم وجهلنا منابعهم رغم أن الخصوبة العالية التي يحتوي عليها الواقع الروائي المقتنص بذكاء، والوقائع النفسية عالية الجودة التي تحدث خلال هذا التناسج الاجتماعي، تستحق أن يريق الكاتب ـ أيّ كاتب ـ من أجلها أضعاف ما أراق صويلح – مشكوراً – وإن كان لهذا الابتسار من فضيلة، فهي أن الرواية جاءت عبارة عن مقاطع قصيرة متلاحقة، تبعد شبح الملل الذي يراودنا كلّما سمعنا بكلمة ” رواية “، مترابطة على حلقات يكمل بعضها الآخر على شكل يوميات وأحياناً ” ليليات “. بل إنك قد تعثر في بعض المواقع على مقطع صغير يمكنك اجتزاؤه واعتباره قصة قصيرة جداً قائمة بذاتها، كما في المقطع الجميل التالي:

( الشريط الذي كانت تعرضه قناة الأفلام، في هذا الوقت، وليمة قتل كاملة، كانت تدور في فندق ريفي، حتى أن صوت الرصاص بدا مثل أوركسترا مجنونة، مما استدعى إحدى النزيلات الهلعات أن تقول لشريكها في الغرفة :

– هل هذا صوت رصاص؟ أجابها وهو يعانقها:

– لا … إنه تلفزيون أحدهم !) ص 8

وفي لقطة أخرى:

( قلتُ : – رائحة عطرك تجعلني أرتجف.

ضحكتْ بصوت عال، وقالت:

– لكنني لم أضع عطراً هذا اليوم ؟!

– رائحة جسدك أقوى من رائحة أيّ عطر آخر .) ص 11

تحتوي الرواية على لقطات سينمائية طريفة وأصيلة، وهي كثيرة ومتناثرة في أنحاء النص، تخلق تناغماً جميلاً ومحكماً بين السيناريو والحوار، وتشي بالعين السينمائية التي جعلت من الكتاب آلة تصوير ترصد بها حياةً بأسرها عبر بعض التفاصيل القليلة الموحية، سنقتبس من هذه اللقطات:

( وبحركة مباغتة، أمسكت يدها، وكتبتُ على باطن كفها رقم غرفتي في الفندق 1109 ) ص 10

( في المصعد، أهديتها أطول قبلة في العالم، إذ استهلكنا فترة الصعود إلى الطبقة الحادية عشرة، من دون توقف ) ص 10

( تناول عماد معصراني سيجارة من علبة أنس عزيز في غمرة خطابه المتصاعد، بعد أن خبّأ ما تبقى من سجائره: أوافقك تماماً أننا نعيش لحظة فلسفية بامتياز ) ص 45

الإشارات السياسية في ” دع عنك لومي ” :

يعثر القارئ في الصفحات ( 98 – 120 – 138 – 141 – 142 – 152 ) على إشارات سياسية متعدّدة، يشتمّ منها رائحة سخط ومعارضة خفيين، موجهين ضدّ العدو الخارجي والفساد الداخلي معاً، فهناك تعابير متناثرة هنا وهناك، مثل ( أكتب لك من بلاد مظلمة، دون أن يكون الجوّ ليلاً ). ( خريطة متحوّلة، كانت إلى وقت قريب مرسومة بثبات، وبقوة جملة أوهام تاريخية. ) في إشارة إلى أحلام الوحدة العربية التي تتحطم كل يوم على صخرة الواقع. ( هذه طبيعة الأشياء هنا. لا شيء يبدو مكتملاً على الإطلاق ربيع دمشق تحول إلى شتاء الرماد … ) في إشارة ثانية إلى إجهاض الانفتاح السياسي، الذي كان من المزمع القيام به في سوريا. أما المقطع قبل الأخير من الرواية والمعنون ( أحوال الراوي التي لا تسرّ ) فيبدو لي أنه الأوضح والأكثر مكاشفة، يقول الراوي:

( الكهف هو مجاز لكهف ثان، وكهف ثالث أوسع بشوارع وساحات ومكتبات ومقابر، … ودوريات أمن وطغاة … وكوكا كولا وشاي لبتون … وطوائف ومذاهب عند الطلب … بلاد على شكل سيرك، بلاد على شكل حديقة حيوان مكشوفة، بلاد جاهزة، وبلاد تفصيل، بلاد شعارات، بلاد بالروح بالدم … بلاد ذاهبة إلى حتفها، وبشر مرضى بالخوف المزمن. )

ولكن، كنوع من التقية السياسية، يستتبع الروائي زلّة الراوي بجملة اعتذارية، لعلها تشفع له عند من يقرأ كل تلك الهرطقات، فلا يعجبه شيء منها، فيقول: ( كنت أهذي، تحت تأثير الكأس الثالثة، من ” عرق البطة ” … ) ودائماً يرد المحظور على لسان سكران أو مناجٍ نفسه، أو بقلم كاتب مجهول في موقع انترنيتي زئبقي لا يمكن الإمساك به، كبديل عصري عن تقنية إنطاق الحيوانات والبهائم كما في كليلة ودمنة لابن المقفع.

