
1) رفيقي السّلفي: الرّسالة (1)
بتاريخ 18 أكتوبر 2012
مبادرة اتّحاد الشغل وإضراب الصحفيّين
صباح الخير رفيقي
أنا فقط أطمئنّ عليك. وأرجو أن تكون بخير. كيف هو يومك؟ هل أنت مقبل على الحياة مثلنا؟ أرجو لك السّعادة. كيف رأيت نضال أصدقائنا الصحفيّين؟ أليسوا عظاما؟ ألا تفتخر بهم معنا؟ وكيف وجدت الاتّحاد بمبادرته؟ ألا تراه اجتهد للمّ الشّمل؟ كيف ترى تونس؛ مرتجفة مرتبكة مذعورة منك أم سعيدة بأبنائها مزهوّة بأعيادها المتلاحقة؟
رفيقي السلفيّ: أراك بخير
انتظر سؤالي عنك دائما
2) رفيقي السّلفي: الرسالة (2)
اغتيال لطفي
صباح الخير رفيقي
رغبت في أن أشهدك على ما يحدث في بلدنا. هل تعرف لطفي نقّض؟ فلاّح يطعم النّاس، زوج لامرأة تونسيّة، أب لأطفال ستّ. قتلوه يا رفيقي… قتلوه. فحرمونا مطعما. وحرموا زوجة من ظلّ وارف. وحرموا أطفالا من يد تمسح على رؤوسهم. أثكلوا حرّة من حرائرنا ويتّموا ستّة من أطفالنا.
تعرف يا رفيقي السّلفيّ؛
شاهدت فيديو سجّل في الشّوارع. كم هو رمزيّ. رأيت فيه معمّر القذّافي وحده أمام أعداء لا حصر لهم يتدافعون على شرف لطمه وتقاسم لحمه. وسمعت فيه همس الحلاّج وهم يقطّعون أوصاله. لقد عيّدوا على دمه يا رفيقي. رأيت لطفي نڤّض وحيدا بين أبناء بلدته؛ كلّ الأيادي تضرب، كلّ الخناجر تنحر. لا رفيق ولا صديق ولا مغيث ولا مجير. تطاوين بلد القيم والعروبة والإجارة تستبدل قيمها بما يشدّها إلى البدائيّة المتوحّشة.
رفيقي السّلفيّ؛
هل أنت من هذه اللّجان الساديّة؟ اتركها يا رفيقي لأنّ النّهضة تجعلكم عصاها التي تضربنا بها، وستكونون حطبا لنارها الحارقة. اللّعبة أكبر منك ومنّا يا رفيقي، فيها تداخل مصالح بين الإمبرياليّة الأمريكيّة والإسلام السياسيّ. فأين أنت من هذا؟
رفيقي السّلفيّ:
أنا خائف عليك. أنا خائف عليّ منك. نحن خائفون منك علينا. أنت مدمغج كالآلة، لقد عطّلوا عقلك ليستخدموك ويجنّدوك ويستعدوك علينا. فكّر يا رفيقي… أرجوك. سأعود إليك لأناقش معك مسائل كثيرة، بعد إذنك.
طاب يومك.
3) رفيقي السّلفي: الرّسالة (3)
كن أنت.. وتعال نشربْ قهوة
صباح الخير رفيقي
أنا لست أنت. وأناك ليست أناي. فهل يمكن أن تحبّ أناك أناي كما تحبّ أناي أناك؟ أنا لست أنت. ويمكن أن أكونك. ويمكن لا. وأنت لست أنا. ويمكن أن تكونني. فهل يمكن لأناك أن تحبّ أناي وأن تقبل حبّ أناي لها؟ أنا من هنا. وأنت من هنا. فلماذا تريد أناك إلغاء أناي أو تطويعها؟ لماذا تكرهني؟ أليس الحبّ أفضل؟ ولك أن تناقش طبيعة السّؤال؛ هل هو في الهويّة أم في الحريّة؟ وليتك تقرأ شعر المتصوّفة الإسلاميين.
