
ما معنى الوحي؟ ما القرآن؟ وما النبوّة؟ يبدو أن الإجابة تختلف باختلاف الأشخاص ووجهات نظرهم. بالنسبة للفيلسوف الناقد، الوحي لا معنى له، والقرآن هو مدوّنة بشرية، أما النبوّة فلا وجود لها. المؤمن على العكس من ذلك يرى أنّ الوحي هو وسيلة تواصل بين الله والإنسان، والقرآن هو كلام الله، أمّا النبوّة فهي صفة لبشر معيّنين حبتهم العناية الإلهية بشرف المخاطبة.
سأتطرّق إلى هذه المسائل الثلاث من خلال كتابات جعيط الأخيرة، بعد أن يئسنا من اقتنائها من مفكّرين عرب آخرين. لقد تناولتُ بين يديّ كتابا بعنوان “هكذا تكلّم العقل. المفهوم العقلاني للدين” وقلت في نفسي ها قد عثرتُ أخيرا على فويرباخ العرب، على مفكّر يعمل عقله ويجعله هو الحكم في مسألة الدين. وإذا بالدكتور حيدر غيبة (مؤلف الكتاب)، بعد أن استعرض نصوص التراث الإسلامي يستنتج بكلّ وثوق: «إن رواية النبي محمد لقصة تلقّيه الوحي لا يتطرّق إليها الشكّ»، ليس هذا فقط بل «بالإضافة إلى موثوقية الرواية، يجب أن لا يغرب عن البال وجوب الأخذ بعين الاعتبار لمضمون الرسالة التي تضمّنها هذا الوحي، وهي القرآن. وقد تحقق في هذا المضمون نبل المقاصد، وخاصة سعادة الإنسان(1)». بالنسبة للمفكّر العقلاني هذه الأقوال تُعتَبَر استنساخا حديثا لما رُوي واعتمد في التراث الإسلامي المقدّس، وبالتالي فهي لا تفيده في شيء لشحذ طاقته الذهنية ولتخليص عقله من المعتقدات المستقرة في وجدانه منذ خمسة عشر قرنا من الزمن.
لكنّ هناك مؤرّخا عربيّا خصّص لهذه المسألة كتابا كاملا، عزم فيه على دراسة الوحي والنبوّة من وجهة نظر علمية تاريخية، وربّما يكون عمله ترياقا مضادّا لذاك الصنف من الكلاسيكيات الملاكة حتى التخمة. ويبدو أن مشروعه المعرفيّ، حسب قصديته المعلنة، يقف في الجهة النقيض لجميع الأدبيات ذات المنحى التقديسي.
يصرّ جعيّط على أن نهجه يختلف من حيث الطرح والأسلوب عما ساد منذ القديم. فهو يَعِدُ القارئ بأنه سيتّبع في عمله :”الدّقة وجزالة الخطاب” ويقول: «ابتعدت عن الأسلوب الوهّاج المشوب دوما بالضبابية(2)». وهذه فضيلة يحمد عليها لأنّنا نعاين فعلا المشهد المزري الذي تخضع له كتابات السيرة وكيف آلت، في أيدي أناس فاقدين لشروط العلم الحديث، إلى سَيل من الخطابة وضحالة في المضمون. الرجل يُنبؤنا بأنه جعل من مثاله الأعلى ونموذجه، في أسلوب الكتابة، القرآن: «وحده القرآن جمع بين دقّة التعبير والكلمة المثيرة والعمق الكوسمي والوضوح الكامل البين. وهذا من أهمّ خصائصه».
جعيط يقدّم ضماناته المنهجية بهذه العبارات: «هذا الكتاب وما سيتبعه علميّ وليس بالدراسة الفلسفية، ويَعتبر بالتالي كمعطى ما هو لبّ الدين الإسلامي: الوحي، الإيمان، البعث. وسواء كان المؤرّخ ـ المسلم وغير المسلم ـ مؤمنا أو خارجا عن الإيمان فمنهجه الصحيح هو هذا، أي اعتبار المعطى كمعطى ومحاولة تحليله لا أكثر(3)»، ثم يضيف، مدعّما توجهه الفكري الجديد: «وقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني ـ تفهّمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث ولا عند المسلمين المعاصرين. وأكثر من ذلك، إن المستشرقين، على سعة اطّلاعهم، لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان. وتبقى دراساتهم هزيلة، مقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب … وعلى كلّ، فالتعريف ـ بوجه المقارنة ـ بالحضارات والأديان الأخرى، إنما أرجو منه خروج العرب والمسلمين من تقوقعهم وضيق أفقهم الفكري».
لا يَخفى على أحد بأن هذه القواعد المنهجية في كتابة التاريخ والأسلوب النثري المتبع تُعدّ فضائل نظرية نادرة في وقتنا الحالي. فبالإضافة إلى القرآن كمرجع أوّلي من حيث الأسلوب والإثارة والعمق، يستثمر جعيط آخر ما توصلت إليه أدبيات التاريخ المقارن للأديان ومناهج التأويل الحديث. ويبدو، إن لم أخطئ، أن غرضه يكمن أساسا في تحصين أعماله من أي منعرج إيماني قد يؤدي به إلى التنازل أمام أطروحات الإيديولوجيا الدينية التبريرية. وهذه العملية الوقائية لها أبعاد معرفية إيجابية لأنها تفتح باب البحث العلمي وتشجّع على التحرّي وتقصي الأسباب الموضوعية للأحداث التاريخية.
النقطة الأساسية التي يحوم حولها النزاع بين المثقفين العلمانيين، من مؤرخين وفلاسفة، وبين جميع أطياف الكتاب المسلمين، تتلخص في الموقف المنهجي الذي يختاره الباحث من القرآن والنبوّة: موقف تقديسي أو دنيوي. الباحث مُجبر أن يُموقع عمله ويختار منهجه بدقة: إمّا أن يتخذ موقفا علميا واحدا ومستقرّا لا يحيد عنه ويجعل بذلك من القرآن وثيقة إنسانية تتضمّن معطيات وأحداث جرت في فترة زمنية معينة وفي رقعة جغرافية محدّدة وبالتالي فهي، ككل الوثائق الإنسانية المكتوبة، خاضعة لقوانين التأويل والتحليل الفيلولوجي والنقد التاريخي، وإمّا أن يتعامل مع القرآن كنصّ مقدّس ومنزل من الله حرفا ومضمونا؛ كلام الله السرمدي الذي لا يخضع للتغيّر والتبديل. الموقف الأول يُنتج معرفة علمية ومحررة من أسر التراث اللاعقلاني والثاني يقف عند حدّ التبرير، مكرّسا ذهنية التقوقع والأسطورة، وغير عابئ بشروط التقدم العلمي. لكن محاولة الأخذ بالموقفين والجمع بينهما، هي الأخطر على المفكر، فالتأرجح بين الموقفين قد يُولّد نوعا من الالتباس وقد يخلق توترا بين الاعتقاد الإيماني وبين روح العلم، وهما الضدّان اللذان لا يجتمعان أبدا.
على كل حال، يبدو مشروع جعيط مشروعا جديدا في مجال الدراسات العربية الإسلامية، ومنهجه العلمي المسنود بتاريخ الأديان وبالعلوم الإنسانية الغربية، ـ لا بتواريخ المستشرقين ـ، يُثلج صدر الباحث المجتهد ويَنزع عنه حجاب أفكاره المسبقة. وهو عمل خطير بمعنى ما، لأنه قد يؤدّي إلى مراجعة شاملة للتاريخ الإسلامي وبالأخص لتاريخ المدوّنة القرآنية والبعثة النبوّية، وإلى هَدمٍ لمقدّسات راسخة وتَعريةٍ لخلفياتها الأسطورية وزيفها التاريخي. وليس للقارئ العلماني إلاّ أن يُثني على هذا التوجّه الفكري الجديد وأن يعتبره مثالا يُحتذى به، وبرهانا مُفنّدا للنقاد الغربيين ومن جرى مجراهم، مِن أولئك الذين يدّعون أن كُتاب السيرة والمؤرخين العرب لا يملكون أيّ حسّ نقدي، ويُعرضون عن أبسط قواعد الموضوعية العلمية غير ملمّين بالعلوم الإنسانية، من تاريخ أديان، وفيلولوجيا، وأديان مقارنة، وفينومنولوجيا. وبحقّ عُدّت أعمالهم غير جدّية بالمرّة ولا أحد من المستشرقين استشهد بها أو أخذها بعين الاعتبار.
لكنّ نشوة القارئ، حين الغوص في نصّ جعيّط، لها حدود لأنّ موضوعية الكاتب لها حدود أو بالأحرى وضع لها هو نفسه حدودا. لقد عنون الفصل الأول من كتابه هكذا : “القرآن ككتاب مقدّس”. وهذا العنوان بمفرده يثير في ذهنية القارئ العلماني شيئا من الاحتراز. فعلا، مقولة المقدّس بحد ذاتها لا تدخل في قاموس رجل العلم، إنها عائق معرفي، وحتى إن أجبر العالم التطرّق إليها في مجرى تحاليله فهو يعمل على حصرها في مجالها الإيماني أو ينزع عنها هالة التعالي لكي تغدو مفهومة للعقول. إلاّ أن جعيّط لا يتزحزح قطّ، حول فكرة أن القرآن كتاب مقدّس، التي بدأ بها تحاليله وتخلّلت كل أطروحاته، ولا يعتبرها فكرة خاضعة لأية مساومة أو تنازل. فهو يتعجّب كيف لم يصل المستشرقون (يستثني البعض منهم) إلى قناعته تلك: «لكني أعجبُ من بعض المستشرقين ـ وليس كلهم ـ الذين ليسوا بمسلمين، وبالتالي نظروا إلى الإسلام والقرآن نظرة خارجية ومجرّدة من كلّ إيمان فاعتبروه أثرا من محمد(4)». هذا أمر يُنكّل بعقولنا أشد التنكيل قبل أن يُنكّل بالمستشرقين الصابئين. فالمؤرخ الحديث يعيب على العلماء الغربيين أشياء ليست من مشمولاتهم ولا تدخل في تكوين أسس التفكير العلمي، أعني فقدانهم الإيمان بالوحي والمُعجزات وتعالي القرآن، التي هي في الطرف النقيض من ذهنيّتهم الوضعية. الاعتراض الوحيد ضد هؤلاء المستشرقين “الكافرين” يقدّمه جعيط هكذا: «من خلال هذه النظرة لم يشعروا بسعة علم النبي ومقدرته الفذة في معرفة التراث الديني واللغات العبرية والسريانية واليونانية …الخ».
