
قد يرى البعض في كتابة امرأة عن علاقة مثليّة بين امرأتين حدثاً بحدّ ذاته، وهذا ما ذهبت إليه عدّة مقالات كُتبت عن رواية سمر يزبك “رائحة القرفة” الصادرة عن دار الآداب بطبعتها الثانية عام 2009، [الطبعة الأولى 2008]، لكنّ الاحتفاء بالجرأة الشخصيّة للكاتبة، أو النيل منها، لا يلامس ما حاولت الرواية استقصاءه من خلال العلاقة المثليّة، كما أنّ القراءات المتسرّعة غالباً ما تكون أكثر انتباهاً إلى الفعل الجنسيّ المباشر، فتغفل عن حضور الجسد وفعاليّته الأعمّ، أو الأكثر تسييساً. وإذا شئنا أنّ نضمّ هذه الرواية إلى ما يُعرف بالنصّ الجنسيّ المعاصر يُستحسن حينها التفريق بين نوعين من النصوص؛ فهناك نصوص غايتها الإضاءة على الفعل الجنسيّ بحدّ ذاته، وبالطبع وسيلتها إلى ذلك الجسد، وثمّة نصوص يُستخدم فيها الفعل الجنسيّ للإضاءة على الجسد وفعاليّته ورهاناته أو ما يُبنى عليه من رهانات، أي ما ندعوه تسييساً للجسد.
يستغرق الفعل الجنسيّ المباشر في رواية رائحة القرفة حيّزاً ضيّقاً، بل أضيّق من الحيّز الذي يستغرقه في روايات لا يكون الجنس في مقدّمة اهتماماتها، ومع ذلك فهي رواية ذات كثافة حسّيّة عالية، ويكاد الجسد يكون هو الحكم النهائيّ في علاقات الشخصيّات فيما بينها، أو في بناء التراتبيّات المولِّدة للفعل الدراميّ، وإذا أخذنا المرأتين، طرفي العلاقة المثليّة، فإنّ بناء شخصيّة كلّ منهما يتراوح بين شخصيّة واعية لجسدها وشخصيّة واعية بجسدها. سيّدة وخادمتها، الخادمة صغيرة السنّ وضئيلة الحجم قياساً إلى السيّدة؛ كلّ هذه المقدّمات تقود إلى تفاضليّة ترجّح كفّة الأخيرة لولا قدرة الجسد على تخريب الأنماط المستقرّة، وتغيير قواعد السيطرة والخضوع المتوقَّعة. القواعد التي تحكم علاقات النهار غير تلك التي تحكم ليلاً، لأنّ إقصاء الجسد عن دائرة الضوء يضع فاعليّته بحكم المؤجّلة ولا يلغيها، هذا إن لم يدفع بها إلى أوجها عندما تحين الفرصة المناسبة؛ هكذا يكون الضوء حجاباً للشخصيّات بينما تكشف العتمة عن العالم الداخليّ لها، وتسمح للمكبوت بالتحرك والظهور دون خوف. لم يكن من باب المصادفة إذن أن تبدأ الرواية بـ”إنّه خطّ الضوء المائل”، فخطّ الضوء المنبعث من غرفة السيّد فضح للسيّدة خيانة خادمتها مع الزوج، وآذن بانتهاء التواطؤ الذي تسمح به العتمة.