رفيقي السّلفيّ:
أراك مساء، أدعوك إلى قهوة في شارع بورقيبة نتصفّح العابرين، ثمّ تخفّ أنت لتلبية النداء بينما أحتسي أنا جعتي. ثمّ نترافق عائدين.
رفيقي السّلفيّ:
قد أتأخّر في العمل غدا، هل يمكن أن تصحب ريتا مع مريم ابنتك من الرّوضة؟ أعرف أنّ هذا من قيم الجيرة التي أقدّسها كما تقدّسها، ومع ذلك شكرا لك. فآداب الأخلاق تقتضي منّي شكرك.
رفيقي السّلفيّ
من لي دونك، نهارا طيّبا
4) رفيقي السّلفي: الرّسالة (4)
اتركْ الزّوايا والمقاماتِ وشأنها
مساء الخير رفيقي
لعلّك مثلي تلاحظ العدوان المتكرّر على الزّوايا ومقامات الصّالحين في تونس، وآخرها الاعتداء بالحرق على مقام السيّدة المنّوبيّة بمنّوبة والتّهديد بالاعتداء على مقام سيدي الصّحبي بالقيروان.
رفيقي السّلفيّ
لعلّك لست متوّرطا في هذه الاعتداءات. ولعلّك متورّط فيها. ولعلّي في حاجة إلى مجادلتك في الدّواعي التي دعتك إلى أن تفعل ما فعلت، إن كنت قد فعلت. ثمّة، في اعتقادي، سببان قد تتّكئ عليهما أو على أحدهما لتبرير ما فعلت؛ الأوّل سياسيّ والثّاني عَقَديّ إيمانيّ. وسترى معي أنّ استهدافك الزّوايا بالعدوان لا يوجد له أساس في السّببين.
أمّا السياسيّ فيتمثّل في انخراطك الديماغوجيّ في حملة التّطهير “اكبس” النّهضويّة. وقد أعلن القائمون على الحملة أنّها موجّهة إلى الجهات العصيّة على التّرويض لتركيع من فيها للسّلطة أو لكنسهم من مواقعهم. فهذه الحملة موجّهة للأشخاص المعارضين كما ترى وليس للمقامات والزّوايا.
وأمّا السّبب العقديّ الإيمانيّ فمداره على الإيمان والوثنيّة. وبالنّظر إلى مرجعيّتك الإسلاميّة الرّاديكاليّة التي تطمح إلى جرّ زمن الأسلاف الصّالح الذي كان قد مضى، جرّه إلى حاضرنا لنعيشه من جديد. فأنت لا تدعونا إلى أن نعود إلى الزّمن الماضي، فهذا افتراء عليك، وإنّما تحمل لنا الماضي وتضعه بين أيدينا وتدعونا فقط إلى أن نعيشه ببساطة. هذا كرم منك غامر نعجز عن شكرك عليه. فأنت تقدّم لنا الزّمان هبة ومَنْحا.
رفيقي السّلفيّ
أنا أدعوك لقراءة هايدجر وباشلار، وإن تكرّمت ماركس أيضا، لتقييم مفهومك للزّمان وتقويمه. فقد لا يكون ما تطرحه علينا ممكنا بأيّ شكل من الأشكال. فالزّمان لا يتوقّف ولا يتقدّم ولا يتأخّر ولا يعود ولا يسرع ولا يبطئ مراعيا أفراحنا وأحزاننا وآلامنا وآمالنا. إنّما لا يغيّر نسقه لأيّ سبب. فله منطقه ونظامه. ومن العبث أن نطمح إلى إعادته أو استعادته خارج الفنّ. فالفنّ وحده يمكنه مقاومة سطوة الزّمان إذ يرصد الجمال ويرسمه ويثبّته في التّاريخ ويقيه من محنة التّلاشي والزّوال.