أنا أحتكم إلى الحسّ العقلاني للقارئ وأتساءل هل أن اعتراضا من هذا القبيل يحلّ المشكلة ويُبدّد شكوك العلماء من أن القرآن هو من صنع رجل واحد؟ وهب أننا سلّمنا باعتراض جعيط، واعتبرناها فعلا أمورا مستحيلة على شخص واحد، ألا تُتيح لنا هذه المحالات تَغيير وجهة نظرنا، والبحث في جهة أخرى، أي اعتماد أطروحة بعض المستشرقين الذين اعتبروا القرآن عملا جماعيا متأخرا، فيه استدراكات وحذف وإضافات، وأنه لم ير النور على حالته الراهنة إلاّ في القرن الثاني للهجرة؟ لكن هذا الرأي إن لم يكن من باب الكُفر والهرطقة، فهو بالنسبة لجعيّط من الخيال والجهل بمكان: «ولستُ من الذين يعتقدون أن النص القرآني يتطوّر مع الزمان والظروف. فالأساسي فيه لا يتغيّر من الأوّل إلى الآخر(5)». موقف كلاسيكي لكل المؤمنين، وهو من باب المنافحة التبريرية وبالتالي غير قادر على الإجابة الضافية أو حلّ كل المعضلات المطروحة. لكن جعيّط يتعجّب من المستشرقين الذين لا يؤمنون بما يؤمن به هو، الشيء الذي يسرّب فينا شيئا من التوجّس، لأن المؤرّخ بما هو كذلك ـ وهذا أمر مبدئي وبديهي ـ لا يعترف بالألوهية والمقدّس والتعالي، وهي ليست بالفرضيات الداخلة في مشمولات علمه وخارجة تماما عن مناهجه وأهدافه. المؤرخ الجدّي يترك هذه المعتقدات لصاحب اللاهوت والفقه، أمّا التاريخ والفلسفة وعلم الأديان المقارنة فلا شأن لها بذلك.
القرآن، كخطاب ورسالة دينية، مربوط بالوحي. ما الوحي؟ إن رجل العلم الذي يبغي اكتناه كلّ شيء بعقله لا يركن إلى التفسيرات الماورائية وإلى العلل الغيبية، ولا هو مستعدّ أن يصادر ملكاته الذهنية لحساب الأسطورة: كلّ شيء يمكن تحليله وفهمه عن طريق بسيط العقل، وما من شيء يخرج عن سلطانه. المؤرخ جعيّط، لا يرى هذا الرأي، فمنذ تناوله إشكالية الوحي، التي وَعَد بالتكلّم فيها بموضوعية وروح علمية، يُقلع عن إعمال آلة العقل صادّا أمامها أيّ منفذ وذلك في تناقض مع ما وعد به القارئ وأعلنه مسبقا بشيء من التباهي. الوحي بالنسبة إليه هو: «العملية التي تمّ بها التبليغ إلى الرسول والتجربة الفريدة التي عاشها. وليس همّنا أن نستكنه هذا بالعقل فهو أمر مستحيل ولا حتى أن نسوق نظرية فلسفية حول الوحي في الإسلام(6)».
لا تاريخ الأديان ولا الفلسفة ولا علم النفس ولا العلوم الإنسانية الأخرى، من علم اجتماع وأنثروبولوجيا، ولا العقل ومبادؤه، بمقدورها استكناه حقيقة الوحي، لأنه أمر متعال وفريد من نوعه، وغير قابل للخضوع إلى أي نوع من أنواع المعرفة الإنسانية. السؤال إذن: ماذا تبَقى مِن كلّ تلك العلوم الحديثة؟ وما دور العقل في اكتناه حقائق الأمور؟ لا شيء، فالطريق إلى الوحي مسدود من الأساس. وقد يكون هذا المنحى الذهني الذي اتبعه المؤرخ، وصدّ به الأبواب أمام العقل، سببا لاستثارة الشكوك حول التزامه بالمنهج الذي رام اتباعه وأفصح عنه بهذه العبارات: «سَيتّجه مجهودنا إلى مقاربة تاريخية مُعتَمدة على النصوص وعلى المقارنة، وإلى مقاربة ظواهيرية(7)». ونحن نتساءل مرة أخرى: هل أنّ المقاربة التاريخية للوحي وللقرآن والاعتماد على النصوص واستخدام الظواهيرية هي أمور عقلية أم لا؟ إن كانت كذلك، فإن القول باستحالة إدراك الوحي بالعقل، هو تناقض صريح مع المقدّمات. أما إن كان هذا العمل لا يعتمد على العقل فما المغزى من إدخال تلك العلوم ومناهجها والتقيّد بالمعطيات العينية؟ وما الجدّة التي فاق بها كتّاب السيرة القدامى والمحدثين؟
كل المسلمين المتشبثين بمعتقدهم، من أولئك الذين لا يملكون حسّا نقديا ولا وعيا بتاريخ الأديان وبمبادئه، اعتبروا الرسالة المحمّدية خاتمة لسيرورة وحي إلهي استمرّ منذ بدء الخليقة، وكتابه هو كلام الله الأزلي المهيمن على الكتب المقدسة الأخرى، تلك الكتب التي طالها التحريف وفقدت بالتالي من مصداقيتها. هذه الأطروحات مبثوثة في مؤلفات الإسلاميين على جميع مشاربهم ومنذ القديم حتى يومنا هذا، وهي في جوهرها تهجّم على الأديان الأخرى وعلى كُتبها وتعاليمها ومؤسّسيها. أقول “تهجّم” وليس نقدا، لأن آلة النقد العقلاني لا تستثني منظومة دينية ولا تُقيم حواجز إيمانية ضدّ تفعيلها، فالتهجّم لا يقف أبدا على أرضية عقلانية نقدية، بل ينطلق من موقع نقيض، أي إيماني ديني. وقد نبحث بفارغ الصبر عن تواريخ مغايرة وبديلة في الأدبيات الإسلامية عند العرب القدامى والمعاصرين ولكننا لا نجد شيئا منها. والكاتب المؤرّخ جعيّط، بعد أن وعد بتاريخ جديد، ها هو يعود ويَنهل من تلك الأطروحات نفسها التي ادّعى تجاوزها، بل هو، في بعض المواضع، يُكرّرها دون تحريف.
بخصوص الوحي، يُحيلنا المؤرّخ إلى كتاب له صدر منذ سنوات عديدة بعنوان “الشخصيّة العربية الإسلامية والمصير العربي(8)” حيث تطرّق لتلك الظاهرة من منظور فلسفي. ويبدو أن الموضع من الكتاب المذكور الذي تناول فيه ذاك الموضوع جاء تحت عنوان “الإصلاح والتجديد في الدين”، الفصل الثاني بعنوان “تجديد الرؤية في الإيمان” والذي يحتوي على أربع فقرات: الأولى بعنوان تاريخية الدين، الثانية: التفسير الفلسفي للإسلام، الثالثة: قراءة ميتافيزيقية للقرآن، الرّابعة: روح الإسلام ومصير مؤسسه.
تجديد الرؤية في الإيمان، هو فصل يَعجّ بالشواهد الفلسفية (من هيجل إلى ميرلوبونتي) على الرغم من أنها جاءت على شكل تحليل شبه فلسفي لأنها ممزوجة بكلّ عناصر الوجد الدينية. وهذه الملاحظة مشروعة لأن الرجل لم يدّع يوما ما بأنه فيلسوف، وما عدا بعض الاستشهادات المتفرّقة، فإن أقواله جاءت على شكل وعظي: فيها كلام خطابي رنّان يوافقه عليه، سواء من جهة الأسلوب أو المحتوى، أيّ إسلامي، معتدل أو متطرّف: «ولذلك فإن ظهور الرسالة هو أكبر عنصر تاريخي في الإسلام. إن الإيمان الذي هو ثقة يصبح من خلال ذلك ثقة في الرسول. وهو نفسه ليس بالإنسان الزمني وحسب، المولود بمكّة حوالي 570 والمتوفى بالمدينة سنة 632 . بل أصبح ما أرادته أجيال من المسلمين أن يكون، أي كتلة هائلة من المثل والحبّ والوفاء. إنه يزن بوزن كلّ تلك الدّموع والاندفاعات. وقد نادى باسمه كثير ممّن كانوا في النزع الأخير من كائنات بشرية بسيطة طيبة ذكروه وهم على شفة الموت. إن التاريخ يثقل بكلّ وزن البشري وبكلّ قيمته، شخص الرّسول وكلامه. لقد كان الدين روح العالم والإسلام وروح الأمّة الإسلامية، وهو ما زال قوّة حيّة ملموسة ملتصقة حميما بالمجتمع الإسلامي تخترقه من طرف إلى آخر(9)».