السيّدة حنان الهاشمي وخادمتها عليا، لندع المفارقة في اسم الخادمة جانباً؛ امرأتان لكلّ منهما تجربة سابقة بائسة مع الجسد، مع انتماء كلّ منهما إلى ثقافة حسّيّة مختلفة. ترجع عليا بأصولها إلى حيّ مكتظّ بيوته من الصفيح، حيث الأزقّة تضيق بمرور امرأة حامل، لذا فالجسد مبذول بلا نيّة في بذله، هو مبذول بلا جماليّات وبحكم الواقع المدقع. ما يهمّ في هذه البيئة البدائيّة هي القوّة العضليّة للجسد، لذا كانت أولى محاولات الصغيرة عليا أن تتمكّن من الفوز في الشجارات التي لا تنقطع بين أولاد الحيّ، وعندما تنجح محاولاتها فهي تصطدم بالقسوة الفظيعة للأب المشفوعة بقوّة بدنيّة تجعله مرهوب الجانب من قبل سكان الحيّ. ولا يخلو من الدلالة اقتران القوّة العضليّة بالفحولة الجنسيّة، ما يجعل الفعل الجنسيّ فعل سيطرة لا فعل تبادل للمتعة، فوالد عليا يعاشر زوجته بطريقة أقرب إلى الاغتصاب، وليس في هذا أدنى حرج أخلاقيّ ما دامت التراتبيّة الاجتماعيّة تمنحه هذا الحقّ. حتى عندما يستخدم الأب العنف المفرط بحقّ ابنته الكبرى ما يؤدّي إلى شللها، ويأتي الجيران للتدخّل بعد سماعهم ولولة الأمّ، فإنّه يحسم الموقف بفحولته؛ ينزل سرواله، ويدفع بقضيبه أمامهم قائلاً: “ابن امرأة يقترب حتى أطعمه.. هذا”. وأن يزيل الأب شعر عانته باستخدام ملقط الشعر فهذا تفصيل يحمل دلالة مركّبة على طبيعته. تشهد عليا أيضاً تسلّل أحد شبّان الحيّ إلى البيت، واغتصابه أختها المشلولة عندما يغيب أهلها، لكنّ الحدث الذي قد يكون أبلغ تأثيراً هو تعرّضها هي للاغتصاب من قبل المشرف على عملها عندما كانت تشارك أولاد الحيّ في نبش حاويات القمامة والبحث فيها عمّا قد يكون نافعاً. لن يكون مستغرباً في هذه الحالة أن تلتبس الذكورة بالعدوان على نحو نموذجيّ، وأن يرمز جسد الرجل إلى العنف وتتوقّف المعرفة بالجنس عند حدوده كفعل سيطرة أو اغتصاب، وسيكون من المتوقّع أن تحاول الطفلة تعويض “الخلل” الذي تتسبّب به أنوثتها بما يتيسّر لها من أصناف القوّة أو الحيلة.
ستبدو شخصيّة زوج حنان الهاشمي النموذج الأمثل لخادمتها كي تتعرّف على نمط مغاير للذكورة التي عرفتها سابقاً، فهي شخصيّة مؤسلبة تماماً ولا تمثّل عدواناً على الخادمة إن لم تمثّل فرصة الانتقام. من جانب آخر توفّر شخصيّة السيّد الكهل فرصة للخادمة كي تستكشف جسد الرجل على نحو مغاير تماماً لما عرفته في طفولتها، وإذا استبعدنا الفعاليّة الجنسيّة للسيّد، التي يوحى بأنّها ضعيفة جدّاً، فستؤدّي هذه العلاقة أغراضاً متعدّدة إذ يصبح بمثابة الرجل والأب، وبلا شكّ السيّد الذي تسيطر عليه الخادمة بواسطة جسده. تصف الرواية السيّد من جهة زوجته كالآتي: “عاشت عمرها معه، وهي تعتقد أنّه بلا تفاصيل. حتّى إحساسها بثقل جسده فوقها لم يكن إحساساً أنثويّاً بوزن رجل. كان إحساساً بالثقل فقط”. رجلٌ كهذا سيكون الحلَّ الأمثل لتستقيم العلاقة بين السيّدة وخادمتها، ولتجد فيه الأخيرة ملاذاً لاستقلاليّتها المفقودة ليلاً نهاراً مع السيّدة. على العموم تقدّم الرواية النموذج النقيّ لغياب الجسد من جهة الرجل، فالسيّد ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة حيث تسود علاقات الجاه والمال ولا تلعب القوّة العضليّة أيّ دور في تراتبيّتها؛ أي تنتفي العلاقة النفعيّة المباشرة بالجسد لصالح الانتباه إلى جماليّاته أو غياب الانتباه، وهذا ما تلحّ عليه السيّدة بتشبيه زوجها بالتمساح مراراً.
