درويش… إلى المنفى الجديد… بلا عودة

فلسطين… حمل غبارها برنسا. ضرب في الأرض يرتكب القصائد. ونحن نردّد ما اقترف.

–لا ذنب علينا، فسحرُ بيانه سلب العقول. دخلنا سراديب المعاني بعيون على شفتيه… ولو سألونا: هل مضى؟ لن نعترف.

–نحن بايعنا قصائدك كلها، ورضينا بحكمها، فتداولت عرشا علينا. وسجدنا بين حروفها رعشة.

–اقرأ. كلمة السحر. وجدُّنا المدَّثر أورثك لسانه.

–اقرأ. بسملة، وحمى القول بين اللحظة والنص. ونحن نتَّبع الخَطو، نقفز من حرف ساخن إلى حرف على سكّين الرؤيا يشُقُّ لغة مُصوَّرة ويصنع عوالم تسيل. تنبع من فراقٍ لا يُفارق ولقاءات تُلهب الشَّوق ومطابعَ تئنُّ من ثقل في القول. تهزُّ الورق عند جذع وتنهمر آلام الولادات فتنبجس الحقائق قولا وتكبر على شفاهنا عارية وخالدة. مُطهَّرة. قادمة من أصوات البدء كما خلقتها الأبدية بعد الزِّلزال الأوّل.

ماذا ستُنشد الآن، وقد مضَيتَ؟ ماذا ستقول الشفة الباردة في الظلام؟

هل سترفع يديك مثلما كنت تفعل منشدا؟ وتُطيل أواخر الكلمات، فتكون فوقها، خلف نظَّاراتك وعُمر في المنافي؟

سيسألانك (ملَك الشّعر وملَك التّراب): من أين تأتيك القصيدة؟

وتجيب: من أين تأتي القصيدة؟

وينشد ثلاثتكم:

القصيدة باقية

أتت ضدّ الرحيل

يسكنها اللاجئون إليها

وقد ضاقت الأوطان

– القصيدة بيان التائهين، بين المعاني، والمسافرين بلا أجل للتوقف عن رحلة تجانب الأيام ولا تدخلها. رحلة تصنع أيامها بإيقاع السّحاب:

مرتفع، يراقب، يهطل، ينزف، يبلّل، يأتي بالنّدى، يُرجع الكائنات إلى النبض قبل أن تَنّفق، فتغنِّي للحياة.

هل ستشفع لنا؟

لقد سرنا على هدْي سحرك. آمنّا باللغة اليتيمة والشريدة، وانتظرنا عودة المنفِيِّ فيها وبها.

هاجرنا مرارا، كما أمرتنا. مازلنا نهاجر. لم تنته رحلتنا.. هل انتهت؟ وأنت تعلن جملتك الأخيرة، جريحا.

هل خرج قلبك مودّعا وتبسم للطبيب؟ هل تغزّل بحاملة المشارط وهنّأها على السلامة قبل أن تعود لطفلتها وتحكي لها قصة الشرق التي تبدأ من أسفل قلبك إلى عصفور على شفتيك؟

هل استعدَّت القبور لقدومك، وتجمَّع أهلها؟ وتحدَّثت صحافتهم عن قادم جديد خُلق من ماء، من أصوات، من أحلام، ومن نشيد.

هذه عودتك إذا؟

لم تقل ذلك.

هل خذلتنا؟ أو ذهبت تكمل رحلتك هناك.

سنقف الآن في صفٍّ طويل طويل ونعزّي القصيدة فيك.. فهي ابنتك الوحيدة.

سنقول لها: يا يتيمة. وتبكي. ونبكي.

ونردّدها. وتردّدها (القصيدة). ويردّدها صوتك الباقي في البلاد التي عرفتك واللغات التي احتلّها.

سنسألها: كيف نقرؤك الآن؟ بالأسود الحزين، أو الأبيض، أو الأحمر، أو الأخضر.. أو بزيتون الجليل.

الباقون هنا بعدك.

يتسلّلون إلى زوايا الذاكرة. يرتِّبون أيامهم على إيقاع قولك. يتسلّون بخياطة أعمارهم من نصّك. كنت وحيدا. كان كلُّ وحيد يستأنس بك. لا أحد يؤنسك. كنت تؤنس الثوار والعشاق، وطول الليل والبرد والقيظ. وتصنع الأوطان للمنفيين وتشيّدها وتعمّرها. وتحكمها بلا بيعة مغتصبة ولا انتخابات مزوّرة، ولا قوّات لحفظ النظام.

الباقون هنا بعدك.

يتامى. شهداء. مسيرة احتجاج. قلب عاشق. ثورة مسلحة. تراب. ظلّ شجرة تين. إعلان دولة. صورة الزعيم. حجارة. انتفاضة. حاجز. بوّابة. نشرة الأنباء. شعراء. مارسيل خليفة. الكرمل. حوار صحفيّ. جواز سفر. الصليب الأحمر. وكالة غوث اللاجئين. بيروت. عمان. القدس. دمشق. حدود. تأشيرة. ورق أبيض. قاعة اجتماعات. السّلطة الوطنية. فصائل المقاومة. البيان الشيوعيّ. قصف. تفجير. ليلة باردة. عملية فدائية. كأس كونياك. تبغ. جملة اسمية. جملة فعلية. خبر. رجوع إلى السطر. اجتياح. ملح في الدم. أغنيات. أسرى. بندقية. نكبة. نكسة. خيال ريتا. أمسيات. عواصم. نداءات استغاثة. حنين. رائحة خبز أمّك… نحن.

سنجمع كل هذا وما تبقى في صندوق خشبيّ، تركه جنديّ بريطاني قبل رحيله عن فلسطين، وندفنه معك.