رفيقي السّلفيّ
أعود إلى السّبب العقديّ الذي قد يكون وراء اعتدائك على الزّوايا، إن كنت الفاعل. إنّك ترى أنّ الزّاوية شرك بالله ووثنيّة. يا رفيقي؛ هل أنت جادّ في هذا الفهم؟ كيف يمكن لبلد مؤمن شعبُه موحِّد منذ قرون أن يعود إلى الشّرك؟ ثمّ إذا كان هذا فهمك فهذا يعني أنّ هذا الشّعب مرتدّ فاسق وجب أن يقام عليه الحدّ. وإذا كان ذلك كذلك فعليك أن تبدأ إقامة حدودك منذ الزّيتونة وشيوخها، ولا أقول قبل ذلك، باعتبار أنّ الزّوايا والتّكايا كانت موجودة في عهد الشّيوخ الكبار. فهل قرأت فتوى من الشّيخين بن عاشور أو من الشيخ سالم بوحاجب بما يفيد ارتداد هذا الشّعب وفسقه؟ هل قرأت عن أحدهم ما يفيد أنّ الزّوايا شرك بالله؟ أليست هذه مراجعك؟
رفيقي السّلفيّ
ألم يعش أبوك وجدّك من قبله هنا؟ ألم يكونا هنا؟ ألم يعيشا بين الزوايا والتكايا؟ هل لاحظت على أبيك -عفوا على التّشخيص والذاتيّة- ارتدادا أوشركا؟ هل توقّف أبوك عن أداء صلاته بعد أن زار تكيّة أو مقاما؟ باختصار يا رفيقي؛ لو قدّمت لنا تونسيّا واحدا ارتدّ عن إيمانه بسبب زيارة إلى زاوية أو مقام وليّ لوعدتك بأنّي سأغيّر موقفي.
رفيقي السّلفيّ؛ فكّر في موقفك. قوّمه. ناقشه. و”فكّر بغيرك” بعبارة محمود درويش، فالزوايا والتكايا والمقامات مواطن رزق وسياحة وصناعة تقليديّة. وهي أيضا تعويض نفسيّ عن عجز ما أو كبت ما أو قمع ما. أو لعلّها ملجأ للمشرّد المنسيّ الهامشيّ المتروك منّا.
رفيقي السّلفيّ
اترك الزوايا والمقامات وشأنها. وهلمّ للفكر والجدل والمحاججة. هذا أفيد وأنفع وأفضل لنا جميعا. وأذكّرك بأنّ للزوايا والتكايا مراجع إيمانيّة. فلا يكون المقام إلاّ للصّالحين وأهل الخير والكرامات بالمفهوم الدّينيّ. فالنّاس تكرم الصّالح بعد مماته تخليدا لأعماله للاقتداء بها.
بالمناسبة أنا لا أدافع عن المقامات والزّوايا إلاّ من زاوية موضوعيّة، أمّا من زاوية ذاتيّة فموقفي مختلف تماما. لو قرأت ماركس لفهمتني. أنتظرك للنّقاش والجدل.
تحيّاتي يا رفيقي
5) رفيقي السّلفي: الرّسالة (5)
الاحتفال ﺑــــــ 23
صباح الخير رفيقي
هل تذكر مثل هذا اليوم من السّنة الفارطة؟ أظنّك كنت معنا منضبطا في طابور النّاخبين مؤمنا بالحلم الديمقراطيّ قبل أن يسلبك إيّاه “ديماغوجيّا” راشد. أذكر أنّي استيقظت باكرا وتوجّهت إلى مركز الاقتراع تجنّبا للازدحام، ولكنّي وجدتك هناك. لقد سبقتني. ولا أنسى عينيك اللتين كانتا تشعّان أملا. تذّكر يا رفيقي تلك اللّحظات التّاريخيّة؟ أنا لا أذكر هل أنّ راشدا وقف في الطّابور أم لا؟ أذكر أنّ بعض أتباعه ومريديه لم يفعلو. كيف يفعل وهو يحلم بالخلافة السّادسة؟ أمّا أنت وأنا فقد كان لنا الحلم نفسه؛ بلد آمن سعيد، شعب يعمل بجدّ، أطفال يمرحون في دعة وحبور… مشاكل تتقلّص… احترام دوليّ يتنامى.
