ربما نحتاج إلى ديكارت…

أشير هنا إلى الشك. منطق الشك. حيث أن اليقين هو الأساس الذي يحكم كل منطق، كل التيارات الفكرية. أو إذا شئنا الإنصاف قلنا أن اليقين هو الذي يحكم كتلا أساسية في الإطار الثقافي كما في الإطار السياسي.

طبعاً كل التيار الأصولي هو كذلك، حيث اليقين هو منطقه، وهو يقين مقدس. لكن المشكلة التي واجهناها كانت في أن التيارات الحديثة، التي تبنت الليبرالية والديمقراطية والاشتراكية، ظلت في إطار اليقين. لهذا قيل أنها تبنت قشرة الحداثة دون الحداثة ذاتها، وأساساً دون العقلانية التي كانت الخطوة الأولى في الحداثة.

والشك واليقين من سمات “العقل” (أو التفكير). وبالتالي فإنهما متعلقان بما هو فلسفي. لهذا سنلمس بأن الفلسفة الحديثة هي آخر ما جرى الاهتمام به. بمعنى أن “العقل اليقيني” ظل مستمراً رغم كل محاولات الدخول في الحداثة، ورغم الميل لتجاوز البنى القديمة.

هذا الأمر يستدعي القول بالحاجة إلى ديكارت. حيث أن كل بنى الحداثة لن تصبح ممكنة التحقق دون تحوّل العقل. ليس العقل الجمعي، فهذا يتحوّل حينما تتغيّر البنى الاقتصادية الاجتماعية ونظام التعليم والقيم. لكن “العقل المفكر”. والمشكلة كانت في أن “العقل المفكر” ظل عقلاً يقينياً.

{{لكن ما هي مشكلتنا؟ لماذا كان اليقين بهذه اليقينية؟ لماذا نغرق في اليقين؟}}

ربما يجب أن نعود إلى الغزالي قبلاً، حيث كان قبل ما يقارب الألف عام قد عمل على تهديم كل المسارات التي كان يمكن أن تقود إلى الشك، من أجل تكريس يقين مطلق. لقد حرّم الفلسفة لأنها بالضبط تقود إلى الشك، ولهذا كفّر الفلاسفة، وكل المشتغلين في العلوم الرياضية والمنطقية والإلهية والطبيعية. وحصر “العلم” في “الموازين الخمس المنزلة في القرآن الكريم …… فيكون إمامك المصطفى …. وقائدك القرآن … ومعيارك المشاهدة والعيان”، لهذا “فمن تعلم من رسول الله ووزن بميزان الله سبحانه وتعالى فقد اهتدى.. ومن ضل عنها إلى الرأي والقياس .. فقد ضل وتردى”.

وبهذا فقد شطب العلوم لمصلحة “علم” محدد في القرآن لا يجوز الخروج عليه لأن في ذلك كفر وزندقة. ودمّر التجريد الذي هو أساس في كل بحث، وهو المبحث الذي كانت تؤسسه الفلسفة. كما دمر البحث في العلوم الطبيعية لأنها تنفتح على التجريد، وبالتالي تقود إلى الشك. هنا أصبحت مهمة العقل محصورة في النص، ومعنية بتفسير المشاهدة وفق النص ذاته. وتطبيق أحكامه دون تفكير. وبات التجريد الفلسفي خارج الموضوع. كما باتت كل العلوم خارج الموضوع، لأن البحث فيها سيفضي إلى الشك، لهذا باتت محرّمة. ولهذا تقلص “العلم” إلى ثلاث: القرآن (أو علوم الدين) واللغة العربية والحساب (من أجل التجارة). وبالتالي انحصر الوعي المتعلق بالمجتمع والحياة بـ”علوم القرآن” فقط، وتحدد الوصول إليها عبر النص ذاته دون غيره، الأمر الذي حصر العلم في أضيق الحدود.

لقد انغلق العقل، وبات معنياً بتكرار ما هو وارد في النص. دون حاجة إلى معرفة أوسع، وتفكير قد يؤدي إلى الشك. فتقلصت القدرة العقلية إلى أدنى مستوى. وانحصر الوعي في أضيق الحدود. وأيضاً كان يرفض الشك ويكرر اليقين. ويعيد إنتاج ذاته في حدود تخلفه.

وإذا كان ابن رشد قد حاول أن يعيد التوازن بين الفلسفة والدين، باعتبار أنهما طريقين لحقيقة واحدة، فقد أدى الانهيار الشامل الذي عاشته المنطقة بعد الغزالي، إلى انتصار العقل الغزالي وهروب الرشدية إلى أوروبا. وتكرس منطق الغزالي مع ابن تيمية، ومع فتاويه التي كفّرت حتى الفرق الإسلامية.

لقد تبلور العقل إذن كعقل ناقل مما هو مقدس. والمقدس هنا كان يضفي اليقين المطلق على منطق التفكير. مما أزاح الشك بعيداً، وكرس تكرار الموروث دون تدقيق وبرهبة لا تسمح بالشك حتى في الخطأ الإملائي. وبالتالي انحصرت حدود المعرفة فيما هو وارد في النص، دون حاجة إلى ما هو أوسع، لأن ذلك يمكن أن يقود إلى الشك. والمشكلة العميقة التي تكرست هنا تمثلت في أن المسألة لم تكن تتعلق فقط بتكرار كلمات ومواقف، بل أصبحت منهجية، منهجية تكرارية.

إذن نحن نعيش لحظة الغزالي منهجياً (أو عقلياً). حيث ننحكم لليقين المطلق. اليقين الذي لا يسمح بطرح سؤال لماذا أو كيف؟ فهذه أسئلة تقود إلى الكفر والزندقة. وبالتالي باتت المسألة تتحدد في إما مع أو ضد. هكذا أو ليس هكذا. حيث أن لماذا وكيف هما من “ميزان الشيطان” لأنهما يشيران إلى الرأي. والى التفكير. وبالتالي، ربما، إلى الشك. وإذا كان الغزالي يخاف الشك في الله، فإن المشكلة التي نعيشها هي أن مبدأ الشك لم يعد قائماً في العقل. لهذا هو ليس عقلاً مفكراً، حيث يكون الشك أساس التفكير.

لهذا قلت ربما نحتاج إلى ديكارت الذي كرّس مبدأ الشك، وفتح الأفق لتطور الفكر الحديث. ونشير إلى ديكارت لأنه كان مبتدأ الفكر الحديث. لكن ربما كنا أولاً بحاجة إلى دحض منطق الغزالي وابن تيمية لأنهما أساس المنطق اليقيني المزروع فينا. وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بالبدء من الشك. إن التراكم الهائل لليقينية، وقداستها، يفرضان الشك، البدء من الشك.