ثمّة استدراك وتراجع مُحتشم، في تضارب واضح مع مقدّماته، وهناك أقوال لا تمُتّ بصلة إلى كلامه السابق بل ربّما تنقضها جملة وتفصيلا: «لكن بما أن الدين مرتبط بالماضي، فإن عناصر كثيرة يتضمّنها أو يتشكّل منها لا يقبلها العقل إطلاقا، ولا الفكر وحتى ذهنية الإنسان الحديث. فقد أبرز العلم والفلسفة والنقد التاريخي بديهيات تهاجم النواة الدينية ذاتها، أو على الأقلّ كساءها الأسطوري (10)». فعلا، ليس في الدين الإسلامي فقط، بل في كل الأديان السابقة واللاحقة، هناك أشياء لا يقبلها العقل، لا بل المنظومة نفسها، أعني القاعدة الأسطورية التي يسبح فيها الدين عموما هي منافية للعقل. وليس من الإجحاف القول بأن البشرية عاشت فعلا على وهم تلك الأساطير لمدى قرون، وقد تكون تلك المنظومة مؤدية لدورها في فترة تاريخية ما، نظرا لعدم وجود منظومة أخرى قادرة على إضفاء معنى على الحياة وإعطاء تفسير للكون ومظاهره. لكن مع بروز الفلسفة والفكر العلمي المتجرّد، تلك المنظومة بدأت تفقد من مشروعيتها ولم تعد توفّر العزاء المعرفي وحتى المعنوي للبشرية.
المؤرخ هشام جعيط هو رجل علم، ويبدو أنه لائكي في توجّهه السياسي، ليس هو من معتنقي الدين بالمعنى الكلاسيكي للكلمة(11)؛ يَتغبّن على حالة العالم العربي بالمقارنة مع الكنيسة الكاثوليكية التي استطاعت بجدّ أن تصمد أمام موجة النقد العقلاني التي اجتاحت أوروبا منذ القرن الثامن عشر، ويشيد بمقدرتها على استعمال أدوات الفلسفة والعلم للدّفاع عن حقيقتها والاندماج في العصر الحديث. لا شيء من هذا القبيل حدث في العالم الإسلامي: «ما أعظمه من سُبات ومن عدم أو يكاد في وضع الإسلام، بعد الصّمت المفاجئ للحركة الإصلاحية وحركة التحديث (12)». المحالات والمعضلات التي تواجه الفكر الدّيني، بما فيه الإسلام، جمّة والكاتب يطرحها بكلّ موضوعية وبروح نقديّة متحرّرة، مُلخّصا إيّاها في الجانب الميثولوجي المكوِّن للوعي الديني الذي لا يقبله العقل ويتضارب مع مبادئ العلم الحديث(13). لكن هذا العَرض الموضوعي (لا أدري هل أن الكاتب يتبنّى الشكوك التي أوردها أم لا) يَجد له صدّا أو كبحا قويّا عندما ينتهي إلى نتائجه القصوى، أي الشكّ في مصداقية الأديان بما فيها الإسلام وفي مدى قدرتها على مسايرة العصر. لو أن الرّجل واصل مسار شكوكه وتمسّك بمبادئ العقل الوضعي لأخلص إلى الريبية الشاملة، أو ربما إلى الإلحاد في الدين. ولكن جعيّط، على الرغم من أنه مؤرّخ متشبّع بتعاليم الوضعية، كبَح جماح اعتراضاته وربما فسخها أمام قناعات إيمانية قد تكون ثاوية في تفكيره منذ سنين: « لكن شك العقل النقدي الموحِّد المُسوّي لكلّ الأديان يُسبّب حقا دوارا. ذلك أن مظهرا رئيسيا من حياة البشرية قاطبة يكون قد شُيّد على كذب أو افتراء، أو على وهم في نظر الناس الأكثر تفهّما. ويزيد التناقض بين التاريخ والإنسان حدّة، لما للدين ولغاياته السامية من دور تاريخي عظيم!(14)».
لكن، بعيدا عن الوجد الإيماني، يمكن لأيّ مفكر علماني أن يُذكّر صاحب هذا الاعتراض بأن منطق العقل النقدي الذي يُولّد، حسب زعمه، دُوارا لم يُثن المفكرين العرب الأحرار (أو ما كان يسمى بالزنادقة) من التشبّث بتلك الأطروحة التي ترى أن الأديان متكافئة وأن عقائد البشرية هي فعلا ركام من الاستيهامات والأساطير. لم يُصِبهم أي دوار، ولم يختلجهم أي غثيان، بل إنهم قدّموا الشكوك والمُعضلات وأقاموا البراهين على أقوالهم. ولكلّ منّا أن يفتح اللزوميات للمعرّي كي يعثر على ضالته: القول بوجود إله خالق حكيم “معناه ليس لنا عقول”؛ الألوهية هي اعتقاد ناتج عن الجهل بقوانين الكون؛ مُبتدعو الأديان كذابون؛ التفكّر في الخلق يؤدي إلى نكران الألوهية والخروج عن الدين؛ الأساطير الإسلامية متأتية من كُتب اليهود؛ القرآن يحتوي على أخبار يُكذبها الواقع؛ الأديان تسبّب العداوات والحروب…إلخ. كل هذه الآراء التنويرية (قبل الكلمة “ante litteram”) مبثوثة في كتب الرازي الطبيب، وفي مؤلفات المفكرين العقلانيين العرب أو ما تبقى من آثارهم(15). انظر كيف يحتجّ الصاحب بن عبّاد، مُبيّنا تناقض العدل الإلهي مع حرية الإنسان، والتضارب الداخلي في الأوامر الإلهية؛ كلّ هذه الأفكار الهرطقية أوردها المتكلّم الأشعري فخر الدين الرازي في كتابه “المطالب العالية من العلم الإلهي” وكأن شيئا لم يكن: «قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب كيف يأمر بالإيمان وقد مَنَعه عنه، ويَنهاه عن الكفر وقد جَبَله عليه؟ وكيف يصرف عن الإيمان ثم يقول ﴿أنّى يُصرَفون﴾؟ [غافر: 69] ويَخلق فيهم الإفك، ثم يقول: ﴿فأنَّى تُؤفَكُون﴾ [يونس: 34] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول ﴿لِمَ تَكفُرون﴾ [آل عمران: 79]، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: ﴿ لِمَ تلبسون الحق بالباطل﴾؟ [آل عمران: 71] وصَدّهم عن السبيل ثم يقول: ﴿لِم تَصدّون عن سبيل الله﴾ [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان. فقال: ﴿وماذا عليهم لو آمَنُوا﴾؟ [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد، ثم قال ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: 26] وأضلّهم عن الدين حتى أعرضوا، ثم قال: ﴿فما لَهُم عن التّذكِرَة مُعرِضِين﴾ [المدثر: 49](16)».
وقد أورد الغزالي في الإحياء كلاما يؤكّد فيه هذه اللاعقلانية السارية في الأفعال الإلهية بصورة جدّ مرعبة حقا: فبعد أن استشهد بالآية ﴿إن تُعذبهُم فإنهم عِبَادُك وإن تَغفر لهم﴾، قال:« فوّض [الرسول] الأمر إلى المشيئة وأخرج نفسه بالكلّية من البَين، لِعلمِه بأنه ليس من الأمر في شيء وأن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يَخرج عن حدّ المعقولات والمألوفات فلا يُمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس ولا حُسبان فضلا عن التحقيق والاستيقان. وهذا هو الذي قطع قلوب العارفين إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة مَن لا يُبالي بك، إن أهلكك فقد أهلك أمثالك ممن لا يُحصى. ولم يزل في الدنيا يُعذبهم بأنواع الآلام والأمراض، ويُمرِضُ مع ذلك قلوبهم بالكفر والنفاق، ثم يخلد العقاب عليهم أبد الآباد، ثم يُخبر عنه ويقول ﴿ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها ولكن حَقَّ القول منّي لأملأنّ جهنّم من الجِنَّة والناس أجمعين﴾(17)».
في ما يخص موضوع الوحي، يبدو إن لم أخطئ، أنّ جعيط يُردّد نفس مقولات التراث الإسلامي والاختلاف بينهما هو في التسمية فقط: لقد غيّر كلمة “اللوح المحفوظ” بكلمة “الأركيتيب (Archétype) الأصلي الإلهي”(18)؛ القرآن هو كتاب مقدّس ولا يمكن الشكّ في هذه الحقيقة أبدا(19)؛ كل كتب الأديان الأخرى (العهد القديم، العهد الجديد، صحف الزارادشتية والبوذية والهندوسية) لا ترقى إلى مستوى القرآن، سواء في المضمون أو في الشكل، وبالتالي فالرسالة المحمدية تتميز عنها جميعا، بل تتسامى بشكل لا مثيل له (20). النتيجة المحققة هي أن «الإسلام … قام بتحويل للاتجاه وأكد على الرجوع إلى الجذور. ففيما المسيح تجسيد لله حسب الكنيسة، القرآن أساسي في الإسلام إذ به أُقيمت من جديد العلاقة بين الله والإنسان. فما محمد إلاّ إنسان ميّت كالآخرين، غير مكتسب لأية صفة إلهية ولا للقدرة على تعطيل مسار سنة الله، أي الطبيعة بأية معجزة في العالم. ولم يؤهل لينقذ الإنسانية من وصمة أية خطيئة أولى، لكن الله أرسله بشيرا ونذيرا عن طريق الوحي القرآني. وبذلك يلعب الوحي ومحتواه القرآن، دورا رئيسيا في هذا الطور من التوحيد الموحى به تماما بدءا من التكشف الأولي، وبذلك فهو الكتاب المقدس بامتياز(21)».