رفيقي العزيز
حكّامنا الشرعيّون الذين أفرزهم طابورنا يعدّون للاحتفال بالطّابور. كم تمنّيت أن أحتفل معهم. ولكنّي لا أستطيع لأنّي حزين، ولأنّ العبرات تخنقني، ولأنّ أطفالي لا يمرحون في سلام، ولأنّني خائف منك.
كم تمنّيت لو كنت معهم… ولكنّي لا أستطيع؛ كيف أحتفل أمام المتاريس والشّارع المعسكر؟ كم تمنّيت أن أكون معهم في الاحتفال… ولكنّ نظرات أبناء “لطفي نقّض” الحزينة تعذّب ليلي وتحرم عيني النّوم… أمّا تنهّدات “عمّ لخضر حيدوري” فإنّها تهدّم كلّ ما فيّ من شجاعة وتجلّد. كم تمنّيت أن أحتفل أنا أيضا… ولكنّي أخشى ألاّ يوافق لطفي زيتون إذا رآني في الشّارع مع المحتفلين ونهرني: “أين كنت قبل 14 جانفي”؟
رفيقي السّلفي
هل ستحتفل؟ لعلّك ستفعل فراشد قد أمَر. “انتبه إلى نفسك يا رفيقي، ولا تضرب أحدا من رفاقنا”.
دمت لي رفيقا
ودامت أفراحك واحتفالاتك
6) رفيقي السّلفي: الرّسالة (6)
“ڤــلِبْ وحدو”
صباح الخير رفيقي
بعد أن اطمأننت على أنّ الشرعيّة بخير، زرت ظهر أمس 23 أكتوبر، مكانا أحبّه، تعوّدت أن أرى فيه رفاقا كثيرين لا أعرفهم، ألقي عليهم التحيّة عند الدّخول وعند الخروج، وأحسبك كنت ترتاد هذا المكان، ولعلّك لم تتوقّف عنه. اتّخذت لي مكانا ورحت أتصفّح العدد الرّابع من “مجلّة الفكريّة” التي وصلتني بالبريد من الصّديق مرتضى العبيدي باعتباري مشاركا في العدد بمقال مدرج في ملفّ حول رفيقتنا المرأة. وكم أتمنّى أن تطّلع، يا رفيقي، على الملفّ ولو إكراما لرفيقك.
رفيقي السّلفيّ
كنت في ذلك المكان مع رفاق لا أعرفهم وأحبّهم جميعا. ولكنّي مع ذلك اخترت الجلوس بمفردي. وقد أتاح لي ذلك الاستماعَ إلى أشياء كثيرة منها الحكايات والنّمائم والشّتائم والكلام البذيء وغيرها. رأيت، مثلا، أحدهم يعانق شقيقه الأكبر ويبكي بحرقة لم أر مثلها. لا أعرف السّبب بالضّبط. ولكنّي شعرت أنّ الشقيق الأصغر يعتذر للأكبر لا لخطإ ارتكبه ولكن للأيّام التي مرّت ولم يره فيها. لقد كان حديثا في الوجد والاعتذار الدّامع بينهما.
واستمعت أيضا إلى رفيق يبدي رأيا في الثّورة أردتك أن تسمعه. قال: “سمك السّردين الرّخيص صار اليوم بدينارين وأحيانا بثلاثة، أمّا السّمك الرّفيع فإنّك تكتفي بإلقاء التحيّة عليه وتمضي. ويكاد البائع يطلب منك ثمن الفرجة. كلّ شيء تضاعف ثمنه. فعن أيّة ثورة يتحدّثون؟ اسمعوني بالله عليكم؛ إنّ سيّء الذّكر “ڤلِبْ وحدو” لا أحد أطرده ولا ثورة ولا هم يحزنون. هذا كلّ ما في الأمر. “ڤلب” فجاء الجماعة.”
رفيقي السّلفيّ
لا تتماد في عدوانك عليّ. أنا بصراحة أحبّها. ألا تراها تجمع شملي برفاق طيّبين كثر؟ أنا أرى العالم أفضل بها. فتوقّف عن غيّك. واتركني وإيّاها بسلام. سأسرّ لك أمرا. لقد علمت من رفاقي المقيمين في البلاد التي تصدّر إلينا سلفيّتك أنّ أهلها يقطعون مسافات طويلة وينفقون مالا كثيرا من أجل مقارعتها. ويتحايلون للحصول عليها بمكر كبير. فدع عنك صلفك يا رفيقي. وَعِ أنّها لا تسبّب أذى لأحد. ورحم الله عشّاقها من الشّعراء؛ أبا نوّاس ووالبة بن الحباب وعبد الحفيظ المختومي وغيرهم.