وأخيراً، هناك لغة صويلح الجميلة والهادئة، الصريحة حتى حدود الشعرية، والتي خضعت فيما أحسب لعملية طويلة وشاقة ومستمرة، من الحذف المفضي إلى التركيز، والتكثيف الطامح إلى بلوغ مجد الصمت وبلاغته، على قاعدة أنّه ( كلما اتسعت الفكرة ضاقت العبارة )ولولا ذلك لجاء حجم الرواية أضعاف حجمها الحالي، كلمات منتقاة بعناية، وجمل تنهض بمعناها ضمن مختلف السياقات، تاركةً القارئ في شوق مستمرّ، ليس فقط إلى نهاية الحبكة السردية، ولكن أيضاً إلى طريقة صياغة هذه النهاية:

( التقط سمير شكري سمكة من شباك أنس عزيز وقال بلا مبالاة: – هل قلت أن لديها جارة أجنبية ؟ ) ص 65

ويقول عن مستشرقة فرنسية جاء بها ماهر غزال ليوقعها في شباك شلة الثعالب، أو يوقعهم في شباكها:

( كما لم يغفل أحد، في حلم يقظة سريع، عن ترجمة هذه المستشرقة في السرير، ببلاغة عربية أصيلة، ومن دون إشارات ترقيم ) ص 34.

وحين يريد المؤلف الإيحاء ببداية دخول الشخصية عالم الخيالات الحسية، يلجأ إلى الكناية عن ذلك بطيران الشخصية على ” بساط الريح ” الأسطوري، أو بأجنحة عباس بن فرناس التي سرعان ما سقطت، لأنها كانت أجنحة اصطناعية كما هي أحلام اليقظة، وذلك أسلوب موفق يعوض عن تغييم الصورة كتقنية سينمائية وتلفزيونية شائعة.

يظهر المستوى العالي من الحرفية في الحوارات عمق البناء الثقافي للمتحاورين – بالطبع قياساً إلى غير المثقفين – رغم ما قد يبدو فيها للقارئ أحياناً من سطحية وابتذال، يمكن إرجاعهما إلى ما ذكرنا آنفاً من تلازم المسارين الثقافي والشوارعي، وليس من النادر في حوارات هذه الرواية أن يأتي الجواب وكأنه منقطع عن سؤاله، لأنه ليس جوابه التقليدي المفترض أو المعقول، أو قد يأتي الجواب متجاوزاً السؤال الثاني ذاته الذي يرد على خاطر السائل بناءً على جواب السؤال الأول.

أمّا لغة الحوارات، فقد جاءت متّسقة تماماً مع طبيعة الشخصية المتحدثة، التي يغلب أن تكون مثقفة معاصرة، تمتلك خطابها الخاص، ومتغربنة تميل إلى إفراغ استعراضها الثقافي في لغة ثالثة تقف في منتصف المسافة بين لغة امرئ القيس ولغة الشارع، ولكن مع كل ذلك لا يمكن تبرئتها تماماً من اللغة التي تسبح ضمنها ( فوضى الحواس) و(ذاكرة الجسد) و(عابر سرير) على أنها دون شك مقاربة التوازي لا الاتباع، إذا اعتبرنا بالطبع أن الإبداع، أي إبداع، إنما هو في الأصل إعادة تركيب.

ما يبدو لي غير موفّق في هذه الرواية، هو فقط اختيار العنوان الذي يخيّل إليّ أنه مرتبط بالفكرة التي أوردتها آنفاً، وهي أن الكاتب، وهو واحد من عناصر المشهد الثقافي الشامي الغاصّّ بالشلل، يوجه رسالةً إلى من يعنيهم بروايته، أو قد يخيّل إليهم أنه يعنيهم بها مفادها ( سأكتب كل شيء كما رأيت وسمعت يا صديقي فدع عنك لومي) وهذا هو التبرير الوحيد لعنوان مجزوء كهذا يتقاطع في تناص حرفي مع البيت الشعري الشهير لأبي نواس.

تنتهي الرواية بمقطع معنون ( محاولة تفسير ) مرتبط رحمياً بالمقطع الذي يسبقه مباشرة ( أحوال الراوي التي لا تسرّ) يسرد فيه الراوي حكايته الخاصة، موجّهاً عينيه النفاذتين باتجاه الداخل هذه المرّة، ليعرض على القارئ أكثر المشاهد حميمية ورومانسية بوجود أنثى / سمكة يسميها ” عبلة ” – لاحظ الاسم المضمّخ بالعروبة والبداوة – وهي صديقة قديمة استخرجها من شِباك الموبايل وسط فيض من الأسماء / الأسماك المرتبة ترتيباً أبجدياً، حيث تنتهي الرواية نهاية رومانسية سعيدة تجمع الراوي – غير المسرور – بعبلة، قبل أن يخلو إلى نفسه في الصفحات الأخيرة ( 151 – 152 ) ويكتب لها رسالة تحت تأثير حبة بروزاك عيار 500 وكأسٍ من عرق البطة:

( عبلة … أكتب لك من بلاد مظلمة، دون أن يكون الجوّ ليلاً ).

رواية جميلة لا يمكن تلخيصها وحتى إذا لخصت فلن يغني ذلك عن قراءتها على أية حال.

– الكتاب: ” دع عنك لومي ” رواية من 152 صفحة من القطع المتوسط

– الكاتب: خليل صويلح

– الناشر: دار الآداب / بيروت 2006

– صدر للكاتب: ” وراق الحب ” ” بريد عاجل “