هذا الكلام لا يستقيم رأسا، إنه متناقض ومُجانب لأبسط معايير البحث التاريخي، وهو في جوهره ليس إلاّ ضربا للعقل في الصّميم. وليس هكذا فحسب، فعلا، جعيط لم يَكتف بهذا القدر، بل إنه، كما فعل في كتابه “الفتنة الكبرى”، تَهجّم على الأديان الأخرى، بحيث أنه اختار منذ البداية موقعه العقائدي وإطاره المرجعي، أعني الإسلام. ولا يُغني عنه شيئا القول بأن محمدا هو إنسان ميّت كالآخرين، وإنه لم يكن راغبا في إنقاذ الإنسانية من الخطيئة الأصلية؛ هذا لا يُخرجه من إطار الأسطورة واللاعقل. فالإنسانية تتفسخ تماما إن افترضنا وجود إنسان واحد في هذا العالم يُوحَى إليه من طرف إله ما، وأنّ كتابه، كما يزعم المؤمنون، هو الكتاب المقدس بامتياز. أما القول بأن النبي لم يتمّ تأييده بأية معجزة خارقة للطبيعة، فهذا نكران للبداهة، أعني بداهة الإسلاميين الذين ركّزوا في جميع كتاباتهم على أن الرسول أيّده الله بالعديد من المعجزات. ولكنّ جعيّط نسي في حقيقة الأمر، أن القرآن هو معجزة محمد الظاهرة، التي تحدّى بها الناس أجمعين. كيف يقول بأن محمدا لم يؤيَّد بالمعجزات وهو الذي زعم بأن مرجعه المفضل هو القرآن، وبأن هذا الأخير هو الكتاب المقدّس بامتياز؟ وإذا أردنا الدقة، جعيط يعترف بهذه المعجزة حتى وإن لم يُسمّها باسمها، أو عمل على صياغتها بلغة حديثة، قائلا صراحة بأن المصداقية التاريخية للقرآن مبنية على العقلانية وعلى «ابتعاده عن كل عنصر لاعقلاني بخصوص النبي بالذات»، وأن القرآن «بخاصة وتميّزا عن الرسالات الأخرى يتكلّم بلغة العقل ويستنطق العالم للبرهنة على وجود الخالق المنظّم له. وهو يحاول الإقناع ولا نرى شيئا من هذا في الأديان القديمة الأخرى التي تكتفي بنقل الرؤى والوحي(22)».
نعود ونذكّر القارئ بالضمانات المنهجية التي صدّر بها عمله: لقد وَعَد القراء بأنه سيعتبر المُعطى كمعطى ويحاول تحليله لا أكثر(23)، ولكن هذه الضمانات لم تُطبَّق على أرض الواقع، ولم تمنعه، على كل حال، من تعاطي الرياضة الروحية التي برع فيها الإسلاميون، أعني إقامة التفاضل الهرمي والمقارنات الاختزالية بين الإسلام وكتابه من جهة، والأديان الأخرى وكتبها من جهة ثانية (اليهودية والمسيحية والبوذية والزردشتية والهندوسية)(24). نحن لا نتَهجّم على أي دين ولا نُدافع عن أيّ منها، لأن مَرجعنا واحد ومساوٍ لنفسه دائما، وهو العقل. وبالعقل، فقط، أقول ببسيط العقل يمكننا أن نجزم بتهافت الأديان جميعها، وبأنها لا تتفاضل في ما بينها من حيث العقلانية بل متساوية في بناءاتها الأسطورية. لقد زعم جعيط بأن القرآن يختلف عن كل الكتب الدينية الأخرى، بالمعنى الإيجابي للكلمة، وإن اعترف بالتناقضات التي تخترقه، فذلك لا ليحطّ من قيمته، لأن التناقض، على حد زعمه، ضروري في الأديان كافة، وبه تستطيع أن تُجيب عن كل التساؤلات وتتّجه إلى جميع الأفراد بمختلف ذهنياتهم وحاجياتهم(25).
لقد اختزل المسيحية وديناميكيتها التاريخية في مجرّد «عملية إنقاذ للدولة(26)»، وانجرّت، عن عملية الإنقاذ هذه، نتائج سلبية مثل: «حَذفُ الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني والعقل اليوناني(27)»، وبالتالي لم يبق إلاّ التعصّب، وتَفشّت روح اللاتسامح في الإمبراطورية التي جعلت من تلك الديانة إيديولوجيتها الرسمية.
لا نختلف معه في هذه النقطة، والمُطّلع على تاريخ المسيحية يدرك هذه الحقيقة، وهو أن دعواتها المتكررة في البداية للتسامح ومحاولة تبرير وجودها كديانة، تفسّخت وانقلبت إلى ضدها حينما قَويَت شوكتها وكثر أتباعها. انقلبت المواقف من النقيض إلى النقيض وأصبح الأقوياء، سابقا، هم الذين يدعون إلى التسامح والتعددية، لكن الدين الجديد لا يقبل إلاّ واحدا من الخيارين: إما الاعتناق أو الإقصاء. انظر إلى الحوار اللامتكافئ والمأساوي الذي دار، في القرن الرابع، بين السيناتور الروماني (Symmachus) وبين الأسقف المسيحي (Ambrosius). سيماخوس الذي بقي على دين آبائه، يقول لأمبروزيوس ما معناه بأن المَعبُود واحد ولكن طريقة العبادة تختلف من مكان إلى مكان ومن شعب لآخر، وبالتالي ليس من الحصافة ولا من باب التقوى أن تفرض، على من ليس هو بمسيحي، التخلي عن دينه(28). « نحن نتأمل نفس النجوم، تُظلّنا نفس السماء، عالم واحد يُقلّنا جميعا: ما أهمية الطريقة التي نبحث بها عن الحق؟ لا يمكن أن نُدرك سِرّا عظيما [كَسِرّ الألوهية] بإتباع نهج واحد(29)». الجواب العنيف للمؤمن أمبروزيوس مرتقَب جدّا: المسيحية هي دين أرقى من الوثنية لأنها متطوّرة على سابقتها وكلّ ما هو لاحق أفضل من السابق (omnia postea in melius profecerunt)؛ الوثنية شاخت وهرمت (عتيقة، vetus)، وحسب ديناميكية ثاوية في التاريخ الخلاصي يجب أن تترك مكانها للديانة اليافعة الشابة (جديدة، nova). الأسقف لا يأبه بمعاناة خصمه، الذي اعترض عليه قائلا بأنها « مُتأخرة ومُهينة محاولة إصلاح الشيخوخة (sera tamen et contumeliosa est emendatio senectutis)(30)»، فهو لا يشعر بالمهانة ولا بالخجل (لا يحمرّ وجهي؛ non erubesco) من الدخول مع الناس في الدين الجديد. الموقف الريبي الذي جعل من السيناتور الروماني حصيفا ومتريثا في أمور الألوهية يتقشّع عند الأسقف المسيحي لأنه مقتنع من أن دينه هو الأصحّ وإلهه أجاب عن كل شيء: «سرّ السماء قد علّمنيه الله نفسه، الذي خلقكم، وليس الإنسان، الذي يجهل حتى نفسه. إلى من أتوجه للإيمان بالله، إن لم يكن لله؟ كيف أستطيع أن أومن بكم، وأنتم تعترفون بأنكم تجهلون الذي تعبدونه؟ أنت تقول “لا يمكن أن نُدرك سِرّا عظيما بإتباع نهج واحد”. ما تجهلونه أنتم، نحن نعلمه من كلام الله. وما تفترضونه أنتم، معروف عندنا من طرف الحكمة والحقيقة الإلهية(31)». الإله الحقيقي الأوحد (unusquisque deum verum) هو الإله المسيحي (est deum Christianorum) لأن آلهة الوثنيين، كما يقول الكتاب المقدس، هم شياطين، وبالتالي بدون الإيمان به «لا يوجد خلاص أبدا».
قلتُ بأنني أتفق مع جعيط من هذه الناحية، ولا أجادله في هذه النقطة، بل إنني دعمت رأيه بالشواهد التاريخية، وبالنصوص الصريحة. المتكلّم المسيحي ترتليانوس منذ القرن الثاني ميلادي رفض أي علاقة بين العقلانية اليونانية والتعاليم المسيحية، ورأى أن هناك تضاربا بين أثينا وأورشليم، بين العقل والإيمان. الفلسفة، حسب زعمه، هي تعاليم إنسانية شيطانية نابعة من حكمة هذا العالم التي تستهوي فقط آذان المصابين بالصمم. لكن السيد المسيح سمّى جنونا حكمة هذا العالم، وقد اصطفى الأشياء الجنونية لغرض بلبلة هذه الفلسفة الدنيوية ذاتها. ترتليانوس لم يكتف بهذا التهجّم بل أمعن فيه إلى درجة أنه يدعو إلى إقصاء الفلاسفة باعتبارهم كافرين، وهراطقة.