رفيقي السّلفيّ
غادرت، بعد أن عانقت بعض حبيباتي. كنّ زجاجات خضراوات لامعات. وتذكّرت أنّ رفيقنا عنترة كان صاحب ذوق إذ يشترط الزّجاجة ذات الأسرّة والإبريق المفدّم. تتذكّر قوله:
ولقد شربت من المُدامة بعدما ……. ركد الهواجر بالمَشوف المُعلم
بزجاجة صفراء ذات أسرّة……. قُرنت بأزهر في الشّمال مفدّم
غادرت وتركت الرّفاق يواصلون حكاياتهم التي يخترعون الكثير منها. مررت بجانب الكورنيش فرأيت رفيقا سلفيّا ورفيقة سلفيّة “ذائبين سلفيّة”. فقرّرت أن أحرس حلمهما السّلفيّ. ولمّا أنهيا سلفيّتهما وأزالا عنهما رمال الشّاطئ واطمأننت أنّهما بخير، غادرت وأنا أتذكّر قول رفيقنا الشّاعر العامريّ مختزلا جدل الدّين والجسد:
أصلّي فأبكي في الصّلاة لذكرها……. لي الويل ممّا يكتب الملَكان
رفيقي السّلفيّ
طاب يومك
7) رفيقي السّلفي(7):
القراءة والديكتاتوريّة
(إلى الصّديقة الأستاذة علياء رحيم: إذاعة المنستير، فلها الفضل في استنبات فكرة هذه الرّسالة)
رفيقي؛ صباح الخير
هل تعرف أنّ القراءة ذات صلة بالديكتاتوريّة؟ هل تعلم أنّ مدرستنا تهيّئ للديكتاتوريّة؟ لأنّي أحبّك، يا رفيقي، سأشرح لك وجهة نظريّ في هذه الإشكاليّة علّها تدفعك إلى الجدل.
تعالَ أخبرْك يا رفيقي، واغفر لي إسهابي في التّحليل فقد اقتضاه المقام؛
إنّ عزوف العرب عن القراءة وجب أن يوضع في أطره التّالية:
الاجتماعيّ والطبقيّ والحضاريّ والثقافيّ.
– المستوى الاجتماعيّ متّصل بسلوك النّاس وبعاداتهم في علاقتهم بالكتاب وبالمكتوب. ألا ترى التونسيّين، مثلا، قد اجتهدوا في إفساد الدلالة المعجميّة للفظ: المكتبة؟ فلا تكاد قاعة جلوس من مكتبة يحرص التونسيّون جميعهم متعلّمين وغير متعلّمين على نطقها بمقابله الفرنسيّ. غير أنّ هذه المكتبة لم تعد معدّة لاحتضان الكتب وإنّما لتمتلئ بالصّحون والكؤوس. فإذا لم ير الطفل الكتاب في المكتبة أين سيراه، إذن؟
في هذا المستوى نفسه، ألا ترى، يا رفيقي، التونسيّين يحتجّون على غلاء الكتاب فلا يشترونه؟ وتراهم يحتجّون، أيضا، على غلاء اللّحم والسّمك والغلال وغيرها من الخضروات ولكنّهم يشترونها. أَتركُ لك الاستنتاج يا رفيقي.