تفترق السيّدة حنان الهاشمي في نشأتها عن قريناتها من بنات الأرستقراطيّة الشاميّة، فقد أُهمِلت أنوثتها تماماً، ولم تتعلّم ما تتعلّمه المرأة الشاميّة من فنون الإغواء، وعندما حاولت أمّها تدارك الأمر بعد زواجها كان الأوان قد فات على البنت الوحيدة التي لم تعرف الكثير خارج دراستها. التجربة الحسّيّة الوحيدة التي تحفر في ذاكرة السيّدة هي ذهابها وهي صغيرة إلى حمّام عموميّ للنساء، وتعرّضها للمداعبة من قبل إحداهنّ ما تسبّب بإغمائها حينها. هذه التجربة السرّيّة الغامضة لن تمحوها تجربة زواج تقليديّ من ابن عمها، ولن تحسّ بالشرارة ذاتها ثانية إلا مع امرأة أخرى تكتشفها في إحدى السهرات، لكنّ نهمها العاطفيّ إلى التملّك لا يتحقّق فعلاً إلا بمجيء الخادمة. ولأنّ الرغبة القويّة في التملّك تجعل صاحبتها أسيرة موضوعها سنجد عواطف السيّدة أسيرة لخادمتها، بما يرجّح كفّة الأخيرة وإن لم تكن واعية لذلك تماماً.
كما هو متوقّع في المجتمعات الشرقيّة تقوم العلاقة المثليّة على مبرّرات اجتماعيّة قويّة، بحيث تبدو ملاذاً لأطرافها، وهذا لم يمنع الخطاب النسويّ المعاصر من التسلّل إلى “رائحة القرفة” على لسان السيّدة لتسويغ نزوعها المثليّ. تستعير الرواية بعضاً من الخطاب النسويّ الذي برز في ثمانينات القرن الماضي، فتحاول الإضاءة على جماليّات الجسد الأنثويّ بذاته، لكنّ هذه المحاولة تبقى مشدودة إلى نموذجين حدّيَين من الذكورة؛ يتمثّل أوّلهما بالذّكر العدوانيّ الفظّ، والثاني بالذّكر المُقصى تماماً. يظهر هذا الخطاب عندما تعمل السيّدة على إقناع خادمتها بالاكتفاء بالجسد الأنثويّ أو اكتفائه بذاته، وانتفاء الحاجة إلى الرجل، فتحاول إبراز جماليّات الأصابع على سبيل المثال، ومع ذلك تقع في فخّ الثقافة الذكوريّة إذ تشير إلى أنّ الأصابع تبقى جاهزة دائماً ولا ترتخي؛ أي أنّ تسييس الجسد الأنثويّ هنا يُبنى في جانب هامّ منه على معارضة الذكورة أو الإعراض عنها.
لا يستغرق الحدث المركزيّ في رائحة القرفة، وهو طرد السيّدة خادمتها لدى اكتشافها خيانتها، سوى الوقت الذي يستغرقه الفجر، أمّا تداعيات الحدث فقد انصبّت على ما يمكن تسميته بالسيرة الاجتماعيّة لأجساد الشخصيّات، ويُسجّل للرواية قدرتها على رصد التأثيرات الجسديّة في وعي شخصيّاتها، أو التركيز على الجسد كوسيلة للتفاعل مع المحيط، رغم أنّها ذهبت أحياناً إلى حدّ التنميط؛ هي محاولة لتسليط الضوء على الجسد بعد إقصائه مطوّلاً إلى العتمة.