هناك في فترة ما، جراء تمركز الديانة الجديدة، ردة فعل ارتكاسية، قرف من الفلسفة اليونانية، من الآداب اللاتينية، وصلت إلى حدّ الهستيريا. القديس جيرولامو في إحدى رسائله يذكر تجربته الشخصية بشيء من المرارة والخيبة. قال: حينما أسلمتُ نفسي منذ سنين خلت إلى مملكة السماء وتوجّهت إلى أورشليم للجهاد في سبيل المسيح «لم أستطع البقاء محروما من مكتبتي التي جمعتها بروما بكل عناية وتعب(32)». ماذا حدث؟ « أنا التعيس ـ يقول جيرولامو ـ بينما كنتُ أصوم أقرأ شيشرون. بعد التهجّد المتواصل، بعد الدموع التي تترقرق من عميق أحشائي، وبعد استذكار الذنوب، آخذ بين يدي بلاوتوس (Plautus). وإن حدث أحيانا، وعُدتُ إلى نفسي، أبدأ في قراءة الأنبياء، يُصيبني القرف من تلك اللغة الفجّة». لكن تغيّرت حاله بعد إصابته بحمّى كادت أن تودي بحياته، وبينما كان على فراش الموت، في لمحة وجد نفسه أمام قاض سماوي سأله من تكون فأجابه “أنا مسيحي”، فصرخ في وجهه «كذبت، أنت شيشروني ولست مسيحيا (Ciceronianus es, non Christianus)؛ حيث يوجد كنزك هناك يوجد قلبك(33)». لا يهمّ ماذا فعل القاضي السماوي بالقديس جيرولامو (دق عظامه وسحله سحلا). هذه لقطة فقط من تجربة شخصية، حيث أصبحت فيها مجرّد قراءة الكلاسيكيات اللاتينية خطيئة كبرى، هرطقة قد تؤدي بمن يفعلها إلى المحاسبة العسيرة في الدنيا والآخرة.
ولكنني أختلف مع جعيط في إلصاق التعصب وكره العلوم العقلية بدين واحد، وبالتالي محاولة استثناء دين آخر من دائرة التعصّب والإقصاء. أين نضع ديوان الزنادقة (محاكم التفتيش) التي أقامها الخليفة المهدي والتي نكّلت بالمفكرين الأحرار؟ أين نضع اللعنات ضد الفلسفة التي يُطلِقها، إلى يومنا هذا، الإسلاميون؟ وكأن التعصب مُحتكَر في دين واحد، وكأنه مُحتّم فقط على المسيحية: التاريخ وحده يشهد بأن اللاتسامح هو السّمة المميزة لكل الأديان وعلى رأسها الأديان التوحيدية، ومَن يزعم خلاف ذلك فعليه أن يُقدّم المعطيات التاريخية، والبراهين اليقينية والحُجج الدامغة. وإذا أردنا الدقة فإن جعيط نفسه يقودنا إلى استنتاجنا من أن الأديان التوحيدية موسومة بالتعصب ولا تتوانى من استخدام القوة: الدين المحمدي، حسب جعيّط، ابتدأ وعرّف نفسه بالقوّة، فكَوّن في البداية «جماعة مسلحة»، ثم نواة دولة(34). لقد عاد وكرّر ما قاله في “الفتنة الكبرى” من خلال الصفحات التي ذكر فيها بروز وتطوّر الدعوة المحمدية: « فالسياسة بكل ما تعنيه من دبلوماسية وسلطة وحرب فمُصالحة هي التي أكسبته النجاح والاعتراف به في الحجاز(35)». ماذا تَرك محمد لأتباعه؟ جعيط ينبؤنا بذلك: « هذه الأداة الدنيوية بقيت تشتغل بعده عبر إطفاء الردّة ثم انطلاقة الفتوحات(36)».
لا أودّ أن أتجنّى على المؤرّخ التونسي بأيّ حال من الأحوال، وأنا أعرض كلامه كما جاء في كُتبه دون تحوير، ثم إنني لا أعتبر نقدي له من باب الإخلال بمبادئ النقاش العلمي. أختلف معه في قوله بأن الوحي موجود، وفي تركيزه عليه وكأنه معطى أنطولوجي مفروغ منه وذو قيمة فذة. لقد أصبح الوحي عند جعيط خاضعا لديناميكية خاصة تضمن وجوده ومصداقيته عبر التاريخ: «فالوحي له ضمان في تاريخيّة الروح التي ليست كأية تاريخية(37)». وهذه التاريخيّة الفريدة من نوعها والخاصة بدُنيا التوحيد، أعني الديانات التوحيدية، تعجّ بالأنبياء، الذين هم، بالنسبة للفيلسوف والمؤرخ الوضعي، كائنات خيالية أو أسطورية حتى؛ لكن في نظر جعيط هم أناس يملكون وجودا صميميا واقعيا لدرجة أنه حسَبَ المُدّة الزمنية التي تفصل بينهم تباعا: «مرّت أربعة قرون بين إبراهيم وموسى، وأكثر من عشرة قرون بين موسى وعيسى، وستة قرون بين عيسى ومحمّد(38)». أخيرا، وطبقا لمنطق التطوّر الروحي، لا بُدّ للوحي من أن يتوقّف في نقطة ما، وأن يَصل إلى منتهاه: إنها أسطورة ما يُسمى بـ”ختم الوحي” التي تعود الآن مُلحّفة بلحاف شبه تاريخي جديد. طبعا خَتمُ الوحي لا يمكن أن يَتمظهر إلاّ في محمد نبي الإسلام: «وكأن القرآن يُلمّح إلى ضرورة مبعث جديد وأن الوقت قد حان لبزوغ نبوّة محمد طوال هذه المدة الزمنية. فالروح تتطلّب مخاضا طويلا وسندا في الماضي يَعتمد عليه ويَحصل تجاوزه(39)».
أقول: الوحي لا معنى له، والمؤرخ لا يُنتج شيئا إن دَرَسه، وخصوصا إن درَسه على الطريقة الإيمانية، أي بجَعلِه حالة استثنائية (أمرا خارقا للطبيعة) اكتَمَل تَمَظهره في لحظة تاريخية ما وفي شخصية مُعينة. الاعتراف بالوحي يعني الاعتراف بسلسلة من الكيانات الغيبية وتَصدِيق ما يَدّعيه البعض من الناس عن تجاربهم الداخلية، وهذا ما يتنافى مع أبسط قواعد كتابة التاريخ. الفلاسفة والمؤرخون والعلماء غير مستعدّين لتصديق هذه الأمور وإلاّ فإنهم سيتنازلون عن علومهم لصالح الأوهام. نحن تنتابنا نفس الشكوك التي انتابت أمير الفلاسفة أرسطو الذي عبّر في كتاب “الرؤيا” ( 462 ب 19 ـ 26.) عن شكوكه في كون الآلهة تبعث بتنبؤات لبعض الناس في المنام: « بما أنه ليس هناك من سبب عقلاني يعلّل حدوث هذه الأمور [الرؤيا والتنبؤ في المنام بالأحداث المستقبليّة]، فإن هذا يقودنا إلى عدم التصديق بها. إن كان إله ما يبعث هذه ، فعلاوة على العديد من المحالات التي تحوم حول ، فإنه من الخلف أن يبعثها لا إلى الفضلاء والحكماء بل إلى أي إنسان اتفق».
لكن هؤلاء الرجال الأسطوريين أو الواقعيين بالكاد، أعني الأنبياء، يَعلون على حتميات الطبيعة ويُجَرّبون أشياء لا يُدركها أي إنسان سويّ، ومع ذلك، فهم، دائما حسب جعيط، جُعلوا لتربية الإنسانية التي سَبق لهم وأن تجاوزوها. يقول ـ وأنا أوردُ كلامه بشيء من الحذر لأنه غامض بعض الشيء ـ إن مؤسسي الأديان، موسى وعيسى ومحمد « أعطوا عقلهم وحواسهم دون فقدانها واقتربوا من الجنون دون الوقوع فيه(40)». كيف عَرف ذلك؟ كيف أدرَك هذه الحقيقة؟ ليس بالعقل، فالعقل مرفوض من الأساس، (أو، حسب تناقضات جعيط، مَرّة منبوذ وأخرى مَقبول)، هذا على الرغم من أنه وعد، في بداية كتابه، باستخدام أحدث ما توصلت إليه العلوم العقلية. لكن وضع الأنبياء هو من التفرّد إلى درجة أنه « يصعب علينا فهمه بالعقل الحديث وأدواته، كما أنّ من المستحيل أن تُستعاد النبوّة الكبرى بعد توقفها مع محمد(41)». هذا كلام واضح نوعا ما، ولكن غير مفهوم ولا واضح قوله بأن النبوّة «هي مُعطى كصلابة العالم الخارجي، لكن قد تغدو يوما ما تراثا فيكون معطى أيضا(42)». ولا نفهَم أيضا كلامه الموالي، لا لأنه غامض أو كُتب بأسلوب ناشز، بل لأنه متناقض: «وليس لنا مع هذا أن نستسلم ونتخلّى عن طريقتنا الفينومنولوجية، وإلاّ ردّدنا ما أوردته المصادر القديمة(43)». إمّا العقل بكامل صلاحيته، أو اللاعقل ولا ثالث بينهما: أن يزعم أحدهم بأنّ النبوة لها صلابة كصلابة الواقع ثم يَمنع العقل من المسك بهذا الواقع وإدراك ديناميكيته، فهو تناقض صارخ، علاوة على أنه استسلام أمام اللاعقل. لكن جعيّط مصرّ على موقفه المحافظ من الوحي والأنبياء، وهذا لا يصدمنا كثيرا: «فالوحي للأنبياء مجعول لتنظيم البشر على أفضل طريقة، ويُمثل تدرّجا مُهمّا جدا في تطور المجتمع الإنساني. يتدخل الله بالوحي للرّفع من مستوى الإنسان عن طريق هُدَاة يختارهم. وبالتالي فالنبوّة إفراز من قوى الحياة، كما يقول برغسون، وخطوطها العظمى بتدخّل من الماورائي، أو أن الأنبياء ـ من موسى إلى زردشت إلى البوذا إلى المسيح إلى محمد ـ يستقطبون الماورائي ليس فقط لفهم الوجود والمصير، بل وأيضا للتقدّم في بناء الإنسان. وأيّ مجتمع لم يفرز مثل هؤلاء الهُداة لا ترقى إلى مجتمع متحضّر كبير(44)».