– المستوى الطبقيّ أقصد به ما يلي: هل لاحظت معي أنّ الثقافة والمعرفة اختزلتا طبقيّا في البورجوازيّة الثقافيّة إن جاز التّوصيف؟ أعني طبقة الأساتذة والمحامين والأطبّاء ومن لفّ لفّهم. ألا ترى معي البورجوازيّة العقاريّة والبورجوازيّة الفلاحيّة والبورجوازيّة الصناعيّة عندنا لا تقرأ ولا تهتمّ بالكتاب؟
– المستوى الحضاريّ: لاحظتُ، يا رفيقي، أنّنا أمّة تَغرَق في الآلة ولا تُغرِق فيها. تطول دهشتنا أمامها. لاحظ أنّنا لم نخرج من انبهارنا بالهاتف الجوّال، مثلا. مازلنا نلعب به. وننظر إليه بإكبار قائلين في سرّنا وعلانيّتنا: “سبحان الله في خلقه! ما هذه الآلة العجيبة!” ثمّ نحضنه بحنان. ونتفقّده في كلّ زمان ومكان في قاعة الدّرس وفي قاعة الاجتماع وفي قاعة المحاضرة وفي الندوة الصحفيّة وفي البثّ التلفزيونيّ المباشر وفي المحاورة وفي العيادة وحتّى في لحظة الحبّ. تصوّر، يا رفيقي، نعطّل لحظة الحبّ إكراما له. الهاتف الجوّال دمّر علاقاتنا الحميميّة جميعها بما فيها علاقتنا بالكتاب.
– المستوى الثقافيّ متّصل بالكتّاب الذين خذلوكَ فلم يؤدّوا دورهم في نقد السّلطة وفضحها وفي الاشتغال على ابتكار الجمال وفي خلق القيم. بل راودوا السّلطة واستطابوا فتاتها ومدحوها. وتركوكَ نهبًا مستباحا لها.
لعلّك تتساءل قائلا: ما لرفيقي مصطفى القلعي لم يجبني عن علاقة القراءة بإنتاج الاستبداد. سأجيبك، يا رفيقي، ولن أطيل عليك، فلك مشاغلك. إنّ لمظاهر الإعراض عن القراءة التي أحصيناها معا نتائجَها التي قد لا ندركها، فنحن نحتاج دائما إلى “الجسّ والمسّ”، كما قال رفيقنا الشاعر الطفل الشابيّ. وهذه النتائج على مستويات، أيضا:
المستوى التربويّ: إليك هذه الملاحظة الصّادمة: تلميذ اليوم يدرس ولا يتعلّم. يواظب على المدرسة/ المعهد/ الكليّة، ينفق، يتنقّل، يشقى… ولكنّه لا يحصل من العلم إلاّ النّزر القليل. وقس على ذلك ما شئت من المعادلات لتلاحظ خطر ما قلنا. تصوّر، مثلا، أنّ أحدا يأكل ولا يشبع، يشرب ولا يرتوي، ينام ولا يرتاح… إلخ أرأيت الخطر؟؟ لقد كان الكتاب يهيّئ التلميذ للتعلّم. صارت حصّة المطالعة أقسى الحصص على المتعلّم وأشدّها عناء على المعلّم. كان الكتاب يعدّ التلميذ للتعلّم لأنّه يعلّمه الاكتساب الفرديّ ويجوّد عبارته ويصحّح خطأه ويوسّع أفقه وينسّب أحكامه ويضعه على درب المعرفة. زال كلّ هذا، اليوم، يا رفيقي.
– المستوى الاجتماعيّ: ألا ترى العرب كلّما عزموا على التحاور تعاركوا وتقاطعوا وتعادوا، ولعلّهم تحاربوا؟ أتعرف لماذا، يا رفيقي؟ لأنّهم ملأوا المكتبة بالكؤوس والصّحون.
– المستوى السياسيّ: كيف تريد للديمقراطيّة أن تأتي إلينا، يا رفيقي؟ إنّها لن تأتي أبدا. كيف تأتي لأمّة ترفض شرطها الأوّل وهو الاختلاف؟ أنت، مثلا، تريدني أن أكون مثلك. أقول لك؛ لستُ مثلك، يا رفيقي، فكن أنت وتعال نشرب قهوة، ثمّ يذهب كلّ منّا في سبيله. فترفض قائلا؛ لا، والله، لن يكون هذا إلاّ متى هديتك إلى الطريق المستقيم. وسأهديك بأيّة وسيلة بلساني أو بيدي. ولهذا يا رفيقي، يتأبّد عندنا الاستبداد. ونبدع في إنتاج الديكتاتور.
