رؤى الصالحين في القرن الحادي والعشرينسعيد ناشيد

قبل أن يَصير رئيساً لجمهورية السودان، كان جعفر النميري قائداً عسكرياً في منطقة الجنوب، وبينما هو يتجوّل يوماً، في إحدى الطرقات، إذ تراءى له شيخ خارجاً نحوه من أدغال غابة مجاورة، ارتاب للأمر، لكنه عاد ليتمالك نفسه وقد لاحظ بأنّ الشيخ لا يحمل بين يديه سوى عصا خشبية مصنوعة من غصن شجرة، وبخطوات ثابتة وواثقة تقدّم الشيخ نحو القائد العسكري الشاب وسلّمه عَصَاه، ثم أعلمه بأن يظلّ بها محتفظاً وعليها حريصاً، لأنّ الله سيفتح عليه بها أبواب العاصمة السودانية، الخرطوم!

آمن النميري بالبشرى، عضّ عليها بالأسنان والنّواجذ، وراح يعمل على تحقيقها مصداقاً للوعد الإلهي؛ وبالفعل، فبعد بضع سنوات، وبمشيئة من الله، وعون من الانقلاب العسكري أيضاً، أمسى النميري رئيساً للسودان، فزاد إيمانه إيماناً ورَسُخَ تديّنه رسوخًا، ودعا إلى تطبيق الشريعة تطبيقاً حرفياً كاملاً، بدءاً من قطع اليد اليمنى للسارق والسارقة وانتهاءً بقطع كلتا اليدين.

وقبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، كان جورج دابليو بوش قد التحق منذ عام 1986 بإحدى الجماعات الدينية البروتستانتية، فأقلع عن مُعاقرة الخمرة، وذلك بفعل بركة القس الأمريكي الشهير، بيلي غراهام، وهي البركة التي أعانته على استعادة توازنه وثقته في نفسه، وهدته إلى الصراط المُستقيم.

ولأنّ الرّجل كان صادقاً في توبته، صادحاً بها، فإنّه لم ينس أن يُواظب على الصلاة إلى حد الإفراط في الخشوع والتخشّع، وذات مرّة، وعندما كان منزوياً في إحدى صلواته، تراءت له مبشرة من المبشرات (والمبشرات رؤى الصالحين)، فسمع صوتاً هاتفاً من الغيب، ينبئه بأنّ الله قد نذره لقيادة الأمة الأمريكية، وهو الأمر الذي لم يتردّد في الاعتراف به، أمام مسامع الكثير من مقربيه.

ومرّة أخرى صدقت النبوءة، وبعون من الله وصناديق الاقتراع، وبقرار أيضاً، من المحكمة العُليا، أصبح بوش الإبن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.

وقد يبدو لافتاً للأنظار ومريباً للأفكار، أن تنتقل عدوى المبشرين بالسلطة إلى البلد الأوروبي الوحيد الذي يتبنى العلمانية على مستوى الدّستور، إذ أنه في يوم 20 دجنبر 2008، وخلال محاضرة ألقاها داخل الفاتكان، وقف الرّئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمام جمع من رجال الدين مدلياً باعترافاته قائلاً: «أدرك أنكم شعرتم في يوم ما بقوّة الصوت الذي ينبع من داخلهم ويصعب إسكاته، لأنني أنا بدوري، لا أحتاج لأن أجلس وأتساءل حول ما إذا كنت سأقدم على فعل شيء قبل أن أفعله، أفهم أيضاً حجم التضحيات التي بدلتموها من أجل الاستجابة لذلك الصوت الداخلي، لأنني بدوري أعلم حجم ما بدلته لأستجيب لذلك الصوت».

سؤال: ما هو هذا الصوت الذي يصدر من داخل الإنسان؟

الجواب: سوف لن يترك ساركوزي المجال للتكهنات، إذ أنّه وبعد أقلّ من شهر واحد، زار الرياض، وهناك ألقى عرضاً يوم 14 يناير 2008 ليعترف قائلاً: ” الله في قلب كل إنسان”، والمقصود أنه في قلب رئيس الجمهورية الفرنسية أيضاً.

سؤال آخر: هل الله يتكلم؟

الجواب: نعم إذا صدّقنا جملة عريضة كانت مكتوبة داخل كنيسة المسيح المتحدة للثالوث، يوم خطب داخلها باراك أوباما ليعلن عن بَدء حملته للانتخابات التمهيدية في ولاية ساوت كارولينا، فقد كان مكتوباً في خلفية المِنَصّة التي وقف عليها أوباما: “الرّب مازال يتكلم”.

سؤال أخير: الله يتكلم، مع من؟

الجواب: فيما مضى كان الله يتكلم مع الأنبياء، وكان ينتقي هؤلاء من بين بسطاء الناس، ومن الرّعاة (ليس من بينهم رعاة البقر)، ومن صِغار التجار وعابري السبيل والمستضعفين في الأرض، لذلك كانت كلمته تتأخر وتتعثر وتتبعثر، قبل أن تصل أو لاتصل إلى سادة العالم، أمّا اليوم، وفي عصر العولمة الرّأسمالية، فقد ارتأى الله أن يبلغ صوته مباشرة إلى أباطرة القرار.