المؤرخ لا ينبغي عليه أن يتخلى عن مبادئه أمام اللاعقل، أو أن يُسلّم دون نقاش بالترسانة الميتولوجية للأديان. من المفروض أن يكون كذلك، لكن بالنسبة لجعيط « المؤرخ يقبل ذلك دون نزاع حتى عند أنبياء أستراليا والشامانيين. وبالتالي، فكل تشكيك في النبي من طرف علماء الأديان مغلوط منهجيا(45)». وعلى هذا الأساس فإن الرجل يعارض بشدة تحليلات فرويد بخصوص موسى والتوحيد ويقذفها في عداد الخرافة «ما يرويه فرويد عن موسى خرافة لا أكثر(46)». كُنّا نودّ أن يُبيّن لنا، بالنصوص والحجّة مواطن الخرافة في عمل فرويد، ثم يُعطينا البديل، لكن لا شيء من هذا القبيل موجود عنده؛ لا شيء وذلك لسبب بسيط، وهو أنه، حسب الذهنية الدينية المؤمنة، لو شُكّ طرفة عين، كما فعل فرويد وغيره، في نبوة موسى لَسَقط بناء الديانات التوحيدية جميعها ولَفقَدت الكتب “السماوية” والأنبياء من قدسيّتهم، ولَطَفَت على السطح هشاشة ادعاءاتهم بل وتمويههم.
في ما يخص الجِدّة التي وعَد بها وادّعائه بعدم التقيّد بنهج السيرة المقدسة التي ارتسمت معالمها منذ القرن الثاني للهجرة، فإننا فعلا نعثر على بعض الأشياء في كتابه هذا على الرغم من أنها متناثرة وغير منسّقة. لكن تلك الجدّة يُمكن إدراجها، بشيء من الجهد، ضمن لائحة عناصر بسيطة وعَرضية. لقد ركّز شكوكه على جزئيات غير محدِّدة ولا أهمية لها في التاريخ المقدس، وفي مقابل ذلك أبقى على بنيتها الأسطورية ولم يمسس من هيكلها الأساسي. مثل رفض قصّة غار حراء، أو معارضة فكرة أن محمدا لا يُحسن القراءة(47)، لكن حتى إزاء هذه النقطة الأخيرة لا ندري ما موقفه تحديدا، فهو من جهة يقول: « لا نستبعد أن يكون محمدا جاهلا للقراءة(48)» ومن جهة أخرى يؤكد قائلا: « ومن الواضح عندي أن شخصا مثل محمد … كان يُحسن القراءة والكتابة(49)». الحل الأقوم الذي يقطع شكوك المستشرقين والعرب اللائكيين، ويُعيد للمسلمين قناعاتهم ويحافظ على نقاوة دينهم هو التوفيق والجمع بين الضدّين: « أما بالنسبة إلينا كمسلمين معاصرين، فلا تَضارب بين صفة الموحَى إليه ـ أي محمد ـ وحقيقة الوحي، وبين صفته كشخصية فذة من طراز أعظم مؤسسي الأديان، وفي رأيي الخاص أكبرهم قامة(50)».
القول بأن محمدا كان عارفا بالكتابة ليس هو بالأمر الجديد على مسامع الدارسين، الجديد هو التوفيق بين الضدّين. المستشرق الإيطالي باوزاني، منذ القرن المنصرم، تطرّق إلى هذه الإشكالية وأخلص، بكل تَواضع، إلى هذا الرأي: «لا أجرؤ أنا شخصيّا استخلاص نتيجة دقيقة جدّا، وإلاّ فإني سأصل إلى القول (وأعترف بصعوبة هذه القَولة) بأن محمدا لم يكن فقط لديه علم ببعض الكتب اليهودية والمسيحية أكبر بكثير من ذاك الذي يَنسبه إياه المستشرقون الأوروبيون، بل، بالنسبة لبعضها، يهودي(51)». لديه معرفة خطيّة، سواء أكانت ناجمة عن معاينة وقراءة مباشرة (غير محتملة جدا) أو عن إملاء أو اقتراحات من حبر إن إشكالية معرفة محمد بنصوص “أهل الكتاب” يواصل الباوزاني لم تُحلّ بعد، حتى إثر الدراسة القيّمة التي خصصها لهذا الغرض المستشرق بال (Bell)، أو ما كتبه منتغومري واط (Watt)، وما أضافه أيضا بلاشير في شرحه الضخم للقرآن. ولكن المَغزَى الوحيد الذي يستخلصه باوزاني من أعمال هؤلاء الدارسين هو أنه مع مرور الزمن بدأت « تُمحَى تلك الصورة لمُحمد كنَبي جاهل، وللإسلام كدين مُناسِب للبَدو، وعُوِّضَت بشخصيّة مُثقفة من طراز عال، إذا اعتبرنا العصر والأمكنة: من المحتمل أنه لم يكن أميّا، بل عارفا، نوعا ما بالكتب (المقدسة)(52)».
الآفة الكبرى لأي مفكّر عربي أو غربي هي تحيّزه لدين ضد آخر، وإعلائه لمنظومة عقائدية على حساب الأخرى باستخدام شحنة خطابية جيّاشة. الدين المتحيّز إليه هو طبعا الدين الذي شبّ عليه الفرد، وأظنّ، إن لم أخطئ، أن جعيّط سقط في فخ من هذا القبيل، وأراهن على أن الرجل لو وُلد في العالم المسيحي لقال نفس الشيء في المسيح ولاعتبره ابن الله المخلص الأوحد للبشرية، والذي ما بعده مخلص ولا دين ولا كتاب مقدس، ولأنكر على المسلمين أقوالهم في المسيحية وادّعاءهم بأن رسالة محمد هي الخاتمة وأن كتابه كلام الله الأزلي. وأترك لخيال القارئ تصوّر ما سيكون عليه الحال، وما طبيعة مواقفه من الأديان التوحيدية لو أنه وُلِد في العالم الهندي وشبّ على الديانة الهندوسية. انظُر بأي طلاقة لسان يتكلّم في المسيحية وبأي تَداعيات حرّة يُشَرّح العهد القديم متبنّيا هذه المرة، دون تحفّظ، أقوال المستشرقين(53). نحن لا نعيب عليه ذلك إطلاقا، فالمستشرقون درسوا الكتب اليهودية والمسيحية دون أي تقديس أو تنزيه مُخل بالمنهجية العلمية، وجعيّط نفسه يستشهد بهم ويزكّي نتائج بحوثهم: كان عليه أن يتحلّى بنفس الموضوعية إزاء كل الأديان بدون استثناء. لكن، كما يلاحظ القارئ، حينما يمسّ النقدُ القرآنَ أو محمدا، فإنه يفقد رصانته ويتهجّم على المستشرقين بشدّة، وتخمد التداعيات الحرة، ولا نحصل إلاّ على استثناءات وحذر شديد وإرادة تنزيه. المستشرقون الوضعيون هم في حالة إدانة مستمرّة نظرا لجَهلهم بمعاني القرآن وعدم قدرتهم على تذوّق فصاحته لأنهم لم يَتربّوا في كنف اللغة العربية منذ الصغر(54).
الملفت للنظر هو أن في ثنايا الكتاب الذي نحن بصدده أخذ دور المؤرخ الوضعي يتقلّص رويدا رويدا، لكي يحلّ محلّه اللاهوتي أو المفسر للقرآن، وذلك بتركيز جهده على الجانب الدفاعي لتنزيه الإله الإسلامي وإخراج كلمات سورة النّجم من معناها الأنثربومورفي التشبيهي(55). لكن، علاوة على الشكوك الجمّة التي تحوم حول تأويله لتلك السورة، فهو قد أخطأ حينما قال بأن القرآن لم يذكر من أسماء العلم إلاّ أبا لهب. وزيد، ألم يذكره القرآن بصريح العبارة؟
جعيّط يَقف ضدّ السيرة الكلاسيكية لا لكي يتجاوزها، بل ليعود بنا إلى الوراء. يقول مثلا بأن تجربة الوحي « مِن حيث خصوصيتها للنبي وصفتها الخارقة للقوانين الإمبيريقية للطبيعة…. ليست بالرؤية العادية…خلافا لما ذُكر في السّيَر». ما هي بالتحديد، إن لم تكُن رؤية عادية؟ « هي رؤية لا بمعنى الحُلم لكن بمعنى إدراك ما لا يُدرك عامة وعادة. أي أنّا هنا ندخل في واقع لاإنساني وحقيقة تفوق الإنسانية(56)». النتيجة التي يعرضها جعيط في ما يخص الرؤية تبدو وكأنها أتت بالشيء الجديد إلاّ أنها في حقيقة الأمر لا تَفوق ولو طرفة عين ما جاء في التفاسير القديمة وفي كتب السيرة: « الخلاصة أن رؤيا النبي حسب النجم هي رؤيا لجبرائيل، قوة الله وروحه، وهي رؤية من موجود إلى موجود آخر تكشّف له في شكل يُرى…الخ(57)».
لا يكفينا التاريخ الذي يعجّ خوارق وأنبياء متعالين على الشرط الإنساني؛ لا يكفينا الوحي والكتب المقدسة، بل علينا أيضا أن ننحني صاغرين أمام بانتيون (Panthéon) الملائكة وعلى رأسهم جبريل.