رفيقي العزيز السلفيّ
أنا أدعوك إلى أن تعيد الكتب إلى مكانها في مكتبتك في قاعة الجلوس، وأن تنقل الصحون والكؤوس إلى مكانها في المطبخ، وأن تقلّل من نسبة كتب رياض الصّالحين وعقاب القبر في مكتبتك، وأن تقرأ بعض روايات غارسيا ماركيز وبعض أشعار روني شار وبعض تحاليل ك.غ. يونغ وقليلا من ديريدا ودولوز وشيئا من إمرئ القيس وديك الجنّ وعمر بن أبي ربيعة والحلاّج والجاحظ والمتنبّي وابن رشد وابن خلدون ودرويش وطه حسين والمسعدي ومنصف الوهايبي وعبد الفتّاح بن حمّودة. أتعرف لماذا؟ حتى تجيب عن تساؤلات أطفالك. أتريد أن يحرجوك؟
عِدني بذلك… صدّقتُ وعدك.
طاب يومك يا رفيقي
8) رفيقي السّلفي: الرّسالة (8)
دعك منهم وتعال نعشْ بسلام
رفيقي العزيز السّلفيّ؛
دامت أعيادك وعشت لعائلتك متنا وسندا
أعتقد أنّك فضّلت الخروف التونسيّ على الخروف الرّومانيّ لأسباب متّصلة بالهويّة وبالإيديولوجيا. المهمّ ألاّ توغل في اللحم. احذر الكوليستيرول وضغط الدّم، يا رفيقي.
مادام العيدُ، ما رأيك لو توقّفنا قليلا لنفكّر معا؟ ألا ترانا نلهث خلف الأحداث دون تفكير؟ ألا ترى الأحداث تسبي عقولنا منّا فتأخذنا على غرّة دائما فنستسلم لمكر “الحبكة” فنكون مادّتها وشخصيّاتها، يحرّكنا راو لا نكتشف أنّه عليم إلاّ حين يضحك من سخافتنا الأطفال؟
قرأتُ أنّ تشومسكي، وهو مفكّر أمريكيّ وعالم لسانيّات شهير، حاضر في القاهرة مؤخّرا وقال إنّ أشدّ ما تخشاه أمريكا هو أن تنشأ ديمقراطيّة عندنا. وقرأت، أيضا، أنّ أوباما اعترف أثناء مناظرته الأخيرة أمام خصمه الجمهوريّ بأنّه اختار المراهنة على الإسلاميّين المعتدلين ليتولّوا القضاء على الإسلاميّين المتطرّفين بترويضهم أو باختراقهم والتآمر عليهم. كما أقرّ بأنّه دعم النهضة في تونس والإخوان في مصر لوجستيّا وماليّا. فتذكّرت شعاركم الذي استمعت إليه في القيروان وأمام جامع الفتح وفي أماكن أخرى من وطننا: “أوباما أوباما.. كلّنا أسامة”. فجالت بفكري بعض الأفكار فقلت: لِم لا أتشاركها مع رفيقي السّلفيّ؟
رفيقي العزيز السّلفيّ؛
اسمح لي بمناقشة شعارك قليلا. وسترى أنّ بين تحليل تشومسكي واعترافات أوباما صلة وثيقة. ما هي الصّورة التي تطمح إلى رسمها في أذهاننا عنك؟ ما أوجه الشبه أو التماثل بينك وبين أسامة؟ هل هو في كون كليكما صناعة أمريكيّة أم في كون كليكما إبنا تحوّل إلى ربيب أم في كون كليكما سلاح كغيره من الأسلحة التي تصنعها أمريكا وتبيعها للعالم وتستبدلها بغيرها متى انتهت صلوحيّتها أم في كونك معجب بحياة الكهوف والمغاور أم في طمعك في قتلة هوليوديّة؟
رفيقي العزيز؛
ما معنى ما قاله تشومسكي؟ هل فكّرت فيه قليلا؟ ما علاقتك به؟ إليك رأيي:
أمريكا لا تريد أن تنشأ بيننا أنظمة ديمقراطيّة. ولذلك عملت على أن تمنع هذه النشأة. فسعت للتحالف مع من يضمن لها ذلك أو يعطّل النشأة الديمقراطيّة أكثر ما يمكن. من هنا جاء اختيارها التحالف مع من تسمّيهم الإسلاميّين المعتدلين. بمعنى أوضحت لقد تحالفت أمريكا مع النهضة لمنعنا من إقامة نظام ديمقراطيّ في تونس، بحسب تحليل تشومسكي.