إنّ تركيزه على تفرّد التجربة النبوية، على خصوصية القرآن، استثنائية التجربة المحمدية، نقاوة الإسلام، لهو أمر مُخيب للآمال؛ وكأن الإسلام مقطوع عن شجرة التاريخ الدنيوي، وكأن النبوّة لم تَنبَع من صُلب تجربة أنبياء بني إسرائيل، أو من صيرورة الخلاص المسيحية. كل شيء في الإسلام هو استثناء، والنبوات ككل هي تجارب إلهية خارقة للعادة. ولنا أن نحدس، والأمر على هذه الشاكلة، أن جعيط سيرفض رفضا قاسيا كل تفسير علمي مادي لظاهرة النبوة: « من الغلط التام أن يعتبر فيبر أن محمدا كان محاربا استلابيا…(58)»؛ ماكس فيبر « كوضعي عقلاني حديث، اعتبر سلوك الأنبياء من النمط المَرَضي»، الاعتراض هو هذا: « كيف يمكن تقديم مثل هذا التفسير وقد أتوا بالحكمة والكلام العميق؟(59)».
لدي بعض الشكوك، لأنني موضوعيا لا أدري أين هي الحكمة في خطابات تشبيهية وفي أساطير مُذلّة للعقل. ولكن استثارته لحساسيتنا الفكرية تكمن أساسا في سدّه على المفكرين الأحرار أي منفذ لتَمتِين أفكارهم وإضفائها مصداقية ما، يقول بأنه من حق الفيلسوف أن يُبدي رأيا بشأن الأديان، وله أن يَنقدها أو يُكذبها « لكن هذا يعتمد على خيار فكري إيديولوجي هو بذاته تاريخي(60)».
هل هناك أقوال تثير الشفقة أكثر من هذه؟ يعني أنّ رفض العقول التنويرية للأديان جميعا وأساطيرها وخرافاتها، هو مجرّد خيار شخصي للمفكر، ولا يعكس حقيقة الأشياء على ما هي، بل من باب الإيديولوجيا، وعلى كلّ حال فهو خاضع للتبدّل والتاريخ، وبالتالي ـ هذا استنتاجي ـ مِن غير المستَبعد أن تعود الإنسانية القهقرى وتستعيد أساطيرها القديمة. هذا أمر معاين ونعيشه حاليا، وما صعود المتعصبين الإنجيليين في أمريكا وأوروبا وتشكيكهم في نظرية داروين، لإعادة أساطير الخلق من العهد القديم، إلاّ بوادر لهذه الصيرورة الكارثيّة.
ابستيمولوجيا جعيّط هي ابستيمولوجيا العدمية: لا حقائق ثابتة، ولا قوانين علمية قادرة على معرفة الكون، والكل يخضع لديناميكا نسبية تاريخية، وملفوفة في ثنايا التزمّن؛ أما جوهر الأشياء وأسبابها وعللها فتبقى مجهولة. يقول، في لهجة لا يَختلف فيها معه أي ذهن متدين مشحون بالأساطير « العلم بذاته رَسَم حدودا لنفسه، فحقائقه نسبية ودقيقة في آن…وتبقى أصول الأمور وأسبابها النهائية مُعلّقة(61)». مَن يرى في الأديان مجرّد ركام مِن الأساطير فهو فاقد لسلامة العقل، غبيّ، وينقصه العلم والحكمة، لأن جعيّط أوجب مَن هو مِن « أهل العلم والحكمة وحتى سلامة العقل (أن يَنظر إلى الأديان) بمحبّة وتقدير، ويجب عليه ذلك. فمن الغباوة أن تُرمى اليوم الوثنية المصرية بالجهالة…(62)». على كل حال يجب الكف عن البحث وقطع الشكوك والإنبراء بالصمت أو الاكتفاء بالإيمان والتصديق بكائن غيبي، غير محتمل الوجود، عن طريقه تُحَلّ كل المشاكل التاريخية والمعضلات الفلسفية: « هناك رجال دين تلقّوا وحيا، وهناك كتب موحاة في كل مكان وبكل شكل من الأشكال، وليس علينا أن نشكّك فيما قالوه أو أن ندخل في مشاكل ميتافيزيقية ولاهوتية(63)».
التفريط في العلم لأجل المحافظة على الأوهام، أو لغرض احياء أساطير عتيقة، ليس من الحصافة العلمية في شيء. إنها مفارقات جدّ رهيبة، وهذه المفارقات إن لم يتم تقشيعها وإجلاء ما استعصى منها، فإنها قادرة على تقويض مصداقية أي عمل تاريخي.
{{الهوامش:}}
1- حيدر غيبة، هكذا تكلّم العقل. المفهوم العقلاني للدين، دار الطليعة، بيروت 1999، ص، 91.
2- هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة ـ بيروت، 1999، ص، 7.
3- هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة ـ بيروت، 1999، ص، 8.
4- هشام جعيط، نفس المرجع (ن. م)، ص، 46.
5- ن. م، ص، 56.
6- ن. م، ص، 18.
7- ن. م، ص، 18.
8- هشام جعيّط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة بيروت وقد كتب أوّلا يالفرنسية ونقله إلى العربية د. المنجي الصّيّادي وقام المؤلّف بتدقيقه وتنقيحه وقد صدرت الطبعة الأولى بالفرنسية سنة 1974، والطبعة الأولى بالعربية سنة 1984 أماّ الطبعة الثانية سنة 1990
9- ن. م، ص، 122
10- ن. م، ص، 123
11- هذا الاستنتاج مطابق لصريح أقواله: « فنحن لا نقبل أن يكون الإسلام الأس الوحيد للأخلاق والمجتمع، والمحرّك الأساسي الفعلي للعبة الاجتماعية، فارضا قواعده الدينية وما يرتبط بها من فروض في العادات والقضاء، كما كان الأمر في الدولة الخاضعة للحكم الإلهي في العهد الوسيط وكما هي الحال في بعض الدول المعاصرة سواء كان حكمها تيوقراطيا أم لا». ن. م، ص، 103.
12- ن. م، ص، 123.
13- « إن المظهر السلبي للصلة بين الإسلام وعالم الماضي يطرح قضية خطيرة بالنسبة للفكر النظري، وقد أشرنا آنفا إلى الكساء الميثي للدين، لكن القضيّة كلّها تعني التساؤل فيما إذا كانت الميثولوجيا لا تمسّ إلاّ عناصر عارضة أو هي تتمثّل بنواة الإيمان. إن الإسلام ككلّ دين غيره نشأ في بيئة ذهنيّة معينة وفي جوّ فكري معيّن، في عصر بشري سيطر فيه المظهر العجيب على أفق الإنسان، وهو ورث فضلا عن ذلك أغلب التقاليد اليهودية النصرانية. يتضمّن القرآن الملائكة ورؤساءهم وإبليس وجيشه من الشياطين والجن، ويظهر أن هؤلاء اقتبسوا من الخرافات المحلّيّة. نجد في القرآن تصوّرا معينا للجنين البشري قد لا يقبله العلم. ونظرة للكون المادّي قابلة للتأويل بحيث لا تتضارب مبدئيا مع العلم لكن تتداخل فيها عناصر توراتية هي بدورها متأثرة بالكسمولوجيا البابليّة القديمة. هذا ما يبرز لعيان الإنسان الحديث المثقف ثقافة متوسّطة، وهو ما يمكن أن يكتشفه كذلك في العهدين القديم والجديد. لكن التفكير المتسلّح يمكنه التقدّم خطوات أخرى فيتساءل كيف يقبل العقل الناقد العذاب الأبدي فضلا عن كونه جسديا، بالنسبة لغير المؤمنين، وكيف للنزعة الإنسانية لعصرنا أن تسمح بذلك؟ أين يكمن الحلّ للتناقض بين الحرّية ومسؤولية الإنسان التي يتضمّنها مفهوم الحساب، وبين قدرة الله وظلمه أو يكاد، التي يترجم عنها القضاء والقدر؟ وهذا الإله ذاته الشخصي والمتعالي أي لعبة يلعب؟ لماذا كان متخفيا؟ أولا كان يتكشّف مرّة واحدة وبوضوح للإنسان؟ وختاما لذلك كلّه، يتدخّل النقد التاريخي». ن. م، ص، 124.
14- ن. م، ص، 125.
15- انظر هادي العلوي، أبو العلاء المعري، المنتخب من اللزوميات، نقد الدولة والدين والناس، دار المدى للنشر، ط. 2، سورية ـ دمشق 2007، ص، 20 ـ 40.
16- فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1999. ج، 3، ص، 191.
17- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الفكر، بيروت 1997 ج. 4، ص، 146.
18- هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، ن. م، ص، 17. «القرآن هو نتيجة الوحي ومضمونه، والقرآن كمعان وألفاظ من هذا العالم مُندرجة في الفضائي ـ الزمني يُدرك بالإدراك الحسي والذهني، ليس هو إلاّ نسخة من “الأركتيب” الأصلي الإلهي».
19- «القرآن، إذن، كتاب مقدّس بالمعنى الدقيق للكلمة سواء آمن بألوهيته الإنسان ـ المسلمون وحتى غيرهم ـ أم لم يؤمن، فاعتبره تراثا دينيا يدخل بالتالي في سلسلة الكتب المقدسة المعتمدة على علاقة مع الإله، أي على وحي». ن. م، ص، 18 ـ 19.
20- ن. م، ص، 19 ـ 20. «والأسلوب في القرآن هو نفسه مع متغيرات طفيفة، وكانت فترة النزول قصيرة (20 سنة). وإلى جانب التوحيد […] نجد في العقيدة الإسلامية ضرورة الاعتراف بأن القرآن كله وحي وارتباط ذلك حميميا برسالة محمد، في حين أن الأمور تتخذ صورة أخرى في الدينين الآخرين. فإجلال التوراة بالذات تَأكَّد أكثر فأكثر لدى اليهود وتزايد مع الزمن، لكن الكتاب المقدس في جملته تراكمت فيه العناصر التاريخية والجنيالوجية والقانونية والحكمية و”النبوية” والطقسية بكل تفصيل ودقة. وبخصوص الإنجيل في رواياته الثلاث المتشابهة والأربع الكاملة، ما نجده هو شبه سيرة عيسى من ولادته إلى دعوته إلى صلبه إلى رجوعه وارتفاعه إلى السماء تتداخل في طياتها أقوال المسيح…ولو حولنا نظرنا إلى رقعة حضارية أخرى متأثرة بالتقليد الإيراني ـ الهندي..لالتقينا بمدع ديني توحيدي كبير، هو زردشت من القرن الثامن ق. م…وكل ما تبقى من أشعار كان يستلهمها من إلهه أهورا ـ مازدا الذي بشر به…وفي جو ثقافي آخر ظهر البوذا في حكمته العظيمة ونظرته إلى الوجود والسعادة القصوى. والذي حدث هو تجلي الحقيقة له وتكشفها، لكن ليس من مصدر إلهي، لأن البوذا، ومن بعده البوذية، لا يعتقد في أي إله بل همّه تجاوز التناسخ والتوصل إلى عدم النيرفانا، وهي السعادة القصوى»
21- ن. م، ص، 22.
22- ن. م، ص، 137، هامش، 79.
23- ن. م، ص، 8.
24- ن. م، ص، 8 ـ 9. « فلو أخذنا على سبيل المقارنة، المسيحية والزردشتية والبوذية، لوجدنا أن العطاء التاريخي ـ أي في الواقع ـ للمؤسس خبا إلى حد كبير وراء الدين المتأسس باستمرار. فكم من أفكار عجّت بها المسيحية، وكم من مؤتمرات عقدت لضبط المعتقد، وكم من هرطقات ظهرت في العقود الأولى. والشيء نفسه بالنسبة للبوذية وتكرر المؤتمرات حولها وتغيير المعتقدات. أما دين زردشت، فقد حصلت فيه ردة».
25- ن. م، ص، 9 ـ 10 « إن الصيغة التأكيدية الحامية في القرآن واعتباره ككتاب الله المنزل بكليته خلافا للكتب الأخرى، والحفاظ عليه من الشوائب، وإصرار النبي في حياته على حقيقة الوحي، إن كل هذا أعطى الإسلام قوة داخلية كبيرة. كما أن احتواء القرآن على قانون وأخلاقية وحتى على تناقضات أكسبه تأثيرا عظيما ومعنى مطلقا. فالتناقضات موجودة في كل الأديان الكبرى، وهي التي تجعلها تجيب على كل تساؤل وتتجه إلى كل الأفراد والجماعات بتعدّد حاجاتهم ورؤاهم، ومع تناقض عقولهم».
26- ن. م، ص، 10. « ولذا رأت الدولة الرومانية مع قسطنطين ـ لإنقاذ ذاتها ـ ضرورة اتخاذ المسيحية كدين رسمي اعتمادا على الكنيسة المُمَأسسة وجسم الأساقفة…فالمسيحية إذن عملية إنقاذ للدولة، علما بأنها انتقلت إلى الشرق».
27- ن. م، ص، 11. « وراء كل ذلك كانت هناك جوانب سلبية مهمة: حذف الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني والعقل اليوناني، ومشاعر الانتماء في صلب النخبة إلى حضارة وثقافة، وما تلزمانه من تضامن متأدب من فوق إلى تحت (Paideia)…كما أن التحول إلى المسيحية في العالم الروماني أدى إلى عدم التسامح إزاء الأديان العتيقة التي بقي أناس متشبثين بها ولا يرون ضرورة لفكر ديني أحادي، بل غلب عليهم الأسف والأسى».
28- I. DIONIGI, A. TRAINA, La maschera della tolleranza, Ambrogio, Epistole 17 e 18, Simmaco, Terza relazione, BUR, Milano 2006, p. 64. « Aequum est quicquid omnes colunt unumputare »
29- Ibid. « Eadem spectamus astra, comune caelum est, idem nos mundus involvit ; quid interest qua quisque prudentia verum requirat ? Uno itinere non potest perveniri ad tam grande secretum ».
30- Ibidem.
31- Ibid, p. 82.
32- San Gerolamo, Lettere, testo latino a fronte, BUR, Milano 2000, p. 163.
33- Ibid, p. 165.
34- هشام جعيط، الوحي والقرآن والنبوة، م. س، ص، 11.
35- ن. م، ن. ص.
36- ن. م، ن. ص.
37- ن. م، ص، 12.
38- ن. م، ص، 11 ـ 12.
39- ن. م، ص، 12.
40- ن. م، ص، 28.
41- ن. م، ن. ص.
42- ن. م، ن. ص.
43- ن. م، ن. ص.
44- ن. م، ص، 122، هامش 39. وأيضا، ص، 78 ـ 81.
45- ن. م، ص، 123، هامش، 40.
46- ن.م، ص، 136، هامش، 76.
47- ن. م، ص، 42.
48- ن. م، ص، 44.
49- ن. م، ص، 45. أيضا ص، 134، هامش، 69.
50- ن. م، ص، 46. انظر أيضا، ص، 116 هامش 23.
51- A. BAUSANI, Postille a Cor. II, 248 – XXXIX, 23 – XX, 15, in ” Studi orientalistici in onore di Giorgio Levi della Vida “, vol. I, Istituto per l’Oriente, Roma 1956, p. 34.
52- Ibidem.
53- ن. م، ص، 53. و ص، 112 هامش 5. «ورجوعا إلى مشكلة التجلي، فإن كل منطق القرآن ضد فكرة تجلي الله ذاته، وما وُجد في النص المقدس من تأكيدات على كلام الله لموسى أو جدال الله لإبراهيم بخصوص قوم لوط، إنما هو استرجاع للتراث اليهودي القديم حيث كانت الأنتروبومورفيا طاغية. وقد أراد القرآن بذلك عدم التعارض مع التقليد اليهوي، واعتماد استمرارية التوحيد حتى تصل إلى فترة التنزيه القرآني الأسمى وعمق النظرة إلى الشخصية الإلهية وكنه الوجود. كذلك نفى القرآن التشخيص الإلهي في المسيح وكفّر من قال بالتثليث. فليس القرآن رجوعا إلى اليهوية الأولى ولا إلى اليهودية التالية من فوق المسيحية، إنما كان تجاوزا لكل ذلك جميعا مع إلحاح على تواصل التوحيدية من نوح إلى إبراهيم وفيما بعد إلى بني إسرائيل والمسيحيين وحتى الصابئة، لأن الإله إله واحد هو الله، وهو كوني وعالمي في آن فلا يُسمّى بـ”يهوه” عندما يتجلى لموسى بل الله، وهو الله دائما من الخلق إلى الساعة إلى الأبد. وهو مبدأ الوجود الذي أوجده وقبل أن يُوجده وإن أراد فَسَخَه. فهو الوجود بعينه، إنما وجود بصفة خاصة به حاول القرآن حصرها بلغة البشر ومُوجهة إلى البشر. ولعلّ أمثل مقاربة للكيان الإلهي تلك الموجودة في سورة النور: “الله نور السماوات والأرض…”. وهذا كله يمنح رسالة محمد وجاهة كبيرة، ولَهذا حجّة قاطعة بأن الله ذاته لم يتجلّ لمحمد في رؤيته».
ثم في ص، 112، هامش، 5 : «العهد القديم ابتدأ تحريره في القرن الثامن قبل الميلاد من طرف “اليهوي”، وفي القرن السابع ق.م، من طرف “الإيلوهي”، وزيدت التثنية على أنها اكتشفت وتكون من عمل موسى. ولنذكر أيضا قانون القداسة وسفر “الأنبياء” وكتب الحكمة المتأخرة. إن العهد القديم أعيد تحريره وضبطه العديد من المرات حتى القرن الثالث بعد المسيح. انظر في هذا المجال: (Bottéro, Dhorme, Wellhausen)».
54- ن. م، ص، 119، هامش، 34. « بلاشير (Blachère) في ترجمته المعروفة ومن بعده “باريه” (R. Paret) في تفسيره…وهي فكرة ضعيفة تنمّ عن عدم فهم لمعاني القرآن ومفاهيم المتناهي واللامتناهي (L’infini). كما كانوا قاصرين عن تذوّق بلاغة القرآن وهذا شأن “فون غرونباوم” (von Grunebaum) وروددنسن (Rodinson) وأخيرا فان إيس الذي اعتبر أن ما جاء في الفترة المدنية غير موحى به لـ”ركاكته”. وهذا الحكم خاطئ، كما أن الوحي في جميع الأديان لا يُقاس بالضرورة بالفصاحة الغريبة، شأن السور الأولى. ومن الصعب حقا معرفة اللغات إذا لم يتربّ الإنسان في كنفها من الصغر».
55- ن. م، ص، 52 ـ 54.
56- ن. م، ص، 57.
57- ن. م، ص، 66.
58- ن. م، ص، 74.
59- ن. م، ص، 76.
60- ن. م، ص، 93.
61- ن. م، ن. ص.
62 ن. م، ن. ص.
63 ن. م، ص، 105.