أين أنت، يا رفيقي، من هذه الاستراتيجيا؟
أنت لا يمكن أن تحيا بيننا إلاّ في نظام ديمقراطيّ متعدّد. تعرف لماذا؟ لأنّ وجودك في المجتمع وجود خلافيّ يعني ليس حولك إجماع. ولا يقبلك الجميع بنفس الدّرجة باعتبار سلوكك ولباسك ولحيتك. وبهذا المعنى فأنت أحوج منّا إلى الديمقراطيّة لتكون أنت كما تريد أنت. وهو حقّك. ولكن انظر؛ حليفتك تتحالف مع من لا يريد لنا الديمقراطيّة، فهل يعني ذلك أنّها تريد لنا الديمقراطيّة؟ فلو افترضنا أنّ نيّتها طيّبة فإنّ حلفها مريب. والسّؤال هو؛ ما الذي تريده منك حليفتك؟ بهذا التحليل، أعتقد أنّها تريد منك أن تكون أداتها في تأمين المصلحة الأمريكيّة في تعطيل نشأة الديمقراطيّة بيننا. يعني تضربك بيدك. فتتألّم من فعل الضّرب ومن وقع الضّربة، يا رفيقي. أنت، إذن، يا رفيقي، بشير استبداد وديكتاتوريّة. أنت حطب للاشتعال فيحصلون على النّار ويتركونك رمادا.
رفيقي العزيز؛
أنت مع مَن وضدّ مَن؟ هل أنت مع النّهضة ضدّ أمريكا؟ كيف يستقيم موقفك وحليفك هو حليف عدوّك أيضا؟ أنت ترى نفسك حليف النّهضة إيديولوجيّا. والنّهضة تحالفت مع أمريكا سياسيّا واقتصاديّا وحتى إيديولوجيّا باعتبار أنّهما يعودان كلاهما إلى مرجعيّة دينيّة إيمانيّة موحِّدة. وتعرف حليفتك النهضة أنّها لا يمكن لها أن تستمرّ في الحكم وفي المشهد السياسيّ التونسيّ برمّته لو نكثت عهدها وتراجعت عن تحالفها مع أمريكا. فما الحلّ؟ لم يبق أمامك إلاّ أن تعدّل موقفك يا رفيقي. فإمّا أن تغفر لماما أمريكا فتخلع عنك زيّك الأفغانيّ وإمّا أن تعادي حليفتك. فهل ترى أحد الحليفين مستعدّا للتخلّي عن حليفه من أجلك؟ هل تعتقد، مثلا، أنّ أمريكا يمكن أن تراهن عليك لبسط نفوذها إذا فشل من تسمّيهم الإسلاميّين المعتدلين، فتسلّمك التّسلط علينا؟ أو هل يذهب في ظنّك أنّ الحكّام الجدد سيفضّلونك على أمريكا؟
أرأيت، يا رفيقي، لعبة السياسة كم هي غير مسلّية. طيّب، أنت لا تطمع في السّلطة مثلي، بل في الديمقراطيّة. ما رأيك لو تركت حليفتك وعدوّك كليهما وانضممت إلى الوطن؟ أليس من الأفضل أن تسخّر حبّك وولاءك وساعدك وعقلك له؟ هو وحده من يستحقّ الموت من أجله. هو وحده من لا يجب علينا إلاّ أن نثق به لأنّه لا يغدر. هو الدّفء والحضن والأمل.
دعكَ منهم، إذن، يا رفيقي، وتعال نعشْ معا بسلام.
أنا والوطن في انتظارك.